مقالات رمضان

146617 رمضان وتقوية الإرادة

المقال

إن الإنسان يمثل مملكة كاملة، يقوم الفكر فيها بوظيفة التنبيه والإرشاد وإعطاء قوانين الإدارة والسلوك في هذه المملكة.

ويستمد الفكر ذلك كله من عدة مصادر، من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن الشريعة الربانية، ومن التجارب العملية، والمعارف التي توصل إليها الناس.

وتمثل الإرادة السلطة التنفيذية في مملكة الإنسان، وهذه الإرادة كلما كانت قوية حازمة عاقلة ملكت السلطة التنفيذية، أما إذا كانت ضعيفة متخاذلة فإنها تهون وتستكين وتخضع للأهواء والرغبات والشهوات.

وإن الإنسان لتتنازعه الرغبات والحاجات والأهواء، وبعض هذه الرغبات صالح وبعضها فاسد.

وعلى مقدار استقامة العبد في سلوكه وأفعاله نستطيع قياس قوة إرادته. وعلى قدر  انحرافه في سلوكه، وتخبطه مع أهوائه وشهواته وغرائزه نستطيع قياس ضعف إرادته.

وحين تشتد هذه الأهواء والرغبات في النفس وتلح على أصحابها باكتسابها من أي طريق ولو كان غير مباح فإن الإرادة القوية الحازمة تسيطر على هذه الأهواء وتكبح جماحها.

وإذا نظرنا إلى علاقة الصيام وغيره من العبادات التي شرعت في رمضان بالإرادة لوجدنا أن هذا الشهر العظيم فرصة لا تعوض ليتربى المسلم على قوة العزيمة والإرادة.

فالمسلم في رمضان يخالف عاداته ويتحرر من أسرها، ويترك مألوفاته التي هي مما أحل الله لعباده، فتراه ممتنعا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان امتثالا لأوامر الله عز وجل، وهكذا يصبح الصوم عند المسلم مجالا رحبا لتقوية الإرادة الجازمة ؛ فيستعلي على ضرورات الجسد، ويتحمل ضغطها وثقلها إيثارا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب.

فإذا استفاد المسلم من هذا الشهر المبارك فقويت عزيمته وإرادته، وطالت مدة التغيير فاستوعبت الشهر كله، ووجد من مجتمعه في هذا الشهر المبارك عونا وسندا حيث يكون المجتمع المحيط به مشاركا له في هذه العبادات والطاعات فيكون المجتمع كله مشاركا له في عملية التغيير مما يرجى معه أن يمتد الأثر ليشمل حياة المسلم كلها.

إن الله الرؤوف الرحيم لم يكلفننا الصيام والامتناع عن هذه المباحات خلال أيام رمضان ليعذبنا أو يشق علينا، إنما لنحقق التقوى من خلال حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183).

إن الإنسان تدفعه إلى المعالي قوتان:
قوة علمية، وقوة عملية.. وأساسهما هو قوة العزيمة والإرادة التي يحتاجها في طريق طلب العلم، ويحتاجها في سلوك سبيل الاستقامة، و يحتاجها في مواجهة الأهواء والشهوات والفتن، و يحتاجها لمدافعة ميل النفس إلى الدعة والراحة، ويحتاجها لمواجهة الحوادث والمصائب، وفي رمضان يتدرب المسلم على قوة الإرادة والعزيمة فيحدث التغيير الكبير في حياته ليتأهل للرقي في مراتب الكمال.

ولو نظرت بتدبر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، لوجدته يربي في المسلم قوة الإرادة ويجعل من الصوم وسيلة لتحسن الأخلاق وكظم الغيظ ومواجهة الأذى والجهل بالعفو والصفح فأي تربية هذه التي يربي الشرع عليها أبناءه من خلال العبادات العظيمة التي شرعها لهم ربهم وخاصة عبادة الصيام!.
وإذا اتضح لنا هذا المعنى الجليل فلنجعل من رمضان فرصة لتقوية الإرادة والاستعلاء على الشهوات والمألوفات، والتحرر من أسر العادات حتى نكون ممن أدركهم الله برحمته فوفقوا لصيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا فغفر لهم.. 

179777 في رمضان يحلو القيام

المقال

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا مُحمد وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن قيام الليل من أعظم أدوية القلوب التي تزيد الإيمان وتقوي صلة العبد بربه وخالقه، وتؤهل العبد لتحمل الأعباء والمشاق في طريق سيره إلى الله ، ولهذا كان الأمر الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية التنزيل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} (المزمل:2:1).
وقد وصف الله أهل الجنة فكان من صفاتهم أنهم يقومون الليل يناجون ربهم ويصلون له ويذكرونه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات:18:15).

وفي رمضان يحلو القيام
إذا كان قيام الليل هو شعار الصالحين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد). فإن هذا القيام له في رمضان حلاوة و مزية خاصة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). قال الشيخ الألباني رحمه الله: "هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات ، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب".
فيا أيها الحبيب: هل ألهبت جوفك حرارة المعصية؟ هل أقلقت نومك الخطيئات؟ هل نغصت وكدرت عليك عيشك كثرة السيئات؟ إذا كنت كذلك فعليك بقيام الليل وخصوصا في رمضان يغفر لك ما مضى.

من فضائل القيام
لقيام الليل فضل عظيم وثمرات مباركة في الدنيا والآخرة، فهو في الدنيا شرف للمؤمن فقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل..".
وبه يستحق العبد درجة الصديقين والشهداء فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة ، وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: (من الصديقين والشهداء).
وإذا تدبرت لوجدت أن الرجل ما زاد على أركان الإسلام إلا قيام الليل، واستحق بهذه الزيادة اسم الصديقين والشهداء.
وتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عبد الله بن عمر : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل).
ومن صفات عباد الرحمن الذين أضافهم إلى نفسه إضافة تشريف أنهم يقومون الليل: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان:64).

قيام الليل طريق إلى الجنة
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام).
وهو مهر الحور العين فقد قال أبو سليمان الداراني: بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء ركضتني برجلها فقالت: يا حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وانا أربى لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
إنها الحور العين التي قال عنها نبيكم صلى الله عليه وسلم: (ولو أن امرأة من نساء الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه أعد لهؤلاء المتهجدين بالليل أعلى الكرامة في جنات النعيم: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}( السجدة:17:16).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يُفسر.
ولا شك أن هذا الذي أخفاه الله من أجرهم هو أعلى الكرامة لأعلى أهل الجنة منزلةً كما سأل موسى ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة فقال: أولئك الذين أردت غرسَ كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر..

وفي الليل تقضى الحوائج
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن في الليل لساعة ، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة ، إلا أعطاه إياه ، وذلك كل ليلة).

وفي أحرج اللحظات وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويدعو ، حدث ذلك في بدر وفي يوم الأحزاب، فيا من ضاقت عليه الأرزاق قم الليل وسل ربك التوسعة ، يا من حرمت نعمة الولد عليك بالدعاء في جوف الليل، يا من تنشد للإسلام نصرا وعزا وتمكينا سل ربك في ظلمة الليل وفي أوقات السحر.
ذكر العلامة ابن كثير رحمه الله أن بعض المسلمين سمع الفرنجة يكلم بعضهم بعضا فقالوا: إن القسيم بن القسيم ( يقصدون نور الدين محمود زنكي ) لا ينتصر علينا بكثرة جيشه ولا عتاده لكنه يقوم بالليل فيدعو ربه فإذا أصبح نصره علينا. فيا سبحان الله أعداؤه علموا أنه ينصر عليهم بدعواته في الليل قبل كثرة العدد والعتاد.
فاللهم وفقنا لقيام رمضان إيمانا واحتسابا، واجعلنا ممن غفرت لهم ما تقدم من الذنوب، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
 

تسجيل الخروج

هل أنت متأكد أنك تريد تسجيل الخروج من حسابك؟

سجّل دخولك للاستفادة من المميزات

تنويه حول الإجابات المختصرة

تم إنشاء هذا الملخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لأغراض إرشادية فقط. يُرجى الرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة واكتمال التفاصيل.

شارك الفتوى عبر مواقع التواصل الإجتماعي