مقالات رمضان

230872 اغتنام العشر الأواخر من رمضان

المقال

أسرعت أيام رمضان ولياليه انقضاء، ومر من رمضان عشره الأوائل ثم عشره الأواسط، ولم يبق من رمضاه الا الثلث الأخير والعشر الأواخر..  

وإذا كان العلماء قد اتفقوا على أن رمضان هو خير الشهور وأفضلها، فإنهم قد اتفقوا كذلك على أن العشر الأواخر منه هي أفضل ما فيه وأعظم لياليه؛ فهي فضل الفضل وخير الخير.. وأعظمها بالإجماع ليلة القدر فهي أفضل العشر بل أفضل ليلة في الوجود.

وإذا كان رمضان قد قارب الرحيل وأشرف على نهايته فإن "العبد المُوَفَق من أدرك أن حُسْن النهاية يطمس تقصير البداية، وما يدريك لعل بركة عملك في رمضان مخبأة في آخره، فإنما الأعمال بالخواتيم.

خصائص العشر وحال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: 
لقد خص الله تعالى العشر الأواخر من رمضان بمزايا لا توجد في غيرها، وبعطايا لا سبيل في سواها لتحصيلها، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال لم يكن يفعلها في غيرها.. فمن ذلك:

أولا: كثرة الاجتهاد: 
فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.

وكان يحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.

فكان عليه الصلاة والسلام يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذكر، حرصا على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، قال ابن رجب: "ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه". وشد المئزر هو كناية عن ترك الجماع واعتزال النساء، والجد والاجتهاد في العبادة.

ثانيا الاعتكاف:
ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قبض.

والاعتكاف معناه لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه. وشرعاً: "المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة". (الفتح 4/341).
والأصل أنه عزوف عن الدنيا وانقطاع للعبادة وتخلية للنفس عن التشاغل بغير الطاعات والقربات، فلا ينبغي أن يشتغل بشيء يفوت عليه قصده. ولا يجعلن معتكفه مقصداً للزوار الذين يفسدون عليه خلوته وجواره، وإن كان خرج من الدنيا وانقطع عنها فلا وجه لأن يأتي بالدنيا حتى يُدخلها معتكفه، ومما ينبغي للمعتكف أن يتقلل من الطعام والشراب حتى لا يثقل عن العبادة والطاعة.

ثالثا: اغتنام جميع الوقت
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: وأيكم مثلي! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) متفق عليه. 
ولا شك أن المقصود هنا الغذاء الروحي، والفتوحات الربانية، وليس الطعام والشراب الحِسي.. وإنما نهاهم عن الوصال حتى لا يضعفوا عن العبادة والاجتهاد في الطاعة، وإلا فإن كل ذلك كان منه اغتناما للوقت، وعدم تضييع شيء منه، ولو في طعام أو في منام فصلى الله عليه وسلم أعظم صلاة وأتم سلام.

رابعا: تحري ليلة القدر 
وما كان اجتهاده واعتكافه صلى الله عليه وسلم إلا تفرغاً للعبادة، وقطعاً للشواغل والصوارف، وتحرياً لليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: {ليلة القدر خير من ألف شهر}(القدر:3).

في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، والآجال والأرزاق، قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (الدخان:4).

فيها تفتح الأبواب، ويسمع الخطاب، ويرفع الحجاب، ويستجاب فيها الدعاء ويتحقق الرجاء، ليلة انطلاق الإسلام ونزول القران، ليلة سلام فالله يريد للعالم السلام والأمان، سلام المجتمع، وسلامة القلوب والنفوس، وسلامة العلاقات بين الناس {سلام هي حتى مطلع الفجر}(القدر:5).

وقد أخفى الله عز وجل علم تعييين يومها عن العباد، ليكثروا من العبادة، ويجتهدوا في العمل، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها، ومن كان عاجزاً مفرطاً، فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه.

هذه الليلة العظيمة يُستحب تحريها في العشر الأواخر من رمضان، وهي في الأوتار أرجى وآكد، فقد ثبت في "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)، وهي في السبع الأواخر أرجى من غيرها، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) رواه البخاري.

ثم هي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) رواه أبو داود.

فعلى الراغبين في تحصيل هذه الليلة المباركة الاجتهاد في هذه الليالي والأيام، وأن يتعرَّضوا لنفحات الرب الكريم المنان، عسى أن تصيبكم نفحة من نفحاته لا يشقى العبد بعدها أبداً.

وإذا كان دعاء ليلة القدر مقبولا مسموعا مستجابا فعلى العبد أن يكثر من الدعاء والتضرع وسؤال خير الدنيا والآخرة، وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه أحمد وغيره.

فاستدركوا في آخر شهركم ما فاتكم من أوله، وأحسنوا خاتمته فإنما الأعمال بالخواتيم، ومن أحسن فيما بقي غفر له ما قد مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. وأروا الله من أنفسكم الجد في تحري الخير في هذا الثلث الأخير، واغتنموا ما فيه من الخير الوفير، وتعرضوا لنفحات الغفور الحليم، الرحيم القدير.. فإن المغبون حقا من صرف عن طاعة الرب، والمحروم من حرم العفو، والمأسوف عليه من فاتته نفحات الشهر، ومن خاب رجاؤه في ليلة القدر.

اللهم بلغنا برحمتك رضاك، وبلغنا ليلة القدر، واجعلنا فيها من عتقائك من النار.

217453 كلمات في الصيام

المقال

الصيام: عبادة من أجل العبادات، وطاعة من أروع الطاعات، شرعها الله لغرس الرحمة في القلوب، وتطهير النفوس من الشرور. وهو فضيلة من أعظم الفضائل، ومدرسة حازمة لتربية الإرادة القوية، والعزيمة النافذة، والطاعة الحكيمة.

الصوم: جنة من الشهوات، ووقاية من ملابسة الخطيئات، وحصن يحتمي به المؤمن إذا ساوره الهوى، أو نازعته غواية الشيطان، فهو لغرس التقوى في القلوب، والخشية في النفوس.

الصوم: جنة من الغضب والسفه والطيش، ووقاية من مجارة السفهاء، ومخاصمة الجهلاء (فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم).

الصيام: مدرسة أخلاقية، وعيادة نفسية، وتربية اجتماعية.

الصوم: تحرر من سجن الجسد، وسلطان الهوى، وقيد الشهوات.

الصوم: يربي في النفس الصدق في القول، والإخلاص في العمل، ويدعو الصائم إلى الجد والحزم، والقوة والعزم.

الصيام: يربي في المسلم ملكة الصبر وقهر النفس، واحتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات، ومصائب الأحداث ومتاعب الحياة ومكاره النفوس.

الصيام: يربي النفوس مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال.

الصوم: ليس قمعا للغرائز، وإنما تهذيب وضبط لها وتعويد على التحكم فيها، وعدم الاسترسال في الشهوات؛ لأنها أصل البلاء على الروح والبدن.

الصوم: جوع للبدن.. لكنه شبع للروح، وسمو للنفس.

الصوم: يعود على الصبر، ويقوي الإرادة، ويعلم ضبط النفس.

الصيام: منهج رباني يربي في النفس عاطفة الرحمة، وسلوك يدفع الامتثال للأوامر واجتناب النواهي، وخلق يدعو للصفح والتسامح، وتعاون يفرض على الإنسان ألا يشبع ويترك الآخرين جياعا.

الصوم: يطلق النفوس من أسر العادات، ويحررها ممن رق الشهوات، ويجتث منها فساد الطبع ورعونة الغرائز، ويطوف عليها في أيامه بمحكمات الصبر ومثبتات العزيمة، وفي لياليه بأسباب الاتصال بالله والقرب منه.

الصوم: ينمي في النفوس الأمانة والإخلاص في العمل، وهذه تقضي على رذائل النفاق والمداهنة والرياء (فإنه لي وأنا أجزي به).

الصوم: فرصة للتوبة والإنابة والعودة والاستجابة، ووسيلة للتربية والتهذيب، وطريق للتعليم والتأديب.

الصوم: صون للسان، وحفظ للناس من شرور النفس، فلا ينتفع به من ترك لسانه يجول في أعراض الناس، ويخوض في العورات وينشر السوءات، وجعل الناس مادة للحديث وأداة للهو والتسلية.

ما جدوى الصيام إن لم تتهذب به الألسنة، وتتطهر به النفوس؟ وما جدوى الصيام إذا لم يكن وراءه عفة القول وسماحة النفس ولين الحديث وحسن الكلام؟

جعل الله الصيام للقلب فلا ينبغي أن نجعله للبطن والمعدة.. جعل الله الصيام للحلم والصبر فلا ينبغي أن نجعله للطيش والغضب.. جعل الله الصيام لتقوية العزائم، فلا ينبغي أن نجعله للعب والنوم والخور.

الصوم: تربية للنفس وعدة للجهاد، فمن انهزم في جهاد النفس الداخلي لا يصلح للجهاد الخارجي.

الصوم: مدرسة لتهذيب الغرائز ـ غريزة الطعام والشراب، غريزة الشهوة الجنسية، غريزة حب التملك ـ بما يدعو إليه من الجود والإحسان وزكاة الفطر للصائمين، وإطعام الطعام، وتفطير الصائمين.. وغريزة الاجتماع مع الناس، فيجمعهم عل الخير والقيام ودروس العلم والذكر والقرآن وصلة الأرحام وحسن الجوار والتواضع والتآلف..

للصوم حكم باهرة وآثار بديعة باطنة وظاهرة، ودروس لا تنقضي، وعبر لا تنتهي، وآثار عظيمة على الفرد والجماعة.

لولا أهمية الصيام وسمو منزلته، ووفرة منافعه الجسدية والروحية ما فرضه الله على جميع الأمم {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة:183).

227887 تصدقوا.. تصدقوا؛ فأنتم في رمضان

المقال

تصدقوا.. تصدقوا.. فأنتم في رمضان شهر الجود والإحسان، شهر النفقة والعطاء، شهر البذل والمواساة.

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن الله جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم.
وهو القائل في الحديث القدسي: (ياعبادي.. لَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كلّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كلّ سَائِلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلاَ كَمَا لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ مَرّ بِالبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ) قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَدُ اللَّهِ مَلأَى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ).

فالله سبحانه هو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.. وهو سبحانه يضاعف جوده على عباده في الأوقات الفاضلة، ومواسم الخيرات والتي من أخصها شهر رمضان، فيضاعف عطاءه عليهم في الحِسيات والمعنويات: فيفتح عليهم من أبواب الأرزاق من المطعومات والمأكولات والمشروبات والملبوسات ما لا يوسع في غيره، وهذا محسوس مشاهد.. وكذا يفتح من أبواب العفو والصفح والتوبة والمغفرة ما لا يكون في غيره، ويكفي في ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة). وقوله عن أبي أمامة: (لله عند كل فطر عتقاء) رواه أحمد، وهو في صحيح الترهيب.

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)، وفي رواية أحمد زيادة: (لا يُسأل عن شيء إلاَّ أعطاه).

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن من مقاصد الصيام أن يجوع الغني المسلم ويعطش لبعض الوقت كي يعيش إحساس الجائعين، ويتذكر المحرومين؛ لعله تتحرك فيه روح العطف والشفقة والرحمة بالعطشى والجوعى والمحرومين من إخوانه الذين ملؤوا مشارق الأرض ومغاربها.

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن من مقاصد الصيام إزكاء روح الأخوة والوحدة بين أبناء هذه الأمة {إنما المؤمنون إخوة}(الحجرات:10)، وفي الحديث (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).
لقد أثنى الله على الأنصار لإيوائهم المهاجرين، وإيثارهم لهم، وكفالتهم إياهم، فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الحشر:9).

وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الأشعريين فقد كانوا يجمعون ما في بيوتهم من طعام ثم يتقاسمونه بينهم بالسوية، وهذا منتهى التكامل في التكافل.. فأين نحن من هذه الأخلاق الزاكيات؟

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة إعانة للصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، ومن أعانهم كان له مثل أجرهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) رواه الترمذي.

تصدقوا.. تصدقوا: فإن ما تتصدقون به هو الذي يبقى لكم على الحقيقة وما سواه فانٍ أو للوارث.. قال صلى الله عليه وسلم: (فإن مالك ما أمضيت ومال وارثك ما أبقيت)، وقد ذُبحت في بيته شاة فتصدقوا بها إلا الذراع، فلما رجع قال لعائشة: (مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة تطهر النفس من داء البخل والشح والأثرة، {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}(الحشر:9).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه؛ قال تعالى: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} (محمد:38). {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران:180).

تصدقوا.. تصدقوا: فإنما تقرضون الغني الكريم السخي، يأخذه منكم هنا، ثم يوفيكم إياه هناك أضعافا مضاعفة.. {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}(الحديد:11)، {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}(البقرة:245)، وفي الحديث: (من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه.

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة تغسل الذنوب وتمحو الخطايا: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ}(البقرة:271)، وفي الحديث: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الجود سبب الأمن والسعادة والمنفقون لا خوف عليهم ولا يحزنون في الدنيا ولا في الآخرة، {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة:262)، {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة:274).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الجود سبب النماء والزيادة: إن الله وهبكم أموالا، وأمركم بالنفقة، ووعدكم بالقبول، وعظم لكم الأجر، ووعدكم بالخلف؛ فقال سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}(سبأ: 39)، وقال أكرم الخَلق صلى الله عليه وسلم: (ثلاث أقسم عليهن: "مانقص مال من صدقة...) الحديث.

تصدقوا.. تصدقوا: الصدقة تدفع عنك البلاء، و(صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، وما وقع كريم قط، فإن وقع وجد متكأ.

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة ظل لكم في يوم الحر الشديد؛ قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة)، وقال عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الكريم السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل الشحيح بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.
الجود مكرمة والبخل مبغضة .. لا يستوي البخل عند الله والجود

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الجود يظهر المحاسن ويستر المعايب:
ويظهر عيب المرء في الناس بخله .. ويستره عنهم جميعا سخاؤه
تســتر بأثــواب السخـــاء فإنني .. أرى كل عـيب فالسخاء غطاؤه

وإن كثرت ذنوبك في البرايا .. وسرك أن يكون لها غطاء
تســـتر بالسخـــاء فكل عيب .. يغطــيه كـمــا قيل السخـاء

إننا نحتاج أن نجود في رمضان وفي غير رمضان.. إخوانك في كل مكان يحتاجون من يجود عليهم ويمد لهم يد العون.. فتصدقوا تصدقوا عسى الله أن يعفو عنا، ويعتق رقابنا من النار.. آمين.
 

197626 ما أحلى الدعاء في رمضان

المقال

شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.
قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من آمن به هداهُ، ومن توكل عليه كفاهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3)، {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} (التغابن:17)، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران: 101)، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة:186)..

وإذا سألك عبادي عني
قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186) وهذه الآية  في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.
قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185) طلب تكبيره وشكره، بيَّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته، تنبيهاً على أن يكون ولابد مسبوقاً بالثناء الجميل. [البحر المحيط: 2/221]. والمقصود أنه تعالى ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: "إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء".
وقال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221]..
وقال ابن عاشور: نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ..}.
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عبادة غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربطا للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].
«إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الموحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186)..

يوم بدر والدعاء

كانت غزوة بدر في شهر رمضان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة، حيث أُعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- النصر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي طوال الليل، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).
ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعا، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك).
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (الأنفال:9)، فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم) إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

دعاء المتضرعين
- التغني هو تحسين الصوت بالقراءة، وقد جاء الأمر به عند تلاوة القرآن في أحاديث عديدة، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن) رواه البخاري. وعلة ذلك أن التغني وتحسين الصوت والترنم في القراءة من أسباب الإقبال عليها والإنصات لها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع". 
وأما التغني بالقراءة في غير تلاوة القرآن الكريم كدعاء القنوت ونحو ذلك، فرأى كثير من أهل العلم أنه لا بأس به؛ إذ مقصود التحسين حضور القلب وتأثره، ولكن ينبغي أن يكون ذلك التغني والتحسين بدون مبالغة مفرطة، أو جعله مما يشتبه بالقرآن، حتى يلتبس على السامع، هل هو قرآن أو غيره؟، كتعمد التجويد من إدغام وإخفاء ومدود حتى يظن الظان أن الداعي يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب .

- يتأكد على الإمام عدم المبالغة في رفع صوته في الدعاء، حتى يصل ـ أحياناً - إلى حد الصياح والصراخ المذهب للخشوع والمجلب للرياء، وربما رافقه بكاء ونحيب لتهيج مشاعر الناس. قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55)، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء اعتداء، وفي الحديث: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل [أي كغلي القدر]، قال ابن القيم: "وأما بكاؤه -صلى الله عليه وسلم- فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت"، ولم يشعر ابن مسعود -رضي الله عنه- ببكائه -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ عليه بعضا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.

- من التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السَجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
أيضا ورد النهي عن التفصيل المخل، روى أبو داود من حديث أبي نعامة عن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) حسنه الحافظ ابن حجر ..
وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يكون قوم يعتدون في الدعاء) فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
وبالجملة فقد قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه.
 

230803 رمضان.. والدعاء المستجاب

المقال

رمضان شهر الصيام.. رمضان شهر القيام.. رمضان شهر الجود.. رمضان شهر الانتصارات.. لقد جمع رمضان كل هذا الخير وغيره كثير.. وجمع معه أيضا أنه شهر الدعوات المستجابات.

والدعاء من أجل القربات وأعظم الطاعات، وقد وصف بأنه العبادة كما في الحديث (الدعاء هو العبادة).. لأنه جمع مقاصدها. وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين.

والدعاء وإن كان سُنة مشروعة مندوبا إليها في كل وقت وحين، إلا أنه في أوقات مخصوصة وأماكن معلومة يكون آكد سنيَّة، وأشد طلباً، وأرجى قبولا.. ومن الأوقات التي يُلتمس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاء الصائم مقبول وأن دعوته لا ترد.
فقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم)(صححه الألباني). وكلام العلماء في تفسير الحديث يدل على أن الدعاء يكون قبل الإفطار ووقت الإفطار وبعده. ورجح بعضهم أنه وقت الفطر أدعى للقبول والله تعالى أعلم.

وفي كتاب الله تعالى ما يدل على الترغيب في الدعاء للصائمين، فقد ذكر الله في وسط أيات الصيام قوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]..
وهذه الآية في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.

قال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221].

وقال ابن عاشور: "نظم الآية مؤذن بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم...
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.

ادعوا ربكم تضرعا وخفية
يقول سبحانه {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55).
فأمرهم سبحانه أولا بالدعاء، وهي سؤال العبد ربه كل ما يحتاجه من أموره.
فهو سبحانه لواسع كرمه وعظيم فضله وجوده وبره يأمرهم أن يسألوه ثم يعدهم أن يستجيب لهم ويحقق لهم طلبتهم ويعطيهم سؤلهم.. فالدعاء عبادة محبوبة إليه يغضب على من تركها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يسأل الله يغضب عليه).
لا تســألن بـني آدم حــاجــة .. .. وسل الذي أبوابـه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله .. .. وبني آدم حين يسأل يغضب
وأَمْره سبحانه بالدعاء مشعر في ذاته بالإجابة لأنه لو لم يرد أن يعطي لما أمر بالسؤال.
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه .. .. من جود كفك ما علمتني الطلبا

وقوله:  {ربكم}: أي الذي رباكم بصنوف النعم، وأغدق عليكم أنواع المنن، ولطائف الفضائل، ومازال يتولاكم مذ كنتم نطفا في أصلاب آبائكم، ثم أجنة في بطون أمهاتكم، ثم ما زال يغذوكم بفضله، ويوالي عليكم نعمه حتى صرتم كبارا.. فالفضل كله بيديه، والقدرة كلها عنده، والأمر كله إليه، لا يعجزه شيء، ولا يصعب عليه شيئ.. ومثل هذا يدعى دون غيره.. كما قيل:
لا تجلسن بباب من .. .. يأبى عليك دخول داره
وتقول حاجاتي إليه .. .. يعوقـــها إن لـــم أداره
اتركه واقصد ربها .. .. تقضى ورب الدار كاره
فرب الكون هو الذي يقصد وحده، فاقصده في جليل أمرك وقليله..

تضرعا:
أي تذللا وتمسكنا وافتقارا.. خاضعين له، متمسكنين عنده، منكسرين بين يديه، متذللين له سبحانه.. واسألوه سؤال المسكين، وادعوه دعاء الخائف الذليل، سؤال من رغم له أنفه، وخضعت له رقبته، وذل له قلبه، وفاضت له عيناه.. دعاء الغريق الذي يعلم أنه لا ملجأ له ولا منجا من الله إلا إليه. "فما الغريق في لجج البحر على خشبة في تضرعه إلى الله بأحوج إلى الله من الآمن المستقر في قعر بيته" كما قال ابن قدامة يرحمه الله.

ومن التضرع رقع اليدين عند الدعاء .. فإن الله يستحي من العبد أن يرفع إليه عبده يديه ثم يردهما صفرا خائبتين.

ومن التضرع كثرة الإلحاح والتكرار، وألا تتبرم إذا أبطأت عليك الإجابة؛ فإن الله يستجيب لعبده ما لم يعجل، ويقول دعوت فلم يستجب، لي فيستحسر حينئذ ويدع الدعاء.

واعلم أنك رابح مع الدعاء في كل حال؛ فإن الله إما أن يعطيك مسألتك ويجيب دعاءك، وإما أن يصرف عنك من السوء مثلها، وإما أن يدخرها لك يوم القيامة.

ومن التضرع الثناء على الله وتحميده وتمجيده ووصفه بما هو أهله.. والصلاة والسلام على رسوله في أول الدعاء وآخره.

ومن التضرع أن تحضر قلبك وقت الدعاء، فتجمع همتك، ويواطئ القلب اللسان، فإن الله لا يقبل دعاء قلب لاه.

وأن تعزم المسألة فإن الله تعالى لا مستكره له، وأن توقن بالإجابة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة)... وقد قال عمر: والله إني لا أحمل هم الإجابة ولكني لا أحمل هم الدعاء.. يعني إذا جاء الدعاء فالإجابة معه لأن الله تعالى قال: {ادعوني أستجب لكم}(غافر:60).

وخُفية
أي أخفوا دعاءكم، واجعلوه فيما بينكم وبين الله، ولا ترفعوا به أصواتكم رفعا منكرا.. فالدعاء الخفي أولى بالقبول كما العمل الخفي، وكلما كان العمل أخفى عن الخلق كلما كان أدعى للإخلاص، وأبعد من الرياء، وأرجى للقبول عند رب الأرض والسماء.
وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة يرفعون أصواتهم في دعائهم فقال: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.

لا يحب  المعتدين
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون قوم يعتدون في دعائهم..
ومن الاعتداء في الدعاء: الدعاء بظلم أو إثم أو قطيعة رحم.. وهذا دعاء مردود على صاحبه غير مقبول كما جاء في الحديث (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).

ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بما لا يجوز أو المستحيلات الشرعية، كأن يسأل الله منازل الأنبياء، أو يصعد الله به إلى السماء وأمثال هذا.

ومن التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".

أيضا ورد النهي عن التفصيل في الدعاء، فعن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) رواه أبو داود.

وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعُذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء)، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداء.

وإنما ينجي من هذا الاعتداء التزام أدعية القرآن الكريم، وما ورد من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها خير الدعوات وأحبها إلى الرب سبحانه، فإن النبي صلى الله عليه قد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا.

وأخيرا فإن التماس أوقات الدعاء المرجو القبول فيها يجعلها أقرب للإجابة كعند الأذان وبين الأذان والإقامة، وفي ثلث الليل الآخر.. وغيرها من الاوقات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحاح.

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

205669 ليلة القدر ومواسم المغفرة المستترة

المقال

 لما اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون الطريق إلى جنانه ورضوانه محفوفا بمكاره الأنفس ومجاهدة شهواتها، فتح لهم المواسم التي ينثر عليهم فيها فضائل  إنعامه، والنفحات التي يغنم من التحف بنسماتها عاقبة دهره وأيامه، وجعل مواسم بذل المغفرة هذه على ضربين اثنين: 

الضرب الأول: مواسم معروفة محددة بعلامات ثابتة، معَلًّمة بأمارات كونية يدركها الناس على اختلاف مضاربهم وتنوع مشاربهم، وذلك مثل الثلث الأخير من كل ليلة الذي ينزل فيه الله ـ تعالى في عظمته ـ إلى عباده فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ومثل شهر رمضان المبارك الذي جعله الله شهر سياحة دينية لهذه الأمة من كل عام يرفع به درجات المتقربين إليه ويحرر فيه الرقاب بتحريمها على النار، ومثل يوم عرفة والعشر الأول من شهر ذي الحجة.

الضرب الثاني: مواسم أخفاها الله تعالى في ما حولها من الشعائر والأزمنة واللحظات لئلا تفوز بها إلا الهمم العالية التي تخلص في طلب المغفرة من ربها، لا تألو في ذلك جهدا ولا تدخر سببا، وتتسنم طرق النجاة على وعورتها، ولا تتكل أو تتواكل في ذلك لعلمها بغلاء السلعة التي تطلب، وذلك مثل: الصلاة الوسطى التي نوَّه الله بفضلها وضرورة المحافظة عليها بأمرين اثنين جاءا متتابعين في سياق واحد؛ قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة:238)؛ فالصلاة الوسطى هذه فُسرت بخمس أقوال، تدور مع الصلوات الخمس، ليستفاد من ذلك أن الأجر المترتب على المحافظة عليها لا يحصل عليه يقينا إلا من واظب على الصلوات الخمس جميعها، ومثل ساعة الجمعة التي لا يوافقُها عبدٌ مؤمنٌ يسأل اللهَ شيئًا إلا أعطاه إيَّاه، ومثل ليلة القدر التي جعل الله أجر العبادة فيها أفضل من ثواب العبادة لمدة 83 سنة وثلاثة أشهر، وهو ما يقترب من أعلى رصيد من سني عمر يمكن أن يصله إنسان هذه الأزمان. 

قال المناوي: "وفيوض مواهب الإنعام هذه تبدو لوامعها من فتحات أبواب خزائن الكرم والمنن في بعض أوقات من مدد الرحمة، فمن تعرض لها بجمع همة وحضور قلب حصل له منها دفعة واحدة ما يزيد على هذه النعم الدائرة في الأزمنة الطويلة على طول الأعمار، فإن خزائن الثواب بمقدار على طريق الجزاء وخزائن المنن النفحة منها تفرق فما تعطي على جزاء له مقدار ووقت معلوم، ووقت النفحة غير معلوم بل مبهم في الأزمنة والساعات، وإنما غيب علمها لنداوم على الطلب بالسؤال المتداول، كما في ليلة القدر وساعة الجمعة فقصد أن نكون متعرضين لها في كل وقت قياما وقعودا وعلى جنوبنا وفي وقت التصرف في أشغال الدنيا، فإن المداوم يوشك أن يوافق الوقت الذي تفتح فيه الخزائن فيظفر بسعادة الأبد"..

وإذا ما ركزنا قليلا على ليلة القدر فسنجد أن هذه الليلة الفرد التي هي خير من عبادة عابد بلغ المائة عام وهو مستغرق للعمر في عبادة الله ـ على اعتبار أن البلوغ أدركه في سن السابع عشرة ـ لا شك أن هذه الليلة فرصة نادرة بل هي فرصة العمر بحق تفتح شراع المغفرة ممتدا إلى منتهاه لكل المذنبين والمقصرين ليعودو إلى الله، ويعوضوا بها ما ضيعوا من سني العمر ولحظاته، ولا غرو أن يخفي الله هذه الليلة بين الليالي لتكون حصرا على المُجِدِّين، فالدر مخزون في لب الأصداف في أعماق البحار، ولذا لن يظفر بها إلا من التمسها في جميع أوقاتها، احتياطاً واستظهاراً، وطلبا لها في جميع مظانها، ولعل ذلك هو سر الحكمة في إخفائها ليحصل الاجتهاد في التماسها في العشر الأخيرة كلها، ولينشط المسلم ببذل الجهد في العبادة والدعاء والذكر بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتُصِر عليها وحسب وعطلت بقية الليالي.

وقد درس العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني النصوص والأقوال الواردة عن السلف في تحديد ليلة القدر دراسة مستفيضة قال في خلاصتها: "وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافا كثيرا وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولا، كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إخفاء كل منهما ليقع الجد في طلبهما"، ثم سرد ستا وأربعين قولا ووجها في تحديد موعد ليلة القدر في كلام نفيس مليء بالاستدلالات والترجيحات والاعتراضات المطروحة على كل قول، ونسبته إلى من قال به من السلف والصحابة مع عزو جميع ذلك إلى مصادره وأسانيده، وهذا البحث القيم الذي استغرق من الحافظ ابن حجر أكثر من 15 صفحة في موسوعته الضخمة في شرح صحيح البخاري اختزل فيه خلاصة الأقوال المتعلقة بتحديد هذه الليلة بالقول: وأرجح الأقوال كلها أنها في وتر من العشر الأخيرة وأنها تنتقل كما يفهم من الأحاديث، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر - عند الشافعية - ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.

وأيّاً ما كان الحق في هذه الأقوال فإنه من الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً لأصحابه رضوان الله عليهم: (خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) رواه البخاري. فهذا النص صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم أُنسيها فلم يكن يعلم تحديد موضعها من بين ليال العشر الأواخر، أحرى من دونه من الصحابة والتابعين فالصالحين ومن دونهم، وفيه أيضا التصريح بأن سترها ورفعها خير لنا، كذلك فإن المتأمل في النصوص الواردة في هذا السياق يجد أنها وإن ورد في بعضها حصر ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر، أو في أوتار العشر الأواخر أو في السبع الأواخر أو في العشر الأواخر فإن نفس رواة هذه الأحاديث أثبتوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشد المئزر ويحي الليل ويوقظ الأهل في العشر الأواخر كلها لا يفرق بين آحادها وأزواجها في الاجتهاد في العبادة، بل كان يرغب في قيام رمضان كله وينوه بعظيم الأجر لمن فعل

فديدن المسلم المتأسي بنبيه صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في العبادة ويكثر من الطاعة في كل وقت وحين وخصوصاً في شهر رمضان، ويتأكد ذلك في العشر الأخيرة منه، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقوم ويعتكف ويشد المئزر رجاء أن يدرك ليلة القدر؛ فكان ـ صلوات ربي وسلامه عليه - في بادئ الأمر يعتكف العشر الأوائل من أجلها، ثم اعتكف العشر الوسطى، ثم أتي فقيل له: إنها أمامه؛ أي في العشر الأواخر، فأقل ما يصح في حقنا ونحن المقصرون المذنبون أن نجعل العشر كلها ليلة القدر، وإن استطعت فرمضان كله أو العام كله، هذا هو الأفضل من أجل أن نحتاط لإدراك فضل هذه الليلة العظيم؛ إذ إنها صفقة رابحة في كل الأحوال، وهذا ما يفسر أقوال سلفنا الصالح، فقد جاء عن الإمام مالك بن أنس وابن المبارك أنهما قالا: تحروا ليلة القدر في العشر كلها وترها وشفعها، وقد كان عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر..

230593 رمضان عند السلف

المقال

من نعم الله على عباده أن جعل لهم مواسم يفتح لهم فيها خزائن رحمته وبحار جوده التي لا تغيض، ينثر عليهم فيها من الفضل العميم والخير الجزيل ما لا يطاله حصر، ولا ريب أن سلف هذه الأمة الصالح كانوا أحظى الناس باستغلال هذه الأوقات الفضلى ذلكم الاستغلال الأمثل الذي يبلغ مداه مع مراعاته لجوانب الشرعية واتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وبعده عن المغالات والتنطع والابتداع، وسنحاول من خلال سطور هذا المقال تتبع الخطوط والملامح العامة لفصول ذلكم النهج السديد الذي سار عليه سلفنا الصالح في استغلال لحظات وأوقات هذا الشهر الفضيل وأولهم في ذلك مثلنا الأعلى إمامهم وإمامنا وإمام الأمة جمعاء رسول الرحمة المسداة صلوات ربي وسلامه عليه، على أنه لا بد من التنبيه إلى أن تتبع التفاصيل الدقيقة لملامح هذا النهج السديد متعذر وذلك لأمرين اثنين:

الأول: أن معظم أعيان السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يعتبرون هذا البرنامج عملا خاصا بينهم وبين ربهم وبالتالي فقد كانوا يجتهدون لإخفائه عن أعين الخلق طلبا للإخلاص؛ حتى كان محمد بن أسلم يقول: " لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفاً من الرياء "، ويقول الحسن البصري واصفا حال السلف: " إن كان الرجل جمع القرآن وما يشعر به الناس .. وإن كان الرجل قد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس .. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به .. ولقد أدركت أقواماً ما كانوا على عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً " .

الثاني: أن هذا البرنامج متفاوت، فأبواب الخير لا حصر لها وقد كان السلف رحمهم الله ذوو همم عالية يضربون في كل غنيمة بسهم، ولا يفوتهم باب من أبواب الخير، ولا مسلك من مسالك البر إلا وحازوا منه النصيب الأوفر .. وعموما فقد حفظ لنا التاريخ بعض النماذج البارزة التي تمثل الملامح العامة لمنهج السلف في استغلال هذه اللحظات الفاضلة؛ كما يتضح من الأمثلة التالية:

• كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف في كل عام في رمضان العشر الأخيرة منه ويعرض القرآن على جِبريل مرة واعتكف في عام الوداع الذي انتقل فيه للرفيق الأعلى عشرين يوما وعرض القرآن على جبريل مرتين.
• روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدَارسُه القرآن فلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).

• روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر)، وفي رواية لمسلم: (كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها)..
• وعن تفصيل هذا القيام يروي ابن مسعود رضي اللَّه عنه كما في صحيح البخاري - أنه صلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ليلة من ليالي العشر، فافتتح بسورة البقرة واستمر فيها حتى هَمَّ ابن مسعود أن يجلس ويدعه لإطالته فيها، وصلى ليلة أيضًا ومعه حذيفة، فقرأ سورة البقرة كلها، ثم سورة النساء، ثم سورة آل عمران، يقرأ مترسلاً .

• عن زر بن حبيش قال: سألت أُبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: رحمه الله! أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر.
• وقد سار سلف الأمة الصالح على هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا أقبل رمضان تركوا سائر الأعمال واعتكفوا على قراءة القرآن وتدبره:
ـ فقد كان الإمام مالك إذا أقبل عليه رمضان هجر جميع المجالس حتى مجالس الحديث؛ ليعكف على كتاب الله.
ـ وكان الإمام الشافعي عليه رحمة الله يختم القرآن في رمضان ستين ختمة لا يحسب منها ما يقرأ في الصلاة.
ـ وكان الإمام أحمد إذا أقبل رمضان جلس في بيت الله واعتكف على قراءة القرآن وترك فتاواه ومسائله ومجالس العلم ليعكف على كتاب الله.

• يقول الإمام الزهري: شهر رمضان شهر قرآن وإطعام طعام لا ثالث.
• وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث.
• وعن إبراهيم قال كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين وكان ينام بين المغرب والعشاء وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال .
 

• وقد كان الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين يطيلون قيام الليل في رمضان حتى يقترب الفجر، وما يكاد أحدهم ينتهي من السحور حتى يؤذَّن للفجر، فعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: سمعت أبي يقول: " كنا ننصرف في رمضان من القيام، فيستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر".
ورغم هذا الاهتمام الزائد بالعبادة في هذا الشهر الفضيل فإن السلف لم يكونوا فيه سلبيين أو منكفئين على ذواتهم ولا كانوا يقصرون في أداء واجباتهم الأخرى بل ربما كانوا أنشط فيه وأقوى على العمل منهم في غيره ولا أدل على ذلك من أن معظم المعارك والملاحم الفاصلة في التاريخ الإسلامي إنما كانت في شهر رمضان؛ فغزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها الإيمان وجنده وخذل الشرك وأهله وكانت يوما فاصلا من أيام التاريخ لم تكن إلا في رمضان، وفتح مكة الذي سمي الفتح الأكبر لم يحدث إلا في رمضان، ومعركة القادسية التي قادها سعد بن أبي وقاص واقتحم بجيشه لجة نهر الفرات وقد علا فيضانها وتلاطم موجها وهي ترمي بالزبد فهربت من أمامهم جيوش كسرى التي كانت تفوقهم عددا وعدة بأضعاف، هذه المعركة إنما كانت في رمضان سنة خمسة عشر للهجرة ... إلى غير ذلك من المعارك.

والخلاصة أن شهر رمضان لم يكن شهرا عاديا مثل بقية الشهور في اعتبارات السلف بل هو عندهم سياحة ربانية في محاريب العبادة وخصال البر يضعون لها برنامجا خاصا يتميز بالإكثار من أنواع العبادة بشكل عام؛ ويختص بميزات أربع:
الأولى: أنه كان شهرا قرآنيا بامتياز يخصصون جل أوقاته للسياحة في بحور القرآن فهما وتدبرا وقراءة وتعلما.
الثانية: أنهم كانوا يكثرون فيه من نوافل الصلاة وقيام الليل والاعتكاف ويتضاعف العمل والجهد مع تقدم أيام الشهر حيث يبلغ ذروته في العشر الأواخر وفي السبع الأواخر وفي الأيام الفردية من العشر الأواخر تحسبا لليلة القدر التي جعل الله ثواب العبادة فيها أفضل من ثواب العبادة لمدة 83 سنة وثلاثة أشهر.
الثالثة: الإنفاق والتصدق على المحتاجين وهو باب عظيم من الأبواب التي حرص السلف على الإكثار منها خصوصا في هذا الشهر المعظم .

الرابعة: باب الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ورغم ما تحتاجه هذه الفريضة من مجهود بدني وعضلي شاق فقد بورك للأمة جهادها في أيام هذا الشهر وحققت فيه من النتائج والإنجازات ما لم تحققه في أي شهر آخر، والحق أن شعائر هذا الشهر كلها ترجع إلى مفهوم الجهاد ومغالبة شهوات النفس وكسر سلطان الهوى والانقياد والإذعان لمنهج الحق سبحانه وتعالى وتغليبه على كل الدوافع والدواعي والحظوظ الأخرى، نسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا على صيامه وقيامه وأداء حقه على الوجه الأتم والحال الأكمل وأن يتقبله منا إنه سميع مجيب.

104357 ماذا بعد رمضان

المقال

ها هو شهر رمضان قد مضى.. مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، بعد أن كان ملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا. مضى وخلّف الناس بعده بين شقي وسعيد، وفائز وخاسر.

لقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران. وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه؟

                     

وإنَّ امرءًا ينجو من النار بعد        ما تزود من أعمالها لسعيد

الاستقامة

ونحن ما زلنا نعيش في آثار نفحات رمضان يجب علينا أن نقف لنتساءل: ماذا بعد أن انقضى رمضان؟ وما هو حالنا بعد أيام قليلة من رمضان؟ ماذا بعد شهر الرحمة والغفران؟ وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ ماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا.

بعد أن عايشنا كل ذلك، كان ولا بد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

والإجابة نزل بها الوحي منذ مئات السنين، وأجاب النبي الأمين -صَلى الله عليه وسلم- على السائلين الطالبين العلاج الناجع والدواء النافع، فقال: "قل آمنت بالله ثم استقم".

إذا كان الله قد حباك بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم، وأن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه.

الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (فصلت:30).

قال أبو بكر -رضي الله عنه-: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً.

وقال عمر بن الخطاب: "لم يروغوا روغان الثعالب".

فيا من رفعت كفيك في رمضان طالبًا الهداية، زاعمًا الرجوع، مدعيا الإقبال، هل صدقت في زعمك، ووفيت مع الله بعد رمضان؟ أم إنك رغت روغان الثعلب فتعاملت مع الله بذمتين: ذمة رمضانية، وذمة غير رمضانية، ولقيت الله بوجهين، وقد قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (شر الناس ذو الوجهين)، فكان حالك قريبًا من حال المنافقين. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة:14، 15).

أسباب مُعِيْنَة

الاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.. منها:

أولًا: الاستعانة بالله 

أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية، فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة.

أما الناظر إلى عمله، المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه أبو داود.

ثانيا: المجاهدة 

أن تعلم أن الاستقامة لا تتحصل بالهجوع في المضاجع، ولا بالاستمتاع بكل ما لذَّ وطاب من الشهوات والملذات، بل تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة.. مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، حتى تأتي بأمر الله على تمامه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24).

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله.

إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.

ثالثا: رفقة أهلها

وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: "كنت إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوعاً".. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة تدرك الواحد، وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

علامات القبول

إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه.. وإذا كان رمضان قد انقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض.. ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، عالم بني إسرائيل الذي أذاقه الله حلاوة الإيمان وآتاه آياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ} (الأعراف:175).

وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلاً قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} (النحل:92).

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل). وسئلت عائشة -رضي الله عنها- عن عمله فقالت: كان عمله ديمة" متفق عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) رواه مسلم.

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات، وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثاً.

وعلى الذين كانوا يحافظون على الصلاة، فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات.

وعلى الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات، فلما غاب رمضان عادوا إليها.

وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن، فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن.

وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الردِّ وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة .. نعوذ بالله من الخذلان.

عبادة حتى الموت

لقد عَلَمَنَا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها.. فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسمًا آخر .. فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} (البقرة:197).. وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال.

وسنَّ لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، فذلك صيام الدهر). وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99).

198142 من مقاصد الصيام

المقال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فإن الله تعالى لم يفترض الصوم على عباده ليعذبهم به، ولا لنفع يعود عليه من جراء صومهم، فهو سبحانه الغني عن عباده وعن عبادتهم، وإنما افترض عليهم ذلك لنفعهم في معاشهم ومعادهم، وفي دنياهم وفي أخراهم، وفي نفوسهم وفي أبدانهم، وفي أخلاقهم وفي دينهم.. ومن تدبر مقاصد الصوم وجد من هذه المصالح ما يفوق الوصف ويتخطى العد والحصر..

فالصيام (كما يقول ابن القيم): "هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من سائر الأعمال، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه.. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوار الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من صحتها. والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى".

ويمكن جمع فوائد الصيام في خمس فوائد رئيسية تحمل بين طياتها ما هو أعظم من مجرد عناوينها.. فمن ذلك:
أولا: تحصين الصائم من الأخلاط الرديئة:
فالصوم يحفظ على العبد قوته، ويحميه من ورود الأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)(صحيح الجامع 5674).
وقد قيل: إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
ثلاث مهلكات للأنام .... ... ومدعاة الصحيح إلى السقام
دوام مدامة ودوام وطء .. .. وإدخال الطعام على طعام.

ثانيا: يصون من الأخلاق الرذيلة:
فإن الإنسان إذا شبع تحركت شهوته، وسع للشيطان مجاريه، فتحكم فيه وقاده إلى المعاصي والأشر والبطر والمفاسد، فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء، ولنا في أبينا آدم عبرة. قال القرطبي: "كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي".
فإذا شبعت النفس استأسدت على صاحبها وعصت وعتت وطغت، وإذا صامت جاعت فضعفت وسكنت وصفت ورقت وهدأت. فمن صام فهو في جنة من كل سوء، وحفظ من كل فحش، ووقاية من كل مهلك.. كما في الصحيحين: (الصوم جنة)، وفيهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.

فالصوم يحفظ على العبد جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
إذا لم يكن في السمع مني تصاون .. .. وفي نظر غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صوم الجوع والظما .. .. وإن قلت إني صمت يوما فما صمت
وفي المسند وصحيح البخاري عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

ثالثا: ضبط الإرادة والتحكم في النفس:
فلا يقود الصائم طمع، ولا يستفزه غضب، ولا شبهة تضله ولا شهوة تذله، ومن بلغ هذا فهو الرجل حقا كما في الصحيحين: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
وفي صحيح مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم).
فالصائم إذا ثارت شهوته ضبطها، وإن تحرك هواه أسكنه وألجمه بلجام التقوى والورع، أما غير الصائم فهو منقاد لشهوته خادم لهواه.
رب مفتون سبته شهــوته .. .. فتعرى ستره فانهتكا
صاحب بالشهوة عبد فإذا .. .. ملك الشهوة أضحى ملكا.

رابعا: تحصيل التقوى:
وهي مقصود العبادة وثمرة الطاعة عامة؛ كما قال جل ذكره {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:21)
وهي أيضا من أعظم مقاصد الصوم خاصة، فالصيام من أكبر أسباب تحصيلها، بل إن من صام الصيام الحق على الوجه الذي بينه رسول الصدق لا بد وأن يحصل التقوى لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)
ألا إنما التقوى هي العز والكرم .. .. وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة .. .. إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

خامسا : الوصول إلى درجة الإحسان:
وهي أعلى مراتب الدين كما في حديث جبريل الشهير: قال: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) متفق عليه..
فالصائم صومه كله مراقبة، وإلا فما بال الإنسان يمر على الطعام وهو في أشد حالات الجوع، ويمر على الماء وهو يكاد يهلك من العطش ولا يراه أحد من الناس، فما يمنعه من الأكل أو الشرب إلا أنه يعلم أن الله مطلع عليه ويراه، فهو يعيش مع الله ويتعامل معه بالمشاهدة.. فهل هناك مراقبة أو إحسان أعلى من هذا؟

الإخلاص.. الصوم لي:
ومن أجل هذا كله كان الصوم عبادة الله الخالصة فنسبه إلى نفسه من دون سواه، وإن كانت الأعمال كلها في الأصل له، لكن للصوم خصيصة في الإخلاص لا تكون في غيره كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
قال الإمام ابن حجر في الفتح والإمام النووي في شرح صحيح مسلم ما معناه: "لأنه أبعد من الرياء فيكون بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه".

فهذه بعض مقاصد الصيام وفوائده ومنافعه، تجمع تحتها الكثير مما لم أذكره، وفوائد الصيام أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.. فاللهم انفعنا بالصيام والقيام، وحقق فينا مقاصده ومنافعه، وتقبل منا صالح الأعمال، واغفر ذنوبنا، وأعتق رقابنا من النار.. آمين.

217690 وداعا شهر الخير

المقال

ها هي أمة الإسلام تودع شهر رمضان، رمضان الذي كنا بالأمس القريب نستقبله، وها نحن وبهذه السرعة نودعه، مرَّ علينا وكأنه دقائق أو بضع ساعات، وكأني بك تسمع قول الله وهو يحذر المؤمنين من الفوات ويستحثهم على اغتنام الأوقات؛ فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ}(البقرة:184:183).

ومرت الأيام المعدودات وكأنها غمضة عين أو ومضة برق، ولم يبق إلا سويعات وإنها والله مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

لقد شمر رمضان عن ساق، وأذِن بوداع وانطلاق، فقوضت خيامه، وتصرمت أيامه، وأزف رحيله.

لقد عزم رمضان على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، وجمعتنا هذه هي آخر جمعة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وربما كانت ليلتنا هذه هي آخر ليلة من لياليه.

غير أن الإنسان العاقل لا ينبغي أن يترك هذه الحادثة تمر حتى يتأمل في دروسها ويتعلم من عبرها:
وإن أول ما ينبغي أن نقف معه وعنده هو سرعة مرور رمضان، وما فيه من إشارة إلى سرعة انقضاء الأعمار وسرعة فناء هذه الدار، وأن الدنيا كلها أيام محدودة وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، وأنها مهما طالت في أعين المخدوعين فإنها ظل زائل وسراب خاتل خادع. وإن أعقل الناس فيها من أخذ من شبابه لهرمه، ومن فراغه لشغله، ومن قوته لضعفه ومن حياته لموته، وعلم أن الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار.
إن لله عــبـــادا فطــنا .. .. طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
 نظروا فيها فلما علموا .. .. أنها ليست لحي وطــنا
جعلوها لجة واتخذوا .. .. صالح الأعمال فيها سفنا

ثم بعد لابد من وقفة للمحاسبة، فإنها من أصول السير إلى الله، يستدرك بها العبد ما فات ويصلح بها ما هو آت.. قال تعالى: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد}(الحشر:18).
وقال عليه الصلاة والسلام: (الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

الأعمال بالخواتيم:
العبد الموفَق مَن أدرك أن حُسْن النهاية يطمس تقصير البداية.. فإذا كنت لم تحسن في استقبال رمضان فاجتهد لعلك تحسن الوداع، فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.. وما يدريك لعل بركة عملك في رمضان مخبأة في آخره فإنما الأعمال بالخواتيم. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها.

كان السلف كلما تناقصت أيام رمضان زادوا في العمل.
والخيل إذا شارفت على نهاية السباق أخرجت كل ما في جعبتها فلا تكن الخيل أعقل منك.

الفتور وارد، لكن احذر أن يكون فتورك وقت الغنائم وزمن السباق فيسبقك الآخرون، ويفوتك الخير العظيم.

من اجتهد أول رمضان وفتر آخره كمن زرع وسقى ورعى حتى إذا جاء وقت الحصاد راح وتركها، نعوذ بالله من الخذلان.

أيها المسلمون:
ما زال في رمضان مستعتب، وما زالت الفرصة باقية، وما زالت السوق قائمة.

ما زال هناك بقية لركعة أو لدمعة أو لسجدة أو لدعوة تغير مجرى حياتك، أو تحقق كل آمالك، وتذهب كل آلامك، وتسعد بها سعادة الدنيا والآخرة.. وإذا ضاق وقتك عن كثير العمل فلا يضق عن جميل الدعاء.

ما زال رمضان موجودا، فلا زال الباب مفتوحا، ولا زالت البركات والنفحات تتنزل، وما زال المنادي ينادي: يا باغي الخير أقبل.

إذا كان مر من رمضان أكثره فربما كان ما بقي منه هو التاج الأجمل والثمرة الأينع.

لقد أخفى الله رضاه في الطاعات ليرغب العباد في كل طاعة. وأخفى سخطه في المعاصي ليحذروا كل معصية، وأخفى ليلة القدر في العشر ليجتهد الناس فيها كلها. ولعلها تكون هذه الليلة الأخيرة.

ومن يدري فقد بقي من الليالي أرجاها وهي ليلتنا هذه القادمة فاحرصوا على تحصيل هذه الليلة. فوالله إن خيرها لكثير، وإن أجرها لكبير وإن أثرها في الموفقين لها لجليل.

أسأل الله أن يبلغنا وإياكم ليلة القدر، ويجعلنا من العتقاء من النار.

اللهم تقبل صيامنا ، وصلاتنا ، وقيامنا ، وركوعنا وسجودنا وسائر أعمالنا.

146617 رمضان وتقوية الإرادة

المقال

إن الإنسان يمثل مملكة كاملة، يقوم الفكر فيها بوظيفة التنبيه والإرشاد وإعطاء قوانين الإدارة والسلوك في هذه المملكة.

ويستمد الفكر ذلك كله من عدة مصادر، من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن الشريعة الربانية، ومن التجارب العملية، والمعارف التي توصل إليها الناس.

وتمثل الإرادة السلطة التنفيذية في مملكة الإنسان، وهذه الإرادة كلما كانت قوية حازمة عاقلة ملكت السلطة التنفيذية، أما إذا كانت ضعيفة متخاذلة فإنها تهون وتستكين وتخضع للأهواء والرغبات والشهوات.

وإن الإنسان لتتنازعه الرغبات والحاجات والأهواء، وبعض هذه الرغبات صالح وبعضها فاسد.

وعلى مقدار استقامة العبد في سلوكه وأفعاله نستطيع قياس قوة إرادته. وعلى قدر  انحرافه في سلوكه، وتخبطه مع أهوائه وشهواته وغرائزه نستطيع قياس ضعف إرادته.

وحين تشتد هذه الأهواء والرغبات في النفس وتلح على أصحابها باكتسابها من أي طريق ولو كان غير مباح فإن الإرادة القوية الحازمة تسيطر على هذه الأهواء وتكبح جماحها.

وإذا نظرنا إلى علاقة الصيام وغيره من العبادات التي شرعت في رمضان بالإرادة لوجدنا أن هذا الشهر العظيم فرصة لا تعوض ليتربى المسلم على قوة العزيمة والإرادة.

فالمسلم في رمضان يخالف عاداته ويتحرر من أسرها، ويترك مألوفاته التي هي مما أحل الله لعباده، فتراه ممتنعا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان امتثالا لأوامر الله عز وجل، وهكذا يصبح الصوم عند المسلم مجالا رحبا لتقوية الإرادة الجازمة ؛ فيستعلي على ضرورات الجسد، ويتحمل ضغطها وثقلها إيثارا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب.

فإذا استفاد المسلم من هذا الشهر المبارك فقويت عزيمته وإرادته، وطالت مدة التغيير فاستوعبت الشهر كله، ووجد من مجتمعه في هذا الشهر المبارك عونا وسندا حيث يكون المجتمع المحيط به مشاركا له في هذه العبادات والطاعات فيكون المجتمع كله مشاركا له في عملية التغيير مما يرجى معه أن يمتد الأثر ليشمل حياة المسلم كلها.

إن الله الرؤوف الرحيم لم يكلفننا الصيام والامتناع عن هذه المباحات خلال أيام رمضان ليعذبنا أو يشق علينا، إنما لنحقق التقوى من خلال حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183).

إن الإنسان تدفعه إلى المعالي قوتان:
قوة علمية، وقوة عملية.. وأساسهما هو قوة العزيمة والإرادة التي يحتاجها في طريق طلب العلم، ويحتاجها في سلوك سبيل الاستقامة، و يحتاجها في مواجهة الأهواء والشهوات والفتن، و يحتاجها لمدافعة ميل النفس إلى الدعة والراحة، ويحتاجها لمواجهة الحوادث والمصائب، وفي رمضان يتدرب المسلم على قوة الإرادة والعزيمة فيحدث التغيير الكبير في حياته ليتأهل للرقي في مراتب الكمال.

ولو نظرت بتدبر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، لوجدته يربي في المسلم قوة الإرادة ويجعل من الصوم وسيلة لتحسن الأخلاق وكظم الغيظ ومواجهة الأذى والجهل بالعفو والصفح فأي تربية هذه التي يربي الشرع عليها أبناءه من خلال العبادات العظيمة التي شرعها لهم ربهم وخاصة عبادة الصيام!.
وإذا اتضح لنا هذا المعنى الجليل فلنجعل من رمضان فرصة لتقوية الإرادة والاستعلاء على الشهوات والمألوفات، والتحرر من أسر العادات حتى نكون ممن أدركهم الله برحمته فوفقوا لصيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا فغفر لهم.. 

140977 رمضان مدرسة الجود والكرم

المقال

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ". وفي رواية أحمد زيادة "لا يسأل عن شيء إلاَّ أعطاه".

الجود: هو سعة العطاء وكثرته. وهو صفة من صفات الله تعالى، فهو الموصوف بالجود الكامل عن تمام غنىً. ففي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (إن الله جواد يجب الجود، كريم يجب الكرم) رواه الترمذي.

وروى الترمذي أيضًا من حديث أبي ذرٍ رضي الله عنه: (... وَلَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كلّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كلّ سَائِلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلاَ كَمَا لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ مَرّ بِالبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائي كلامٌ وَعَذَابِي كلامٌ، إِنّمَا أَمْرِي لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْتُه أَنْ أَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى الفضيل بن عياض، أن الله تعالى يقول كل ليلة: "أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم".

فالله سبحانه هو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.. وقد ذكر أهل العلم أنه سبحانه يضاعف جوده على عباده في الأوقات الفاضلة، كما في يوم عرفة ويوم النحر، وعشر ذي الحجة وغيرها من مواسم الخيرات والتي من أخصها شهر رمضان الذي أنزل فيه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة:186).
وهذا الجود من الله على عباده في الحِسيات والمعنويات، فيفتح الله عليهم من أبواب الأرزاق ويوسع عليهم فيه من المطعومات والمأكولات والمشروبات والملبوسات ما لا يوسع في غيره، وهذا محسوس مشاهد، وكذا يفتح من أبواب العفو والصفح والتوبة والمغفرة ما لا يكون في غيره، ويكفي في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة". وقوله عن أبي أمامة: "لله عند كل فطر عتقاء) رواه أحمد.

سمع الشِبلى رجلاً يناجي ربه ويقول: يا جواد، فقال: بلى يا جواد، فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، فأنت الجواد، كلُّ الجواد، فإنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا صفة له ولا حدود، فأنت الجواد الذي يعلو كل جواد، وبه جاد كل من جاد. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَدُ اللَّهِ مَلأَى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ)..

جود النبي صلى الله عليه وسلم:
ولما كان الله عز وجل قد جبل نبيه صلى الله عليه وسلم على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وكان الجود من شواشي مكارمها، وذروة سنام فضائلها، كان له صلى الله عليه وسلم منها القدح المعلى، والنصيب الأسمى، والمكان الأسنى، فهو بلا شك أجود بني آدم مطلقًا كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف، وهذا مقتضى السيادة التي كانت له عليهم، كما في الحديث الصحيح: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

لقد تمثل فيه الجود بكل أشكاله، وجميع أنواعه، وشتى صوره من بذل العلم، والندى بالمال، والجود بالنفس لله تعالى في سبيل إظهار الدين وهداية الخلق، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، فكان صلى الله عليه وسلم يطعم جائعهم، ويقضي حوائجهم، ويحمل أثقالهم، ولم تزل تلك صفاته منذ نشأ حتى جاءه جبريل بأمر النبوة والرسالة، فاستدلت اللبيبة الذكية العاقلة الزكية (خديجة رضي الله عنها) بحسن خلقه على أهليته للرسالة، وعدم خذلان الله له عندما قال لها: (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ: كلا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) رواه البخاري.

ثم تزايدت هذه الصفات بعد مبعثه وتضاعفت ببركة الوحي أضعافًا كثيرة، حتى قال أنس رضي الله عنه - كما في الصحيح - : (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا) رواه البخاري.

وعند مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَىَ الإِسْلاَمِ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَىَ قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءً لاَ يَخْشَى الْفَاقَةَ).
وعن أنس رضي الله عنه قال: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَىَ قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَواللهِ إِنَّ مُحَمَّداً لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. فقالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلاَّ الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّىَ يَكُونَ الإِسْلاَمُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
وفي صحيح مسلم أيضًا عن صفوان بن أمية قال: (وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّىَ إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ).
قال ابن شهاب الزهري: أعطاه مائة من النعم، ثم مائة ثم مائة. وقال الواقدي: أعطاه يومئذ واديًّا مملوءًا إبلاً ونعمًا، فقال صفوان
: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.


وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أن الأعراب علقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: (لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلا ولا كَذُوبًا ولا جَبَانًا).
وروى البخاري ومسلم
عن جابر قال: (ما سئل  رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  شيئًا فقال لا). قال جابر: "قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَو قَدْ جَاءنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً".

وروى البخاري من حديث سهل بن سعد، أن شملة أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم فلبسها - وهو محتاج إليها ـ فسأله إياها رجل فأعطاه، فلامه الناس فقالوا: كانَ مُحْتاجاً إِلَيْهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إِنَّما سَأَلْتُها لِتَكُونَ كَفَنِي، فَكَانَتْ كَفَنَهُ).
لقد كان صلوات الله وسلامه عليه يعطي عطاء تعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ورغم أن الكنوز الدنيا لو شاء كانت بين يديه، إلا أنه جاد بذلك كله ورضي لنفسه أن يعيش عيش الفقراء، لينال ثواب الآخرة كاملاً غير منقوص، فكان يمر الهلال تلو الهلال تلو الهلال ثلاثة أهلة في شهرين لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع وهو مع ذلك أجود الناس وأكرمهم وأسخاهم يداً.
تعود بسط الكف  حتى لو أنه.. ... .. ثناها لقبض لم تطعه أنامله
تراه إذا ما جئــته متهللاً.. ... ..كأنك تعطيه الذي أنت سائله
هو البحر من أي النواحي أتيته.. ...فلجته المعروف والجود ساحله
ولو لم يكن في كفه غير روحه.. ... .. لجـاد بها فليتق الله سائله


الصحابة رضي الله عنهم
ولما كانت مكارم الأخلاق تعدي، كان أكرم الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  أصحابه الذين عايشوه وتطبعوا بطباعه أو قلدوه واتبعوا هديه، فلم يقدروا أن يخالفوه طبعًا بعد أن فعلوه شرعًا – كما قيل - :
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى.. ... ..وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِنْ كَفِّهِ يَعْدِي

هذا أبو بكر رضي الله عنه ينفق كل ماله لله ليس مرة بل مرات.
هذا عمر رضي الله عنه يتصدق بنصف ماله في غزوة، فانظر ماذا أنفق بقية عمره وطيلة حياته.
وأما عثمان رضي الله عنه فما زال ينفق في سبيل الله حتى قال صلى الله عليه وسلم عنه: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم).
وهذا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أحد العشرة، والذي أطلق عليه طلحة الخير لكثرة فضله، وهو أكرم العرب في الإسلام، جاءه رجل فسأله برحم بينه وبينه فقال: هذا حائطي بمكان كذا وكذا، قد أعطيت فيه مائة ألف درهم، يراح إلى بالمال العشية، فإن شئت فالمال وإن شئت فالحائط.
قال زياد بن جرير: رأيت طلحة فرّق مائة ألف في مجلس وإنه ليخيط إزاره بيده.
وهذا هو الزهد .. الزهد فيما تملك لا فيما لا تستطيع تحصيله.. الزهد في الدنيا بعد أن صارت في يدك لا أن تزهد فيها وهي في يد غيرك وأنت غير قادر عليها..
ولا ننسى عائشة رضي الله عنها، ربيبة بيت النبوة، الخيرة كأبيها، الكريمة كزوجها، كانت من الأجواد، تصدقت يومًا بمائة ألف وهي صائمة، فلم تبق لنفسها ما تشتري به فطورًا، تقول لها جاريتها: لو أبقيت لنا ما نفطر به، قالت: لو ذكرتني لفعلت..
جاءها يومًا المنكدر، فقال: يا أم المؤمنين، أصابني فاقة، فقالت: ما عندي شيء، فلو كان عندي عشرة آلاف درهم لبعثت بها إليك. فلما خرج جاءتها عشرة آلاف عند خالد بن أسيد، فأرسلت بها في أثره، فأخذها، ودخل السوق فاشترى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عباد المدينة (محمد بن المنكدر
، وأبو بكر، وعمرو) وكلهم في ميزانها.


وقبل أن أختم لابد من ذكر فاكهة الجود، عبد الله بن جعفر رضي الله عنه وعن أبيه، وجوده يتضح لك من موقف واحد يدل على ما وراءه، حين دخل على يزيد بن معاوية، فقال يزيد: كم كان أبي يعطيك؟ قال: كان يرحمه الله يعطيني ألف ألف، فقال: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف. قال: بأبي وأمي أنت. قال: ولهذه ألف ألف. قال: أما إني لا أقولها لأحد بعدك.. فقيل ليزيد بعد ما خرج عبد الله : تعطي رجلا واحدا ثلاثة آلاف ألف؟! فقال: بل أعطيتها لأهل المدينة جميعا.. اذهب فانظر ماذا يصنع فيها. فذهب الرجل يرقب عبد الله بن جعفر، فإذا به يفرقها على فقراء المدينة، فما مر شهر حتى كان قد فرقها جميعا واستدان عليها.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم .. .. إذا جمعتنا يا جرير المجامع


إننا نحتاج أن نجود في رمضان وفي غيره .. فإخواننا في كل مكان يحتاجون من يجود عليهم وينتظرون من يمد لهم يد العون.. فأنفقوا ينفق الله عليكم.. فما نقص مال من صدقة.. ومن يقرض الله قرضا حسنا يضاعفه له أضعافا كثيرة.. اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ... آمين..

231031 الاستقامة على الطاعة بعد رمضان

المقال

جاء رمضان... وبسرعة ذهب رمضان.

وكان ولابد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا؟

ماذا بعد الصيام والقيام والذِكْر والطاعات والدعوات والصدقات وقراءة القرآن وفعل الخيرات؟

ثم استقاموا

إنها الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}(فصلت:30).

أن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه.

قال أبو بكر رضي الله عنه: "استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً".

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لم يروغوا روغان الثعالب".

فيحاول العبد أن يستقيم على طاعاته بعد رمضان، وألا ينقطع عنها كليا.

أسباب معينة

فالاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.. منها:

أولا: الاستعانة بالله

أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة. أما الناظر إلى عمله المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا) رواه أبو داود.

ثانيا: المجاهدة

أن تعلم أن الاستقامة لا تتحصل بالهجوع في المضاجع، ولا بالاستمتاع بكل ما لذَّ وطاب من الشهوات والملذات، بل تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة.. مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، حتى تأتي بأمر الله على تمامه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت:69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}(السجدة:24).

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله. 

إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.

ثالثا: رفقة أهلها 

وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: "كنتُ إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوع".. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة تركب الواحد وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

علامات القبول 

إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه.. وإذا كان رمضان قد انقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض.. ومَنْ كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومَنْ كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء عالِم بني إسرائيل الذي أذاقة الله حلاوة الإيمان وآتاه أياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ}(الأعراف:175).

وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلاً قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}(النحل:92).

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: (يا عبْد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل). وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان عمله ديمة) متفق عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) رواه مسلم.

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثا.

وعلى الذين كانوا يحافظون على الصلاة فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات.

وعلى الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات فلما غاب رمضان عادوا إليها.

وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن.

وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الرد وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة .. نعوذ بالله من الخذلان.

عبادة حتى الموت

لقد علمنا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها.. فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسما آخر .. فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}(البقرة:197) .. وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال.

وسنَّ لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر). وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}(الحجر:99).

اللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين، كما مننتَ علينا بالطاعة في رمضان، أن تمن علينا بها بعد رمضان.. وكما وفقتنا للقرآن في رمضان أن توفقنا له بعد رمضان. وكما وفقتنا للقيام في رمضان، أن توفقنا له بعد رمضان. آمين.

227977 انتهاء رمضان بين الحزن والفرح

المقال

كل عام وأنتم بخير، وأسعد الله أيامكم، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، تقبل الله منا ومنكم الصدقات وقراءة القرآن، تقبل الله منا ومنكم الطاعات والعبادات وسائر الأعمال.

ها هو شهر رمضان قد مضى
مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة.
مضى بعد أن كان بين أيدينا، وملء أسماعنا ونور أبصارنا، وبهجة قلوبنا.
بعد أن كان حديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا.

مضى بعد أن انفض سوق تجارته، وانتهى مضمار سباقه.
مضى حاملا معه صحائف أعمالنا، شاهدا فيها لنا أو علينا.
مضى بعد أن قسم الناس إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.
فليت شعري من أي الأقسام نحن؟.

لقد فاز في رمضان من جد واجتهد؛ ففاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران.
وخسر من خسر بسبب الغفلة والذنوب والعصيان.
فليت شعري من الفائز فنهنيه، ومن الآخَر فنعزيه؟

مضى رمضان فبكت قلوب المؤمنين حزنا على فراقه قبل أن تدمع عيونهم..
وحق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تبكي وتدمع على فراق شهر الرحمة والتوبة والرضوان الغفران.

حق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تدمع على شهر اكتحلت فيه بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزَّت جباهنا بالسجود والذل لرب الأرض والسماء.

حق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تدمع على شهر الجد والاجتهاد.. بعد أن جعل القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله متعتنا، وذِكْر الله غذاءنا.

لكنني أقول أيها الإخوة
لئن كان من حقنا أن نحزن على فوات كل هذا الخير بفوات رمضان.. إلا أنه أيضا من حقنا أن نفرح:
نفرح بنعمة الإسلام التي لولاها ما عرفنا الله، ولا عرفنا رسول الله، ولا عرفنا رمضان، ولا عرفنا القرآن.

نفرح بنعمة الإسلام الدين الذي اختاره الله لنا واختارنا الله له بعد أن اختاره الله لنفسه فلا يقبل من أحد دينا سواه.. {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ}(آل عمران:19)، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران:85)..

نفرح بنعمة الله علينا، وبإحسانه إلينا وإتمام نعمته وإكمال فضله.. فأكرمنا ببلوغ رمضان، وأتم علينا نعمته بإكماله، وتفضل علينا بتوفيقه، فوفقنا فيه فصمنا الشهر كاملا، وقمنا الشهر كاملا، ودعوناه ورجوناه وأملنا خيره وبره وثوابه ونعماه.

ولماذا لا نفرح والله تعالى يقول: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}(يونس:58)؟

ولماذا لا نفرح النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)..
وقد صمنا بحمد الله، وقمنا بفضل الله، والتمسنا ليلة القدر قدر الطاقة والمستعان الله.
فاللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانا واحتسابا، وقام رمضان إيمانا واحتسابا، وممن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا.

إن انقضاء رمضان ليس معناه انتهاء العبادة..
فإذا كان رمضان قد انتهى وزال فإن رب رمضان لا يزول ولا يحول، وإن كان رمضان مضى وفات فإن رب رمضان هو الحي الذي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ليس معنى انتهاء رمضان نهاية الصوم، فإذا كان صوم الفريضة قد تم فهناك صيام النوافل (الاثنين والخميس، والست من شوال، وعاشوراء، وعشر ذي الحجة)

وإذا كان قيام رمضان قد انتهى، فإن قيام الليل لم ينته.. والأمر ما زال كما قال عليه الصلاة والسلام (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل).

وأما القرآن فليس هو بكتاب رمضان فقط، وإنما هو دستور الله لأمة الإسلام على مدار الأوقات والأيام والأزمان.

فيا أيها الأفاضل الكرام:
واصلوا طاعاتكم، وتابعوا قرباتكم، فإن من علامات قبول الطاعة الطاعة بعدها، فلا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياله، ولا بالجود والكرم آخر يوم فيه.. ولكن شمروا واستقيما على ما كنتم فيه في رمضان فـ {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}(فصلت:30).

إن انقضاء رمضان ليس معناه أن يعود الإنسان إلى سابق عهده قبله ويرجع إلى سالف ذنبه، ويطلق سمعه وبصره ولسانه، ويظهر سيء خلقه؛ فإن النكوص والارتداد على الأعقاب بعد زمن الطاعة من علامات الرد وعدم القبول.
يقول ابن رجب رحمه الله: "من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إليها بعد الشهر ويعود، فصومه مردود وباب القبول عليه مسدود".

وقد حذرنا القرآن عن هذا المسلك غير الرشيد وهذا المسلك غير السديد فقال سبحانه: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا}(النحل:92). وقال سبحانه: {ولا تبطلوا أعمالكم}(محمد:33).

وهو تحذير للذين كانوا يحافظون على الصلوات في المساجد في رمضان فلما انتهى تركوها.

وإلى الذين كانوا يقرؤون القرآن في رمضان فلما مضى هجروه وأعادوا المصاحف إلى رفوفها.

وإلى الذين تركوا المحرمات ـ من شرب دخان ومخدرات ومسكرات ـ فلما انتهى رمضان عادوا إليها وقارفوها.

وإلى الذين هجروا مشاهدة المحرمات وسماع الأغنيات طيلة رمضان فلما مضى عادوا إليها ووقعوا فيها.

إن الإسلام يعلمنا أن مواسم الطاعة لا تنتهي، كلما انقضى موسم أتى موسم، فإذا مضى موسم الصيام بدأ بعده مباشرة موسم الحج، وفي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صوم الدهر).

فكونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين، ولا تقطعوا طاعاتكم وعباداتكم؛ فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال.. وجعلنا وإياكم من المقبولين الفائزين.

230953 رمضان.. أدركوه قبل أن يرحل

المقال

 الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.. وبعد:
فمنذ أيام قريبة كنا ندعو الله أن يبارك في أعمارنا وينسأ في آجالنا حتى ندرك رمضان، وأعطينا العهود الوثيقة بأن نعمره بطاعة الله قدر الطاقة.. واستجاب الله لنا بمنه، وحقق أمنيتنا بفضله، فمد في الأعمار حتى أدركنا رمضان...

وجاء رمضان، وكما هي عادة الأيام المباركات، مر مسرعا، فإن مثل مواسم الخير وساعات البر كمثل القطار أو الطائرة، من كان مستعدا له منتظرا قدومه ركب فيه فبلغ به غايته وحقق به أمنيته، ومن كان غافلا عنه فاته غير مأسوف عليه.

وقفة محاسبة:
لقد مر من رمضان أكثره، ولم يبق أقل من القليل، فينبغي للمسلم أن يقف وقفة يحاسب فيها نفسه: ماذا قدم فيما مضى؟ وماذا يرجو مما بقي؟ حتى لا يخرج رمضان كما دخل، وحتى لا نخرج نحن منه كما دخلنا فيه.

وهذه المحاسبة أثناء العمل أصل من أصول النجاة في الآخرة، وسبيل إلى تحقيق الآمال بتحسين الأعمال، ورد النفس عن الميل أو النقص أو عن سوء القصد، ولتجديد العزم، ورفع الهمة، وتصحيح النية.

والمحاسبة من أصول السير والوصول إلى الله سبحانه، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر:18).
وقال صلى الله عليه وسلم: (الكيِّس (العاقل) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت..) رواه الترمذي وحسنه. ومعنى: (دانَ نفسه) أي حاسبها..
قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

قال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة همته".

وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه. (فالنفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك).

وذكر الإمام أحمد أنه: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه من نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات وإجماما للقلوب.

وقال الحسن البصري أيضا: "المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة".

فلابد من هذه المحاسبة لتعرف أين أنت، وماذا استفدتَ من صيامك وقيامك؟ وهل تحقق فيك مقصود الله تعالى من فرض الصيام، وهل تحقق لك مقصودك من شهر رمضان؟
هل رق قلبك بعد قسوته..؟
هل نديت عينك بعد جمودها..؟
هل قويت إرادتك بالصوم فتركت معاص كنتَ تقترفها مما حرم الله، أو حديث فيما يغضب الرب أو لا يرضيه أو غير ذلك مما يعد خللا في الخلق والدين..؟
هل تحسَّنت بالصوم أخلاقك، وتهذبت به ألفاظك..؟
هل أحسستَ بنسائم المغفرة وقد هبت على ذنوبك لتمحوها..؟
هل أحسست بسحائب الرضوان وقد تنزلت على نفسك لتزكيها..؟
هل أحسست ببشائر العتق من النار، قد دلت عليها خفة النفس وانشراح القلب، وانطلاق العين، والإقبال على العبادة..؟
هل اشتم قلبك ريح الجنة ونسيمها، أم أن قلوبنا ما زالت مزكومة ببرد المعاصي وطبقات الران عليها..؟

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا صائمين لكن ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وذكر أناسا قائمين لكن ليس لهم من قيامهم إلا طول السهر.
ذلك أنهم لم يعرفوا من رمضان إلا ترك الطعام والشراب.
رمضــان رُبَّ فــمٍ تَمَنَّع عن طعــام أو شراب
ظن الصيام عن الطعام هو الحقيقة في الصيام
وانهال في الأعراض ينهشها ويقطع كالحسـام
ياليته إذ صـــام صـــام عن النمــائم والحــرام

مازلنا نراهم.. أغفل الناس في زمان الجد والاجتهاد، وأولع الناس بمشاهدة الأفلام والمسلسلات والجلوس إلى القنوات، أكثر الناس تسكعا في الأسواق في مواسم الخيرات.

زيدوا أنتم في العمل
أيها الأحبة: إن كان رمضان قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم من العمل، فكأنكم به قد انصرف، فإنه قد بدأ إدباره، وآذن بوداع، وإن ما بقي منه سيمر كطرفة عين أو ومضة برق، أو كلمح البصر أو هو أقرب.

إن هذه الأيام هي أيام التنافس الحق.. أيام تبتلى فيها الهمم، وتتميز فيها العزائم.. وإني ـ والله ـ لكم لمن الناصحين.

إنها أيام وليالٍ نطق بقدرها الكتاب الكريم، وبين مكانها النبي الأمين، وتحدث عن فضلها الوعاظ والعلماء، وأطنب في مدحها الدعاة والخطباء.. فماذا تنتظر حتى تنضم إلى سلك سبيل المؤمنين، وتسطر اسمك في قافلة الراكعين الساجدين؟!!

إن أيام شهركم تتقلص، ولياليه تتقضي، وساعاته الطيبة تسارع في الرحيل شاهدة بما عملتم، وحافظة لما أودعتم، فهي خزائن مستودعة تدعون لرؤيتها يوم القيامة {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا}(آل عمران:30)، حين تسمعون القول الحق من الإله الحق كما في الحديث القدسي: (ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم وأوفيكم إياها؛ فمن وجد خير فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
إنها فرصة عظيمة تغترف من الحسنات تملأ بها كتابا طالما سوَّدت صفحاته المعاصي والسيئات فلعلك تسعد به حين يقال: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}(الإسراء:14).

إن هذه الأيام والليالي التي نعيشها هي أعظم ليالي السنة، بل هي كالتاج على رأس الزمن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظمها أكبر تعظيم، ويستعد لها أجمل الاستعداد، ويجتهد فيها ما لا يجتهد في سواها.. ففي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها قالت: "كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره". يشد مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله، ويعتكف في المسجد.. كل ذلك طلبا لليلة القدر التي من حرم خيرها فقد حرم.. فإياك أن تكون من المحرومين. 

إن العشر تكاد أن تنخرم، ويكاد رمضان أن يذهب عنا شاهدا لنا أو علينا، فما بين مقتصد وظالم لنفسه وسابق بالخيرات.. وقد علمت ما كان رسول الله يعمل في هذا الوقت؛ فاجعل منه لك أسوة وقم فشد مئزرك، وأيقظ أهلك، وأحيي ليلك عسى أن تنال بركة العشر، وتفوز بليلة القدر، ويكتبك الله من العتقاء من النار.
فاللهم ألزمنا هدي نبينا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وبالعتق من النار شهرنا.. آمين.
 

103283 رمضان والرحيل المر

المقال

أرأيتم لو أن ضيفًا عزيزًا ووافدًا كريمًا حبيبًا حلَّ في ربوعكم، ونزل بين دياركم، وغمركم بفضله وإحسانه، وأفاض عليكم من بره وامتنانه.. أحبكم وأحببتموه، وألفكم وألفتموه.. حتى إذا تعلقتم به، ثم حان وقت فراقه، وقربت لحظات وداعه، فبماذا عساكم مودعوه؟ وبأي شعور أنتم مفارقوه؟ 

خليليّ شهر الصوم زُمَّت مطاياه   وسارت وفود العاشقين بمسراه
فيا شهر لا تبعد لك الخير كله      وأنت ربيع الوصل يا طيب مرعاه
مساجدنا  معمورة في نهـاره       وفي ليله والليل يحمـد  مسـراه
عليك سـلام الله شهر قيامنا         وشهر تلاقينا بدهـر أضعــناه

 

دهاك الفـراق فما تصنع     أتصبر للبين أم تجــزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة    فكيف تكون إذا ودعوا

 

هاهي أمة الإسلام تودع شهر رمضان، رمضان الذي كنا بالأمس القريب نستقبله، وهانحن وبهذه السرعة نودعه، مرَّ علينا وكأنه دقائق أو بضع ساعات، وكأني بك تسمع قول الله وهو يحذر المؤمنين من الفوات ويستحثهم على  اغتنام الأوقات؛ فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ}(البقرة: 183، 184). ومرت الأيام المعدودات وكأنها غمضة عين أو ومضة برق، ولم يبق إلا سويعات وإنها والله مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.  

لقد عزم رمضان على الرحيل، وشمَّر عن ساق، وآذَن بوداع وانطلاق، فقوضت خيامه، وتصرمت أيامه، وأزف رحيله وانتقاله، ولم يبق لنا منه إلا سويعات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

مضى رمضان

مضى الشهر الذي شرفه الله وعظمه، ورفع قدره وكرمه، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر الرحمة والعفو والغفران. شهر أنزل الله فيه كتابه، وفتح للتائبين العائدين فيه بابه، فلا دعاء إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، ولا شهر إلا مدفوع ممنوع.

شهر تنزل فيه البركات، وتكثر فيه الصدقات، وتكفر فيه السيئات، وتقال فيه العثرات، وترفع فيه الدرجات، جعله الله لذنوبنا تطهيرًا ولسيئاتنا تكفيرًا.

شهر الأمن والأمان، والبركة والإحسان، والتجاوز والغفران، والعتق من النيران. شهر النسك والتعبد، والقيام والتهجد، والركوع والتسجد.

شهر كانت أبواب الجنة فيه مفتحة، فلا يغلق منها باب، وأبواب الجحيم موصدة فلا يفتح منها باب، ومردة الجن مُصفدة مسلسلة فلا سلطان لها على العباد، ومنادٍ ينادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. 

كل هذا الخير العميم والفضل العظيم يذهب بعد سويعات بذهاب رمضان، فحُقَّ أن تتقطع ـ والله - لفراقه قلوب المؤمنين، وتتحرق لذهابه نفوس المتهجدين، وتسيل لوداعه دموع الصائمين القائمين.  

يا شهر رمضان: غير مودَّع ودَّعناك، وغير مزهود فيك فارقناك، ولو كان الأمر لنا لما تركناك.
أتراك تعود بعدها علينا؟ أم يُدركنا الموت فلا تؤوب إلينا.. اللهم أعد علينا رمضان أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة.

 

عبرة وعظة
إن في انقضاء رمضان إشارة بانقضاء الأعمار وسرعة فناء هذه الدار، وتذكيرًا لكل مسلم بأن الدنيا كلَّها أيامٌ محدودة وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، وأنها مهما طالت في أعين المخدوعين فإنها ظل زائل وسراب خادع  {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (لقمان:33)، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} (غافر:39).

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

وقال صلى الله عليه وسلم: "مالي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها".
روي عن عيسى عليه السلام أنه قال لأصحابه: الدنيا قنطرة اعبروها ولا تعمروها.
وقال: من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا؟  تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.

مضمار سباق

إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا.
رمضان سوق قام وهاهو يكاد أن ينفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.. فليت شعري مَن المقبول منا فنهنيه ومن المطرود منعزيه؟!
 

لقد انقسم الناس في رمضان إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، فالسعيد من وفقه الله لطاعته وإتمام العمل وإخلاصه. والشقي من فرط في الشهر وضيعه وخرج منه كما دخل فيه، مصرًّا على الذنب مقيمًا على العصيان. 

فيا من أحسنت في رمضان هنيئًا لك ثواب الله ورضوانه، ورحمته وغفرانه، وعفوه وامتنانه. وأدِم الطاعة لله حتى النهاية فإن الأعمال بالخواتيم، وإياك والغرور فيرد عليك عملك.

ويا أيها المسوف المصر على طغيانه المتمادي في عصيانه؛ لقد عظمت والله مصيبتك وجلت بليتك.. أما سمعت نبيك وهو يقول: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له...". فإلى أي يوم أخرت توبتك؟ وإلى أي عام ادخرت أوبتك؟ أإلى عام مقبل أم إلى رمضان قادم.. هيهات.. وما أدراك أن تبقى مدة عام؟! كم ممن أمِل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر؟! وكم من مستقبل يومًا لم يستكمله؟! ومؤمل غدًا لم يدركه. إنك لو أبصرت الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروه.

تؤمل أن تخلد والمنايا                       تدور عليك من كل النواحي
ولا تدري إذ أمسيت يومًا                   لعلك لا تعيش إلى الصباح

كم كنت تعرف ممن صام في سلف        من بين أهلٍ وجيران  وخـلاَّن
أفناهم الموت واستبقاك بعــدهُمُ            حيًّا فما أقرب القاصي من الداني

أين من كانوا معنا في رمضان الماضي شاهدين؟! أتاهم والله هادم اللذات وقاطع الشهوات ومفرق الجماعات، فأخلى منهم المشاهد، وعطَّل منهم البيوت والمساجد. فهم في بطون اللحود صرعى لا يملكون لأنفسهم خيرًا ولا نفعًا، ينتظرون أن ينفخ في الصور ليعرضوا على الله فيجازيهم على ما قدموا.

أيها المغرور! أتنتظر أن تكون مثلهم.. تفرط في رمضان وهو في يدك وتطلب غيره وهو بعيد عنك؟!

أتترك من تحب وأنت جار     وتطلبهم وقد بَعُدَ المـزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقًا         وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهمُ حضور    وترجو أن تخـبرك الديار
فنفسك لم ولا تلم المطايا       ومت كمدًا فليس لك اعتذار

 

الأعمال بالخواتيم

أيها الأحبة الصائمون.. لإن كان قد بقي لنا في رمضان كلام فهي دعوة وتذكير..

دعوة لجميع المسلمين أن يجتهدوا في الساعات الباقية فيختموا شهرهم بالحسنى؛ فإن الأعمال بالخواتيم. ومن أحسن فيما بقي غفر له ما مضى. ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقى.

 

وخير ما تشغل به هذه الأوقات هو الاستغفار وطلب العفو من العزيز الغفار، فإنه ختام الأعمال الصالحة، به ختم الله الحج فقال: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(البقرة:199).
وبه ختم قيام الليل فقال: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}(آل عمران:17).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يختم به صلاته فيقول: (أستغفر الله، أستغفر الله.. اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

وأمر الله نبيه أن يختم به حياته فقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}(النصر:3).

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم أن يختموا رمضان بصدقة الفطر وبالاستغفار.. فأكثروا من الاستغفار، وأظهروا لله الحاجة والافتقار.. وقولوا كما قال آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(الأعراف:23).

وكما قال نوح: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(هود:47). 

وكما قال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(القصص:16). 

وكما قال ذو النون: {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنبياء:87). 

بل وكما قال الصحابة رضي الله عنهم: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(البقرة:286).

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتول أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، واجعلنا من عتقائك من النار.

230704 من حكمة المنان في فريضة الصيام

المقال

دين الإسلام مصلحة كله، وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.. والإسلام كله مبني على الحكمة وإرادة المنفعة للناس؛ قال الإمام البيضاوي في كتاب المنهاج: "إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد"(ص:233)، والفقه الحقيقي هو معرفة هذه الحكم والتضلع بهذه المقاصد؛ قال ابن تيمية رحمه الله: "من فهم حكمة الشارع كان هو الفقيه حقا"، وقال أيضا: "خاصة الفقه في الدين معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها" (الفتاوى:11/354).

وإدراك مقاصد العبادات وحِكَمها يهون العبادة على ملتزميها؛ كما أنهم يعيشون روحها ومعانيها، فلا تؤدى على أنها عادات وتقاليد موروثة لا يشعرون بلذتها وحلاوتها ولا يستفيدون مراد الشارع فيها.
قال الشيخ مصطفى السباعي عن ذلك: "ليكون أوقع في النفس وأعمق في الأثر، وليكون المؤمن أكثر اطمئنانا للعبادة حين يؤديها وللتشريع حيث ينفذه".

والصيام أحد شعائر هذه الشريعة المباركة، وقد تكلم العلماء في حكمة فرض الله له فذكروا من مقاصد الصوم وحكمه بعض ما بدى لهم وظهر، وإلا فإن العقول عاجزة عن الإحاطة بحكمة الحكيم ولطف اللطيف الخبير سبحانه جل في علاه.. فكان مما ذكره العلماء من الحكم:

أولا: مواساة المحرومين والتكافل بين المؤمنين:
ذكر الإمام ابن رجب في كتابه لطائف المعارف ص 314 عن بعض السلف أنَّه سئل: "لِمَ شُرِع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع".
وحينما سئل يوسف عليه السلام: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع". فإنما يعرف ذوق التعب من نازله، ويعرف قدر الألم من كابده:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده .. .. ولا الصبابة إلا من يعانيها.

ولهذا كان من مقاصد الصيام الجليلة أنَّ فيه تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، وغرس الرحمة بطريق عملي في قلوب أغنياء المسلمين نحو فقرائهم، فيتذكُّر الموسرون إخوانهم الفقراء الذين يقاسون الحرمان أبد الدهر، ويقفون على حقيقة معاناتهم وآلامهم، فتسارع الرقة إلى قلوبهم، وتتهيأ أنفسهم لمواساة الفقراء بالمال والإطعام والتصدق والبذل والجود والإحسان، وهذا من أعظم التكافل الاجتماعي الذي يسبب التآلف بين المسلمين، وتوثيق الروابط بين الأبناء المجتمع.

ثانيا : إدخال العزاء والسلوى على قلوب الفقراء
بما يرون من مشاركة الأغنياء والأثرياء في الحبس عن الطعام والشراب والامتناع عن الملذات، وليس أدخل للسلوى على قلب المعدم البائس من وقوفه مع الغني موقف المساواة ولو ساعة من نهار.

ثالثا: القبض على زمام الشهوة من الوقوع في الآثام
فإن المرء ربما تاقت نفسه إلى النساء ولا يجد طولا، ويخشى العنت، فيكسر حدة شهوته بالصوم، ولذلك قال النبي صلى لله عليه وسلم للشباب: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أعف للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي قاطع للشهوة.

رابعا: الشعور بفقر العبودية وحاجتها
فإن تألم النفس لحبسها عن الطعام يشعرها بضعفها وذلتها وحاجتها فتسكن إلى ربها خاشعة، وتقف على مقدار ضعفها وعجزها، وترى كيف ضعفت قواها ووهنت للقمة من طعام فاتتها وشربة من ماء تأخرت عنها، والعبد إذا لم ير ذل نفسه استحال أن يرى عظمة مولاه، فإن "من عرف نفسه عرف ربه".. أي من عرف نفسه بالضعف والفقر والحاجة عرف ربه سبحانه بالقوة والغنى والعزة.

خامسا: إضعاف تأثير الشيطان على الصائم:

فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا صام المسلم ضيق علىه مجاريه؛ فلم يستطع أن يؤثر عليه أو يوسوس إليه كما كان في فطره وشبعه.. وفي هذا إعانة للعبد على أن يملك زمام نفسه، والسعادة كلها في ذلك، كما أن الشقاوة كل الشقاوة أن تملكه نفسه.
قال ابن القيم : "الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات". (زاد المعاد2/29).
ويقول الإمام الكمال بن الهمام في فتح القدير: "الصوم يسكن النفس الأمَّارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلُّها".

سادسا: تعود الصبر على المكاره والثبات عند الشدائد
فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن كل ما تشتهي مما منعه منه الصيام ـ وإن كان حلالا في غيره ـ فهو يزود المسلم بعزم قوي وصبر حسن، خصوصا عند آخر اليوم وشدة الجوع والعطش ووجود الماء والطعام، ومع ذلك لا يميل إليه ولا تحدثه نفسه بتناوله مهما تاقت له تصبرا واحتمالا وطلبا لثواب الله رب العالمين. ولذلك قيل "إن الصوم نصف الصبر".

سابعا: تذكير العبد بالفارق بين ذل العبودية وعز الربوبية
لأن الصيام يذكر الإنسان بحاجته للطعام والشراب وعدم استغنائه عن ذلك؛ فيرفع عنه رداء الكِبْر والفخر والخيلاء، ويصيره خاضعا لخالفه ورازقه، فلا يطمع أحد بعد ذلك في التبجح بألوهية أو ادعاء ربوبية كما قال فرعون والنمرود وأشباههم، ولذلك احتج الله على من اتخذ عيسى وأمه إلهين فقال: {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}(المائدة:75) فهما محتاجان إليه ذليلان به، ولا يكون الإله محتاجا ذليلا. وإنما أحد فرد صمد غني عن كل من سواه، وكل من سواه فقير محتاج إليه كما قال سبحانه {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز}(فاطر:15).

ثامنا: تحصيل التقوى:
وهذا هو المقصد الأسمى والأعلى من حكمة مشروعية الصيام.. وهو الوصول بالصائمين إلى مرتبة المتقين.. والصيام من أعظم العبادات التي يتدرب بها على الوصول لهذه المرتبة العظيمة.. وكل ما في الصيام يوصل إليها، إذا صام الإنسان حق الصيام..

وإذا كانت التقوى هي: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل" كما قال عليّ رضي الله عنه.. فإن الصائم قد جمع له ذلك كله، فصام خوفا من الله، ولولا هذا الخوف لأفطر وما صام.. والصوم عمل بكتاب الله وطاعة لأمره وإذعان لشرعه  .. وكل هذا من الاستعداد ليوم القيامة و(من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا).. ولا شيء يصل ثوابه لثواب الصوم كما في الحديث (والصوم لي وأنا أجزي به).. فلا يستعد ليوم المعاد بمثل عبادة الصوم.

وإذا كانت التقوى هي: "العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله" كما قال طلق بن حبيب رحمه الله.. فإن الصائم قد توفَّر له ذلك أيضا: فالصوم طاعة لله، والالتزام بوقت الصوم الذي حدده الشارع هو الضابط، وإنما ذلك كله رجاء ثواب الله.. وفي الصوم ترك لكل ما يغضب الله ويفسد الصيام ويجرحه، خوفا من ضياع الصوم وخشية من عقاب الرب.

وأعظم دلالات التقوى في الصيام أن العبد لا يفطر بلا عذر وإن تعرض للعقوبة أو الضرب تعظيما لأمر الله. وأعظم من ذلك دلالة ما ذكره ابن رجب وغيره أن من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه وتهواه نفسه من طعام وشراب وشهوة، لأنه يعلم أن الله يكرهه في هذا الوقت، ثم يحبه ويقبل عليه في الوقت الذي أباحه الله له فيه. فليس شيء أدل على التقوى من هذا، ولا أكبر منه إلا ترك كل هذه المشتهيات عند الاختفاء عن أعين الناس مراقبة لعين الله سبحانه.. وهذا هو مقام الإحسان.. أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وباب الحكمة من الصيام ومقاصده باب واسع جدا.. وهو متسع لكل من يلج..
فاللهم علمنا وفهمنا وتقبل منا يا أرحم الراحمين.
 

227635 رمضان.. ولزوم التوبة

المقال

رمَضانُ أقبلَ قُم بنا يا صاحِ هذا أوانُ تبتُّلٍ وصلاحِ
واغنَمْ ثوابَ صيامه وقيامِه تَسعَدْ بخيرٍ دائم وفَلاحِ

ها هي الشهور قد توالت متتابعات، وها هي الأيام قد انفرطت مسرعات تؤذننا بقرب دخول شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والبركات.

وقد اتفقت كلمة الأمة على أن رمضان أعظم موسم خير وأكبر نفحة يهبها الله للمسلمين، فإذا كان الأمر كذلك.. وجب على كل مسلم ألا يتعامل مع رمضان كتعامله مع بقية الشهور، ولا مع أيامه تعامله مع بقية الأيام، لأن التعامل مع الأمور المتفاوتة نفس التعامل دليل قلة عقل وعدم فهم، وسوء تقدير للأمور، ووضع لها في غير موضعها.

إن بلوغ رمضان نعمة كبرى وإنما يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون، فإذا كان الله قد من عليك ببلوغه ومد في عمرك للوصول إليه، فالواجب استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة فإنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، وخسارة ما بعدها خسارة.

شهر المغفرة
وأعظم الحسرات على الإطلاق أن يخرج الإنسان من رمضان دون أن يُغفر له، فإن من أعظم ما وُصف به رمضان أنه شهر التوبة وشهر المغفرة، وكأن الله اختاره لهذه الأمة ليغفر لها ويتوب عليها؛ فكل ما فيه من أسباب المغفرة:
كما جاء عن المعصوم عليه الصلاة والسلام:
ـ (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)..
ثم إذا كانت آخر ليلة من رمضان أعتق الله بعدد ما أعتق في رمضان كله.

فإذا حُرِم العبد المغفرة بعد كل هذا فمتى يرتجي حصولها، وفي أي وقت يصبح من أهلها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. ففي أي وقت يستنير ويزهر؟
قَالَ عليه الصلاة والسلام: (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ).
وكيف لا يبعده الله وكل شيء في رمضان مهيأ لتوبته وأوبته، وتسهيل عودته وعبادته، وليس موسم في السنة أجدر بالتوبة منه؟!

غير أن من أراد تحصيل التوبة في رمضان فعليه السعي في طلبها، وبذل الوسع في تحصيلها، وإعطاء المجهود من نفسه ليرى الله منه رغبة في الطلب وسعيا فيمن عليه.

وأول طريق تحصيل العفو والمغفرة في رمضان هو التوبة قبل رمضان؛ وذلك أن رمضان مضمار سباق كما قال الحسن البصري: "إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا".
وكل مسلم مندوب للدخول في المضمار، والاشتراك في هذا السباق، وإنما يتخلف عنه كل مخذول غير موفق. غير أن من أراد أن يكون من أهل السبق وأصحاب المنافسة على المراكز الأولى، ونيل مغفرة الله وعفوه، وأن يكون من الفائزين؛ فلابد له من تخفيف حمله بتوبة صادقة، إذ لا يمكن أن يفوز أحد في سباق وقد حمل على ظهره حملا ثقيلا وحجرا كبيرا، لأن هذا الثقل يمنعه من الخفة، ويحرمه من المنافسة. وإن أثقل الأحمال حمل الذنوب والمعاصي؛ فإنها والله تنهك البدن وتتعبه، وتنقض الظهر حتى تكاد تكسره، قال تعالى: {ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك}(الشرح:2، 3).
فالذنوب تمنع صاحبها من الخفة إلى الطاعات ويحرم من المسارعة إلى الخيرات.

والذنوب حجاب بين العبد وبين الله: فهي توجب الحرمان، وتعقب الخذلان، وتمنع صاحبها عن السير إلى طاعة الرحمن. فالقلب المتلطخ بالأقذار، الممتلئ بالأوزار، لا يصلح للقرب من ساحة الطهر ساحة العزيز الغفار، فإنها ساحة الطيب والنقاء ولا يصلح لها إلا قلب طيب تقي نقي (فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).
قال بعض الصالحين: "حُرِمْتُ قيام الليل سنة بذنبٍ عملته".
وعندما قيل للحسن لا نستطيع قيام الليل، قال: "قيدتكم خطاياكم".
وقال الفضيل: "إذا كنت لا تستطيع قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محبوس قد قيدتك ذنوبك".

والذنوب تفسد القلب وتظلمه: قال عليه الصلاة والسلام: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرً، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) رواه مسلم.
فبين أن الذنوب تذهب ببصيرة العبد، فلا يرى الحق حقا، ولا الباطل باطلا، ولا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه.

والذنوب قسوة للقلب: ففي الحديث: (وإن أبعد الناس من الله صاحب القلب القاسي)، وكلما قسى القلب جفا العبادة واستثقل القرب، وألف الغفلة والبعد، فإن تكلف العبادة لم يجد لها لذة ولا بهجة، ولا حلاوة ولا أنس ولا صفوة، وإنما بكد يحمل على سرعة الفرار وعدم الاستمرار.

والذنوب تسبب الوحشة فيما بين العبد وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله، وهذا الأخير يمنع العبد من كثير من الأعمال الطيبة. فكلما أراد أن يرفع يديه ويدعو ربه، حالت تلك الوحشة بينه وبين الدعاء، وإذا خلا فأراد أن يقوم يصلي حجبته الوحشة عن القيام للصلاة، وإذا تفرد بنفسه عن الناس وأراد أن يذكر ربه ويستغفر لذنبه، حالت بينه وبين ذلك تلك الوحشة؛ فيقوم يبحث عن إنسان يأنس به ليهرب من هذه الوحشة إذ أنسه بالناس لا بالله.
فلا علاج لكل ذلك إلا بالتوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء، ودوام الاستغفار، وكثرة الإلحاح، والتضرع إلى الله بالقبول، وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان، وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار..

وعلامة الصدق: كثرة الإلحاح، ودوام الطلب، وكثرة الاستغفار.
فارفع يديك إليه وناجه وتوسل إليه.
يا من يرى ما في الضمير ويسمع .. أنت المعـــد لكـل مـا يتوقـع
يا مـــن يرجّـــى للشــدائد كـــلها .. يا من إليه المشتكى والمفـزع
يا من خزائن فضـله في قول كن .. امنن فإن الخير عندك أجـمع
مالي ســـوى فقـري إليك وســيلة .. فبالافتــقــار إليك فقـري أدفع
مالي ــسوى قرعـي لبابك حــيلة .. فـإذا رددت فــأي باب أقــرع
ومن الذي أرجو وأهتف باسمه.. إن كان جودك عن فقيرك يمنع
حاشـا لفضلك أن تقنـط راجيا .. الجود أجـزل والمـواهب أوســع

فـ {فسارعوا إلى مغفرة من ربكم}(آل عمران:133)، {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31).

اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا فيه توبة نصوحا تغفر لنا بها ما فات، وتصلح لنا بها ما هو آت، وتكتبنا بها من أهل الجنات.. آمين.

222745 العشر الأواخر.. زمن الجد والتشمير

المقال

الحمد لله الذي لم يزل عليما قدريا، و{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان:62:61)

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بما كانوا يَعْمَلون}(السجدة:17)) متفق عليه.

الجنة أيها الأحبة هي بلاد الأفراح التي اشتاق إليها الصالحون، وسعى إليها السالكون، وعمل لها العاملون، وتزود لها المخلصون، وشمَّر من أجل تحصيلها المشمرون.
أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن أبوابها تفتح كلها في رمضان فلا يغلق منها باب، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بَابٌ)، وكأنها تنادي على الطالبين والراغبين والمشتاقين، وكأنها دعوة أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم للسعى في تحصيلها، كما قال في آخر الحديث (وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل).. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ـ وجميع أمته ـ على التشمير في طلب الجِنان، والبذل والجد من أجل الفوز بمقعد فيها..

أيها الصائمون رمضان، الصادقون في طلب الجنان، أيها الساعون في فكاك رقابكم من النيران: هذا أوان البذل، وزمان دفع المهر، أيها المشمرون هذا وقت الجد والتشمير.
من لم يبذر في زمان الغرس ندم وقت الحصاد.
من لم يطلب الجنة في رمضان فمتى يطلبها؟
ومن لم يسع في عتق رقبته في رمضان ففي أي زمان يعتقها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. .. ففي أي وقت يستنير ويزهر

أقول رمضان وأستغفر الله.. وأين رمضان؟
لقد شمَّر عن ساق، وأذِن بوداع وانطلاق، تقوضت خيامه، وتصرمت أزمانه، ومرت أيامه المعدودات كأنها غمضة عين أو ومضة برق.
أدركوا رمضان.. فقد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل..

أيها الصائمون:
لئن كان قد مضى من رمضان أكثره، غير أنه ربما كان ما بقي منه هو التاج الأجمل والثمرة الأينع.
والعبد الموفق من أدرك أن حسن النهايات يمحو تقصير البدايات، فمن لم يحسن الاستقبال فليحسن الوداع، فإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وما يدريك لعل بركة عملك مخبأة في آخره؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.

أيها المسلمون
لقد خبأ الله بركة رمضان ـ وكله بركة ـ في آخره، فهذه العشر الأخيرة هي خلاصة الشهر وزينة الدهر، وأفضل الأيام، ولياليلها أفضل ليالي العام، وفيها ليلة القدر التي هي ليلة العمر، فيها أنزل القرآن، وفيها تكتب مقادير العام، من حرم خيرها فقد حرم، ومن وفق لها فقام ليلها غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أدركها وأصابها كانت له خيرا من ألف شهر، وكان كمن عبد الله أكثر من ثلاثة وثمانين عاما.

هَدي النبي واجتهاده
وكان من هدي رسولكم صلى الله عليه وسلم الاجتهاد الشديد في هذه العشر؛ ويخصها بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.
وعنها أيضا رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) متفق عليه. ومعنى شد المئزر أي كان يعتزل النساء اشتغالاً بالعبادة.

وقد بلغ من شدة اجتهاده في هذه الليالي المباركة أنه كان يجافي فيها النوم فلا يكاد ينام، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة وصوم ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر) رواه أحمد.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه يعتكف في مسجده هذه الأيام، فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً).

وكان من شديد حرصه على الوقت أنه كان يواصل الصيام، ولما أراد الصحابة أن يواصلوا نهاهم وقال: (إنكم لستم كمثلي، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني).. أي يفتح علي من أبواب الفتوحات والقرب ونعيم الطاعة ولذائذ العبادة والأنس به ما يغنيني به عن الطعام والشراب الحسي.

وإنما كان يفعل صلى الله عليه وسلم كل ذلك تفريغا للوقت طلبا لرضا الرب وسعيا لتحصيل ليلة القدر، وقد دعا أمته لطلبها والسعي في تحصيلها فقال: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي) متفق عليه.

فاجتهدوا يا عباد الله في التماس ليلة القدر، وأكثروا من سؤال العفو؛ كما علم رسول الله أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها حين قالت: (أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: 0قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني) رواه الترمذي.

فيا طالب الجِنان، وخاطب الحور الحِسان، وراغبا في سلعة الرحمن، هذا أوان البذل ووقت الجد، وأوان التشمير، فأظهر لله الرغبة وصدق الطلب؛ فإن سلعة الله غالية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي.

يا سلعةَ الرحمن لست رخيصةً .. .. بـل أنتِ غاليةٌ على الكسلان 
يَا سِلْعَةَ الرحمن أَيــنَ المُشْتَرِي .. .. فَلَقَدْ عُرِضْتِ بَأيْسرِ الأَثْمانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمن هَلْ مِنْ خَاطِبٍ .. ..فَالمَهْرُ قَبْلَ الموتِ ذُو إِمْكَانِ
يَا سِلْعَةَ الرحمن كَيْفَ تَصبُّر ال .. ..خُطَّابُ عَنْكَ وَهم ذَوُو إِيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمنِ لَــــولا أَنَّهــَــــا .. ..حُجِبَتْ بِكُل مَكَـــارِهِ الإِنْسَـانِ
مَا كَانَ عَنْـــهَا قَــطْ مِنْ مُتَخِلفٍ .. .. وَتَعَطَّـــلتْ دَارُ الجَزاءِ الثَّانِي
لَكِـــنَّهَا حُجِــبَتْ بِكُـــلِّ كَــرِيْهَـةٍ .. .. لِيَصُــدُّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوانِي
وَتَنَالُهَا الهِــمَمُ التِّي تَسْمُــوا إِلى .. .. رَبّ العُـــلَى بِمَشِيْئَةِ الرَّحـمنِ
فاتْعَـبْ ليوْم معادِك الأدنى تَجِدْ .. .. راحــاتهِ يومَ المعــادِ الثـــاني

176729 العشر الأواخر من رمضان

المقال

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

فمنذ أيام قريبة مضت كنا نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان، وأن يمد في أعمارنا وينسأ في آجالنا حتى ندركه، وعاهدنا الله عهودًا كثيرة إن هو أبقانا إلى رمضان، عهودا على الطاعة وبذل الجهد واستفراغ الوسع في العبادة وعمل الصالحات، واستجاب الله دعاءنا بمنه، وبلغنا رمضان بفضله وكرمه، وجاء رمضان وكما هي عادة الأيام المباركات مر مسرعًا، حتى انقضى منه ثلثاه وزيادة، ولم يبق إلا الثلث أو أقل.. وما هو إلا القليل حتى نُعزي أنفسنا بانتهاء رمضان.

فينبغي على كل منا ـ قبل انقضاء رمضان ـ أن يقف وقفة يحاسب فيها نفسه؛ ماذا قدم فيما مضى؟ وماذا يرجو مما بقي؟ حتى لا يخرج من رمضان كما دخل فيه، فما يدرينا هل ندرك رمضان آخر، أم تسبق إلينا الآجال وتنقطع منا الأعمال.

كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ ... من بين أهــل وجـيرانٍ وإخـوانِ
أفنــاهم الموت واستـبـقـاك بعــدهُمُ ... حيًّا فما أقرب القاصي من الداني

فلابد من هذه الوقفة للمحاسبة لتعرف أين أنت، وماذا استفدت من صيامك وقيامك، وهل تحقق مقصود الله فيك من فرض الصيام؟ وهل حققت أهدافك، وتيسرت لك أمنياتك ورغباتك، فغفرت ذنوبك، وتقبلت طاعاتك، واعتقت رقبتك من النار؟؟

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صائمين ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وذكر عليه الصلاة والسلام قائمين ليس لهم من قيامهم إلا طول السهر. ذاك أنهم لم يعرفوا من الصيام إلا الإمساك عن الطعام والشراب، ولم يدركوا مقاصد شهر رمضان.

فإذا رأيت بعد هذه الوقفة أنك قد أحسنت فيما مضى فاحمد لله تعالى على فضله، واشكر الله على نعمة التوفيق بالاستقامة والاستزادة.. وإن كانت الأخرى فرأيتَ تقصيرا أو تفريطا، فاعلم أنه ما زال فيما بقي من رمضان مُسْتعتَب، وأن الفضل المخزون في هذه العشر يحيل القنوط ويمنع اليأس ويبعث على الأمل والعمل، عسى أن يكون آخر الشهر خيرا لك من أوله.
قال بعض العلماء: العبد الموفق مَن أدرك أن حُسن النهاية يطمس تقصير البداية، وما يدريك لعل بركة عملك في رمضان مخبأة في آخره، فإنما الأعمال بالخواتيم.

فضائل العشر الأواخر

اعلم أن الليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل ليالي العمر على الإطلاق، أجمعها للخير، وأعظمها للأجر، وأكثرها للفضل.. فيها عطاء جزيل، وأجر وافر جليل، اقترن فيها الفضل بالفضل: فضل الزمان مع فضل العبادة مع فضل الجزاء؛ ففيها النفحات والبركات، وفيها إقالة العثرات واستجابة الدعوات، وفيها عتق الرقاب الموبَقات..

واعلم أيها الحبيب أن هذه العشر وهذا الثلث الأخير كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد له استعدادًا خاصًا، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره).

وفي الصحيحين عنها أيضًا: (كان إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله). وشد المئزر كناية عن الاجتهاد في العبادة واعتزال النساء.

الاعتكاف والتفرغ للعبادة

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان في مسجده صلى الله عليه وسلم، فكان يعتزل النساء، ويلتزم المسجد، ويحيي الليل بالصلاة والعبادة، ولا يشغل نفسه في هذه العشر إلا بالعبادة، العبادة فحسب، بل كان يقتطع من الوقت ما استطاع ويفرغ منه ما أمكن، فلا يضيع منه شيئا ولو حتى في تناول الطعام، فقد كان يواصل الصيام إما للسحر وإما لأيام متتالية تفريغًا للوقت في الطاعة؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال: وأيكم مثلي! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)..

قال ابن رجب الحنبلي: ومعلوم أنه لا يطعمه الطعام والشراب الحِسي؛ لأن ذلك منافٍ لحقيقة الصيام، وإنما هو إشارة إلى ما كان يفتحه الله عليه من مواد أُنسه ونفحات قدسه، فكان يرد على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب كما قيل:

لها أحاديث من ذاكراك تشغلها.. ... ..عن الطعام وتلهيها عن الزاد

والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد ما يكون اجتهادًا في هذه العشر الأواخر، وهكذا ينبغي على المسلم أن يتخفف من المباحات ويقلل من أوقات الأكل والنوم ليفسح للطاعات مكانًا، ويواصل عبادته بالليل والنهار تقربًا إلى الله وتشبثًا بأسباب المغفرة.

ليلة القدر

وفي العشر الأواخر ليلة القدر، ومن رحمة الله أن خبأها في هذه العشر، وجعلها أرجى وجودًا في ليالي الوتر منها؛ حتى نكثر من التعبد، وهي ليلة العمر كما قال سبحانه: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر:3).
ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).

وروى أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر، مَنْ حُرِم خيرها فقد حُرِم).

ثم أخبر أنها في العشر الأواخر فقال: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) متفق عليه. وعند البخاري: (في الوتر من العشر الأواخر).

ولك أن تتخيل عبدًا قام لله ليلة واحدة كانت له كعبادة ألف شهر، أو ما يعادل ثلاثة وثمانين سنة، أي فضل هذا وأي نعمة تلك؟!

فمن حُرِم خيرها فهو المحروم، ومن أعرض عنها فهو المغبون، وقد خاب وخسر من أدرك هذا الفضل ولم يغفر له.

دعاء ليلة القدر

واعلم أن ما يدعو به المؤمن ربه في هذه الليالي هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم زوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حين سألته فقالت: (أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني).

فأكثر أخي من الدعاء عامة، ومن الدعاء بالعفو خاصة؛ عسى أن يعفو الله عنا، إنه هو العفو الكريم.

اللهم إن ذنوبنا عظيمة ولكنها صغيرة في جنب عفوك، فاعف عنَّا.. اللهم أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك يا كريم.. اللهم ارض عنا فإن لم ترضَ عنَّا فاعف عنا.. آمين.

197866 رمضان وتجديد الذات

المقال

رمضان محطة سنوية تؤثر في النفس تأثيرا بالغا، حيث تنتعش بدواخلنا القوى الروحية، وتنقمع القوى الشهوانية، فضلا عن التحكم الفريد في رغبات الفرد بتأثير الصوم الذي يقوي العزائم ويجمح المثالب.

وفي رمضان يكون القرب أكثر من الله تعالى ويحلو الصيام والقيام والدعاء والتضرع والخشية والاستكانة وإطعام الطعام والصدقة .. والكثير مما يطول ذكره ويصعب حصره من معالم البر والخير.

ورمضان شهر التضامن الاجتماعي باقتدار حيث يستشعر الغني فقر الفقير، وتملأ جنبات نفسه السعادة وهو يمد يد العون لأخيه المحتاج: صدقة وزكاة وعطفا وصلة .. فتتصالح النفوس مع ذواتها ومع بعضها البعض في منظومة إيمانية بديعة لا تجد لها مثيلا إلا في روضة الإسلام الغناء.

وفي رمضان يجد المسلم نفسه ملازما جادة الإيمان، مندفعا مع الوفود الإيمانيه نحو نفحات الله تعالى ورحماته ومنحه التي لا تحصى ولا تعد، فهو بين منح المغفرة للصائم والدعوات المستجابة عند إفطاره وليلة القدر التي تجمع له طاعة 83 عاما أو يزيد، فضلا عن غل الشياطين وغلق أبواب الجحيم وزلفى الجنة من الطائعين، وكفى المؤمن شرفا أن خلوف فمه وهو صائم أطيب عند الله من ريح المسك.. إن المسلم في رمضان بالفعل يتغير، وتأخذ حياته صبغة نورانية جميلة، وتعزف نفسه عن المعصية عزوف الملائكة عنها.

يقول ابن عاشور: "حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردا فردا؛ إذ منها يتكون المجتمع. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].

لعلكم تتقون
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183).
أي ليعدكم به "للتقوى" التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لما في الصيام من مراقبة الله تعالى. أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم.

والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية. وفي الحديث الصحيح: (الصوم جُنة) رواه النسائي. أي وقاية، ولما ترك ذكر متعلق جنة تعين حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم، ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات.

الخطة الرمضانية
- خير بداية لرمضان تكون بتطهير المحل، ونقصد به نقاوة القلوب لإقبالها على علام الغيوب، بتقديم التوبة الصادقة والتقلل من أدران الذنوب، فعائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: إنك لن تلقى الله بشيء خير من قلة الذنوب، فمن سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف نفسه عن كثرة الذنوب.

- أيام رمضان شأن سائر الأيام تمر سراعا، بل ربما هي أسرع من غيرها، وهذا يتطلب عزيمة صادقة وهمة عالية في ترتيب الأوقات واغتنام النفحات -وما أكثرها في شهر البركات- وترتيب الوقت في هذا الشهر الكريم من أهم مفاتيح جني الثمرات، وذلك برصد أوقات محددة لكل عبادة حسب ما تسمح به الأحوال، والحذر من لصوص الوقت من الرفقاء والثقلاء والطفيليين، قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}(الأنعام:70)، مع الحذر أيضا من آفات الكسل والتسويف، وشغل النفس بأمور يمكن تداركها بعد فوات الشهر الكريم، والانشغال بالمهم عن الأهم.
قال أبو بكر الوراق: استعن على سيرك إلى الله بترك من شغلك عن الله عز وجل، وليس بشاغل يشغلك عن الله عز وجل كنفسك التي هي بين جنبيك.
وقال الحسن: من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.

- مما ينبغي الاهتمام به في شهر الخير هو تجميل العبادة وتزينها واستشعار أنها ستهدى لله عز وجل فلابد أن تكون على أحسن حال وأجمله وأطيبه، وهذا لا يتأتى إلا بمزيج من الإخلاص والبعد عن شوائب الرياء، والإكثار من قربات السر فإنها تقع من الله بمكان، مع معايشة وتدبر كل آية تمر عليها بين دفتي المصحف، وإدمان الذكر على كل حال، وتحري أوقات الدعاء المستجابة (أثناء الصوم، عند الفطر، بين الأذان والإقامة، وقت السحر، ليلة القدر ... ).

- تفطن لدقيق العبادات التي لا يلحظها إلا الراسخون في العلم وأصحاب الهمم العالية، ومنها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة) رواه أهل السنن. ومنها تكرار ختمات القرآن اقتداء بالحبيب -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة الكرام، فقد كان أبو رجاء العطاردي يختم في كل عشر، وكان قتادة يختم في كل سبع دوماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر كل ليلة. وكان الأسود النخعي يختم في كل ليلتين.
قال ابن رجب: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة شرفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناماً للزمان والمكان".

ومنها أيضا التبكير للصلوات، والجلوس بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي.

- رمضان شهر تربوي، حيوي، تفاعلي، تلاحمي .. فما أجمل أن تتعدى القربات إلى من حولك، صدقة على المحتاج وصلة للأقرباء وإعانة للضعفاء .. وسائر وجوه البر والتكافل الاجتماعي، ففي كل هذا تآلف لأواصر المحبة وتناغم المجتمع في بوتقة الإيمان حيث تزول بيننا أدران الحقد والغل والحسد وسائر المهلكات.
قال مالك بن دينار: إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار لتغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله.

وهذا الإيمان العملي من شأنه أن يجسد المنهج الإسلامي واقعا فعليا بيننا، ولا يكون نصيبا منه إلا شعارات وخطب رنانة ليس لها من أرض الواقع نصيب، ونصير -بحسن سلوكنا- رسل دعوة نحبب الناس في الدين، فيمد الغني يد العون للفقير، ويساعد القوي الضعيف، ولا يضيع بيننا يتيم ولا أرملة ولا مسكين، وهذا عين رضا رب العالمين، وإذا رضي الرب على قوم فانتظر الخير الجزيل.

- يا حبذا رمضان بإنسان مختلف وهمة متميزة، لتجنيد الطاقات، وتعبئة الإرادات، وتقوية العزائم، وشحذ الهمم، وإذكاء البواعث، ومن أهم الأفكار العملية في هذا الصدد: 
* تكوين فرق عمل في الحي لجمع البيانات عن محتاجي التبرعات والزكوات في المنطقة القاطنة، ومن ثم التشارك في جمع التبرعات وإعداد الحقيبة الرمضانية العامرة بشتى المأكولات وتوزيعها في بداية الشهر الكريم على مستحقيها من فقراء الحي، ومن فطر صائما فله مثل أجره، وفي نهاية الشهر نتشارك في لجان جمع زكاة الفطر وتوزيعها على أصحابها.

* التشارك في عمل لوحات رمضانية جذابة عن فضائل الصوم تشمل الآيات والأحاديث النبوية المرغبة فيه وتعليقها على قارعة الطرق وفي مداخل العمارات. أيضا شراء الكتيبات والمطويات الرمضانية وتوزيعها على الأقارب والأحباب والجيران.

* كن رسول خيرٍ اقتداء بالحبيب -صلى الله عليه وسلم- ولا تدع المناشط الدعوية تفوتك، وما أجمل أن تصطحب صديقا لك رقيق الدين إلى درس العصر أو صلاة ترويح، مستغلا وجاهتك عنده وعلاقتك الطيبة به مع أسلوبك المقنع في جذبة إلى الرحاب الرمضانية، ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم، والدال على الخير كفاعله، وبذلك تنال الأجر مرتين، وما أروع أن يكون رمضانك رمضانين بل رمضانات عديدة..

 

211444 وصايا لقارئي القرآن في رمضان

المقال

الحمد لله القائل في كتابه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى}(البقرة:185)، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي خصَّه الله بوحيه، وأنْزل عليه خير كتبه، القائل: (خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه)، أما بعد:

فلقد خصَّ الله هذا الشهر الكريم بخصائص؛ منها: أنه أفضل شهور السنة، وفيه ليلة القدر، وفيه نزل القرآن. فأنزله الله كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، وأنزل أول آياته في ليلة الوحي ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما تبعا للوقائع على مدار ثلاث وعشرين سنة، فَشَرُفَ الشهر بنُزول القرآن فيه، لذا صار يُسمى: شهر القرآن. وعليه فالتلازم بين القرآن وشهر رمضان ظاهر.

أحوال الناس في قراءة القرآن:
في رمضان كثيرا ما يتساءل بعض الناس عن أيهما أفضل، قراءة القرآن بتدبر، أو قراءته على وجه الحدر، والاستزادة من بكثرة ختمه إدراكًا لأجر القراءة؟

وهاتان العبادتان غير متناقضتين ولا متشاحَّتين في الوقت حتى يُطلب السؤال عن الأفضل، والأمر في هذا يرجع إلى حال القارئ، وهم أصناف:
- الصنف الأول: العامة الذين لا يستطيعون التدبر، بل قد لا يفهمون جملة كبيرة من آياته، وهؤلاء لاشكَّ أن الأفضل في حقِّهم كثرة القراءة. وهذا النوع من القراءة مطلوب لذاته لتكثير الحسنات في القراءة على ما جاء في الحديث: (لا أقول " ألم " حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

-الصنف الثاني: العلماء وطلبة العلم، وهؤلاء لهم طريقان في القرآن:
الأول: كطريقة العامة؛ طلبًا لتكثير الحسنات بكثرة القراءة والخَتْمَاتِ.
الثاني: قراءته قصد مدارسة معانيه والتَّدبر والاستنباط منه، وكلٌّ بحسب تخصصه سيبرز له من الاستنباط ما لا يبرز للآخَر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وهما مطلوبان معًا، وليس بينهما مناقضة، كما سبق، بل كلُّ نوعٍ له وقته، وهو مرتبط بحال صاحبه فيه. ولا شكَّ أنَّ الفهم أكمل من عدم الفهم، لذا شبَّه بعض العلماء من قرأ سورة من القرآن بتدبر كان كمن قدَّم جوهرة، ومن قرأ كل القرآن بغير تدبر كان كمن قدَّم دراهم كثيرة، وهي لا تصلُ إلى حدِّ ما قدَّمه الأول.

تنبيهات تتعلق بالتلاوة
ومما يحسن التنبيه على أمور تتعلق بتلاوة القرآن في رمضان:

الأمر الأول: الملاحظ أنَّ كثيرًا من الناس ينشطون في أول الشهر في أعمال الخير، ومنها تلاوة القرآن، لكن سرعان ما يفترون بعد أيام منه، وترى فيهم الكسل عن هذه الأعمال باديًا. ومن أعظم الخسارة أن يمرَّ على المسلم رمضان ولم يختم فيه القرآن ولو مرة.

ولأجل هذا فمن اعتاد من نفسه هذا الأسلوب فإن الأَولى له أن يرتِّب قراءته، ويخصِّص لكل يومٍ جزءًا، فإنه بهذا سيختم القرآن مرَّة في هذا الشهر، ولو استمرَّ على هذا الأسلوب في كل شهور السنة لاستطاع ذلك، والأمر يرجع إلى العزيمة والإصرار. وبهذه الطريقة يكون مداومًا على عملٍ من أعمال الخير غير منقطع عنه، و(أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ) كما قال صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني: يحسن بمن يقرأ القرآن عمومًا، وبمن يقرأه في رمضان على وجه الخصوص أن يكون معه تفسير مختصرٌ يقرأ فيه ليعلم معاني ما يقرأ، وذلك أدعى إلى تذوُّق القراءة والإحساس بطعم قراءة القرآن، وليس من يدرك المعاني ويعلمها كمن لا يدركها. ومما يمكن أن يعين في هذا الباب كتاب "التفسير الميسر"، أو تفسير "كلمات القرآن" فهو نافع لمن يريد أن يعرف المعنى الإجمالي للآيات فينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون له تفسير من هذه المختصرات يقرأ فيه ويداوم عليه كما يقرأ القرآن ليجتمع له في قراءته الأداء وفهم المعنى.

الأمر الثالث: في حال قراءة القرآن تظهر بعض الفوائد أو بعض المشكلات، ولابدَّ من التقييد لهذه الفوائد أو المشكلات؛ لئلا تضيع.

الأمر الرابع: إن القراءة بالليل من أنفع العبادات، وكم من عبادة لا تخرج لذتها للعابدين إلا في وقت الظلمة، لذا كان أهم أوقات اليوم الثلث الأخير من الليل، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان ثلث الليل الآخر ينْزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطية؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ …).

وللأسف كثيرًا ما نغفل عن عبادة الليل خصوصًا في رمضان ـ مع ما يحصل منا من السهر ـ وتلك غفلة كبيرة لمن حُرِم لذة عبادة الليل.
فَشَمِّرْ عن ساعد الجِدِّ، وأدركْ فقد سبق المشمرون قبلك، ولا تكن في هذه الأمور ذيلاً بل كن رأسًا، والله يوفقني وإياك لكما يحب ويرضى.

الأمر الخامس: إن من فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن ويؤثِّرون بقراءتهم على القلوب، فتراك تجد بقراءتهم أثرًا في قلبك، فاحرص على من يتَّصف بهذه الأوصاف، واعلم أن الناس في قبول الأصوات ذوو أذواق، فلا تَعِبْ قارئًا لأنه لا يُعجِبك؛ فإن ذلك من الغيبة بمكان، لكن احرص على من تنتفع بقراءته، وهذا مطلب يُحرصُ عليه، ومقصد يُتوجَّه إليه.

الأمر السادس: يسأل كثيرون عن كيفية التأثر بالقرآن، ولماذا لا نخشع في صلواتنا حين سماع كلام ربِّنا؟
ولا شكَّ أن ذلك عائدٌ لأمور من أبرزها أوزارنا وذنوبنا التي نحملها على ظهورنا، لكن مع ذلك فلا بدَّ من وجود قدرٍ من التأثر بالقرآن، ولو كان يسيرًا، فهل من طريق إلى ذلك؟

إنَّ البعد عن المعاصي، وإصلاح القلب، وتحليته بالطاعات هو السبيل الأول للتأثر بهذا القرآن، وعلى قدر ما يكون من الإصلاح يبرز التأثُّر بالقرآن.

والتأثر بالقرآن حال تلاوته يكون لأسباب متعددة، فقد يكون حال الشخص في ذلك الوقت مهيَّئًا، وقلبه مستعدًا لتلقي فيوض الربِّ - سبحانه وتعالى -.
فمن بكَّر للصلاة، وصلى ما شاء الله، ثمَّ ذكر الله، وقرأ كتاب ربِّه، ثمَّ استمع إلى الذكر فإنَّ قلبه يتعلق بكلام الله أكثر من رجلٍ جاء متأخِّرًا مسرعًا خشية أن تفوته الصلاة، فأنَّى له أن تهدأ نفسه ويسكن قلبه حتى يدرك كلام ربِّه، ويستشعر معانيه؟!

ومن قرأ تفسير الآيات التي سيتلوها الإمام واستحضر معانيها، فإنَّ تأثره سيكون أقرب ممن لا يعرف معانيها.

ومن قدَّم جملة من الطاعات بين يدي صلاته، فإنَّ خشوعه وقرب قلبه من التأثر بكلام ربِّه أولَى ممن لم يفعل ذلك.
وإنك لتجد بعض المسرفين على أنفسهم ممن هداهم الله قريبًا يستمتعون ويتلذذون بقراءة كلام ربه، وتجدهم يخشعون ويبكون، وما ذاك إلا لتغيُّر حال قلوبهم من الفساد إلى الصلاح، فإذا كان هذا يحصل من هؤلاء فحريٌّ بمن سبقهم إلى الخير أن يُعزِّز هذا الجانب في نفسه، وأن يبحث عما يعينه على خشوعه وتأثره بكلام ربِّه.

الأمر السابع: يسأل كثير من المسلمين، كيف أحافظ على طاعاتي التي منَّ الله عليَّ بها في رمضان، فإنني سرعان ما ينقضي الشهر أبدأ بالتراجع عن هذه الطاعات التي كنت أجد لذة وحلاوةً في أدائها؟

إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رسم لنا منهجًا واضحًا في كل الأعمال، وقد بيَّنه بقوله: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ)، ولو عملنا بهذا الحديث في جميع عباداتنا لحافظنا على الكثير منها، ولما صرنا كالمنبتِّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.

فلو اعتمد المسلم في كل عبادة عملا يوميًّا قليلاً يزيد عليه في وقت نشاطه، ويرجع إليه في وقت فتوره؛ لكان ذلك نافعًا له، فالمداومة على العبادة ـ ولو كانت قليلة ـ أفضل من إتيانها في مرات متباعدة أو هجرانها بالكلية.

فمن أدَّى فرائضه، والتزم بالسنن الرواتب، ثمَّ زاد عليها من أعمال العبادة ما شاء، فإنه يدخل في محبوبية الله التي قال فيها ـ في الحديث القدسي ـ: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه).

ففي صلاة الليل يحرص أن لا ينام حتى يصلي ثلاث ركعات، ولو كانت خفيفات، فإن أحسَّ بنشاط زاد، وإلا بقي على هذه الثلاث.
وفي قراءة القرآن يعتمد قراءة جزءٍ كل يوم، حتى إذا بلغ تمام الشهر، فإذا به قد ختم القرآن.
وفي الصيام يعتمد ثلاثة أيام من كل شهر، وإن استطاع الزيادة زاد، لكن لا ينقص عن الأيام الثلاثة.
وفي النفقة يعتمد مبلغًا ـ ولو يسيرًا ـ بحيث لا يمرُّ عليه الشهر إلا وقد أنفقه.

وهكذا غيرها من العبادات، يعتمدُ القليل أصلاً، ويزيد عليه في أوقات النشاط، فإذا قصرت همته رجع إلى قَلِيلِه، فيبقى في عباداته من غير كلفة ولا مشقة ولا نسيان وإهمال، أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبُّ ويرضى، ويجعلنا من أهل القول والعمل.

إن رمضان أشبه بمحطةٍ يتزوَّد منها الناس وقودهم، وهو محطة الصالحين الذين يفرحون ببلوغه فيتزودون منه لعباداتهم في الدنيا، ولجنتهم في الأخرى، وهو محضن تربوي فريد يدخله كل المسلمين: مصلحوهم وصالحوهم وعصاتهم، فهلاَّ استطعنا اغتنام هذا الشهر؟.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

205450 من عادات الصالحين وعباداتهم في رمضان

المقال

لم يزل رمضان ذلكم الضيف الكريم الذي يُنتظر على مدى العام تستشرف النفوس للقائه، وتعم الأكوان مظاهر البهجة والفرح بقدومه، وتتنوع مظاهر هذا الاحتفاء وهاتيكم البهجة إلى ما شاء الله لها أن تبلغ من التعداد والتنوع؛ مما يعبر عن الانفعال النفسي الجياش في الذائقة الإسلامية بقدوم هذا الشهر الميمون، ولا غرو فهو من مواسم الخير التي يفتح الله فيها أبواب رحماته لتتنزل خيراته تترى على عباده، وليغمرهم بفضائل جوده وسبائك إنعامه، ومن خلال هذه السياحة السريعة سنقف عند محطات بارزة من خط سير الصالحين، ودأبهم في هذا الشهر الكريم، مما اتخذوه عادة من خصال الخير وأفعال البر يداومون على فعله كلما أعاد الله عليهم أيام هذا الشهر وأوقاته، نستقري تلك المواقف من مصادر تاريخنا المعتمدة لنتأسى ببعض ما كانوا عليه من استثمار لحظات هذا الشهر الكريم وأوقاته في التصدي لنفحات الله والتعرض لمواسم جوده .

من صور تلك المواقف التي حفظ لنا التاريخ اللقطات التالية:
• كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولي عثمان رضي الله عنه أقر ذلك وزاده، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، والمعتكفين، وأبناء السبيل، والفقراء، والمساكين.
• كان الأسود النخعي صوَّاما قوَّاما حجاجا وكان يختم القرآن في كل ست ليال فإذا كان رمضان ختَمَهُ ختمةً في كل ليلتين.
• كان ثابت البنانى يختم القرآن فى كل يوم وليلة من شهر رمضان.

• تواتر عن الإمام الشافعي أنه كان يخْتم القرآن فِي كل يَوْم ختمة فَإِذا كَانَ رَمَضَان قَرَأَ بِالنَّهَارِ ختمة وبالليل أُخْرَى.
• روي عن أبي بكر بن الحداد المعروف بالفضل والدين والاجتهاد في العبادة أنه قال: أخذت نفسي بما رواه الربيع، عن الشافعي، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة.
• كان حماد بن أبي سليمان يُفطِّر في كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا، فإذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا.

• كان السلطان ألْب أرسلان فِي أواخر أيام دولته من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم فِي الجهاد وَفِي نصرة الدين، وكان يتصدَّق فِي كل رمضان بأربعة آلاف دينار ببلْخ، ومرْو، وهَراة، ونَيْسابور، ويتصدق بحضرته بعشرة آلاف دينار .
• الشَّيْخ المفتي الفقيه، الإِمَام كمال الدّين المَغَربيّ، الشّافعيّ، أحد كبار فُقهاء الشام كان فِي كلّ رمضان ينسخ ختْمة كاملة من القرآن ثم يُوقِفُها احتسابا وطلبا للأجر.
• كان الصاحب بن عباد جوادا كريما لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائنا من كان فيخرج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها وكانت هداياه وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة.

• كان العلامة المفسر قاضي حلب والقسطنطينية عصام الدين أبو الخير المعروف بطاشكبرى زاده ذا خط مليح وضبط صحيح، وكان مدرسا بمدارس الدولة العثمانية، فكان من عادته أن يدعو طلبته للإفطار عنده في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، وكان يقول: إني منذ توليت التدريس جعلت لنفسي عادة وهي أن أكتب في كل سنة نسخة من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وأبيعها بثلاثة آلاف درهم وأنفق ذلك المبلغ على طعام الطلبة في ليالي رمضان.
• القائد سرور الزبيدي وزير دولة آل نجاح باليمن كانت نفقاته وصدقاته تتسع في رمضان اتساعا يجاوز الحد والوصف؛ بحيث كانت وظيفة مطبخه في كل يوم من رمضان تبلغ ألف دينار؛ بمعنى أنه ينفق في كل رمضان أكثر من 30000 دينار على إطعام الصائمين، علما بأن مجموع رواتب موظفي قصره وعماله وأعيان دولته في كل سنة لم يكن يتخطى 20000 دينار.

هذه بعض الأمثلة لما كان عليه أسلافنا من اهتمام بهذا الشهر الفضيل واغتنام لساعاته ولحظاته، وتتبع هذا النوع من الأمثلة والنماذج يطول، لكن لعل القاريء يلحظ أن جميع ما تقدم ـ من زيادة بذل الخير في هذا الشهر المعظم أو الاجتهاد في زيادة الحصة  اليومية  من قراءة القرآن فيه - قدوتهم فيه النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حيث يلقاه جبريل عليه السلام في كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه جِبريل عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.
قال ابن الجوزي: "وإنما كثر جوده عليه السلام في رمضان لخمسة أشياء: أحدها: أنه شهر فاضل، وثواب الصدقة يتضاعف فيه، وكذلك العبادات، قال الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره. والثاني: أنه شهر الصوم، فإعطاء الناس إعانة لهم على الفطر والسحور، والثالث: أن إنعام الحق يكثر فيه، فقد جاء في الحديث: أنه يزاد فيه رزق المؤمن، وأنه يعتق فيه كل يوم ألف عتيق من النار، فأحب الرسول أن يوافق ربه عز وجل في الكرم، والرابع: أن كثرة الجود كالشكر لترداد جبريل إليه في كل ليلة. والخامس: أنه لما كان يدارسه القرآن في كل ليلة من رمضان زادت معاينته الآخرة، فأخرج ما في يديه من الدنيا"..

وإذا ما ختمنا بنظرة تحليلية عن الأمثلة التي ذكرنا فسنجد أن فيها نقطتين هامتين:
الأولى: أن المسلمين على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم وأشغالهم يستثمرون أوقات الشهر المبارك ويستفيدون من لحظاته؛ فالعلماء ينصرفون لقراءة القرآن وتدبر معانيه ولاجتهاد في زيادة الحصة اليومية من قراءته، وأهل المال والإمارة يوظفون إمكاناتهم لخدمة الصائمين وإفطارهم والرعاية بهم..

الثانية: أن أصفياء هذه الأمة وصالحيها كانوا يعدون لهذا الموسم عدته، فلم يكونوا يقبلوا بأن تكون نوافلهم وطاعاتهم في رمضان مساوية لما تكون عليه في سائر الشهور، بل إننا لنلحظ في أعمالهم أن هممهم تطمح لأن تكون عباداتهم في هذا الشهر مساوية أو تزيد على الأحد عشر شهرا الباقية من العام.

وهكذا كان دأب  الصالحين من أمتنا وديدن الأخيار من عباد شريعتنا، فلنقتد بهم حين عزت القدوة الصالحة، ولنسلك طريقهم علنا نرد الحوض على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير مغيرين ولا مبدلين ... اللهم آمين.

217483 من منافع رمضان والصيام

المقال

رمضان هبة مِنَ الله لمن أدركه مِنْ خلقه، ولمن وفقه فيه لطاعته، ولمن أعانه لعبادته وتقبل منه قربته.

رمضان عطاء رباني يغمر حياة المسلمين، يهتف بهم هلموا إلى رب كريم، لا شقاء في رحابه ولا خيبة في جنابه.

رمضان شهر تسمو فيه النفوس، وتصفوا فيه القلوب، وترقى فيه الأرواح، وتهذب فيه الأخلاق.

رمضان شهر تقال فيه العثرات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، وتبذل فيه الصدقات وتتلى فيه الآيات وتتغير فيه العادات، وتنزجر النفوس عن خواطر المعاصي والمخالفات وتسعى فيه الجوارح لشكر عالم الخفيات ورب الأرض والسموات.

رمضان شهر يتنزل فيه العطاء، ويتحقق فيه الرجاء، ويرفع فيه الدعاء، وتفتح فيه أبواب السماء، وهو شهر عظيم الهبات كريم النفحات.

رمضان شهر سباق للقلوب إلى الله، ليس أقصر منه وقتا، ولا أعظم منه أجرا، فهو كما قال الله عنه {أياما معدودات}(البقرة:184) ليس فيه مجال لتضييع الأوقات، ولا تقليب القنوات، ولا إطالة السهرات والجلسات، ولا القبوع أمام الشاشات.

إنني أحمد الله تعالى إليكم ـ واحمدوه معي ـ أن اصطفانا واجتبانا من بين خلقه وجعلنا من أتباع هذا الدين العظيم، دين الإسلام الذي جعله الله روحا تحيا به النفوس، ونورا تهتدي به القلوب، وتستنير به العقول، وتستقيم به الجوارح على صراط الله المستقيم {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الشورى:52).

إن من جمال هذا الدين وكماله في تشريعاته وعباداته أنه نوَّع بين هذه العبادات في النوع والشكل وفي الزمن والوقت.
نوع في الوقت ما بين عبادات يومية كالصلوات الخمس، أو أسبوعية كالجمعات، أو سنوية كالصوم والزكاة، أو عمرية كالحج.
ونوع بينها في الأشكال والهيئات ما بين عبادة بدنية أو مالية أو بدنية مالية معا كما في الحج والجهاد.
وإنما كان كل ذلك ليكون للإيمان القلبي مظاهر شتى تدل عليه وتثبته وتقويه.

والمقصود أن يكون لدينا منهج عبادي رباني فذ يهذب النفس تهذيبا شاملا كاملا من جميع جوانبها، ويصوغ الصفوة الطاهرة الصالحة من البشر الذين هم أهل لأن يباهي الله تعالى بهم الملأ الأعلى من الملائكة الأبرار.

ومنافع هذه العبادات تتعدد وحكمها تتنوع لتخدم هذا المقصد الشريف في صياغة هذا المؤمن المراد:
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. والزكاة طهرة للمال، وطهارة وزكاة للمال والنفس، وإحسان للفقراء ومواساة بين أبناء الدين. والحج مؤتمر سلام، واجتماع وتعاون ووحدة ، وشهود لمعالم الخير {ليشهدوا منافع لهم}(الحج:28).

وأما الصيام: ففيه من المنافع والحكم والمقاصد ما يجل عن الوصف ويند عن الحد والعد.. ولا نجد وصفا أجمع من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: (الصوم جُنة).
والجنة هي السترة.. وكل ما يقي من السلاح وغيره. والمعنى أنه ستر وحماية ووقاية.
فهو ستر وحماية ووقاية من الشهوات المردية والغرائز المؤذية:
فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء، خصوصا عند الشباب والعُزّاب؛ فإن الأز على الشهوة من فعل إبليس، ويزداد كلما شبع المرء وامتلأت معدته، فيدعوه إلى فعل الحرام أو رؤيته أو التفكير فيه، قال القرطبي: "كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي".
فالصيام يضيق على الشيطان مجاريه، ويحمي الشاب ويحفظه ويقيه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.

والصوم حماية من الأخلاط الرديئة والأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الترمذي.

والصوم صحة: وقد قيل: إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
ثلاث مهلــكات للأنـــام .. .. ومدعاة الصحيح إلى السقام
دوام مدامة ودوام وطء .. .. وإدخــال الطعام على طعام.

والصوم حماية من الغضب والسفه والطيش: فهو يضبط النفس، ويعود صاحبه على التحكم في انفعالاتها وغرائزها، ولا يسترسل مع أهوائها وعوائدها، فيملك نفسه ولا تملكه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ليس الشديد بالصُرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه. وقال: (والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) رواه البخاري ومسلم.
فالصوم يحفظ صاحبه من مجاراة السفهاء، ومخاصمة الجهلاء، والوقوع فيما لا يقبله العقلاء.

والصوم جُنة من كل خُلق رذيل أو كل فعل مشين:
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الصوم من الطعام والشراب وإنما الصوم من اللغو والرفث)، وفي البخاري عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

فالصوم يهذب أخلاق الصائمين، ويحفظ على العبد لسانه وجميع جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الخادم والجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

الصيام وقاية من غضب الجبار:
روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة وحصن حصين من النار).
وذلك أنه من أكبر المعينات على تقوى الله، كما يقول ابن القيم رحمه الله: "والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات؛ فهو من أكبر العون على التقوى".

بل إن التقوى هي العلة المنصوص عليها في كتاب الله عز وجل فكأنها هي المقصود الأعظم وهي كذلك؛ قال تعالى: {يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة:183). 

مظاهر التقوى في الصيام:
إعداد نفوس الصائمين لتقوى الله يظهر من وجوه كثيره:
أعظمها شأنا، وأظهرها أثرا، وأعلاها شرفا، أن الصيام موكول إلى نفس الصائم وضميره، لا رقيب عليه فيه إلا الله، فهو سر بين العبد وبين الله.. ولولا تقوى الله ومراقبته وخشيته والحياء منه لم يلتزم الأمانة في حفظ الصيام؛ فإذا استمر هذا شهرا كاملا كان تدريبا للنفس على التزام هذا الحال الغالي والمرتقى العالي فتتعوده النفس ويصبح لها خلقا وعادة تستمر معها زمانا بعد رمضان وربما التزمته إلى آخر العمر.

والصوم تربية للنفس، وتقوية العزائم، وتهذيب للغرائز، وتتميم للأخلاق، واطمئنان للنفس، وانشراح للصدر، وتعظيم لشعائر الله.

وللصوم حكم باهرة وآثار بديعة باطنة وظاهرة، ودروس لا تنقضي، وعبر لا تنتهي، وآثار عظيمة على الفرد والجماعة.
فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين.

211747 عمل رمضان بين القبول والرد

المقال

ها هو شهر رمضان قد نقضت خيامه، وتنكست أعلامه، وتصرمت ساعاته، وترحلت أوقاته، بعد أن بقي بيننا ثلاثين يوما كانت ميدانًا يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق فيه المتسابقون، ويحسن فيه المحسنون، تروضت فيه النفوس الطيبة على الفضيلة، وتربت فيه على الكرامة، وترفعت عن الرذيلة، وتعالت عن الخطيئة، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد.

مضى رمضان وانقضى، وانفض سوق تجارته، وذهب إلى الله سبحانه محملا بأعمال العباد شاهدا لهم أو عليهم بما قدموا فيه، فياليت شعري من المقبول فنهنيه، ومن المردود فنعزيه؟

نعم، فقد ترك رمضان الناس بين رابح وخاسر، فالرابح فيه من وفق للطاعة، وقام بحق العبادة وأقبل على الله مجيبا داعي الطاعة، ومنادي السماء "يا باغي الخير أقبل"، فاجتهد في عبادته، ومنَّ الله عليه بالقبول فهو أهم من العمل.

والخاسر فيه مَنْ لَعِب ولَهَى، ونام وسهى، ولم يُقِم لله فيه حقا، ولا رعى له فيه حرمة، وكذا مَنْ فرَّط في أيامه، وبالغ في أحلامه، وأكثر من آماله، ولكنه سوف وأخر وأهمل في أعماله، وأشد خسارة من عمل وأتعب نفسه، وأضنى بدنه ولكنه فسدت نيته وساءت طويته، ولم يخلص لله في عمله، ومثله وأسوأ من أعجبته نفسه، وغره جهده وعمله، فمَنَّ به على الله، وأدلَّ بعمله على مولاه؛ فرده الله عليه، نعوذ بالله من الخذلان.

الخوف من عدم القبول 

لقد كان هدي المرسلين، إتقان العمل، وشدة الخوف من الرد، وعادتهم الإلحاح على الله بطلب القبول. 

هذا إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل يبنيان أعظم بيوت الله، في أعظم أرض الله وأحبها إليه، بأمر من الله، ويرفعان قواعد البيت، وهما يدعوان ربهما أن يتقبل منهما: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة:127). 

كان وهيب ابن الورد يقرأ هذه الآية ويبكي ويقول: "يا خليل الرحمن! ترفع قوائم البيت وأنت مشفق ألا يتقبل منك؟!".

وهذه امرأة عمران تهب ما في بطنها لله تعالى ولخدمة بيته بيت المقدس، وتدعو بالقبول: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(آل عمران:35).

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "لأن أكون أعلم أن الله تقبل مني عملا أحب إلى من أن يكون لي ملء الأرض ذهبا". 

يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: لأن أستيقن أن الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}(المائدة:27).

وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بهذا الوصف:{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}(المؤمنون:57ـ61).

روى الإمام أحمد والترمذي، وغيرهما عن أم المؤمنِين عائِشة رضِي الله عنها قالت: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}(المؤمنون:60)، أَهُم الذين يَشْربون الْخَمْر وَيَسْرِقون؟ قال: لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ).

قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي": "أَيْ الذين يُعطون ما أعطوا مِن الصدقة وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة وقلوبهم وَجِلَةٌ أَيْ خَائِفَةٌ أَنْ لَا تُقْبَل مِنْهُم".

علامات القبول وأسبابه

لقد أخفى الله القبول لتبقى القلوب على وجل، وأبقى باب التوبة مفتوحا لئلا ينقطع عن القلوب الأمل، وجعل العبرة بالخواتيم لئلا يحتقر أحَدٌ أحدا مهما بلغ من العمل، ولئلا يغتر أحد منا بما عمل.
ومع ذلك تبقى للقبول علامات تدل عليه، فمن ذلك ما يكون قبل العمل، ومنها ما يكون بعده:

فقبل العمل:

ـ الحرص على إتمام صورة العمل وهيئته، وإكماله والإتيان به على أحسن صورة وأجملها وأتمها وأحسنها، وأن يكون متابعا فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمام المتابعة قدر الإمكان.

ـ ثم الحرص على الإخلاص فيه لله تعالى وصدق النية وإرادة وجه العلي القدير سبحانه وتعالى.

ـ ثم الانكسار بين يدي الله، وعدم الإدلال بالعمل عليه، وإخفاؤه وعدم التحدث به وذكره للناس.

ـ ثم الإلحاح على الله بالقبول والرضا وعدم الرد وكثرة طرق باب القبول، كما ورد عن السلف أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر بعد رمضان أن يتقبله منهم.

واما بعد العمل، فللقبول أيضاً علامات منها: 

ـ انشراح الصدر، وانفساح القلب، وخفة الظهر بعد أن انزاح عن كاهله ما كان يثقله من الأوزار كما قال الله تعالى لنبيه: {ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك}(الشرح:3:1).

ـ المسارعة في العبادات، والخفة إلى الطاعات، وعدم استثقال القربات، بل يحبها ويحب أهلها ويسعى إليها بحب وخفة.

ـ التوفيق للعبادات والطاعات والقربات فإن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها كما قال بعض الصالحين.

ـ أن يكون الحال بعد الطاعة أحسن منه قبلها، فيكون حالك بعد رمضان أحسن منه قبله، لا فيه، فإن في رمضان من موجبات الطاعة والمعينات والأسباب الميسرة لها ما ليس في غيره، وإنما يكون الحال أحسن منه قبل رمضان، كأثر من آثار قبول الطاعة فيه. قال ابن عطاء: "مَن وجد ثمرة عمله عاجلا، فهو دليل على وجود القبول آجلا".

ـ ومن أعظم علامات القبول: المداومة على فعل الخيرات، وعدم الانقطاع عن العبادات، والاستقامة على القربات، فإن (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، وسُئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم: فقالت: (كان عمله ديمة)، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه (إذا عمل عملا أثبته)، يعني داوم عليه. وقد قال لعبد الله بن عمرو :(يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه.

علامات الرد

وكما أن الاستقامة هي أعظم علامات القبول، فإن العودة إلى الذنوب، والنكوص على الأعقاب، والزهد في الطاعات، وتركها، والعودة إلى المعاصي واقترافها بعد انقضاء موسم العبادة من أعظم علامات الرد.

فاحذر أن يضيع ما جمعتَه أو أن تهدم ما بنيته في رمضان بالعودة إلى المعاصي والذنوب بعده، فإن الشياطين تنتظرك بعد انطلاقها من حبسها وفكها من أسارها.

وقد حذرنا الله من هذا الارتداد على الأعقاب، وأن نكون مثل ريطة بنت سعد، وهي امرأة من قريش كانت تقضي يومها ونهارها تغزل غزلا رقيقا جميلا، فإذا جاء الليل أمسكت بطرف خيطها فنقضت ما عملته، وأفسدت كل ما صنعته، فحذرنا الله من مثل فعلها فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا}(النحل:92).

فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الذنب بعد الطاعة.. اللهم اجعلنا من المقبولين الفائزين، ولا تجعلنا من الخائبين الخاسرين.. اللهم اجعلنا من المرحومين، ولا تجعلنا من المحرومين.. اللهم آمين. وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وتقبل الله منا ومنكم أجمعين. 

233041 الأسرة المسلمة في رمضان

المقال

شهر رمضان مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين، فهو شهر الصيام والقيام، شهر العِتق والغفران، شهر تُفتح فيه أبواب الجنات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه السيئات.. شهر أُنْزِل فيه أنزل القُرآن الكريم، فيه ليلة (ليلة القدر) خير من ألف شهر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُبَشِّرُ أصحابه رضوان الله عليهم بقدومه، لِمَا فيهِ مِنَ الخيرِ العميم، والفضائل والبركات الوافرة، فكان يقول لهم: (أتاكم شهرُ رمضان، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ (تُشَدُّ الأغلالُ والسَّلاسِل) فيه مَرَدَة الشياطين (رُؤساءُ الشَياطين)، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقد وردت الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبيّن فضل شهر رمضان وما فيه من خيرات ورحمات، وفضائل وبركات.. ومن ثم فالأسرة المسلمة ترى شهر رمضان ليس ضيفًا عاديًّا يمكن أن تستقبله دون إعداد واستعداد، بل هي تفرح وتستبشر به، وتُحْسِن استقباله والاستعداد له، والعمل والعبادة فيه، حتى يَعُمَّ عليها خيره وفضله..

الأسرة: 

الأسرة هي اللبنة الأساسيّة في بناء المجتمع، وللأسرة أهمية عظيمة في الإسلام، وذلك لأنَّها المسؤول الأول في تنشئة الأجيال، وهي المحضن الأول لنشأة الصغار، وسعادتهم مقصد كل أب وأم، وأطفالنا هم الأمانة التي استرعانا الله إياها، وما نربيهم عليه ونبثه فيهم مِنْ قيم ومبادئ، يساهم بشكل كبير في تكوين شخصياتهم وتشكيل سلوكهم خاصة في شهر رمضان المبارك.. ولا شك أننا محاسبون على أولادنا، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع فمسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلِها (زوجها) وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري. والراعي هو الحافظ المؤتمَن، الملتزم بمصالح ما قام عليه في أموره الدينية والدنيوية، والذي سيُسْأل أمام الله عن رعيته: ضيَّع أم حفِظ؟!. وعلى الوالدين أن يتذكرا دائما أن نعمة الأولاد مسؤولية وأمانة، سيُسْألان عنها يوم القيامة.. ومن هذه المسئولية للآباء والأمهات تجاه أبنائهم: تربيتهم وتنشئتهم من صغرهم على طاعة الله وعبادته، وعلى حُسْن الأخلاق والمعاملات. قال ابن القيم: "فمَنْ أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بهم كبارا".

استعداد واستقبال الأسرة المسلمة لرمضان:

استعداد الأسرة المسلمة لشهر رمضان يكون من ناحيتين: الاستعداد الإيماني والاستعداد المادي. ومِنْ أهم ما يجب أن تعتني به الأسرة وهي بصدد الاستعداد الإيماني: المحافظة على الصلاة، وتعريف الأبناء فضل وعِظم وبركة هذا الشهر الكريم، مع شحذ همة واستحضار النية لأفراد الأسرة جميعا للخروج بأقصى زاد من تقوى الله عز وجل من هذا الشهر الفضيل، ويكون أفرادها جميعا ممن غفر الله عز وجل لهم، وجعلهم من عباده الفائزين المقبولين.
والمقصود بالاستعداد المادي هو أن توفر الأسرة ما قد تحتاجه من مستلزمات البيت خلال شهر رمضان بدون إسراف ولا تقتير، حتى يتسنى لها الحفاظ على أوقاتها في هذا الشهر الكريم. وقد قال الله تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ}(الأعراف:31). ومما يلاحظ على بعض الأُسَر أنهم يجعلون من شهر رمضان موسماً سنوياً للإسراف في الطعام والشراب، ويسرفون في ذلك إسرافا كبيرا، والنتيجة من وراء ذلك إضاعة الأوقات والمال، وإرهاق الأسرة بدنيا وماديا، قال ابن تيمية: "فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإنّ أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يبصرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها". وقال ابن القيم: "فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحسبك بهذين شرا، فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام! وكم من طاعة حال دونها! فمن وُقِيَ شر بطنه، فقد وقيَ شرا عظيما". ومن ثم فالأسرة المسلمة في رمضان وغيره توطن نفسها وأفرادها على الاعتدال والوسطية في المآكل والمشارب، ولا تعرف الإسراف أو التقتير.

ولا تنسى الأسرة المسلمة في استقبالها لشهر رمضان من باب صلة الأرحام وحُسْن الجِيرة: تهنئة الأقارب والجيران ولو بالهاتف إن لم يتيسر أكثر من ذلك. وكذلك إظهار السعادة والسرور، وتعليق بعض الأنوار أو الزهور، مع تعريف الأبناء والأطفال فضل وعِظم هذا الشهر المبارك، ليُغْرَس في نفوسهم حب هذا الشهر الكريم والتطلع والشوق إليه كل عام.

وصايا للأسرة المسلمة في رمضان:

مما ينبغي على الآباء والأمهات خاصة في شهر رمضان: التكاتف والتعاون على الطاعة والعبادة، والبر والخير، وإرشاد أولادهم والأخذ بأيديهم للوصول إلى أن يكونوا من الفائزين المقبولين في رمضان، ومن السعداء في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الوصايا والوسائل للأسرة المسلمة لتكون ـ بفضل الله تعالى ـ من الفائزين الرابحين في رمضان وفي حياتها كلها:

1 ـ ينبغي على الأسرة ـ الأب والأم والأبناء ـ في آخر يوم من شهر شعبان التطلع بشوق وفرح لمعرفة رؤية هلال رمضان، وإظهار البِشْر والسعادة بتحقق رؤية هلاله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأى الهلال الذي يَبْدَأُ به الشَّهْر القَمَريّ: (اللهمَّ أهلَّه علينا باليُمنِ والإيمانِ، والسلامةِ والإسلامِ، ربِّي وربُّكَ اللَّه) رواه الترمذي وصححه الألباني.

2 ـ استحضار النية والإخلاص لله عز وجل مِنْ كل فرد من أفراد الأسرة، فالنيَّة هي الفعل القلبيُّ الذي لا يراه أحد إلاَّ الله سبحانه وتعالى، وبمقتضاها يكون الجزاء: إمَّا ثواب، وإمَّا عقاب، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والأسرة المسلمة في رمضان وغيره ترجو بعبادتها وجميع أعمالها ثوابَ الله تعالى. ومع اسحتضار الأسرة النية فإنها كذلك ـ بجميع أفرادها ـ تنوي وتعزم على التوبة من كل الذنوب، ما كان منها في حق الله، وما كان منها في حق العباد، فرمضان فرصة ـ للكبير والصغير ـ للتوبة، وللمصالحة وصلة الرحم، والعفو والتسامح.

3 ـ على أفراد الأسرة جميعا الجلوس في الليلة الأولى من رمضان (آخر يوم من شعبان) للتذكير بشهر رمضان وفضله، وأجر الصيام والقيام، وتعريف الأبناء بحقيقة الصيام، وأنه ليس فقط ترك الطعام والشراب، ف (ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوع، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهر) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فشهر رمضان والصيام هو طريق لتحصيل التقوى وحُسْن الأخلاق، وينغي كذلك على الوالدين حث أبناءهم وتشجيعهم على استثماره والاجتهاد فيه في عبادة الله وطاعته، إذ هو سبيل وطريق عظيم لمغفرة الذنوب وتكثير الحسنات.

4 ـ على الآباء والأمهات الاهتمام ـ وخاصة في رمضان ـ بالتربية الإيمانية للأبناء، وغرس فيهم الحرص على المحافظة على الصلاة، وتعويد الصغار على الصيام، ومتابعتهم وشحذ همة المقصر منهم.. والحرص كل الحرص على ختم القرآن في رمضان، فرمضان هو شهر القرآن، ولكثرة القراءة فيه مزية خاصة، وكان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدًا وتبيينًا. وكان السلف يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غيرها. كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام". وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.

5 ـ قد يوجد في البيت أولاد صغار بحاجة للتشجيع على الصيام، فعلى الوالدين حثهم على السحور، وتشجيعهم ماديا ومعنوياً على الصيام، والتدرج معهم في الصوم عدة ساعات من النهار، أو صيام اليوم كله على حسب استطاعتهم وقدرتهم. عن الرُبَيِّع بنت مُعَوذ رضي الله عنها قالت: "كنا نُصَوِّم صبياننا الصغار ونذهب بهم إلى المساجد، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن (القطن)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". قال النووي: "وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين". مع تعويد الأبناء مشاركة الأسرة نظامها في هذا الشهر الطيب، والجلوس على مائدة الإفطار مع الكبار ليشاركوهم فرحتهم وطعامهم.

6 ـ التعاون بين أفراد الأسرة في أعباء ومسئوليات البيت، ومن ذلك إعانة الأم في إعداد المائدة وتجهيزها، وكذا في رفع الباقي من الطعام عن المائدة، وحفظ الطعام الصالح للأكل. وعلى الزوج أن يساعد زوجته، وألا يكلِّفها بما لا طاقة لها به من حيث إعداد الطعام. تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلاّ أنه كان ضحّاكاً بسّاماً، وما كان إلاّ بشراً مِن البشر، كان يكون في مهنة أهله (خدمتهم ومساعدتهم)...ولا رأيتُه ضرب بيده امرأة ولا خادما".

7 ـ على الوالدين تذكير الأبناء بفضل المحافظة على صلاة الفرائض في المسجد، والمواظبة على صلاة التراويح، وما أعدّه الله عز وجل من الأجر والثواب لمن حافظ عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَات الخَمْس، وَالْجُمْعَة إلى الجُمْعَة، ورمضان إلى رمضان، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائر) رواه مسلم. وقال: (مَن قام رمضان إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه) رواه البخاري. قال الكرماني: "اتفقوا على أن المراد بقيامه صلاة التراويح". مع الاهتمام الكبير من الوالدين والأبناء بالاجتهاد في العبادة والمحافظة على صلاة التراويح في العشر الأواخر من رمضان لإدراك ليلة القدر التي قال الله تعالى عنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر:3). والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: (وفيه (في رمضان) ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: (ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

8 ـ على الوالدين الاهتمام بأعمال الخير المتنوعة، وحث أبناءهم على الشعور بالفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور إلى قلوبهم، وتشجيعهم على الجُود والتصدق، وتفقد أحوال الجيران، فقد كان الجود والإنفاق من هدْي النبي صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل".

9 - بالنسبة للسحور يُذكِّر الأبوان أبناءهما ببركة السحور، وأنه يقوي الإنسان على الصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحَّروا فإن في السَّحور بركة) رواه البخاري. والبَركةُ في السُّحورِ تَحصُلُ بجِهاتٍ مُتعدِّدة، وهي: اتِّباعُ السُّنة، ومُخالَفة أهْلِ الكتاب لأنَّهم لا يَتسحَّرون، والتَّقوِّي على العبادة.

10 ـ إن تيَسَّر للأب والأم الذهاب بالأسرة إلى العمرة في رمضان فخيرٌ وفضل كبير يقدمونه لأنفسهم ولأسرتهم، فالعمرة في رمضان لها أجر وثواب حجة كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: "معنى ذلك في الأجر والثواب، لا في الإجزاء عن الفريضة بغير خلاف".

11 ـ الأسرة المسلمة في رمضان وغير رمضان لا تُقبِل إلا على الطيب من البرامج الإعلامية، ولا تشغل أوقاتها إلا بالنافع والمفيد من البرامج التي ترشدها إلى ما ينفعها في أمر دينها ودنياها، وعلى الآباء والأمهات ـ بجانب محافظة الأبناء الصغار على الصلاة وورد من القرآن ـ إشغال أولادهم وتسليتهم ببعض المهارات الفنية والمسلية، وجلب لهم كراسات التلوين التي تنمي مهاراتهم وقدراتهم، وفتح لهم جهاز الحاسب الآلي في وقت محدد لمشاهدة بعض البرامج التعليمية والترفيهية...وكذلك على الوالدين الاهتمام بالمرح والدعابة مع الأبناء، وقد اعتبر الكثير من التربويين اللعب والمرح وسيلة من وسائل التربية، والأسرة محتاجة إلى اللعب والترويح ـ بالضوابط الشرعية ـ كحاجتها للطعام والشراب...مع تعريف الأبناء أن الأصل في هذا الشهر المبارك هو الاجتهاد والإقبال على القرآن الكريم تلاوةً وتدبرّاً وسماعاً.

12 ـ أيام شهر رمضان فرصة للوالدين لتعليم أولادهما شيئا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليستفيدوا من دروسها وعبرها، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقدرون للسيرة النبوية قدرها، ويتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم، فكان علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: "كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نُعلم السورة من القرآن". ومن فوائد وثمرات تعلم أولادنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يجدون فيها القدوة، فهي تقدم إليهم نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج المثالي للمسلم في حسن معاملته لأهله، وللأب في حنو عاطفته، والصاحب في حبه وحسن معاملته لأصحابه، والمسلم الجامع بين واجباته وعبادته لربه.. وكل من يبحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه سيجد ذلك نموذجاً ماثلاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} (الأحزاب21).

مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن يبلغهم شهر رمضان، فهو شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُغْفَر فيه الذنوب والسيئات، وتُضاعف فيه الأجور والدرجات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، ويعتق الله فيه عباده من النيران، فحريٌّ بالأسرة المسلمة أن تستغل هذا الشهر بما يعود عليها بالخير.


نسأل الله تعالى أن يجعل شهر رمضان عوناً لنا على طاعته، وأن يعيننا على حُسْن صيامه وقيامه، ويجعلنا فيه من الفائزين الرابحين، ومِنْ عتقائه مِنَ النار ومن المقبولين.

179777 في رمضان يحلو القيام

المقال

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا مُحمد وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن قيام الليل من أعظم أدوية القلوب التي تزيد الإيمان وتقوي صلة العبد بربه وخالقه، وتؤهل العبد لتحمل الأعباء والمشاق في طريق سيره إلى الله ، ولهذا كان الأمر الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية التنزيل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} (المزمل:2:1).
وقد وصف الله أهل الجنة فكان من صفاتهم أنهم يقومون الليل يناجون ربهم ويصلون له ويذكرونه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات:18:15).

وفي رمضان يحلو القيام
إذا كان قيام الليل هو شعار الصالحين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد). فإن هذا القيام له في رمضان حلاوة و مزية خاصة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). قال الشيخ الألباني رحمه الله: "هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات ، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب".
فيا أيها الحبيب: هل ألهبت جوفك حرارة المعصية؟ هل أقلقت نومك الخطيئات؟ هل نغصت وكدرت عليك عيشك كثرة السيئات؟ إذا كنت كذلك فعليك بقيام الليل وخصوصا في رمضان يغفر لك ما مضى.

من فضائل القيام
لقيام الليل فضل عظيم وثمرات مباركة في الدنيا والآخرة، فهو في الدنيا شرف للمؤمن فقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل..".
وبه يستحق العبد درجة الصديقين والشهداء فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة ، وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: (من الصديقين والشهداء).
وإذا تدبرت لوجدت أن الرجل ما زاد على أركان الإسلام إلا قيام الليل، واستحق بهذه الزيادة اسم الصديقين والشهداء.
وتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عبد الله بن عمر : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل).
ومن صفات عباد الرحمن الذين أضافهم إلى نفسه إضافة تشريف أنهم يقومون الليل: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان:64).

قيام الليل طريق إلى الجنة
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام).
وهو مهر الحور العين فقد قال أبو سليمان الداراني: بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء ركضتني برجلها فقالت: يا حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وانا أربى لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
إنها الحور العين التي قال عنها نبيكم صلى الله عليه وسلم: (ولو أن امرأة من نساء الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه أعد لهؤلاء المتهجدين بالليل أعلى الكرامة في جنات النعيم: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}( السجدة:17:16).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يُفسر.
ولا شك أن هذا الذي أخفاه الله من أجرهم هو أعلى الكرامة لأعلى أهل الجنة منزلةً كما سأل موسى ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة فقال: أولئك الذين أردت غرسَ كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر..

وفي الليل تقضى الحوائج
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن في الليل لساعة ، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة ، إلا أعطاه إياه ، وذلك كل ليلة).

وفي أحرج اللحظات وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويدعو ، حدث ذلك في بدر وفي يوم الأحزاب، فيا من ضاقت عليه الأرزاق قم الليل وسل ربك التوسعة ، يا من حرمت نعمة الولد عليك بالدعاء في جوف الليل، يا من تنشد للإسلام نصرا وعزا وتمكينا سل ربك في ظلمة الليل وفي أوقات السحر.
ذكر العلامة ابن كثير رحمه الله أن بعض المسلمين سمع الفرنجة يكلم بعضهم بعضا فقالوا: إن القسيم بن القسيم ( يقصدون نور الدين محمود زنكي ) لا ينتصر علينا بكثرة جيشه ولا عتاده لكنه يقوم بالليل فيدعو ربه فإذا أصبح نصره علينا. فيا سبحان الله أعداؤه علموا أنه ينصر عليهم بدعواته في الليل قبل كثرة العدد والعتاد.
فاللهم وفقنا لقيام رمضان إيمانا واحتسابا، واجعلنا ممن غفرت لهم ما تقدم من الذنوب، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
 

تسجيل الخروج

هل أنت متأكد أنك تريد تسجيل الخروج من حسابك؟

سجّل دخولك للاستفادة من المميزات

تنويه حول الإجابات المختصرة

تم إنشاء هذا الملخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لأغراض إرشادية فقط. يُرجى الرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة واكتمال التفاصيل.

شارك الفتوى عبر مواقع التواصل الإجتماعي