مقالات رمضان

178055 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

المقال

قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة:185). 

القول في هذه الآية تنظمه عشر مسائل:

الأولى: (الشهر) مشتق من الشُّهرة؛ لأن الهلال يظهر لملتمسيه، فيشهرونه؛ ليراه الناس، فيثبت الشهر عندهم، و(رمضان) عَلَم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج. و(رمضان) ممنوع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون؛ لأنه مشتق من الرمضاء، وهي الحرارة؛ لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب. 

قال ابن عاشور: "وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يقتضي عدم ذكره؛ إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم؛ وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال: رمضان لكان ظاهراً لا نصاً، لا سيما مع تقدم قوله {أياما} فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان". والمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية، هو الذي جُعِلَ ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين، فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان، فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه. 

الثانية: المراد بإنزال القرآن في (شهر رمضان) ابتداء إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه ابتداء النزول، فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأن ذلك القدر المنزل مقدر إلحاق تكملته به، كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله سبحانه: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) (الأنعام:92)، وذلك قبل إكمال نزوله، فيشمل كل ما يلحق به من بعد. 

قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوُضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجماً نجماً في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوماً -يعني الآية والآيتين- في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة". 

واختير شهر رمضان من بين الأشهر؛ لأنه قد شَرُفَ بنزول القرآن فيه، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها، ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعاً فيه.

الثالثة: قوله تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) إشارة إلى وجه تفضيل شهر رمضان بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان، والمراد بـ(الهدى) الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي، الذي ينكره كثير من الناس، مثل أدلة التوحيد، وصدق الرسول، وغير ذلك من الحجج القرآنية.

و(الفرقان) مصدر (فَرَقَ)، وقد شاع في الفرق بين الحق والباطل، أي: إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله، وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام.

الرابعة: و(شهد) يجوز أن يكون بمعنى (حضر) كما يقال: إن فلاناً شهد بدراً، وشهد أحداً، أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: حضرها، والمعنى على هذا: حضر في الشهر، أي لم يكن مسافراً، وهو المناسب لقوله بعده: (ومن كان مريضا أو على سفر)، أي: فمن حضر في الشهر، فليصمه كله. 

ويجوز أن يكون (شهد) بمعنى (علم)، كقوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) (آل عمران:18)، ويكون المعنى: علم بحلول الشهر، وليس (شهد) بمعنى (رأى)؛ لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال: شاهد، ومن فهم قوله سبحانه: (شهد) بمعنى (رأى) فقد أخطأ خطأ بيِّناً، وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان، فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم، وهذا باطل. 

قال جمهور الأمة: "من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيماً، فإن سافر أفطر"، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة، وقد ترجم البخاري لهذا، فقال: "باب: إذا صام أياماً من رمضان، ثم سافر"..عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس.

ثم قال الحنفية: مَن (شهد) الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جنَّ أول الشهر وآخره، فإنه يقضي أيام جنونه. قالوا: وإذا أسلم الكافر، أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الإمساك، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر، ولا اليوم الذي بلغ فيه الصبي، أو أسلم الكافر.

وقال جمهور أهل العلم: ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. قال مالك: وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه. قال القرطبي: "الصحيح لا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم، ولا قضاء ما مضى".

الخامسة: قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا) قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا): إنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي (كتب عليكم الصيام)، وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها، فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله: (شهر رمضان)، وصار الصوم واجباً على التعيين، خيف أن يظن الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نُسخ، فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر، فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة؛ تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهذا بناء على كون هذه الآية ناسخة للتي قبلها. 

فإن قلنا: إنهما نزلتا في وقت واحد، كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: (ومن كان مريضا)؛ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة؛ رفقاً بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إذا كان {شهد} بمعنى (تحقق) و(علم)، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة؛ ولزيادة بيان معنى قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). 

ثم إن للمريض حالتين: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يُستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر؛ قياساً على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدعُ إلى الفطر ضرورة. وقال جمهور أهل العلم: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيُّده صح له الفطر. قال القرطبي: "قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب، إن شاء الله تعالى".

السادسة: قوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) تعليل لقوله سبحانه: (ومن كان مريضا أو على سفر)، وبيان للحكمة من الرخصة، أي: شرع لكم القضاء؛ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة، ولا يريد بكم العسر في التكاليف. وجوز ابن عاشور أن يكون تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: (كتب عليكم الصيام) إلى هنا، فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام -وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر- فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر، أي: تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. 

السابعة: قوله سبحانه: (ولتكملوا العدة) المعنى: يريد الله أن تكملوا العدة، و(إكمال العدة) يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم؛ ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع، وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف. وقد يراد بـ (إكمال العدة) إكمال عدة الهلال، سواء كانت تسعاً وعشرين يوماً أو ثلاثين. قال العلماء: ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهاراً، بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً صُبْحَ ثلاثين يوماً، فرأى هلال شوال نهاراً، فلم يفطر حتى أمسى). أخرجه الدار قطني.

الثامنة: قوله سبحانه: (ولتكبروا الله) تعليل لحكمة متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى، وهو أن يكبروه. والمراد بـ (التكبير) النسبة والتوصيف، أي: أن تنسبوا الله إلى الكِبَر، و(الكبر) هنا كبر معنوي لا جسمي، فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها، أي: لتصفوا الله بالعظمة، وذلك بأن تقولوا: الله أكبر، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الواقع، كالحكماء، والملوك، والسادة، والقادة، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية؛ لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه، والناقص غير مستحق للإلهية. 

وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون، قال الشافعي: وتُشَبَّه ليلة النحر بها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك والشافعي. وروى الدار قطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى. 

قال القرطبي: "وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر". وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى، وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. 

قال ابن عاشور: "وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة؛ وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر، إشارة إلى أن الله يُعْبَدُ بالصوم، وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام".

وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير؛ إذ جعلته مما يريده الله، وهو غير مفصل في لفظ التكبير، ومجمل في وقت التكبير؛ وعدده، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال. فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر، والمشهور في السنة أنه يكرر (الله أكبر) ثلاثاً، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والشافعي: إذا شاء المرء زاد على التكبير تهليلاً وتحميداً، فهو حسن، ولا يترك (الله أكبر)، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين، ثم قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. وقال أحمد: هو واسع. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ غير ثلاث تكبيرات. 

التاسعة: قوله سبحانه: (على ما هداكم) قيل: لِمَا ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلاً عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب والأنساب، وتعديد المناقب. وقيل: لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع، فهو عام.

العاشرة: قوله عز وجل: (ولعلكم تشكرون) تعليل آخر، وهو أعم من مضمون جملة (ولتكبروا الله على ما هداكم )، فإن التكبير تعظيم، يتضمن شكراً، والشكر أعم؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى، ويكون بفعل القُرَب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر.

135238 رمضان والتوبة

المقال

 

من أعظم نعم الله على عباده أن فتح لهم باب التوبة والإنابة، وجعل لهم فيه ملاذاً آميناً، وملجأً حصيناً، يلِجْه المذنب، معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، ليجد في قربه من ربه ما يزيل عنه وحشة الذنب، وينير له ظلام القلب، وتتحول حياته من شقاء المعصية وشؤمها، إلى نور الطاعة وبركتها.

فقد دعا الله عباده إلى التوبة مهما عظمت ذنوبهم وجلَّت سيئاتهم، وأمرهم بها ورغبهم فيها، ووعدهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات رحمة ولطفاً منه بالعباد.

ومنزلة التوبة هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، لا يفارقها العبد ولا ينفك عنها حتى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه، فهي بداية العبد ونهايته، ولذا خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه، وأمرهم أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وجهادهم، وعلق الفلاح بها، فقال سبحانه: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور:31). وقسَّم العباد إلى تائب وظالم، قال سبحانه: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (الحجرات: 11)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.

وإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم، فكيف بغيره من المذنبين والمقصرين.

والتوبة الصادقة تمحو الخطايا والسيئات مهما عظمت، حتى الكفر والشرك، فإن الله تبارك وتعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، قال سبحانه: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} (الأنفال:38)، بل حتى الذين قتلوا الأنبياء، و{قالوا إن الله ثالث ثلاثة)(المائدة:73)، و{قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة:17)، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- دعاهم للتوبة، وفتح لهم أبواب المغفرة فقال سبحانه: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} (المائدة 74)، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم، وفي حديث آخر: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.

ورمضان من أعظم مواسم التوبة والمغفرة وتكفير السيئات، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) كيف وقد جعل الله صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر على وجه الخصوص إيماناً واحتساباً مكفراً لما تقدم من الذنوب؟! والعبد يجد فيه من العون ما لا يجده في غيره، ففرص الطاعة متوفرة، والقلوب على ربها مقبلة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، ودواعي الشر مضيقة، والشياطين مصفدة، وكل ذلك مما يعين المرء على التوبة والرجوع إلى الله.

فلذلك، كان المحروم من ضيع هذه الفرصة، وأدرك هذا الشهر ولم يُغفر له، فاستحق الذل والإبعاد بدعاء جبريل عليه السلام وتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال جبريل: (يا مُحمد! من أدرك شهر رمضان فمات، ولم يُغفر له، فأُدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقال: آمين) رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: (رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفر له) رواه الترمذي.

وإذا كان الله عز وجل قد دعا عباده إلى التوبة الصادقة النصوح في كل زمان، فإن التوبة في رمضان أولى وآكد، لأنه شهر تُسْكَبُ فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وتُعتق فيه الرقاب من النار، ومن لم يتب في رمضان فمتى يتوب؟!

وللتوبة شروط ستة لابد من توفرها لكي تكون صحيحة مقبولة:

أولها: أن تكون خالصة لله تعالى.

ثانيها: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تنفع معها التوبة، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} (الأنعام:158)، وقبل أن تبلغ الروح الحُلقوم، فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثها: الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدَّعي العبدُ التوبة، وهو مقيم على المعصية.

رابعها: الندم على ما كان منه، والندم ركن التوبة الأعظم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الندم توبة) أخرجه ابن ماجه.

خامسها: العزم على عدم العودة إلى الذنب في المستقبل.

سادسها: رد الحقوق إلى أصحابها والتحلل منهم، إن كان الذنب مما يتعلق بحقوق المخلوقين.

فحري بنا -أخي الصائم- ونحن في هذا الشهر الكريم أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة، وأن نجعل من رمضان موسماً لتقويم أعمالنا، وتصحيح مسيرتنا، ومحاسبة نفوسنا، فإن وجدنا خيراً حمدنا الله وازددنا منه، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرنا منه، وأكثرنا من عمل الصالحات.

135296 أولادنا في رمضان

المقال

الأطفال بهجة العمر وزينة الحياة الدنيا، والرصيد الباقي للمرء بعد موته إن أحسن تربيتهم وتنشئتهم (أو ولد صالح يدعو له)، ورمضان فرصة عظيمة لها آثارها على نفوس أطفالنا، إن أحسنا استغلالها والإفادة منها بما ينعكس على سلوكهم في شؤون الحياة كلها.

فالصوم مسؤولية جسيمة تتطلب قدراً من الجهد والمشقة والصبر وقوة الإرادة، إضافة إلى أنه فريضة رتب الشارع الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، مما يحتم على الأبوين ضرورة تعويد الأبناء على أداء هذه الفريضة، وتحبيبهم فيها، واستثمار هذه الفرصة الاستثمار الأمثل لغرس القيم والسلوكيات الجميلة في نفوسهم، وإضافة عدد من المهارات والتجارب لديهم.

فكيف نجعل من لحظات الصيام سعادة في قلوب أولادنا، وكيف يصبح رمضان فرحة ينتظرونها بفارغ الصبر، وكيف نستثمر هذا الشهر في غرس المعاني التربوية والإيمانية في نفوسهم؟!

من المهم جداً أن يرى الطفل ويسمع من حوله مظاهر الحفاوة والابتهاج بهذا الشهر الكريم، فينشأ ويكبر وهو يشاهد هذه السعادة الغامرة والفرحة الكبيرة من والديه وإخوانه كلما هبت نسائم شهر رمضان، وتظل هذه الذكريات السارة محفورة في ذاكرته، لا تبليها مرور الليالي والأيام، ولا يمحوها كَرُّ الشهور والأعوام، ولو رجع أحدنا بذاكرته إلى الوراء عدة سنوات ليتذكر البدايات الأولى التي عاش فيها تجربة الصوم لوجدها من أكثر سني عمره متعة وإثارة.

ولعل من المناسب أن يُحْضِر الوالدان للأطفال بعض الهدايا واللعب في بداية الشهر، لتحمل معها معنى عظيماً، وهو أن هذا الشهر يأتي، ويأتي معه الخير، فيحبونه ويترقبونه بكل شوق وشغف.

ومن الأمور المهمة أيضاً تعويد الطفل على الصوم والتدرج معه في ذلك، فلا ينبغي أن ندع أطفالنا يكبرون، ثم نباغتهم بالأمر بالصوم من غير أن يستعدوا له، فيشق ذلك عليهم، بل لا بد من إعدادهم نفسيًّا، وتهيئتهم فكريًّا.

وطاقة الطفل وتحمله تزداد يوماً بعد يوم، فقد يكون في هذا العام غير قادر على الصيام، ولا حرج في ذلك ولا إثم، فهو لم يبلغ سن التكليف بعدُ، كما أنه ليس بالضرورة أن يصوم الطفل الشهر كله في البداية، أو يصوم اليوم كاملاً إلى نهايته، بل يمكن أن نبدأ معه بشكل متدرج، كأن يصوم للظهر ثم للعصر، ولا حرج إن كان بمقدوره تحمل الجوع مع تناول بعض الماء، وهكذا حتى يعتاد الصيام.

ولا بد مع ذلك من التلطف مع الطفل، وتنمية جانب الاحتساب عنده، عن طريق بيان ما أعده الله للصائمين، وألا يفهم أن القضية جوع وعطش، بل هي عبادة وطاعة، وفوق ذلك ثواب عظيم، وجزاء كبير.

ومن المهم أيضاً أن تقترن هذه التجربة بالمكافآت والجوائز التشجيعية في نهاية يوم الصوم، أو في نهاية الشهر الكريم، ويمكن أن يفتح باب المنافسة بين الأطفال كأن يقال لهم: "من يصوم أكثر له جائزة أكبر"، و"من يصلي التراويح إلى نهايتها له كذا وكذا"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطفل عادة يحب المكافأة السريعة، وهو ما يدفعه ويجعله يستمر فيما يقوم به من تكاليف، إلى أن تصبح تلك التكاليف سلوكاً من حياته، وجزءاً من شخصيته، ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كانوا يُعوِّدون أبناءهم منذ نعومة أظفارهم على الصيام، وكانوا في المقابل يقدمون لهم الألعاب والدمى، يتلهَّون بها عن الجوع والعطش.

إن إقبال الأطفال على مشاركة والديهم في الصيام يحمل معنى تربوياً هاماً، فهو يغرس الثقة في نفس الطفل، وينمي لديه الشعور بإثبات الذات، والإحساس بالمسؤولية، عندما يحس بأنه يقوم بأعمال لا يمارسها إلا الكبار، ولعل هذا الشعور هو ما يفسر لنا الإصرار والحماس الذي يدفع بعض الأطفال لأن يصوم هذا الشهر كاملاً مع صغر سنه، وهو أمر له أثره الإيجابي على سلوكيات أبناءنا وعباداتهم ومعاملاتهم، لأنه يجعل من شهر الصوم نقطة بداية لتحملهم المسؤولية في بقية الشهور والعبادات والمعاملات.

رمضان أيضاً فرصة عظيمة لغرس المعاني الإيمانية في نفوس أطفالنا، كالصبر، وتحمل الجوع والعطش، ومراقبة الله تعالى عندما يمسكون عن الأكل والشرب مع إمكانهم أن يفعلوا ذلك بعيداً عن أعين الناس، والتعلق بالمساجد والتراويح وحب القرآن عن طريق إقامة المسابقات في ختمه، وحفظ جزء منه، والإقبال على تلاوته، والجود والكرم حين يعطي الوالدان صغيرهما مبلغاً من المال ليضعه في يد سائل أو محتاج.

يجب أن يشعر الأطفال أنه لا مكان للكسل والخمول في هذا الشهر، وأن الأوقات فيه غالية ثمينة لا ينبغي أن تضيع فيما لا فائدة فيه، فضلاً عما يعود بالضرر عليه، ولذا فإن من الجريمة في حق أطفالنا أن نتركهم ضحية للمحطات الفضائية والقنوات التي تغرس فيهم القيم والسلوكيات المنحرفة عن طريق ما تبثه من برامج وأفلام وترفيه غير برئ، تحت مبرر أنها قنوات موجهة للأطفال، وقد لا تدرك المرأة أن المخاطر التي تتهدد الطفل وأخلاقه من جراء عكوفه على هذه القنوات قد لا تقل -إن لم تكن أعظم- عن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها فيما لو أخلي سبيله، وذهب إلى خارج البيت.

رمضان أيضاً فرصة لتنمية الذوق الغذائي السليم لدى أولادنا، والابتعاد عن العادات السيئة التي جلبتها لنا الحضارة المعاصرة، وفيها من الضرر ما يفوق النفع، ولذا ينبغي أن نكون قدوة لأطفالنا في أكلنا وشربنا؛ لأن عاداتنا وممارساتنا الغذائية ستنعكس على الطفل بلا شك.

وأخيراً وليس آخراً، فإن رمضان فرصة عظيمة ينبغي أن نستفيد منها في تربية أبنائنا وبناتنا، ولن يتأتى ذلك إلا بوضع الخطط، وإعداد البرامج لكي يخرج الطفل من هذا الشهر الكريم وقد اكتسب شيئاً جديداً وخلقاً حميداً، والله الموفق، وهو يهدي السبيل.

197866 رمضان وتجديد الذات

المقال

رمضان محطة سنوية تؤثر في النفس تأثيرا بالغا، حيث تنتعش بدواخلنا القوى الروحية، وتنقمع القوى الشهوانية، فضلا عن التحكم الفريد في رغبات الفرد بتأثير الصوم الذي يقوي العزائم ويجمح المثالب.

وفي رمضان يكون القرب أكثر من الله تعالى ويحلو الصيام والقيام والدعاء والتضرع والخشية والاستكانة وإطعام الطعام والصدقة .. والكثير مما يطول ذكره ويصعب حصره من معالم البر والخير.

ورمضان شهر التضامن الاجتماعي باقتدار حيث يستشعر الغني فقر الفقير، وتملأ جنبات نفسه السعادة وهو يمد يد العون لأخيه المحتاج: صدقة وزكاة وعطفا وصلة .. فتتصالح النفوس مع ذواتها ومع بعضها البعض في منظومة إيمانية بديعة لا تجد لها مثيلا إلا في روضة الإسلام الغناء.

وفي رمضان يجد المسلم نفسه ملازما جادة الإيمان، مندفعا مع الوفود الإيمانيه نحو نفحات الله تعالى ورحماته ومنحه التي لا تحصى ولا تعد، فهو بين منح المغفرة للصائم والدعوات المستجابة عند إفطاره وليلة القدر التي تجمع له طاعة 83 عاما أو يزيد، فضلا عن غل الشياطين وغلق أبواب الجحيم وزلفى الجنة من الطائعين، وكفى المؤمن شرفا أن خلوف فمه وهو صائم أطيب عند الله من ريح المسك.. إن المسلم في رمضان بالفعل يتغير، وتأخذ حياته صبغة نورانية جميلة، وتعزف نفسه عن المعصية عزوف الملائكة عنها.

يقول ابن عاشور: "حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردا فردا؛ إذ منها يتكون المجتمع. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].

لعلكم تتقون
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183).
أي ليعدكم به "للتقوى" التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لما في الصيام من مراقبة الله تعالى. أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم.

والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية. وفي الحديث الصحيح: (الصوم جُنة) رواه النسائي. أي وقاية، ولما ترك ذكر متعلق جنة تعين حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم، ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات.

الخطة الرمضانية
- خير بداية لرمضان تكون بتطهير المحل، ونقصد به نقاوة القلوب لإقبالها على علام الغيوب، بتقديم التوبة الصادقة والتقلل من أدران الذنوب، فعائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: إنك لن تلقى الله بشيء خير من قلة الذنوب، فمن سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف نفسه عن كثرة الذنوب.

- أيام رمضان شأن سائر الأيام تمر سراعا، بل ربما هي أسرع من غيرها، وهذا يتطلب عزيمة صادقة وهمة عالية في ترتيب الأوقات واغتنام النفحات -وما أكثرها في شهر البركات- وترتيب الوقت في هذا الشهر الكريم من أهم مفاتيح جني الثمرات، وذلك برصد أوقات محددة لكل عبادة حسب ما تسمح به الأحوال، والحذر من لصوص الوقت من الرفقاء والثقلاء والطفيليين، قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}(الأنعام:70)، مع الحذر أيضا من آفات الكسل والتسويف، وشغل النفس بأمور يمكن تداركها بعد فوات الشهر الكريم، والانشغال بالمهم عن الأهم.
قال أبو بكر الوراق: استعن على سيرك إلى الله بترك من شغلك عن الله عز وجل، وليس بشاغل يشغلك عن الله عز وجل كنفسك التي هي بين جنبيك.
وقال الحسن: من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.

- مما ينبغي الاهتمام به في شهر الخير هو تجميل العبادة وتزينها واستشعار أنها ستهدى لله عز وجل فلابد أن تكون على أحسن حال وأجمله وأطيبه، وهذا لا يتأتى إلا بمزيج من الإخلاص والبعد عن شوائب الرياء، والإكثار من قربات السر فإنها تقع من الله بمكان، مع معايشة وتدبر كل آية تمر عليها بين دفتي المصحف، وإدمان الذكر على كل حال، وتحري أوقات الدعاء المستجابة (أثناء الصوم، عند الفطر، بين الأذان والإقامة، وقت السحر، ليلة القدر ... ).

- تفطن لدقيق العبادات التي لا يلحظها إلا الراسخون في العلم وأصحاب الهمم العالية، ومنها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة) رواه أهل السنن. ومنها تكرار ختمات القرآن اقتداء بالحبيب -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة الكرام، فقد كان أبو رجاء العطاردي يختم في كل عشر، وكان قتادة يختم في كل سبع دوماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر كل ليلة. وكان الأسود النخعي يختم في كل ليلتين.
قال ابن رجب: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة شرفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناماً للزمان والمكان".

ومنها أيضا التبكير للصلوات، والجلوس بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي.

- رمضان شهر تربوي، حيوي، تفاعلي، تلاحمي .. فما أجمل أن تتعدى القربات إلى من حولك، صدقة على المحتاج وصلة للأقرباء وإعانة للضعفاء .. وسائر وجوه البر والتكافل الاجتماعي، ففي كل هذا تآلف لأواصر المحبة وتناغم المجتمع في بوتقة الإيمان حيث تزول بيننا أدران الحقد والغل والحسد وسائر المهلكات.
قال مالك بن دينار: إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار لتغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله.

وهذا الإيمان العملي من شأنه أن يجسد المنهج الإسلامي واقعا فعليا بيننا، ولا يكون نصيبا منه إلا شعارات وخطب رنانة ليس لها من أرض الواقع نصيب، ونصير -بحسن سلوكنا- رسل دعوة نحبب الناس في الدين، فيمد الغني يد العون للفقير، ويساعد القوي الضعيف، ولا يضيع بيننا يتيم ولا أرملة ولا مسكين، وهذا عين رضا رب العالمين، وإذا رضي الرب على قوم فانتظر الخير الجزيل.

- يا حبذا رمضان بإنسان مختلف وهمة متميزة، لتجنيد الطاقات، وتعبئة الإرادات، وتقوية العزائم، وشحذ الهمم، وإذكاء البواعث، ومن أهم الأفكار العملية في هذا الصدد: 
* تكوين فرق عمل في الحي لجمع البيانات عن محتاجي التبرعات والزكوات في المنطقة القاطنة، ومن ثم التشارك في جمع التبرعات وإعداد الحقيبة الرمضانية العامرة بشتى المأكولات وتوزيعها في بداية الشهر الكريم على مستحقيها من فقراء الحي، ومن فطر صائما فله مثل أجره، وفي نهاية الشهر نتشارك في لجان جمع زكاة الفطر وتوزيعها على أصحابها.

* التشارك في عمل لوحات رمضانية جذابة عن فضائل الصوم تشمل الآيات والأحاديث النبوية المرغبة فيه وتعليقها على قارعة الطرق وفي مداخل العمارات. أيضا شراء الكتيبات والمطويات الرمضانية وتوزيعها على الأقارب والأحباب والجيران.

* كن رسول خيرٍ اقتداء بالحبيب -صلى الله عليه وسلم- ولا تدع المناشط الدعوية تفوتك، وما أجمل أن تصطحب صديقا لك رقيق الدين إلى درس العصر أو صلاة ترويح، مستغلا وجاهتك عنده وعلاقتك الطيبة به مع أسلوبك المقنع في جذبة إلى الرحاب الرمضانية، ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم، والدال على الخير كفاعله، وبذلك تنال الأجر مرتين، وما أروع أن يكون رمضانك رمضانين بل رمضانات عديدة..

 

43691 أركان الصوم وشروطه

المقال

رَكَنَ إلى الأمر: مال إليه وسكن، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (هود:113) أي: لا تميلوا وتسكنوا إلى الظالمين، ورُكْنُ الشيء: جانبه الأقوى، قال تعالى على لسانه نبيه لوط: (لو أَن لي بكم قوة أَو آوي إلى ركن شديد) (هود:80).

و(الركن) في اصطلاح الأصوليين: ما يتوقف عليه وجود الشيء وعدمه، ويعبرون عن ذلك بقولهم: ما يتوقف على وجوده الوجود، وعلى عدمه العدم؛ وكثيرًا ما يعبر الفقهاء عن الركن بالشرط، ويريدون منه، ما لا بد منه.

ركني الصوم:

والصيام في حقيقته مركب من ركنين أساسيين، لا يُتصور حصوله بدونهما: 

- الركن الأول: النية، ومعناها القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء، وعزمه عليه من غير تردد، والمراد بها هنا قصد الصوم، والدليل على أن النية ركن لصحة الصيام، قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم، وهو يعم كل عمل ، وقوله في حديث حفصة رضي الله عنها: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أحمد وأصحاب السنن.

ومحل النية القلب، ولا يُشرع التلفظ بها، وهو خلاف السُّنَّة؛ لأنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، وحقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لأمر الله تعالى، وطلباً لثوابه، ويُشترط في النية لصوم رمضان التبْييت، وهو: إيقاع النية ليلاً، لحديث حفصة المتقدم، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل، وينبغي على العبد أن يبتعد عن وسواس الشيطان في النية، فإن النية لا تحتاج إلى تكلف، فمن عقد قلبه ليلاً أنه صائم غداً فقد نوى، ومثله ما لو تسحَّر بنية الصوم غداً.

وبعض الفقهاء يعد النية شرطاً لصحة الصيام لا ركناً من أركانه، والمقصود أنه لا بد منها لصحة الصوم سواء عددْناها ركناً أم شرطاً.

- الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات من طعام، وشراب، وجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ودليل ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187)، والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، بياض النهار وسواد الليل، وذلك يحصل بطلوع الفجر الثاني أو الفجر الصادق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق) رواه الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) رواه البخاري ومسلم، وقد أجمع أهل العلم على أن من فعل شيئاً من ذلك متعمداً فقد بطل صومه.

شروط الصوم:

وهناك شروط ذكرها أهل العلم لا بد من توفرها للحكم بوجوب الصوم، وهي: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً مقيماً قادراً خالياً من الموانع الشرعية.

فلا يصح الصوم من الكافر، فإن أسلم في أثناء الشهر، صام الباقي, ولا يلزمه قضاء ما سبق حال الكفر، ويقضي اليوم الذي أسلم فيه إن أسلم أثناء النهار، نص عليه الإمام مالك، والإمام أحمد وغيرهما. 

ولا يجب الصوم على الصغير غير البالغ لعدم التكليف، ولكنه يصح منه، ويكون في حقه نافلة، ولو أفطر في أثناء النهار فلا شيء عليه، ولكن يستحب لوليه تدريبه على الصوم ليعتاد عليه، ولئلا يجد صعوبة فيه حال البلوغ، فقد ثبت في الصحيح من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها أنها قالت في صيام عاشوراء لما فُرض: (كنا نُصَوِّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار) رواه البخاري ومسلم.

ولا يجب الصوم على مجنون، ولو صام حال جنونه لم يصح منه؛ لأن الصوم عبادة مفتقرة إلى النية، والمجنون لا يتصور منه النية، وفي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: (رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود وغيره.

ولا يجب الصوم على غير القادر لمرض دائم، أو كِبَر، وعليه إطعام مسكين عن كل يوم. ولا يجب على المسافر، والمريض مرضاً عارضاً، ولكنهما يقضيانه حال زوال عذر المرض أو السفر؛ لقوله جل وعلا: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (البقرة:184).

ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء، بل يحرم عليهما، ولا يصح منهما؛ لوجود المانع الشرعي، ولو جاءها الحيض أو النفاس أثناء الصوم، بطل صوم ذلك اليوم، ويجب عليها أن تقضي الأيام التي أفطرتها بعد رمضان.

والطهارة ليست شرطاً لصحة الصوم، فإذا تسحر الجنب، وشرع في الصوم، ولم يغتسل، صح صومه، وكذلك لو طهرت المرأة من الحيض في الليل ولم تغتسل، وصامت يومها التالي صح الصوم منها. 

هذه هي أهم أركان الصوم وشروطه، وللعلماء مزيد تفصيل وبيان فيها، يمكن الرجوع إليها في مظانها، والله أعلم.

43694 مفسدات الصوم

المقال

من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم دينًا قِيَمًا؛ يضبط سلوكهم ويزكي نفوسهم، فأنزل لهم كتابًا مبينًا، وأرسل رسولاً أمينًا، فبشَّر وأنذر، ووعد وحذر. وجاء بشريعة تضمنت الحلال والحرام، والواجبات والمحظورات، كل ذلك تحقيقًا لخير الفرد والمجتمع، في الآجل والعاجل: (أَلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك:14).

وكما أن للعبادات الشرعية شروطًا وأركانًا، لا تصح ولا تجزئ عن المكلف - مع القدرة - إلا بها، فإن لها كذلك مفسدات ومبطلات إذا طرأت عليها أفسدتها، وأبطلت أجرها وثوابها. 
ومفسدات الصوم ومبطلاته التي ينبغي أن يتجنبها الصائم؛ ليكون صومه صحيحاً مقبولاً إن شاء الله، هي سبعة أمور: 

أولاً: الجماع

والجماع في نهار رمضان أعظم مفسد للصوم، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكْتُ، قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعْتُ على امرأتي في رمضان..."، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، ما يدل على أن الجماع مفسد للصوم، وهو محل إجماع بين العلماء. 

والجماع المفسد للصوم هو إيلاج حشفة الذكر في الفرج، وأما مقدماته من القبلة ونحوها مع عدم الإنزال فإنها لا تفسده، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إِرْبه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إِرْبه) رواه مسلم، وعليه فلو علم الصائم من نفسه أن فعله سيؤدي به إلى الجماع أو الإنزال لعدم قدرته على كبح شهوته، فإنه يحرم عليه حينئذٍ سداً للذَّريعةِ، وصوناً لصيامه عن التعرض للفسادِ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً خوفاً من تسرب الماء إلى جوفه. 

ثانيًا: الأكل والشرب 

وهو إيصال الطعام والشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف أياً كان نوع المأكول أو المشروب، فمن فعل شيئًا من ذلك متعمدًا فقد فسد صومه لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187).

أما من أكل أو شرب ناسيا، فلا يؤثر ذلك على صيامه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، رواه البخاري ومسلم.

ثالثًا: ما كان في معنى الأكل والشرب 

كالإبر المغذية ونحوها مما يكتفى به عن الأكل والشرب، فإذا تناول الصائم مثل هذه الإبر فإنه يفطر، لأنها وإن لم تكن أكلاً وشرباً حقيقة إلا أنها بمعناهما، فيثبت لها حكم الأكل والشرب، وأما الإبر غير المغذية فإنها لا تفطر سواء تناولها عن طريق العضلات، أو عن طريق الوريد، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعناهما، فلا يثبت لها حكمهما. 


رابعًا: التقيؤ عمْداً

وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، إذا تعمد الصائم فِعْل ذلك، وأما إن غلبه القيء وخرج من غير إرادته فلا قضاء عليه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) رواه أحمد وأبو داود، ومعنى ذرعه: سبقه وغلبه في الخروج.

وسواء كان التعمد بالفعل كعصر بطنه وإدخال أصبعه في حلقه، أو بالشم كأن يشم شيئاً ليقيء به، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء ليقيء فإنه يفطر بذلك كله.

خامسًا: خروج دم الحيض والنفاس 

لقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) رواه البخاري. وقد أجمع أهل العلم على أن خروج دم الحيض أو النفاس مفسد للصوم.

فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء كان ذلك في أول النهار أم في آخره، ولو قبل الغروب بلحظة، وأما إن أحسَّت بانتقال الدم، ولم يبرز إلا بعد الغروب، فصيامها صحيح، لأن مدار الأمر على خروج الدم.

سادسًا: إنزال المني باختياره

فمن قبَّل أو لمس، أو استمنى حتى أنزل فإن صومه يفسد، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه أحمد، وخروج المني من الشهوة التي لا يتحقق الصوم إلا باجتنابها، فإن قصد إليها بفعل ما، لم يكن تاركًا لشهوته، وبالتالي لم يحقق وصف الصائم الذي جاء في الحديث.

أما إن كان إنزال المني عن غير قصد، ولا استدعاء، كاحتلام، أو تفكير، أو نتيجة تعب وإرهاق، فلا يؤثر ذلك على الصوم.

سابعًا: الحجامة

وهي شق أو جرح عضو من الجسد كالرأس أو الظهر لمص الدم منه، وقد اختلف أهل العلم في عدِّ الحجامة من مفسدات الصوم، فذهب الجمهور من أهل العلم من الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلى أنها لا تفطر، وذهب أحمد إلى أن الحجامة تفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أبو داود وابن ماجه.

وكذلك ما كان في معنى الحجامة كسحب الدم الكثير للتبرع وما أشبه ذلك؛ لأنه يؤثر في البدن كتأثير الحجامة.

وأما خروج الدم بالرعاف أو الجرح أو قلع السن أو شق الجرح، أو أخذ دم قليل للتحليل، فلا يفطر به الصائم، لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها، فلا يؤثر في البدن كتأثيرها.

ومما ينبغي أن يُعْلم في هذا الباب أن هذه المفسدات - غير الحيض والنفاس - لا يفطر الصائم بشيء منها إلا إذا كان عالماً ذاكراً مختاراً، فإن كان جاهلا بالحكم فلا يفطر، ولا يفطر كذلك إذا كان جاهلا بالحال، كأن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل أو يشرب مع أنه قد طلع، وأما من غلب على ظنه دخول وقت المغرب فأفطر، ثم تبين بقاء النهار فجمهور العلماء على أنه يقضي بدل هذا اليوم.

وكذلك لا يفطر إن نسي أنه صائم لقوله عليـه الصـلاة والسلام: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) متفق عليه. 

لكن عليه أن يمسك حال التذكر، ويخرج ما في فمه من الطعام والشراب، وعلى من رآه يأكل أو يشرب أن يذكره وينبهه.

وكذلك لا يفطر إذا كان مُكْرَهاً على ارتكاب شيء من هذه المفطرات، ولا قضاء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه) رواه ابن ماجه.

وهناك أحكام تتعلق بقضاء الصوم، وما يترتب على فساده، سيتم الحديث عنها في موضوع مستقل.

146617 رمضان وتقوية الإرادة

المقال

إن الإنسان يمثل مملكة كاملة، يقوم الفكر فيها بوظيفة التنبيه والإرشاد وإعطاء قوانين الإدارة والسلوك في هذه المملكة.

ويستمد الفكر ذلك كله من عدة مصادر، من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن الشريعة الربانية، ومن التجارب العملية، والمعارف التي توصل إليها الناس.

وتمثل الإرادة السلطة التنفيذية في مملكة الإنسان، وهذه الإرادة كلما كانت قوية حازمة عاقلة ملكت السلطة التنفيذية، أما إذا كانت ضعيفة متخاذلة فإنها تهون وتستكين وتخضع للأهواء والرغبات والشهوات.

وإن الإنسان لتتنازعه الرغبات والحاجات والأهواء، وبعض هذه الرغبات صالح وبعضها فاسد.

وعلى مقدار استقامة العبد في سلوكه وأفعاله نستطيع قياس قوة إرادته. وعلى قدر  انحرافه في سلوكه، وتخبطه مع أهوائه وشهواته وغرائزه نستطيع قياس ضعف إرادته.

وحين تشتد هذه الأهواء والرغبات في النفس وتلح على أصحابها باكتسابها من أي طريق ولو كان غير مباح فإن الإرادة القوية الحازمة تسيطر على هذه الأهواء وتكبح جماحها.

وإذا نظرنا إلى علاقة الصيام وغيره من العبادات التي شرعت في رمضان بالإرادة لوجدنا أن هذا الشهر العظيم فرصة لا تعوض ليتربى المسلم على قوة العزيمة والإرادة.

فالمسلم في رمضان يخالف عاداته ويتحرر من أسرها، ويترك مألوفاته التي هي مما أحل الله لعباده، فتراه ممتنعا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان امتثالا لأوامر الله عز وجل، وهكذا يصبح الصوم عند المسلم مجالا رحبا لتقوية الإرادة الجازمة ؛ فيستعلي على ضرورات الجسد، ويتحمل ضغطها وثقلها إيثارا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب.

فإذا استفاد المسلم من هذا الشهر المبارك فقويت عزيمته وإرادته، وطالت مدة التغيير فاستوعبت الشهر كله، ووجد من مجتمعه في هذا الشهر المبارك عونا وسندا حيث يكون المجتمع المحيط به مشاركا له في هذه العبادات والطاعات فيكون المجتمع كله مشاركا له في عملية التغيير مما يرجى معه أن يمتد الأثر ليشمل حياة المسلم كلها.

إن الله الرؤوف الرحيم لم يكلفننا الصيام والامتناع عن هذه المباحات خلال أيام رمضان ليعذبنا أو يشق علينا، إنما لنحقق التقوى من خلال حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183).

إن الإنسان تدفعه إلى المعالي قوتان:
قوة علمية، وقوة عملية.. وأساسهما هو قوة العزيمة والإرادة التي يحتاجها في طريق طلب العلم، ويحتاجها في سلوك سبيل الاستقامة، و يحتاجها في مواجهة الأهواء والشهوات والفتن، و يحتاجها لمدافعة ميل النفس إلى الدعة والراحة، ويحتاجها لمواجهة الحوادث والمصائب، وفي رمضان يتدرب المسلم على قوة الإرادة والعزيمة فيحدث التغيير الكبير في حياته ليتأهل للرقي في مراتب الكمال.

ولو نظرت بتدبر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم)، لوجدته يربي في المسلم قوة الإرادة ويجعل من الصوم وسيلة لتحسن الأخلاق وكظم الغيظ ومواجهة الأذى والجهل بالعفو والصفح فأي تربية هذه التي يربي الشرع عليها أبناءه من خلال العبادات العظيمة التي شرعها لهم ربهم وخاصة عبادة الصيام!.
وإذا اتضح لنا هذا المعنى الجليل فلنجعل من رمضان فرصة لتقوية الإرادة والاستعلاء على الشهوات والمألوفات، والتحرر من أسر العادات حتى نكون ممن أدركهم الله برحمته فوفقوا لصيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا فغفر لهم.. 

103283 رمضان والرحيل المر

المقال

أرأيتم لو أن ضيفًا عزيزًا ووافدًا كريمًا حبيبًا حلَّ في ربوعكم، ونزل بين دياركم، وغمركم بفضله وإحسانه، وأفاض عليكم من بره وامتنانه.. أحبكم وأحببتموه، وألفكم وألفتموه.. حتى إذا تعلقتم به، ثم حان وقت فراقه، وقربت لحظات وداعه، فبماذا عساكم مودعوه؟ وبأي شعور أنتم مفارقوه؟ 

خليليّ شهر الصوم زُمَّت مطاياه   وسارت وفود العاشقين بمسراه
فيا شهر لا تبعد لك الخير كله      وأنت ربيع الوصل يا طيب مرعاه
مساجدنا  معمورة في نهـاره       وفي ليله والليل يحمـد  مسـراه
عليك سـلام الله شهر قيامنا         وشهر تلاقينا بدهـر أضعــناه

 

دهاك الفـراق فما تصنع     أتصبر للبين أم تجــزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة    فكيف تكون إذا ودعوا

 

هاهي أمة الإسلام تودع شهر رمضان، رمضان الذي كنا بالأمس القريب نستقبله، وهانحن وبهذه السرعة نودعه، مرَّ علينا وكأنه دقائق أو بضع ساعات، وكأني بك تسمع قول الله وهو يحذر المؤمنين من الفوات ويستحثهم على  اغتنام الأوقات؛ فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ}(البقرة: 183، 184). ومرت الأيام المعدودات وكأنها غمضة عين أو ومضة برق، ولم يبق إلا سويعات وإنها والله مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.  

لقد عزم رمضان على الرحيل، وشمَّر عن ساق، وآذَن بوداع وانطلاق، فقوضت خيامه، وتصرمت أيامه، وأزف رحيله وانتقاله، ولم يبق لنا منه إلا سويعات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

مضى رمضان

مضى الشهر الذي شرفه الله وعظمه، ورفع قدره وكرمه، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر الرحمة والعفو والغفران. شهر أنزل الله فيه كتابه، وفتح للتائبين العائدين فيه بابه، فلا دعاء إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، ولا شهر إلا مدفوع ممنوع.

شهر تنزل فيه البركات، وتكثر فيه الصدقات، وتكفر فيه السيئات، وتقال فيه العثرات، وترفع فيه الدرجات، جعله الله لذنوبنا تطهيرًا ولسيئاتنا تكفيرًا.

شهر الأمن والأمان، والبركة والإحسان، والتجاوز والغفران، والعتق من النيران. شهر النسك والتعبد، والقيام والتهجد، والركوع والتسجد.

شهر كانت أبواب الجنة فيه مفتحة، فلا يغلق منها باب، وأبواب الجحيم موصدة فلا يفتح منها باب، ومردة الجن مُصفدة مسلسلة فلا سلطان لها على العباد، ومنادٍ ينادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. 

كل هذا الخير العميم والفضل العظيم يذهب بعد سويعات بذهاب رمضان، فحُقَّ أن تتقطع ـ والله - لفراقه قلوب المؤمنين، وتتحرق لذهابه نفوس المتهجدين، وتسيل لوداعه دموع الصائمين القائمين.  

يا شهر رمضان: غير مودَّع ودَّعناك، وغير مزهود فيك فارقناك، ولو كان الأمر لنا لما تركناك.
أتراك تعود بعدها علينا؟ أم يُدركنا الموت فلا تؤوب إلينا.. اللهم أعد علينا رمضان أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة.

 

عبرة وعظة
إن في انقضاء رمضان إشارة بانقضاء الأعمار وسرعة فناء هذه الدار، وتذكيرًا لكل مسلم بأن الدنيا كلَّها أيامٌ محدودة وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، وأنها مهما طالت في أعين المخدوعين فإنها ظل زائل وسراب خادع  {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (لقمان:33)، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} (غافر:39).

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

وقال صلى الله عليه وسلم: "مالي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها".
روي عن عيسى عليه السلام أنه قال لأصحابه: الدنيا قنطرة اعبروها ولا تعمروها.
وقال: من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا؟  تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.

مضمار سباق

إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا.
رمضان سوق قام وهاهو يكاد أن ينفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.. فليت شعري مَن المقبول منا فنهنيه ومن المطرود منعزيه؟!
 

لقد انقسم الناس في رمضان إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، فالسعيد من وفقه الله لطاعته وإتمام العمل وإخلاصه. والشقي من فرط في الشهر وضيعه وخرج منه كما دخل فيه، مصرًّا على الذنب مقيمًا على العصيان. 

فيا من أحسنت في رمضان هنيئًا لك ثواب الله ورضوانه، ورحمته وغفرانه، وعفوه وامتنانه. وأدِم الطاعة لله حتى النهاية فإن الأعمال بالخواتيم، وإياك والغرور فيرد عليك عملك.

ويا أيها المسوف المصر على طغيانه المتمادي في عصيانه؛ لقد عظمت والله مصيبتك وجلت بليتك.. أما سمعت نبيك وهو يقول: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له...". فإلى أي يوم أخرت توبتك؟ وإلى أي عام ادخرت أوبتك؟ أإلى عام مقبل أم إلى رمضان قادم.. هيهات.. وما أدراك أن تبقى مدة عام؟! كم ممن أمِل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر؟! وكم من مستقبل يومًا لم يستكمله؟! ومؤمل غدًا لم يدركه. إنك لو أبصرت الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروه.

تؤمل أن تخلد والمنايا                       تدور عليك من كل النواحي
ولا تدري إذ أمسيت يومًا                   لعلك لا تعيش إلى الصباح

كم كنت تعرف ممن صام في سلف        من بين أهلٍ وجيران  وخـلاَّن
أفناهم الموت واستبقاك بعــدهُمُ            حيًّا فما أقرب القاصي من الداني

أين من كانوا معنا في رمضان الماضي شاهدين؟! أتاهم والله هادم اللذات وقاطع الشهوات ومفرق الجماعات، فأخلى منهم المشاهد، وعطَّل منهم البيوت والمساجد. فهم في بطون اللحود صرعى لا يملكون لأنفسهم خيرًا ولا نفعًا، ينتظرون أن ينفخ في الصور ليعرضوا على الله فيجازيهم على ما قدموا.

أيها المغرور! أتنتظر أن تكون مثلهم.. تفرط في رمضان وهو في يدك وتطلب غيره وهو بعيد عنك؟!

أتترك من تحب وأنت جار     وتطلبهم وقد بَعُدَ المـزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقًا         وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهمُ حضور    وترجو أن تخـبرك الديار
فنفسك لم ولا تلم المطايا       ومت كمدًا فليس لك اعتذار

 

الأعمال بالخواتيم

أيها الأحبة الصائمون.. لإن كان قد بقي لنا في رمضان كلام فهي دعوة وتذكير..

دعوة لجميع المسلمين أن يجتهدوا في الساعات الباقية فيختموا شهرهم بالحسنى؛ فإن الأعمال بالخواتيم. ومن أحسن فيما بقي غفر له ما مضى. ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقى.

 

وخير ما تشغل به هذه الأوقات هو الاستغفار وطلب العفو من العزيز الغفار، فإنه ختام الأعمال الصالحة، به ختم الله الحج فقال: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(البقرة:199).
وبه ختم قيام الليل فقال: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}(آل عمران:17).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يختم به صلاته فيقول: (أستغفر الله، أستغفر الله.. اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

وأمر الله نبيه أن يختم به حياته فقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}(النصر:3).

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم أن يختموا رمضان بصدقة الفطر وبالاستغفار.. فأكثروا من الاستغفار، وأظهروا لله الحاجة والافتقار.. وقولوا كما قال آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(الأعراف:23).

وكما قال نوح: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(هود:47). 

وكما قال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(القصص:16). 

وكما قال ذو النون: {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنبياء:87). 

بل وكما قال الصحابة رضي الله عنهم: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(البقرة:286).

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتول أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، واجعلنا من عتقائك من النار.

233041 الأسرة المسلمة في رمضان

المقال

شهر رمضان مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين، فهو شهر الصيام والقيام، شهر العِتق والغفران، شهر تُفتح فيه أبواب الجنات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه السيئات.. شهر أُنْزِل فيه أنزل القُرآن الكريم، فيه ليلة (ليلة القدر) خير من ألف شهر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُبَشِّرُ أصحابه رضوان الله عليهم بقدومه، لِمَا فيهِ مِنَ الخيرِ العميم، والفضائل والبركات الوافرة، فكان يقول لهم: (أتاكم شهرُ رمضان، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ (تُشَدُّ الأغلالُ والسَّلاسِل) فيه مَرَدَة الشياطين (رُؤساءُ الشَياطين)، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقد وردت الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبيّن فضل شهر رمضان وما فيه من خيرات ورحمات، وفضائل وبركات.. ومن ثم فالأسرة المسلمة ترى شهر رمضان ليس ضيفًا عاديًّا يمكن أن تستقبله دون إعداد واستعداد، بل هي تفرح وتستبشر به، وتُحْسِن استقباله والاستعداد له، والعمل والعبادة فيه، حتى يَعُمَّ عليها خيره وفضله..

الأسرة: 

الأسرة هي اللبنة الأساسيّة في بناء المجتمع، وللأسرة أهمية عظيمة في الإسلام، وذلك لأنَّها المسؤول الأول في تنشئة الأجيال، وهي المحضن الأول لنشأة الصغار، وسعادتهم مقصد كل أب وأم، وأطفالنا هم الأمانة التي استرعانا الله إياها، وما نربيهم عليه ونبثه فيهم مِنْ قيم ومبادئ، يساهم بشكل كبير في تكوين شخصياتهم وتشكيل سلوكهم خاصة في شهر رمضان المبارك.. ولا شك أننا محاسبون على أولادنا، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع فمسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلِها (زوجها) وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري. والراعي هو الحافظ المؤتمَن، الملتزم بمصالح ما قام عليه في أموره الدينية والدنيوية، والذي سيُسْأل أمام الله عن رعيته: ضيَّع أم حفِظ؟!. وعلى الوالدين أن يتذكرا دائما أن نعمة الأولاد مسؤولية وأمانة، سيُسْألان عنها يوم القيامة.. ومن هذه المسئولية للآباء والأمهات تجاه أبنائهم: تربيتهم وتنشئتهم من صغرهم على طاعة الله وعبادته، وعلى حُسْن الأخلاق والمعاملات. قال ابن القيم: "فمَنْ أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بهم كبارا".

استعداد واستقبال الأسرة المسلمة لرمضان:

استعداد الأسرة المسلمة لشهر رمضان يكون من ناحيتين: الاستعداد الإيماني والاستعداد المادي. ومِنْ أهم ما يجب أن تعتني به الأسرة وهي بصدد الاستعداد الإيماني: المحافظة على الصلاة، وتعريف الأبناء فضل وعِظم وبركة هذا الشهر الكريم، مع شحذ همة واستحضار النية لأفراد الأسرة جميعا للخروج بأقصى زاد من تقوى الله عز وجل من هذا الشهر الفضيل، ويكون أفرادها جميعا ممن غفر الله عز وجل لهم، وجعلهم من عباده الفائزين المقبولين.
والمقصود بالاستعداد المادي هو أن توفر الأسرة ما قد تحتاجه من مستلزمات البيت خلال شهر رمضان بدون إسراف ولا تقتير، حتى يتسنى لها الحفاظ على أوقاتها في هذا الشهر الكريم. وقد قال الله تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ}(الأعراف:31). ومما يلاحظ على بعض الأُسَر أنهم يجعلون من شهر رمضان موسماً سنوياً للإسراف في الطعام والشراب، ويسرفون في ذلك إسرافا كبيرا، والنتيجة من وراء ذلك إضاعة الأوقات والمال، وإرهاق الأسرة بدنيا وماديا، قال ابن تيمية: "فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإنّ أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يبصرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها". وقال ابن القيم: "فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحسبك بهذين شرا، فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام! وكم من طاعة حال دونها! فمن وُقِيَ شر بطنه، فقد وقيَ شرا عظيما". ومن ثم فالأسرة المسلمة في رمضان وغيره توطن نفسها وأفرادها على الاعتدال والوسطية في المآكل والمشارب، ولا تعرف الإسراف أو التقتير.

ولا تنسى الأسرة المسلمة في استقبالها لشهر رمضان من باب صلة الأرحام وحُسْن الجِيرة: تهنئة الأقارب والجيران ولو بالهاتف إن لم يتيسر أكثر من ذلك. وكذلك إظهار السعادة والسرور، وتعليق بعض الأنوار أو الزهور، مع تعريف الأبناء والأطفال فضل وعِظم هذا الشهر المبارك، ليُغْرَس في نفوسهم حب هذا الشهر الكريم والتطلع والشوق إليه كل عام.

وصايا للأسرة المسلمة في رمضان:

مما ينبغي على الآباء والأمهات خاصة في شهر رمضان: التكاتف والتعاون على الطاعة والعبادة، والبر والخير، وإرشاد أولادهم والأخذ بأيديهم للوصول إلى أن يكونوا من الفائزين المقبولين في رمضان، ومن السعداء في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الوصايا والوسائل للأسرة المسلمة لتكون ـ بفضل الله تعالى ـ من الفائزين الرابحين في رمضان وفي حياتها كلها:

1 ـ ينبغي على الأسرة ـ الأب والأم والأبناء ـ في آخر يوم من شهر شعبان التطلع بشوق وفرح لمعرفة رؤية هلال رمضان، وإظهار البِشْر والسعادة بتحقق رؤية هلاله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأى الهلال الذي يَبْدَأُ به الشَّهْر القَمَريّ: (اللهمَّ أهلَّه علينا باليُمنِ والإيمانِ، والسلامةِ والإسلامِ، ربِّي وربُّكَ اللَّه) رواه الترمذي وصححه الألباني.

2 ـ استحضار النية والإخلاص لله عز وجل مِنْ كل فرد من أفراد الأسرة، فالنيَّة هي الفعل القلبيُّ الذي لا يراه أحد إلاَّ الله سبحانه وتعالى، وبمقتضاها يكون الجزاء: إمَّا ثواب، وإمَّا عقاب، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والأسرة المسلمة في رمضان وغيره ترجو بعبادتها وجميع أعمالها ثوابَ الله تعالى. ومع اسحتضار الأسرة النية فإنها كذلك ـ بجميع أفرادها ـ تنوي وتعزم على التوبة من كل الذنوب، ما كان منها في حق الله، وما كان منها في حق العباد، فرمضان فرصة ـ للكبير والصغير ـ للتوبة، وللمصالحة وصلة الرحم، والعفو والتسامح.

3 ـ على أفراد الأسرة جميعا الجلوس في الليلة الأولى من رمضان (آخر يوم من شعبان) للتذكير بشهر رمضان وفضله، وأجر الصيام والقيام، وتعريف الأبناء بحقيقة الصيام، وأنه ليس فقط ترك الطعام والشراب، ف (ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوع، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهر) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فشهر رمضان والصيام هو طريق لتحصيل التقوى وحُسْن الأخلاق، وينغي كذلك على الوالدين حث أبناءهم وتشجيعهم على استثماره والاجتهاد فيه في عبادة الله وطاعته، إذ هو سبيل وطريق عظيم لمغفرة الذنوب وتكثير الحسنات.

4 ـ على الآباء والأمهات الاهتمام ـ وخاصة في رمضان ـ بالتربية الإيمانية للأبناء، وغرس فيهم الحرص على المحافظة على الصلاة، وتعويد الصغار على الصيام، ومتابعتهم وشحذ همة المقصر منهم.. والحرص كل الحرص على ختم القرآن في رمضان، فرمضان هو شهر القرآن، ولكثرة القراءة فيه مزية خاصة، وكان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدًا وتبيينًا. وكان السلف يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غيرها. كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام". وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.

5 ـ قد يوجد في البيت أولاد صغار بحاجة للتشجيع على الصيام، فعلى الوالدين حثهم على السحور، وتشجيعهم ماديا ومعنوياً على الصيام، والتدرج معهم في الصوم عدة ساعات من النهار، أو صيام اليوم كله على حسب استطاعتهم وقدرتهم. عن الرُبَيِّع بنت مُعَوذ رضي الله عنها قالت: "كنا نُصَوِّم صبياننا الصغار ونذهب بهم إلى المساجد، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن (القطن)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". قال النووي: "وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين". مع تعويد الأبناء مشاركة الأسرة نظامها في هذا الشهر الطيب، والجلوس على مائدة الإفطار مع الكبار ليشاركوهم فرحتهم وطعامهم.

6 ـ التعاون بين أفراد الأسرة في أعباء ومسئوليات البيت، ومن ذلك إعانة الأم في إعداد المائدة وتجهيزها، وكذا في رفع الباقي من الطعام عن المائدة، وحفظ الطعام الصالح للأكل. وعلى الزوج أن يساعد زوجته، وألا يكلِّفها بما لا طاقة لها به من حيث إعداد الطعام. تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلاّ أنه كان ضحّاكاً بسّاماً، وما كان إلاّ بشراً مِن البشر، كان يكون في مهنة أهله (خدمتهم ومساعدتهم)...ولا رأيتُه ضرب بيده امرأة ولا خادما".

7 ـ على الوالدين تذكير الأبناء بفضل المحافظة على صلاة الفرائض في المسجد، والمواظبة على صلاة التراويح، وما أعدّه الله عز وجل من الأجر والثواب لمن حافظ عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَات الخَمْس، وَالْجُمْعَة إلى الجُمْعَة، ورمضان إلى رمضان، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائر) رواه مسلم. وقال: (مَن قام رمضان إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه) رواه البخاري. قال الكرماني: "اتفقوا على أن المراد بقيامه صلاة التراويح". مع الاهتمام الكبير من الوالدين والأبناء بالاجتهاد في العبادة والمحافظة على صلاة التراويح في العشر الأواخر من رمضان لإدراك ليلة القدر التي قال الله تعالى عنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر:3). والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: (وفيه (في رمضان) ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: (ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

8 ـ على الوالدين الاهتمام بأعمال الخير المتنوعة، وحث أبناءهم على الشعور بالفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور إلى قلوبهم، وتشجيعهم على الجُود والتصدق، وتفقد أحوال الجيران، فقد كان الجود والإنفاق من هدْي النبي صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل".

9 - بالنسبة للسحور يُذكِّر الأبوان أبناءهما ببركة السحور، وأنه يقوي الإنسان على الصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحَّروا فإن في السَّحور بركة) رواه البخاري. والبَركةُ في السُّحورِ تَحصُلُ بجِهاتٍ مُتعدِّدة، وهي: اتِّباعُ السُّنة، ومُخالَفة أهْلِ الكتاب لأنَّهم لا يَتسحَّرون، والتَّقوِّي على العبادة.

10 ـ إن تيَسَّر للأب والأم الذهاب بالأسرة إلى العمرة في رمضان فخيرٌ وفضل كبير يقدمونه لأنفسهم ولأسرتهم، فالعمرة في رمضان لها أجر وثواب حجة كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: "معنى ذلك في الأجر والثواب، لا في الإجزاء عن الفريضة بغير خلاف".

11 ـ الأسرة المسلمة في رمضان وغير رمضان لا تُقبِل إلا على الطيب من البرامج الإعلامية، ولا تشغل أوقاتها إلا بالنافع والمفيد من البرامج التي ترشدها إلى ما ينفعها في أمر دينها ودنياها، وعلى الآباء والأمهات ـ بجانب محافظة الأبناء الصغار على الصلاة وورد من القرآن ـ إشغال أولادهم وتسليتهم ببعض المهارات الفنية والمسلية، وجلب لهم كراسات التلوين التي تنمي مهاراتهم وقدراتهم، وفتح لهم جهاز الحاسب الآلي في وقت محدد لمشاهدة بعض البرامج التعليمية والترفيهية...وكذلك على الوالدين الاهتمام بالمرح والدعابة مع الأبناء، وقد اعتبر الكثير من التربويين اللعب والمرح وسيلة من وسائل التربية، والأسرة محتاجة إلى اللعب والترويح ـ بالضوابط الشرعية ـ كحاجتها للطعام والشراب...مع تعريف الأبناء أن الأصل في هذا الشهر المبارك هو الاجتهاد والإقبال على القرآن الكريم تلاوةً وتدبرّاً وسماعاً.

12 ـ أيام شهر رمضان فرصة للوالدين لتعليم أولادهما شيئا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليستفيدوا من دروسها وعبرها، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقدرون للسيرة النبوية قدرها، ويتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم، فكان علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: "كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نُعلم السورة من القرآن". ومن فوائد وثمرات تعلم أولادنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يجدون فيها القدوة، فهي تقدم إليهم نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج المثالي للمسلم في حسن معاملته لأهله، وللأب في حنو عاطفته، والصاحب في حبه وحسن معاملته لأصحابه، والمسلم الجامع بين واجباته وعبادته لربه.. وكل من يبحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه سيجد ذلك نموذجاً ماثلاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} (الأحزاب21).

مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن يبلغهم شهر رمضان، فهو شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُغْفَر فيه الذنوب والسيئات، وتُضاعف فيه الأجور والدرجات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، ويعتق الله فيه عباده من النيران، فحريٌّ بالأسرة المسلمة أن تستغل هذا الشهر بما يعود عليها بالخير.


نسأل الله تعالى أن يجعل شهر رمضان عوناً لنا على طاعته، وأن يعيننا على حُسْن صيامه وقيامه، ويجعلنا فيه من الفائزين الرابحين، ومِنْ عتقائه مِنَ النار ومن المقبولين.

45181 أخطاء في الإفطار

المقال

وقت الإفطار في رمضان هو الوقت الذي يكون فيه الصائم قد استنفد الكثير من طاقته الجسمية، والفكرية، والعاطفية، ما يدفع البعض إلى القيام ببعض الأخطاء التي لا تليق بأخلاق الصائم وآداب الصيام، وإليك بعضها:

أولاً: تأخير الإفطار بعد دخول وقته، وهو  خلاف السنَّة التي جاءت بتعجيل الفطر إذا دخل الوقت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) متفق عليه. 

ثانياً: ومن ذلك أن بعض الصائمين لا يفطر إلا بعد أن ينتهي المؤذن من أذانه احتياطاً، وهو من التنطع والتكلف الذي لم يُطَالَب به العبد.

ثالثاً: ومن الأخطاء انشغال بعض الصائمين بالإفطار عن إجابة المؤذن، والسنة للصائم وغيره أن يتابع المؤذن عند سماعه ويقول مثل قوله، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم النّداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) متفق عليه.

ولا يلزم الصائم أن يقطع أكله أو شربه من أجل المتابعة، بل يتابعه مع مواصلة الإفطار، حيث لم يرد نهي عن الأكل حال متابعة المؤذن وترديد الأذان. 

رابعاً: ومن الأخطاء غفلة بعض الصائمين عن الدعاء عند الإفطار، مع أن هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، ومن الغبن والحرمان أن يضيع العبد على نفسه هذه الفرصة العظيمة يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه أحمد وصححه الألباني، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأخطاء الإسراف في الطعام والشراب حال الإفطار، كما أن الإكثار من الأكل والشرب يثقل الإنسان عن العبادة وأداء الصلاة بخشوع وحضور قلب، وهو خلاف ما شُرِعَ له الصوم.

سادساً: ما يفعله بعض الصائمين من الفطر على ما حرم الله، كالسجائر، وغيرها من الخبائث، ولا شك أن الصوم فرصة عظيمة للتخلص من هذه العادات السيئة، وتدريب للإنسان على ترك المألوفات التي تعودها، فمن استطاع أن يتركها نهاراً كاملاً، لا يعجزه -بالصبر والعزيمة- الإقلاع عن هذه الخبائث في ليله أيضاً، حتى إذا انتهى رمضان كان قد تعود على تركها، فيسهل عليه المداومة والاستمرار على ذلك.

230803 رمضان.. والدعاء المستجاب

المقال

رمضان شهر الصيام.. رمضان شهر القيام.. رمضان شهر الجود.. رمضان شهر الانتصارات.. لقد جمع رمضان كل هذا الخير وغيره كثير.. وجمع معه أيضا أنه شهر الدعوات المستجابات.

والدعاء من أجل القربات وأعظم الطاعات، وقد وصف بأنه العبادة كما في الحديث (الدعاء هو العبادة).. لأنه جمع مقاصدها. وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين.

والدعاء وإن كان سُنة مشروعة مندوبا إليها في كل وقت وحين، إلا أنه في أوقات مخصوصة وأماكن معلومة يكون آكد سنيَّة، وأشد طلباً، وأرجى قبولا.. ومن الأوقات التي يُلتمس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاء الصائم مقبول وأن دعوته لا ترد.
فقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم)(صححه الألباني). وكلام العلماء في تفسير الحديث يدل على أن الدعاء يكون قبل الإفطار ووقت الإفطار وبعده. ورجح بعضهم أنه وقت الفطر أدعى للقبول والله تعالى أعلم.

وفي كتاب الله تعالى ما يدل على الترغيب في الدعاء للصائمين، فقد ذكر الله في وسط أيات الصيام قوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]..
وهذه الآية في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.

قال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221].

وقال ابن عاشور: "نظم الآية مؤذن بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم...
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.

ادعوا ربكم تضرعا وخفية
يقول سبحانه {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55).
فأمرهم سبحانه أولا بالدعاء، وهي سؤال العبد ربه كل ما يحتاجه من أموره.
فهو سبحانه لواسع كرمه وعظيم فضله وجوده وبره يأمرهم أن يسألوه ثم يعدهم أن يستجيب لهم ويحقق لهم طلبتهم ويعطيهم سؤلهم.. فالدعاء عبادة محبوبة إليه يغضب على من تركها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يسأل الله يغضب عليه).
لا تســألن بـني آدم حــاجــة .. .. وسل الذي أبوابـه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله .. .. وبني آدم حين يسأل يغضب
وأَمْره سبحانه بالدعاء مشعر في ذاته بالإجابة لأنه لو لم يرد أن يعطي لما أمر بالسؤال.
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه .. .. من جود كفك ما علمتني الطلبا

وقوله:  {ربكم}: أي الذي رباكم بصنوف النعم، وأغدق عليكم أنواع المنن، ولطائف الفضائل، ومازال يتولاكم مذ كنتم نطفا في أصلاب آبائكم، ثم أجنة في بطون أمهاتكم، ثم ما زال يغذوكم بفضله، ويوالي عليكم نعمه حتى صرتم كبارا.. فالفضل كله بيديه، والقدرة كلها عنده، والأمر كله إليه، لا يعجزه شيء، ولا يصعب عليه شيئ.. ومثل هذا يدعى دون غيره.. كما قيل:
لا تجلسن بباب من .. .. يأبى عليك دخول داره
وتقول حاجاتي إليه .. .. يعوقـــها إن لـــم أداره
اتركه واقصد ربها .. .. تقضى ورب الدار كاره
فرب الكون هو الذي يقصد وحده، فاقصده في جليل أمرك وقليله..

تضرعا:
أي تذللا وتمسكنا وافتقارا.. خاضعين له، متمسكنين عنده، منكسرين بين يديه، متذللين له سبحانه.. واسألوه سؤال المسكين، وادعوه دعاء الخائف الذليل، سؤال من رغم له أنفه، وخضعت له رقبته، وذل له قلبه، وفاضت له عيناه.. دعاء الغريق الذي يعلم أنه لا ملجأ له ولا منجا من الله إلا إليه. "فما الغريق في لجج البحر على خشبة في تضرعه إلى الله بأحوج إلى الله من الآمن المستقر في قعر بيته" كما قال ابن قدامة يرحمه الله.

ومن التضرع رقع اليدين عند الدعاء .. فإن الله يستحي من العبد أن يرفع إليه عبده يديه ثم يردهما صفرا خائبتين.

ومن التضرع كثرة الإلحاح والتكرار، وألا تتبرم إذا أبطأت عليك الإجابة؛ فإن الله يستجيب لعبده ما لم يعجل، ويقول دعوت فلم يستجب، لي فيستحسر حينئذ ويدع الدعاء.

واعلم أنك رابح مع الدعاء في كل حال؛ فإن الله إما أن يعطيك مسألتك ويجيب دعاءك، وإما أن يصرف عنك من السوء مثلها، وإما أن يدخرها لك يوم القيامة.

ومن التضرع الثناء على الله وتحميده وتمجيده ووصفه بما هو أهله.. والصلاة والسلام على رسوله في أول الدعاء وآخره.

ومن التضرع أن تحضر قلبك وقت الدعاء، فتجمع همتك، ويواطئ القلب اللسان، فإن الله لا يقبل دعاء قلب لاه.

وأن تعزم المسألة فإن الله تعالى لا مستكره له، وأن توقن بالإجابة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة)... وقد قال عمر: والله إني لا أحمل هم الإجابة ولكني لا أحمل هم الدعاء.. يعني إذا جاء الدعاء فالإجابة معه لأن الله تعالى قال: {ادعوني أستجب لكم}(غافر:60).

وخُفية
أي أخفوا دعاءكم، واجعلوه فيما بينكم وبين الله، ولا ترفعوا به أصواتكم رفعا منكرا.. فالدعاء الخفي أولى بالقبول كما العمل الخفي، وكلما كان العمل أخفى عن الخلق كلما كان أدعى للإخلاص، وأبعد من الرياء، وأرجى للقبول عند رب الأرض والسماء.
وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة يرفعون أصواتهم في دعائهم فقال: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.

لا يحب  المعتدين
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون قوم يعتدون في دعائهم..
ومن الاعتداء في الدعاء: الدعاء بظلم أو إثم أو قطيعة رحم.. وهذا دعاء مردود على صاحبه غير مقبول كما جاء في الحديث (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).

ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بما لا يجوز أو المستحيلات الشرعية، كأن يسأل الله منازل الأنبياء، أو يصعد الله به إلى السماء وأمثال هذا.

ومن التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".

أيضا ورد النهي عن التفصيل في الدعاء، فعن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) رواه أبو داود.

وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعُذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء)، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداء.

وإنما ينجي من هذا الاعتداء التزام أدعية القرآن الكريم، وما ورد من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها خير الدعوات وأحبها إلى الرب سبحانه، فإن النبي صلى الله عليه قد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا.

وأخيرا فإن التماس أوقات الدعاء المرجو القبول فيها يجعلها أقرب للإجابة كعند الأذان وبين الأذان والإقامة، وفي ثلث الليل الآخر.. وغيرها من الاوقات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحاح.

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

197065 الصوم وحفظ اللسان

المقال

قال الإمام النووي في كتابه "الأذكار": "اعلم أنه لكل مكلف أن يحفظ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركُه في المصلحة، فالسُنة الإِمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء".

وفي القرآن الكريم قوله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} (المؤمنون:3)، قيل من جملة ما قيل في معنى {اللغو} ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان:72). وقال تعالى محذراً من آفات اللسان: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق/18) وفي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً، أو ليصمت).
وفي "الصحيحين" قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وفيهما أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يَزِلُّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

وروى الترمذي عن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: (أمْلك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك) قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وعند الترمذي أيضاً من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: ما من شيء أحق بطول سجن من اللسان.

وذكر الإمام النووي في "أذكاره" أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا -وكانا من حكماء العرب- فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةَ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال: ما هي: قال: حفظ اللسان.

ومن آفات اللسان الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، وإثارة النزعات العنصرية، والقبلية، والطائفية، والعرقية، والإقليمية، التي تفرق وحدة المجتمع، وتوهن عضد الأمة.

ومن آفاته أيضاً الكذب، والتحديث بكل ما يُسمع، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم.

ومن آفاته الشماتة بالمسلم، واحتقاره، والسخرية منه، وشهادة الزور، والمـَنُّ بالعطية.

ومن أعظم آفات اللسان عامة، وفي شهر رمضان خاصة الغيبة، وهي كما قال عليه الصلاة والسلام: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه) رواه مسلم؛ والغيبة تضر بالصيام، وقد حُكي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن الغيبة تفطر الصائم، وتوجب عليه القضاء، وأخذ بهذا القول بعض أهل العلم، كالإمام الأوزاعي، وابن حزم.

وسواء كانت غيبة الغير في دينه أو دنياه، وفي خَلْقه أو خُلُقه، أو ماله أو لده، أو زوجه، أو أي شيء يمت إليه بصلة، وسواء كانت باللفظ، أو بالإشارة، أو الرمز، فكل ذلك حرام في دين الله.

وعلى الجملة، فكل قدح في الغير مما يكرهه لا يحل، وهو من الغيبة، وهي درجات: فبعضها أعظم من بعض، بحسب من تُكِلِّم فيه منزلة، وبحسب الدافع لها، والحامل عليها، وبحسب المقالة التي قيلت فيه؛ فمن اغتاب إنساناً في دينه، فهذا أعظم من القدح في لون ثوبه، أو طريقة مشيه.

والعجب أن أمر الغيبة قد هان على كثير من الناس، وخف وقعها عليهم، حتى إن الكبير والصغير، والعالم والجاهل يعملها ويكررها، ولا يأنف، ولا يستنكف، ولا يتردد في أمرها.

فيتوجب على الصائم أن يحفظ صومه، وأن يتقي الله في لسانه وجوارحه كافة، وأن يحرص كل الحرص على أن لا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه أحمد وغيره.

ولأن اللسان خلق للكلام، فلا شيء يحمي من زللـه مثل إشغاله بالقول المعروف، والقول السديد، والقول الحسن، كالذكر، والقرآن، والتسبيح، والكلام الطيب مع الناس، كالثناء عليهم باعتدال، والدعاء لهم، وذكر محاسنهم، وتطيب نفوسهم، وتقديم الخبرة والمشورة والتجربة والنصيحة لهم، وما شاكل هذا من المعاني الخيرة، التي تعود على صاحبها بالنفع والخير، وعلى المجتمع بالتواصل والترابط، وقد قال تعالى: {وقولوا للناس حسنا}(البقرة:83) وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلت: وفيك)، رواه البخاري في "الأدب المفرد".

211444 وصايا لقارئي القرآن في رمضان

المقال

الحمد لله القائل في كتابه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى}(البقرة:185)، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي خصَّه الله بوحيه، وأنْزل عليه خير كتبه، القائل: (خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه)، أما بعد:

فلقد خصَّ الله هذا الشهر الكريم بخصائص؛ منها: أنه أفضل شهور السنة، وفيه ليلة القدر، وفيه نزل القرآن. فأنزله الله كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، وأنزل أول آياته في ليلة الوحي ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما تبعا للوقائع على مدار ثلاث وعشرين سنة، فَشَرُفَ الشهر بنُزول القرآن فيه، لذا صار يُسمى: شهر القرآن. وعليه فالتلازم بين القرآن وشهر رمضان ظاهر.

أحوال الناس في قراءة القرآن:
في رمضان كثيرا ما يتساءل بعض الناس عن أيهما أفضل، قراءة القرآن بتدبر، أو قراءته على وجه الحدر، والاستزادة من بكثرة ختمه إدراكًا لأجر القراءة؟

وهاتان العبادتان غير متناقضتين ولا متشاحَّتين في الوقت حتى يُطلب السؤال عن الأفضل، والأمر في هذا يرجع إلى حال القارئ، وهم أصناف:
- الصنف الأول: العامة الذين لا يستطيعون التدبر، بل قد لا يفهمون جملة كبيرة من آياته، وهؤلاء لاشكَّ أن الأفضل في حقِّهم كثرة القراءة. وهذا النوع من القراءة مطلوب لذاته لتكثير الحسنات في القراءة على ما جاء في الحديث: (لا أقول " ألم " حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

-الصنف الثاني: العلماء وطلبة العلم، وهؤلاء لهم طريقان في القرآن:
الأول: كطريقة العامة؛ طلبًا لتكثير الحسنات بكثرة القراءة والخَتْمَاتِ.
الثاني: قراءته قصد مدارسة معانيه والتَّدبر والاستنباط منه، وكلٌّ بحسب تخصصه سيبرز له من الاستنباط ما لا يبرز للآخَر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وهما مطلوبان معًا، وليس بينهما مناقضة، كما سبق، بل كلُّ نوعٍ له وقته، وهو مرتبط بحال صاحبه فيه. ولا شكَّ أنَّ الفهم أكمل من عدم الفهم، لذا شبَّه بعض العلماء من قرأ سورة من القرآن بتدبر كان كمن قدَّم جوهرة، ومن قرأ كل القرآن بغير تدبر كان كمن قدَّم دراهم كثيرة، وهي لا تصلُ إلى حدِّ ما قدَّمه الأول.

تنبيهات تتعلق بالتلاوة
ومما يحسن التنبيه على أمور تتعلق بتلاوة القرآن في رمضان:

الأمر الأول: الملاحظ أنَّ كثيرًا من الناس ينشطون في أول الشهر في أعمال الخير، ومنها تلاوة القرآن، لكن سرعان ما يفترون بعد أيام منه، وترى فيهم الكسل عن هذه الأعمال باديًا. ومن أعظم الخسارة أن يمرَّ على المسلم رمضان ولم يختم فيه القرآن ولو مرة.

ولأجل هذا فمن اعتاد من نفسه هذا الأسلوب فإن الأَولى له أن يرتِّب قراءته، ويخصِّص لكل يومٍ جزءًا، فإنه بهذا سيختم القرآن مرَّة في هذا الشهر، ولو استمرَّ على هذا الأسلوب في كل شهور السنة لاستطاع ذلك، والأمر يرجع إلى العزيمة والإصرار. وبهذه الطريقة يكون مداومًا على عملٍ من أعمال الخير غير منقطع عنه، و(أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ) كما قال صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني: يحسن بمن يقرأ القرآن عمومًا، وبمن يقرأه في رمضان على وجه الخصوص أن يكون معه تفسير مختصرٌ يقرأ فيه ليعلم معاني ما يقرأ، وذلك أدعى إلى تذوُّق القراءة والإحساس بطعم قراءة القرآن، وليس من يدرك المعاني ويعلمها كمن لا يدركها. ومما يمكن أن يعين في هذا الباب كتاب "التفسير الميسر"، أو تفسير "كلمات القرآن" فهو نافع لمن يريد أن يعرف المعنى الإجمالي للآيات فينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون له تفسير من هذه المختصرات يقرأ فيه ويداوم عليه كما يقرأ القرآن ليجتمع له في قراءته الأداء وفهم المعنى.

الأمر الثالث: في حال قراءة القرآن تظهر بعض الفوائد أو بعض المشكلات، ولابدَّ من التقييد لهذه الفوائد أو المشكلات؛ لئلا تضيع.

الأمر الرابع: إن القراءة بالليل من أنفع العبادات، وكم من عبادة لا تخرج لذتها للعابدين إلا في وقت الظلمة، لذا كان أهم أوقات اليوم الثلث الأخير من الليل، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان ثلث الليل الآخر ينْزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطية؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ …).

وللأسف كثيرًا ما نغفل عن عبادة الليل خصوصًا في رمضان ـ مع ما يحصل منا من السهر ـ وتلك غفلة كبيرة لمن حُرِم لذة عبادة الليل.
فَشَمِّرْ عن ساعد الجِدِّ، وأدركْ فقد سبق المشمرون قبلك، ولا تكن في هذه الأمور ذيلاً بل كن رأسًا، والله يوفقني وإياك لكما يحب ويرضى.

الأمر الخامس: إن من فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن ويؤثِّرون بقراءتهم على القلوب، فتراك تجد بقراءتهم أثرًا في قلبك، فاحرص على من يتَّصف بهذه الأوصاف، واعلم أن الناس في قبول الأصوات ذوو أذواق، فلا تَعِبْ قارئًا لأنه لا يُعجِبك؛ فإن ذلك من الغيبة بمكان، لكن احرص على من تنتفع بقراءته، وهذا مطلب يُحرصُ عليه، ومقصد يُتوجَّه إليه.

الأمر السادس: يسأل كثيرون عن كيفية التأثر بالقرآن، ولماذا لا نخشع في صلواتنا حين سماع كلام ربِّنا؟
ولا شكَّ أن ذلك عائدٌ لأمور من أبرزها أوزارنا وذنوبنا التي نحملها على ظهورنا، لكن مع ذلك فلا بدَّ من وجود قدرٍ من التأثر بالقرآن، ولو كان يسيرًا، فهل من طريق إلى ذلك؟

إنَّ البعد عن المعاصي، وإصلاح القلب، وتحليته بالطاعات هو السبيل الأول للتأثر بهذا القرآن، وعلى قدر ما يكون من الإصلاح يبرز التأثُّر بالقرآن.

والتأثر بالقرآن حال تلاوته يكون لأسباب متعددة، فقد يكون حال الشخص في ذلك الوقت مهيَّئًا، وقلبه مستعدًا لتلقي فيوض الربِّ - سبحانه وتعالى -.
فمن بكَّر للصلاة، وصلى ما شاء الله، ثمَّ ذكر الله، وقرأ كتاب ربِّه، ثمَّ استمع إلى الذكر فإنَّ قلبه يتعلق بكلام الله أكثر من رجلٍ جاء متأخِّرًا مسرعًا خشية أن تفوته الصلاة، فأنَّى له أن تهدأ نفسه ويسكن قلبه حتى يدرك كلام ربِّه، ويستشعر معانيه؟!

ومن قرأ تفسير الآيات التي سيتلوها الإمام واستحضر معانيها، فإنَّ تأثره سيكون أقرب ممن لا يعرف معانيها.

ومن قدَّم جملة من الطاعات بين يدي صلاته، فإنَّ خشوعه وقرب قلبه من التأثر بكلام ربِّه أولَى ممن لم يفعل ذلك.
وإنك لتجد بعض المسرفين على أنفسهم ممن هداهم الله قريبًا يستمتعون ويتلذذون بقراءة كلام ربه، وتجدهم يخشعون ويبكون، وما ذاك إلا لتغيُّر حال قلوبهم من الفساد إلى الصلاح، فإذا كان هذا يحصل من هؤلاء فحريٌّ بمن سبقهم إلى الخير أن يُعزِّز هذا الجانب في نفسه، وأن يبحث عما يعينه على خشوعه وتأثره بكلام ربِّه.

الأمر السابع: يسأل كثير من المسلمين، كيف أحافظ على طاعاتي التي منَّ الله عليَّ بها في رمضان، فإنني سرعان ما ينقضي الشهر أبدأ بالتراجع عن هذه الطاعات التي كنت أجد لذة وحلاوةً في أدائها؟

إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رسم لنا منهجًا واضحًا في كل الأعمال، وقد بيَّنه بقوله: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ)، ولو عملنا بهذا الحديث في جميع عباداتنا لحافظنا على الكثير منها، ولما صرنا كالمنبتِّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.

فلو اعتمد المسلم في كل عبادة عملا يوميًّا قليلاً يزيد عليه في وقت نشاطه، ويرجع إليه في وقت فتوره؛ لكان ذلك نافعًا له، فالمداومة على العبادة ـ ولو كانت قليلة ـ أفضل من إتيانها في مرات متباعدة أو هجرانها بالكلية.

فمن أدَّى فرائضه، والتزم بالسنن الرواتب، ثمَّ زاد عليها من أعمال العبادة ما شاء، فإنه يدخل في محبوبية الله التي قال فيها ـ في الحديث القدسي ـ: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه).

ففي صلاة الليل يحرص أن لا ينام حتى يصلي ثلاث ركعات، ولو كانت خفيفات، فإن أحسَّ بنشاط زاد، وإلا بقي على هذه الثلاث.
وفي قراءة القرآن يعتمد قراءة جزءٍ كل يوم، حتى إذا بلغ تمام الشهر، فإذا به قد ختم القرآن.
وفي الصيام يعتمد ثلاثة أيام من كل شهر، وإن استطاع الزيادة زاد، لكن لا ينقص عن الأيام الثلاثة.
وفي النفقة يعتمد مبلغًا ـ ولو يسيرًا ـ بحيث لا يمرُّ عليه الشهر إلا وقد أنفقه.

وهكذا غيرها من العبادات، يعتمدُ القليل أصلاً، ويزيد عليه في أوقات النشاط، فإذا قصرت همته رجع إلى قَلِيلِه، فيبقى في عباداته من غير كلفة ولا مشقة ولا نسيان وإهمال، أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبُّ ويرضى، ويجعلنا من أهل القول والعمل.

إن رمضان أشبه بمحطةٍ يتزوَّد منها الناس وقودهم، وهو محطة الصالحين الذين يفرحون ببلوغه فيتزودون منه لعباداتهم في الدنيا، ولجنتهم في الأخرى، وهو محضن تربوي فريد يدخله كل المسلمين: مصلحوهم وصالحوهم وعصاتهم، فهلاَّ استطعنا اغتنام هذا الشهر؟.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

135236 من معاني الصيام

المقال

غير خاف على أحد أن الله عز وجل لم يشرع العبادة ويوجبها على عباده لحاجته إليها، فهو الغني سبحانه، وإنما شرعها لحكم ومعان عظيمة، ومقاصد جليلة، تعود على العبد نفسه بالنفع في دينه ودنياه.

وإذا كان المقصود الأول من العبادة هو الاستسلام والانقياد والعبودية والإذعان، وقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على ظهر الاستسلام لله سبحانه، فلا يعني ذلك خلو هذه العبادات عن الحكمة، وأن لا يبحث المسلم عن المعاني والأسرار الكامنة وراء الأوامر والنواهي.

والصوم شأنه شأن سائر العبادات والقربات، له معانٍ وأسرار عظيمة، يمكن تلمسها والوقوف عندها لمعرفة الحكمة من مشروعية هذه العبادة الجليلة.

أول هذه المعاني والتي تشترك فيها جميع العبادات، أن الصوم فيه تربية على العبودية والاستسلام لله جل وعلا، فعندما تغرب الشمس يأكل الصائم ويشرب؛ امتثالاً لأمر الله، وإذا طلع الفجر يمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، فهو يتعبد الله عز وجل في صيامه وفطره، فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية إذن ليست قضية ذوق ومزاج، وإنما هي قضية طاعة واستسلام وانقياد لأمر الله.

والصوم كذلك يربي في النفس مراقبة الله عز وجل، وإخلاص العمل له، والبعد عن الرياء والسمعة، فهو عبادة بين العبد وربه جل وعلا، ولهذا جاء أن الصوم عبادة السر، فإن بإمكان الإنسان ألا يصوم، وأن يتناول أي مفطر من المفطرات من غير أن يشعر به أحد من الناس، بل إنه بمجرد تغيير النية وقطعها يفطر، ولو لم يتناول شيئاً من المفطرات طوال يومه، فامتناعه عن ذلك كله على الرغم من أنه يستطيع الوصول إليه خفية، دليل على استشعاره اطلاع الله على سرائره وخفاياه، ومراقبته له، ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات، ولم يجعل لها جزاء محدداً، قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) أخرجه مسلم. فقوله جل وعلا: (من أجلي) تأكيد لهذا المعنى العظيم.

والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، وانتظار ما عند الله عز وجل، حيث يتخلى الصائم عن بعض شهوات النفس ومحبوباتها؛ تطلعاً إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وفي ذلك توطين للنفس على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.

والصوم يربي النفس على الصبر، وقوة الإرادة والعزيمة، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، والمقصود من الصوم إنما هو حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، والله تعالى يقول: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10).

وفي الصوم كذلك تربية للمجتمع، وتنمية للشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين، فالصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم، فإنه يشعر بالترابط والتلاحم مع هذا المجتمع، فالكل صائم، والكل يتذوق لذة بالجوع في سبيل الله، والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز، لا يُستثنى من ذلك أحد لغناه أو لجاهه أو منصبه، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وأفضلهم أزكاهم.

فما أعظمها من صورة معبرة عن وحدة المجتمع في ظل العبودية لله جل وعلا.

والصوم يضيّق مجاري الدم، ويخمد نيران الشهوات، ويقلل فرص إغواء الشيطان لابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (الصوم جُنَّة) أي: وقاية يتقي به العبد الشهوات والمعاصي؛ ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح مع عدم قدرته عليه بالصيام، وجعله وجاءً لهذه الشهوة ومخففاً من حدتها.

ومن معاني الصوم أن يتذكر الصائم بصومه الجائعين والمحتاجين، فيتألم لآلامهم، ويشعر بمعاناتهم، فالذي لا يحس بالجوع والعطش قد لا يشعر بمعاناة غيره من أهل الفقر والحاجة، وإذا كان أحدنا يجد ما يفطر عليه من الطعام والشراب، فغيرنا قد لا يجد شيئاً من ذلك.

تلك هي بعض معاني هذه العبادة العظيمة، وقد جمعها الله عز وجل في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183) فالحكمة التي شُرِع الصوم من أجلها هي تحقيق تقوى الله عز وجل، وهي ثمرة الصوم الشرعي ونتيجته، وما لم يكن الصوم طريقاً لتحصيل هذه التقوى، فقدْ فَقَدَ الغاية والمعنى الذي شُرِع لأجله، فليس المقصود من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فحسب، دون أي أثر لهذا الصوم على حياة الإنسان وسلوكه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم -كما عند البخاري-: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وقال: (ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وسنده صحيح. قال جابر رضي الله عنه: "إذا صمتِ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم, ودع أذى الجار, وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك, ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
 
فينبغي للمسلم أن يستحضر هذه المعاني وهو يؤدي عباد ة الصوم، حتى لا تخرج العبادة عن مقصودها، وحتى لا تتحول إلى عادة يؤديها مسايرة للبيئة والمجتمع.

45732 أخطاء في أداء العمرة

المقال

العمرة في رمضان لها مزية على غيرها من الشهور، فقد خصت بمزيد الفضل وزيادة الأجر، يقول عليه الصلاة والسلام: (عمرة في رمضان تقضي حجة معي) رواه البخاري، ولذا يتنافس كثير من المسلمين لأداء العمرة في هذا الشهر أكثر من غيره، وربما أداها بعضهم دون علم بأحكامها، وما يجوز فيها وما لا يجوز، فتقع منه الأخطاء والمخالفات التي يحسن التنبيه عليها، فمن هذه الأخطاء:

أولاً: أخطاء في الإحرام

1- تجاوز الميقات دون إحرام، والواجب على من قصد مكة للحج أو العمرة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يتجاوزه دون إحرام.

2- الاعتقاد بأن الإحرام هو ارتداء ملابس الإحرام التي هي الرداء والإزار، وهذا غير صحيح، بل لا بد للإحرام من نية الدخول في النسك. 

3- اعتقاد أن أداء ركعتين قبل الإحرام شرط لصحة الإحرام، والصواب أنهما سنة، وليستا شرطاً لصحة الإحرام.

4- وضع الطِّيب على الرداء أو الإزار قبل الإحرام، والسنة وضع الطِّيب على البدن قبل الإحرام، أما ملابس الإحرام فلا يطيِّبها، وإذا طيبها لم يلبسها حتى يغسلها أو يغَيِّرها.

5- اعتقاد أن الغسل أو الوضوء عند الإحرام واجب، وإنما هو مستحب، فلو أحرم من غير وضوء ولا غسل، فإحرامه صحيح.

6- الجهل بمواقيت الإحرام التي حددها الشرع، وعدم مراعاة تلك المواقيت وخاصة من الحجاج القادمين عن طريق الجو؛ لأن الواجب على الحاج أو المعتمر أن يُحرم من الميقات أو ما يُحاذيه، فإن اشتبه عليه الأمر أحرم قبل الميقات احتياطاً، ولا يجاوز الميقات دون إحرام كما سبق. 

7- كشف المحرم كتفه الأيمن دائماً من حين إحرامه من الميقات، وهو ما يسمى بـ"الاضطباع" وهو خلاف السنة، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في طواف القدوم وطواف العمرة، فإذا انتهى المحرم من طوافه أعاد رداءه على كتفيه في بقية المناسك.

8- التحرج من تغيير لباس الإحرام أو غسله مع أنه لا حرج في ذلك.

9- اعتقاد أن كل ما كان مخيطاً لا يجوز لبسه، فيتحرج البعض من لبس الساعة أو النعلين، أو الحزام ونحو ذلك، بينما المراد بالمخيط ما خِيط أو نُسِج على قدر البدن، كالسراويل والثياب.

10- اعتقاد أن المرأة الحائض لا يجوز لها الإحرام، وأن لها أن تتجاوز الميقات دون إحرام، والصحيح أن الحيض والنفاس لا يمنعان المرأة من الإحرام، فيجب عليها أن تحرم، ولكنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر.

11- اعتقاد بعض النساء أن للإحرام ثياباً خاصة، والصحيح أن المرأة يجوز لها أن تُحرم بثيابها المعتادة، لكنها تجتنب لبس النقاب والقفازين.

12- الدخول في النسك، ثم تركه دون إتمامه، والله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (البقرة:196)، فمن أحرم بالحج أو العمرة، فليس له الرجوع عن نسكه حتى يتمه.

ثانياً: أخطاء في الطواف

1- التلفظ بالنية عند الشروع في الطواف، والصواب أن النية محلها القلب.

2- اعتقاد أن الطواف لا يصح دون استلام الحجر الأسود، مع أن تقبيل الحجر سنة، وليس شرطاً لصحة الطواف، وإذا لم يتمكن الطائف من الوصول إليه إلا بالمزاحمة الشديدة وإيذاء الناس، فالأولى له ترك الاستلام والتقبيل، ويكتفي بالإشارة إليه.

3- استلام أركان الكعبة الأربعة، والثابت في السنة إنما هو استلام الحجر الأسود والركن اليماني من البيت دون غيرهما من الأركان.

4- تقبيل الركن اليماني، أو الإشارة إليه من بُعد، والسنة استلامه باليد دون تقبيل، أو إشارة.

5- الرَّمَلُ -وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى- في جميع الأشواط، والمشروع أن يكون الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم، وطواف العمرة دون غيره من الطواف، ودون الأشواط الأخرى.

6- تخصيص كل شوط من الطواف بدعاء معين، ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف دعاء مخصص لكل شوط إلا قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201) بين الركن اليماني والحجر الأسود، وما عدا ذلك فيدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وله أن يذكر الله، وأن يقرأ القرآن.

7- رفع الصوت بالدعاء رفعاً يُذهب الخشوع ويشوش على الطائفين.

8- اجتماع الطائفة من الناس على قائد يلقنهم الدعاء.

9- الوقوف عند الحجر الأسود أو ما يحاذيه مدة طويلة، وفي ذلك تضييق على غيره من الطائفين، والسنة أن يستلم الحجر، أو يشير إليه، ويمضي دون توقف.

10- التمسح بالكعبة وأستارها.

ثالثاً: الأخطاء في ركعتي الطواف

1- اعتقاد لزوم أداء الركعتين خلف المقام أو قريباً منه، والمزاحمة للصلاة عنده، مع أن ركعتي الطواف يجوز أن تصلَّى في أي موضع من المسجد، إن لم تتيسر خلف المقام. 

2- إطالة الركعتين بعد الطواف، والسنة التخفيف، فقد صلاهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ في الركعة الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الركعة الثانية: (قل هو الله أحد).

3- ومن الأخطاء ما يفعله البعض بعد ركعتي الطواف، حيث يقوم عند المقام، فيدعو بدعاء خاص يسمَّى "دعاء المقام"، وهذا من البدع التي ليس لها أصل في الدين.

رابعاً: أخطاء في السعي

1- رفع اليدين عند صعود الصفا والمروة كرفعهما في الصلاة، والسنة أن يرفع يديه كهيئة الداعي، ويحمد الله ويكبره، ويدعو مستقبلاً القبلة.

2- الإسراع في السعي بين الصفا والمروة في جميع الشوط، وهو خطأ، والسنة الإسراع بين العلمين الأخضرين، والمشي في بقية الشوط.

3- إسراع النساء في السعي بين العلمين وهو خلاف السنة، والإسراع إنما هو خاص بالرجال دون النساء.

4- قراءة قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158) في كل شوط كلما أقبل على الصفا والمروة، والسنة قراءتها عند بداية السعي فقط إذا دنا من الصفا.

5- اعتقاد البعض أن الشوط هو السعي من الصفا إلى المروة، ثم الرجوع مرة أخرى إلى الصفا، والصواب أن السعي من الصفا إلى المروة يعتبر شوطاً، ومن المروة إلى الصفا يعتبر شوطاً آخر.

6- تخصيص دعاء معين لكل شوط، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء خاص بكل شوط، إلا ما كان يدعو به على الصفا وعلى المروة. 

7- التطوع بالسعي بين الصفا والمروة من غير أن يكون في حج أو عمرة، والسنة جاءت باستحباب التطوع بالطواف بالبيت فحسب.

ومما يتعلق بالحلق أو التقصير: يعتقد البعض أن من السنة استقبال القبلة عند الحلق، وهذا لا دليل عليه.

239719 رمضان وتدبر القرآن

المقال

العلاقة بين القرآن العظيم وشهر رمضان الكريم علاقة وطيدة وثيقة، يرشد لهذه العلاقة أن نزول القرآن كان في شهر رمضان، كما قال سبحانه: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) ولنزول القرآن في هذا الشهر الكريم دلالة عظيمة؛ فشهر رمضان أفضل الشهور والقرآن الكريم خاتم كتب المرسلين والمهيمين عليها أجمعين.

وليس خاف أن المقصود الأساس من القرآن العمل بما فيه، وتنزيله على واقع الحياة، فالقرآن قبل كل شيء وبعد كل شيء كتاب هداية ورشاد، قال تعالى: {يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} (الإسراء:9) فالمهمة الأساس لهذا القرآن هداية الخلق إلى الحق، وإرشاد العباد إلى سبيل الرشاد.

وطريق العمل بالقرآن وتفعيله في واقع الحياة تدبره والوقوف على مقاصده والعلم بمراميه، فلا بد لقارئ القرآن أن يجتهد وسعه ويبذل جهده ليفهم كلام ربه؛ إذ لا عملَ بلا فهم، ولا فهمَ من غير قراءة واعية للقرآن وتدبر لآياته البينات، وقد قال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (ص:29) ففي الآية دليل على وجوب معرفة معاني القرآن. قال الحسن البصري: "تدبر آيات الله اتباعها". وقال أيضاً: "والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل" رواه ابن أبي حاتم.

و(التدبر) التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبراً انكشفت له معان لم تكن بادية له بادئ النظر. قال الشيخ السعدي عند تفسيره لقوله تعالى:{ليدبروا آياته} : "هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحِكَمَها، فإنه بالتدبر فيه، والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود". فكلما ازداد العبد تأملاً في كتاب ربه، ازداد علماً وعملاً وبصيرة؛ لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن. 

قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته". وقال الشيخ السعدي: "على الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم كانوا إذا قرؤوا عشر آيات أو أقل أو أكثر لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل، فينزلونها على الأحوال الواقعة، يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار، وينقادون لأوامرها ونواهيها، ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم، ويحاسبون أنفسهم هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها، وكيف الطريق إلى الثبات على هذه الأمور النافعة وتدارك ما نقص منها، وكيف التخلص من الأمور الضارة فيهتدون بعلومه ويتخلقون بأخلاقه وآدابه، ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم مطالبون بمعرفة معانيه والعمل بما يقتضيه، فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه وجد واجتهد في تدبر كلام الله انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير وقويت معرفته واستنارت بصيرته".

والله جل وعلا قد وبَّخ المنافقين الذين أعرضوا عن القرآن ولم يتدبروا ما فيه من خير وبركة، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82) فلو تأمل المنافقون وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام.

وقال لأولئك الذين يعرضون عن تدبر القرآن، : {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24) أي: هلا تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في أمور لا تغني من الحق شيئاً. والمعنى: أن الله خلقهم بعقول غير منفعلة بمعاني الخير والصلاح، فلا يتدبرون القرآن مع فهمه، أو لا يفهمونه عند تلقيه وكلا الأمرين عجيب.و(الاستفهام) تعجيب من سوء علمهم بالقرآن، ومن إعراضهم عن تدبره، وفقه مراميه. وفحوى الآية الكريمة أَمْرٌ بتدبر القرآن، ونهيٌ عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، وإخبار أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق.

وشهر رمضان فرصة عظيمة للتفاعل مع هذا القرآن قراءة واستماعاً وتدبراً وعملاً؛ فوقت رمضان وقت مبارك، فالشياطين مصفَّدة فيه مقيدة، ومتاع الدنيا وزخرفها غائبة، وشواغل الحياة منصرفة، وأجواء الشهر الكريم روحانية ربانية، كل ذلك معينٌ على قراءة القرآن قراءة واعية، ومساعد على تدبر معانيه، وتأمل مراميه، والوقوف على كنوزه، مما لا يحصل لقارئ القرآن في غير هذا الشهر الكريم.

وثمة جملة من المعينات على تدبر القرآن الكريم، من المفيد الوقوف عليها، والعمل بها، وهي: 

- قراءة القرآن بالتأني، وذلك بالترتيل الذي يقدم قيمة التدبر على تحقيق الإنجاز، بمعنى تقديم الكيف على الكم، وقد وجَّه سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالقراءة المتأنية، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4) أي: لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني. ووجَّهه أيضاً بقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} (القيامة:16) فهذا توجيه واضح من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة من بعده بالتمهل وعدم التعجل. ومن التوجيهات في هذا السياق قوله عز وجل: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} (طه:114) وواضح هنا الربط بين التأني في قراءة القرآن وبين زيادة العلم؛ إذ العبرة من قراءة القرآن اكتساب العلم، وهذا لا يحصل إلا بالقراءة المتأنية والمتدبِّرة. ومثل ذلك يقال في قوله عز وجل: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} (الإسراء:106).

- تفعيل جهاز الوعي عند قارئ القرآن من سمع وبصر وقلب وعقل، ومعرفة العربية التي تنزَّل بها القرآن، فمعرفة العربية لها شأن كبير في إدراك مقاصد القرآن. ويدخل في باب تفعيل جهاز الوعي الاهتمام بالتعليم التدبري للقرآن، لا بالتلقين الاستظهاري، وهذا ما كان عليه شأن الصحابة رضي الله عنهم ومن اهتدى بهديهم، وقد كان ابن عباس رضي لله عنه -وهو من أصغر الصحابة سناً- عالماً متفقهاً، وقد سئل: بمَ نلت هذا العلم. فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول. 

-  حضور الخشوع القلبي والتفاعل الوجداني عند قراءة القرآن، وتهيئة القلب لاستنبات هدايات القرآن المختلفة على الوجه الأمثل؛ فالقلب إذا كان مليئاً بالشبهات والشهوات، يصير تأثير القرآن عكسيًّا، فمن الضروري تنظيف القلب من الران الذي تتركه الذنوب، والابتعاد عن الأسباب المؤدية إلى وقوع القلب في آفتي الطبع والختم، وأيضاً البعد عن الرياء وتصحيح القصد بتجديد الإخلاص، وتحلية القلب بالإخبات والخشوع، والتفاعل الوجداني مع معاني الآيات؛ فمن الضروري أن تجيش العواطف مع القرآن، وفي الوقت ذاته لا بد لهذا الجيشان من الانضباط بمقاصد وتوجيهات القرآن. والذي ينفخ في الإنسان هذه العواطف والمشاعر، ويشحذ همته ويدفعه لخوض صعاب الحياة، هو القرآن الكريم، وذلك عبر آليتي التدبر، وهما: التفهم والخشوع. والقلب يقوم عبر التفكر بدور الدفة التي تقود وتوجه الإنسان؛ فالقلب يدفع والعقل يقود، وكلاهما يحصل على طاقته وزاده من القرآن، ما يؤكد على ضرورة الجمع دوماً بين التدبر والخشوع. 

- الإيمان والتلقي المتجدد؛ فترسيخ الإيمان بكل أركانه في القلب، وتحقيقه في واقع الحياة هو الغاية من نزول القرآن، وهو وسيلة أساس لتحصيل هداياته في الوقت نفسه؛ فكل هدايات القرآن ورحماته وبصائره، وكل ثماره التشريعية والخلقية والتربوية، إنما هي ثمار الإيمان القلبي الراسخ، والاعتقاد القلبي الجازم، ومن غير الإيمان لا يمكن تحصيل شيء من هذه الفوائد والثمار. كما أن الإيمان بصدقية القرآن وعظمته، والسعي لتحصيل ثماره، يقتضي الشعور بأن القرآن أُنزل إليك اليوم، والشعور بأن القرآن أُنزل الآن، يجعل القرآن جديداً في حس المسلم، ويكون أقرب على التنزيل العملي.

ويدخل في هذا الباب تعظيم القرآن والتحلي بآداب التعامل معه، فتعظيم القرآن، والاحتفاء به من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها قارئ القرآن، حتى يستفيد من كنوزه الاستفادة المرجوة؛ لأنه سبحانه لا يفتح كنوزه إلا لمن يعظم كتابه، ويتأدب مع كلامه.

- تثوير القرآن ومدارسته أحد مفاتيح تدبر القرآن، التي يمكن من خلالها الولوج من بوابة التدبر إلى عالم الهداية القرآني، بشموله وعمومه وبركاته، وخيراته كلها، الفردية والاجتماعية والإنسانية. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد العلم فليثوِّر القرآن) وفي رواية أخرى: (أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين) قال في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح". قال ابن عطية: "و(تثوير القرآن) مناقشته ومدارسته والبحث فيه، وهو ما يعرف به". 

- مدارسة القرآن وتلاقح الأفكار طريق من الطرق الموصلة لتدبره وفهمه، وقد ذكر ابن عاشور أن (المدراسة) في القرآن هي: القراءة بتمهل للحفظ، أو للفهم. والمدارسة تعني المشاركة والتفاعل بين مجموعة من المسلمين في محاولة قراءة آيات القرآن والوقوف على موضوعاته، ومعرفة قضاياه وفق منهج التدبر، الذي يستهدف تحقيق مقاصده، واستنباط معانيه الخفية، والبحث عن علله وأسراره.

- القراءة الكلية الجامعة؛ فمن يقرأ القرآن بتمعن وتدبر يدرك بوضوح أن منهج الإسلام يحتم الجمع بين كتاب الله المسطور، وكتاب الله المنظور، مصداق ذلك قوله عز وجل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت:53) وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن أول متطلبات (التدبر) هو التعرف على أحوال البشر من خلال علمي التاريخ والاجتماع.

وقد دعا القرآن نفسه إلى مداومة القراءة الكلية؛ إذ إن القرآن الكريم قد صِيغ بطريقة تصريف الآيات، أي أنه تعالى أودع أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، وتبشيره وإنذاره، في مواضع شتى وبأساليب مختلفة، وهذا داع من دواعي الدعوة إلى القراءة الكلية للقرآن. كما أن (التصريف) يقتضي التدبر، فهو الكفيل بوضع كل معنى في مكانه وزمانه المناسبين؛ ولذلك علل سبحانه تصريف الآيات بأمور عقلية وقلبية مرتبطة بمنظومة التدبر، قال سبحانه: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} (الفرقان:50) وقال عز وجل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} (الإسراء:41). فالقراءة الكلية هي من مطلوبات الفهم، وهي ركن من أركان التدبر، حيث تعين الإنسان على تدبر كلام الله سبحانه، وتدفعه لاستيعاب معانيه، وتحصيل كمال الوعي بهدايته الشاملة له في دروب هذه الحياة. وكما أن القراءة الكلية تقوم على الجمع بين آيات الكتاب وآيات الآفاق الأنفس، فهي تقوم أيضاً على الجمع بين آيات الموضوع الواحد، والجمع بين التلقي والتنزيل.

- استثمار المعينات على التدبر؛ فثمة أمور عديدة يمكن لقارئ القرآن أن يستثمرها في تفعيل عملية التدبر لكتاب الله، تتمثل تلك الأمور في: الاستعاذة من الشيطان، قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل:98). ومن ذلك أيضاً الاستعانة بـ {الرحمن الرحيم}؛ فإذا كانت الاستعاذة تقوم بدور التخلية بين الشيطان والعبد، فإن الاستعانة بالرحمن تقوم بدور التحلية والربط بين العبد وخالقه، فالبسملة استعانة من العبد الضعيف بقوة مطلقة تعينه على استمداد هداية القرآن؛ ولأهمية الاستعانة بالله في أمور العبادة كلها، كان من الواجب على المسلم قراءة قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة:5) في كل صلاة.

- وثمة ظروف محددة، تتوافر فيها إمكانية التفاعل مع القرآن الكريم أكثر من غيرها، كظرف الصلاة: فقراءة القرآن في الصلاة لها طعم خاص، وقد أطلق سبحانه على صلاة الفجر مصطلح (قرآن الفجر) كما قال سبحانه: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} (الإسراء:78) وصلاة التراويح مع جماعة المسلمين، وخلف إمام متقن للقراءة وضابطٍ لأحكام التلاوة خير معين على تدبر كتاب الله والوقوف على معانيه ومراميه. وظرف الزمان أيضاً يسهم في تفعيل عملية التدبر لدى قارئ القرآن؛ فالقراءة في جوف الليل -وخاصة في ليالي رمضان، وبالأخص ليالي العشر الأخير منه- وشهود صلاة الفجر لها تأثير لا يتأتى في غيرها من الأوقات؛ فأثر القرآن عظيم في هذه الأوقات، لا يدركه إلا من عاشها، وقد قال سبحانه: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (الإسراء:79) وأمر سبحانه نبيه بقوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا} (المزمل:2). ويندرج في ظرف الزمان يوم الجمعة ويومي الاثنين والخميس، وأيام شهر رمضان، فكل هذه الأزمنة فيها من البركات القرآنية ما ليس في غيرها، وقد ورد في كل ذلك آثار تدل على فضلها وأثرها على العبد. 

ولا يقل ظرف المكان شأناً عن ظرف الزمان؛ فالمسجد أفضل الأماكن لقراءة القرآن وتدبره والتأثر بخطابه، لحرمته وبعده عن شواغل الحياة وصوارفها؛ ولأثره النفسي على العبد، وليس بخاف مكانة المساجد الثلاثة في هذا المقام. والأهم في هذا السياق أن يستحضر العبد المقصد الأساس من قراءة القرآن الكريم، وهو الانتفاع بما فيه، فكل ظرف يساعد العبد على تحقيق هذا المقصد، فإن الإقبال عليه والاستفادة منه متعين عليه.

- تسليم مقاليد القيادة للقرآن؛ فالعمل بمقتضى القرآن هو الثمرة الغائية لقراءة القرآن وتدبره، والوقوف على مقاصده. وفي الوقت نفسه، فإن العمل بالقرآن هو مفتاح آخر من مفاتيح التدبر. ومن أجل الوصول إلى هذه الدرجة لا بد لقارئ القرآن أن يكون قد ارتضى من حيث المبدأ القرآن دستوراً ومنهاج حياة، وأن تتضافر رغبته وإرادته على تطبيق القرآن في حياته من قبل أن يتلقاه عبر منهج التدبر، كما ينبغي لقارئ القرآن -كما يقول سيد رحمه الله- أن يرجع إليه بشعور التلقي للعمل والتنفيذ، لا بشعور الدراسة والمتاع، ويرجع إليه ليعرف ماذا يطلب منه أن يكون ليكون. 

على أن مهمة فريضة التدبر أن توضح للمسلم كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في حدود شخصيته الفردية والأسرية والاجتماعية، وتبين له كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في ميادين الإيمان (العلاقة مع خالقه) وميادين العمل الصالح (العلاقة مع الناس) في مجالات الحياة كلها.

ولا شك، فإن عدم تطبيق القرآن إنما هو انحراف عن الصراط المستقيم، وقد أمر سبحانه باتباع صراطه المستقيم، ونبذ غيره من الطرق، قال عز شأنه: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام:153) فـ (الصراط المستقيم) الذي أمر سبحانه باتباعه -بحسب اكثر المفسرين- هو القرآن الكريم، فالقرآن هو الصراط ذاته، وهو الدال عليه، والهادي إليه. 

230704 من حكمة المنان في فريضة الصيام

المقال

دين الإسلام مصلحة كله، وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.. والإسلام كله مبني على الحكمة وإرادة المنفعة للناس؛ قال الإمام البيضاوي في كتاب المنهاج: "إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد"(ص:233)، والفقه الحقيقي هو معرفة هذه الحكم والتضلع بهذه المقاصد؛ قال ابن تيمية رحمه الله: "من فهم حكمة الشارع كان هو الفقيه حقا"، وقال أيضا: "خاصة الفقه في الدين معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها" (الفتاوى:11/354).

وإدراك مقاصد العبادات وحِكَمها يهون العبادة على ملتزميها؛ كما أنهم يعيشون روحها ومعانيها، فلا تؤدى على أنها عادات وتقاليد موروثة لا يشعرون بلذتها وحلاوتها ولا يستفيدون مراد الشارع فيها.
قال الشيخ مصطفى السباعي عن ذلك: "ليكون أوقع في النفس وأعمق في الأثر، وليكون المؤمن أكثر اطمئنانا للعبادة حين يؤديها وللتشريع حيث ينفذه".

والصيام أحد شعائر هذه الشريعة المباركة، وقد تكلم العلماء في حكمة فرض الله له فذكروا من مقاصد الصوم وحكمه بعض ما بدى لهم وظهر، وإلا فإن العقول عاجزة عن الإحاطة بحكمة الحكيم ولطف اللطيف الخبير سبحانه جل في علاه.. فكان مما ذكره العلماء من الحكم:

أولا: مواساة المحرومين والتكافل بين المؤمنين:
ذكر الإمام ابن رجب في كتابه لطائف المعارف ص 314 عن بعض السلف أنَّه سئل: "لِمَ شُرِع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع".
وحينما سئل يوسف عليه السلام: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع". فإنما يعرف ذوق التعب من نازله، ويعرف قدر الألم من كابده:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده .. .. ولا الصبابة إلا من يعانيها.

ولهذا كان من مقاصد الصيام الجليلة أنَّ فيه تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، وغرس الرحمة بطريق عملي في قلوب أغنياء المسلمين نحو فقرائهم، فيتذكُّر الموسرون إخوانهم الفقراء الذين يقاسون الحرمان أبد الدهر، ويقفون على حقيقة معاناتهم وآلامهم، فتسارع الرقة إلى قلوبهم، وتتهيأ أنفسهم لمواساة الفقراء بالمال والإطعام والتصدق والبذل والجود والإحسان، وهذا من أعظم التكافل الاجتماعي الذي يسبب التآلف بين المسلمين، وتوثيق الروابط بين الأبناء المجتمع.

ثانيا : إدخال العزاء والسلوى على قلوب الفقراء
بما يرون من مشاركة الأغنياء والأثرياء في الحبس عن الطعام والشراب والامتناع عن الملذات، وليس أدخل للسلوى على قلب المعدم البائس من وقوفه مع الغني موقف المساواة ولو ساعة من نهار.

ثالثا: القبض على زمام الشهوة من الوقوع في الآثام
فإن المرء ربما تاقت نفسه إلى النساء ولا يجد طولا، ويخشى العنت، فيكسر حدة شهوته بالصوم، ولذلك قال النبي صلى لله عليه وسلم للشباب: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أعف للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي قاطع للشهوة.

رابعا: الشعور بفقر العبودية وحاجتها
فإن تألم النفس لحبسها عن الطعام يشعرها بضعفها وذلتها وحاجتها فتسكن إلى ربها خاشعة، وتقف على مقدار ضعفها وعجزها، وترى كيف ضعفت قواها ووهنت للقمة من طعام فاتتها وشربة من ماء تأخرت عنها، والعبد إذا لم ير ذل نفسه استحال أن يرى عظمة مولاه، فإن "من عرف نفسه عرف ربه".. أي من عرف نفسه بالضعف والفقر والحاجة عرف ربه سبحانه بالقوة والغنى والعزة.

خامسا: إضعاف تأثير الشيطان على الصائم:

فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا صام المسلم ضيق علىه مجاريه؛ فلم يستطع أن يؤثر عليه أو يوسوس إليه كما كان في فطره وشبعه.. وفي هذا إعانة للعبد على أن يملك زمام نفسه، والسعادة كلها في ذلك، كما أن الشقاوة كل الشقاوة أن تملكه نفسه.
قال ابن القيم : "الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات". (زاد المعاد2/29).
ويقول الإمام الكمال بن الهمام في فتح القدير: "الصوم يسكن النفس الأمَّارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلُّها".

سادسا: تعود الصبر على المكاره والثبات عند الشدائد
فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن كل ما تشتهي مما منعه منه الصيام ـ وإن كان حلالا في غيره ـ فهو يزود المسلم بعزم قوي وصبر حسن، خصوصا عند آخر اليوم وشدة الجوع والعطش ووجود الماء والطعام، ومع ذلك لا يميل إليه ولا تحدثه نفسه بتناوله مهما تاقت له تصبرا واحتمالا وطلبا لثواب الله رب العالمين. ولذلك قيل "إن الصوم نصف الصبر".

سابعا: تذكير العبد بالفارق بين ذل العبودية وعز الربوبية
لأن الصيام يذكر الإنسان بحاجته للطعام والشراب وعدم استغنائه عن ذلك؛ فيرفع عنه رداء الكِبْر والفخر والخيلاء، ويصيره خاضعا لخالفه ورازقه، فلا يطمع أحد بعد ذلك في التبجح بألوهية أو ادعاء ربوبية كما قال فرعون والنمرود وأشباههم، ولذلك احتج الله على من اتخذ عيسى وأمه إلهين فقال: {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}(المائدة:75) فهما محتاجان إليه ذليلان به، ولا يكون الإله محتاجا ذليلا. وإنما أحد فرد صمد غني عن كل من سواه، وكل من سواه فقير محتاج إليه كما قال سبحانه {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز}(فاطر:15).

ثامنا: تحصيل التقوى:
وهذا هو المقصد الأسمى والأعلى من حكمة مشروعية الصيام.. وهو الوصول بالصائمين إلى مرتبة المتقين.. والصيام من أعظم العبادات التي يتدرب بها على الوصول لهذه المرتبة العظيمة.. وكل ما في الصيام يوصل إليها، إذا صام الإنسان حق الصيام..

وإذا كانت التقوى هي: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل" كما قال عليّ رضي الله عنه.. فإن الصائم قد جمع له ذلك كله، فصام خوفا من الله، ولولا هذا الخوف لأفطر وما صام.. والصوم عمل بكتاب الله وطاعة لأمره وإذعان لشرعه  .. وكل هذا من الاستعداد ليوم القيامة و(من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا).. ولا شيء يصل ثوابه لثواب الصوم كما في الحديث (والصوم لي وأنا أجزي به).. فلا يستعد ليوم المعاد بمثل عبادة الصوم.

وإذا كانت التقوى هي: "العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله" كما قال طلق بن حبيب رحمه الله.. فإن الصائم قد توفَّر له ذلك أيضا: فالصوم طاعة لله، والالتزام بوقت الصوم الذي حدده الشارع هو الضابط، وإنما ذلك كله رجاء ثواب الله.. وفي الصوم ترك لكل ما يغضب الله ويفسد الصيام ويجرحه، خوفا من ضياع الصوم وخشية من عقاب الرب.

وأعظم دلالات التقوى في الصيام أن العبد لا يفطر بلا عذر وإن تعرض للعقوبة أو الضرب تعظيما لأمر الله. وأعظم من ذلك دلالة ما ذكره ابن رجب وغيره أن من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه وتهواه نفسه من طعام وشراب وشهوة، لأنه يعلم أن الله يكرهه في هذا الوقت، ثم يحبه ويقبل عليه في الوقت الذي أباحه الله له فيه. فليس شيء أدل على التقوى من هذا، ولا أكبر منه إلا ترك كل هذه المشتهيات عند الاختفاء عن أعين الناس مراقبة لعين الله سبحانه.. وهذا هو مقام الإحسان.. أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وباب الحكمة من الصيام ومقاصده باب واسع جدا.. وهو متسع لكل من يلج..
فاللهم علمنا وفهمنا وتقبل منا يا أرحم الراحمين.
 

135299 وقتك في رمضان

المقال

الوقت هو الحياة والعمر، وعمر الإنسان ليس إلا هذه الثواني والدقائق التي يعيشها لحظة بلحظة، وكل ساعة تمضي من العمر تقربنا من الدار الآخرة. 

                                                  أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً            ويوم له يوم الترحل خامس

والوقت مع أنه أثمن ما عني الإنسان بحفظه، فهو في المقابل أسهل ما يضيع عليه، ونحن وإن كنا لا نسمح لغيرنا أن يسرق أموالنا، لكننا -ومع الأسف الشديد- قد نسمح وربما نبارك لهم سرقة أوقاتنا وأعمارنا وهذه هي المصيبة الكبرى؛ لأن المال قد يعوض، أما الوقت فلا يمكن تعويض لحظة منه بكل ذهب الدنيا، ومن ثم كان المغبون والخاسر حقيقة هو من فرط في أوقاته وضيعها، يقول صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري. 

وإذا كان الوقت بهذه القيمة والأهمية، فإن قيمته تعظم وأهميته تكبر في مواسم الخير، والأزمنة الفاضلة، وأوقات النفحات والبركات، ومن أعظمها شهر رمضان المبارك، حيث السوق قائمة، والأرباح متوافرة، والأجور مضاعفة، فحريٌ بمن كان يضيع وقته في غيره أن يعيد النظر في استغلاله، وحريٌ بمن كان يحرص على وقته في غيره أن يضاعف حرصه فيه. 

ومما يؤسف له ما نجده في هذا الشهر الكريم من مظاهر تضييع الأوقات وقَتْل لها من قِبَلِ كثير من النساء؛ وذلك بقضاء الليالي في اللهو والسهر والجلوس أمام الشاشات، والخروج إلى الأسواق والمجالس والمنتديات، وقضاء النهار في النوم والطبخ، وكأن رمضان أضحى عندهن شهر النوم والطبخ نهاراً، والسهر واللهو ليلاً، وربما مر على المرأة رمضان تلو رمضان دون أن يحدث أي أثر على سلوكها، وزيادة الأعمال التي تقربها إلى الله، وتدارك أخطائها وتقصيرها في حق ربها، ما يحتم على الأخت المسلمة -التي ترجو الله واليوم الآخر- أن تراجع نفسها وتقف منها موقف الجد والحزم لتستثمر كل دقيقة، بل كل لحظة من لحظات هذا الموسم فيما يقربها من ربها ومولاها، فإن أيام الشهر قصيرة وساعاته محدودة سرعان ما تنقضي، وسراعاً ما تذهب.

والبعض منا قد يدرك أهمية الوقت وقيمته ولكن هذا الإدراك -مع الأسف في كثير من الأحيان- لا يعدو أن يكون إدراكاً معرفيًّا ذهنيًّا، لا يتجاوز أثره إلى تصرفاته وسلوكه وتعامله، ومن ثم فإننا بحاجة إلى أن نتجاوز هذه المعرفة النظرية إلى خطوات عملية نعيشها في حياتنا اليومية، تدفعنا إلى حسن التعامل مع أوقاتنا.

وإليك أيتها الأخت المسلمة بعض الخطوات العملية، التي تفيد في اغتنام الوقت في هذا الشهر الكريم: 

- أول خطوة هي التخطيط المسبق لكل ما تريدين إنجازه في هذا الشهر المبارك، وذلك بوضع أهداف واضحة ومحددة، وعمل جدول للأعمال وأوقاتها، والقدر المطلوب لإنجازها، وتنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ والراحة، والعمل والفراغ، وليكن فيما تسعين إلى تحقيقه من الأهداف في هذا الشهر المحافظة على الصلاة في أول وقتها، وختم القرآن أكثر من مرة، وصلاة التراويح، والقيام بجزء من القرآن، وتخصيص جزء من المال للصدقة، وتفطير الصائمين، وما لم تكن هناك أهداف واضحة ومحددة، فلن تستطيعي اغتنام الوقت على الوجه الأمثل، وسترين أن جزءاً كبيراً من وقتك يضيع سدى؛ لأنك لم تضعي هدفاً لشغل هذا الوقت. 

- ومن الأمور المهمة أيضاً تحديد الأولويات، وما هي الأعمال التي ينبغي أن تقدَّم؟ والأعمال التي يمكن أن تؤخر، فليس القصد أن تقضي المرأة وقتها في ما هو مفيد، بل عليها أن تقضيه فيما هو أولى أن يقضى به. وقد ذكر أئمتنا أن من مكائد الشيطان أن يُشْغَل الإنسان بالعمل المفضول عن العمل الفاضل.

- وعلى الأخت المسلمة أن تتخلص -ما أمكنها ذلك- من مضيعات الأوقات، كالاسترسال في الحديث عبر الهاتف لغير حاجة، والخروج المتكرر للأسواق والمجمعات، والقيام بالزيارات التي لا داعي لها، والجلوس أمام التلفاز الساعات الطوال، ولا بد من تعويد الآخرين على احترام أوقاتنا ومواعيدنا، فالاتصال قبل الزيارة، والزيارة لها وقت مخصص ومحدد. 

- كما ينبغي أن تتعامل الأخت مع الوقت بواقعية، فستفيد من الوقت المتاح؛ لأن بعض الأخوات ربما جنح بها الحماس إلى المثالية والخيال الزائد من غير تقدير صحيح لما يمكن فعله، لتفاجأ بعد ذلك بعدم وجود الوقت الكافي لإنجاز ما خططت له وفكرت فيه، فتصاب بردة فعل عكسية وإحباط، والذي ينبغي أن نقدر الأوقات المتاحة التي نملك أن نستفيد منها بشكل واقعي. 

- ومن الأمور المفيدة في هذا الصدد اختيار الوقت المناسب للعمل الذي تنوين القيام به، بأن تجعلي لكل عمل الوقتَ الذي يلائمه، فالأعمال التي لا تحتاج إلى مزيد تركيز واهتمام، يمكن للمرأة أن تؤديها في أي وقت، فأوقات الطبخ مثلاً يكون من المفيد الاشتغال فيها بالذكر والتسبيح والتهليل، وسماع بعض المواد الجيدة الإذاعية أو المسجلة مثلاً، والأعمال التي تحتاج إلى تفريغ القلب وإعمال الفكر وهدوء البال من صلاة وقراءة ومراجعة وحفظ، وما أشبه ذلك، تخصص لها أوقات تناسبها، وهكذا. 

- وعليك أختي الفاضلة أن تحرصي على المبادرة بإنجاز العمل قبل أن يحال بينك وبينه، ولتحذري التسويف والتأجيل فإنه من أعظم الآفات، قال بعضهم: احذروا (سوف) فإنها من جند إبليس، وقيل لعمر بن عبد العزيز وقد أعياه الإرهاق من كثرة العمل، أخر هذا العمل، فقال: أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين؟ 

واستعيني في ذلك كله بالله ولا تعجزي، وعليك بصحبة أهل الهمم العالية، وعضي بالنواجذ على الذين يقدرون قيمة الوقت، ويعرفون كيف يستثمرونه الاستثمار المرجو والمشروع، وتذكري أن الوقت إذا لم يُقضَ بالخير قُضي بضده ولا بد، وأن كل وقتٍ جديد له واجب جديد. 

فاستغلي وقتك، وبادري عمرك بما يعود عليك بالنفع في الدنيا والآخرة، وتملئين به سجل حسناتك وصحيفة أعمالك، قبل أن يطوى الشهر، وينتهي موسم البذر، فتندمين حين لا ينفع الندم، ولات ساعة مندم. 

42286 مقدمة في أحكام الصّيام

المقال

صحَّ في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه. والفقه بأحكام الإسلام من أوجب الواجبات، وآكد المطلوبات، خاصة ما كان يتعلق منه بفرائض العبادات، كالصلاة والزكاة وباقي أركان الإسلام.

والصيام فريضة من فرائض ديننا الحنيف، شرعه الله لهذه الأمة، كما شرعه لمن سبقها من الأمم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:183).

وقبل الشروع في الكلام على أحكام الصيام، هناك مقدمات لا بد من ذِكْرِها بين يدي الموضوع، تتعلق بتعريف الصوم، وفرضيته، ومراحل تشريعه، ومراتبه. 

تعريف الصوم:
فالصيام لغة: الإمساك مطلقاً، تقول: صام عن الكلام، إذا امتنع عنه ولم يكلم أحداً، ومنه قوله تعالى على لسان مريم عليها السلام: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) (مريم:26).

وشرعاً: الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية مخصوصة. 

فرْضيَّة الصيام:
وفرضيَّة صيام شهر رمضان ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) (البقرة:183). 

وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (بني الإسلام على خمس...) إلى قوله: (وصوم رمضان) متفق عليه، وقد أجمعت الأمة على فرضية صوم رمضان.

وبناء على هذا، فقد قرر أهل العلم أن صيام رمضان فرض على كل مسلم عاقل بالغ صحيح مقيم خال من الموانع. 

مراحل تشريع الصيام : 
فرضية رمضان مرت بأربع مراحل:

المرحلة الأولى: صيام يوم عاشوراء وجوباً، وهو اليوم العاشر من المحرم، وكان صلى الله عليه وسلم قد أمر بصيام هذا اليوم قبل أن يفرض صيام شهر رمضان؛ وفي "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك؛ أي تركه على أنه فرض، وسنَّ صيامه لمن شاء.

أما المرحلة الثانية فجاءت بالتخيير بين صيام شهر رمضان، أو دفع فدية للمساكين، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (البقرة:184).

والمرحلة الثالثة: كانت إيجاب الصيام على المقيم الصحيح القادر المكلف، فإذا غربت الشمس، كان للصائم أن يأكل ويشرب ما لم ينم، فإن نام، حرم عليه الطعام والشراب وقربان النساء إلى الليلة القابلة، ولما كان الصيام على هذه الشاكلة فيه من الحرج ما لا يخفى، خُفِّف عن المسلمين ذلك؛ ويدل على هذه المرحلة وملابساتها، ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك - تتحسر عليه - فلما انتصف النهار غشي عليه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (البقرة:187) ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزل قوله تعالى بعدُ: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (البقرة:187). 

واستقر الأمر في المرحلة الرابعة: على وجوب صوم هذا الشهر الكريم، على كل مكلف قادر مستطيع على الصيام، قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة:185). 

ثم إن الصيام ليس على درجة واحدة، ولا على مرتبة واحدة، بل منه الواجب والمحرم ومنه المستحب والمكروه، فمن الصوم الواجب، صيام رمضان، وصوم النذر؛ ومن الصوم المحرم صيام يومي العيدين، ومن الصوم المندوب صيام ستة أيام من شوال، وصيام يومي التاسع والعاشر من المحرم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار يوم، ومن الصوم المكروه صوم يوم الجمعة منفرداً، وقد فصَّلت السنةُ النبويةُ كلَّ ذلك وبينته بياناً تاماً.

227977 انتهاء رمضان بين الحزن والفرح

المقال

كل عام وأنتم بخير، وأسعد الله أيامكم، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، تقبل الله منا ومنكم الصدقات وقراءة القرآن، تقبل الله منا ومنكم الطاعات والعبادات وسائر الأعمال.

ها هو شهر رمضان قد مضى
مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة.
مضى بعد أن كان بين أيدينا، وملء أسماعنا ونور أبصارنا، وبهجة قلوبنا.
بعد أن كان حديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا.

مضى بعد أن انفض سوق تجارته، وانتهى مضمار سباقه.
مضى حاملا معه صحائف أعمالنا، شاهدا فيها لنا أو علينا.
مضى بعد أن قسم الناس إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.
فليت شعري من أي الأقسام نحن؟.

لقد فاز في رمضان من جد واجتهد؛ ففاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران.
وخسر من خسر بسبب الغفلة والذنوب والعصيان.
فليت شعري من الفائز فنهنيه، ومن الآخَر فنعزيه؟

مضى رمضان فبكت قلوب المؤمنين حزنا على فراقه قبل أن تدمع عيونهم..
وحق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تبكي وتدمع على فراق شهر الرحمة والتوبة والرضوان الغفران.

حق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تدمع على شهر اكتحلت فيه بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزَّت جباهنا بالسجود والذل لرب الأرض والسماء.

حق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تدمع على شهر الجد والاجتهاد.. بعد أن جعل القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله متعتنا، وذِكْر الله غذاءنا.

لكنني أقول أيها الإخوة
لئن كان من حقنا أن نحزن على فوات كل هذا الخير بفوات رمضان.. إلا أنه أيضا من حقنا أن نفرح:
نفرح بنعمة الإسلام التي لولاها ما عرفنا الله، ولا عرفنا رسول الله، ولا عرفنا رمضان، ولا عرفنا القرآن.

نفرح بنعمة الإسلام الدين الذي اختاره الله لنا واختارنا الله له بعد أن اختاره الله لنفسه فلا يقبل من أحد دينا سواه.. {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ}(آل عمران:19)، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران:85)..

نفرح بنعمة الله علينا، وبإحسانه إلينا وإتمام نعمته وإكمال فضله.. فأكرمنا ببلوغ رمضان، وأتم علينا نعمته بإكماله، وتفضل علينا بتوفيقه، فوفقنا فيه فصمنا الشهر كاملا، وقمنا الشهر كاملا، ودعوناه ورجوناه وأملنا خيره وبره وثوابه ونعماه.

ولماذا لا نفرح والله تعالى يقول: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}(يونس:58)؟

ولماذا لا نفرح النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)..
وقد صمنا بحمد الله، وقمنا بفضل الله، والتمسنا ليلة القدر قدر الطاقة والمستعان الله.
فاللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانا واحتسابا، وقام رمضان إيمانا واحتسابا، وممن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا.

إن انقضاء رمضان ليس معناه انتهاء العبادة..
فإذا كان رمضان قد انتهى وزال فإن رب رمضان لا يزول ولا يحول، وإن كان رمضان مضى وفات فإن رب رمضان هو الحي الذي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ليس معنى انتهاء رمضان نهاية الصوم، فإذا كان صوم الفريضة قد تم فهناك صيام النوافل (الاثنين والخميس، والست من شوال، وعاشوراء، وعشر ذي الحجة)

وإذا كان قيام رمضان قد انتهى، فإن قيام الليل لم ينته.. والأمر ما زال كما قال عليه الصلاة والسلام (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل).

وأما القرآن فليس هو بكتاب رمضان فقط، وإنما هو دستور الله لأمة الإسلام على مدار الأوقات والأيام والأزمان.

فيا أيها الأفاضل الكرام:
واصلوا طاعاتكم، وتابعوا قرباتكم، فإن من علامات قبول الطاعة الطاعة بعدها، فلا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياله، ولا بالجود والكرم آخر يوم فيه.. ولكن شمروا واستقيما على ما كنتم فيه في رمضان فـ {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}(فصلت:30).

إن انقضاء رمضان ليس معناه أن يعود الإنسان إلى سابق عهده قبله ويرجع إلى سالف ذنبه، ويطلق سمعه وبصره ولسانه، ويظهر سيء خلقه؛ فإن النكوص والارتداد على الأعقاب بعد زمن الطاعة من علامات الرد وعدم القبول.
يقول ابن رجب رحمه الله: "من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إليها بعد الشهر ويعود، فصومه مردود وباب القبول عليه مسدود".

وقد حذرنا القرآن عن هذا المسلك غير الرشيد وهذا المسلك غير السديد فقال سبحانه: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا}(النحل:92). وقال سبحانه: {ولا تبطلوا أعمالكم}(محمد:33).

وهو تحذير للذين كانوا يحافظون على الصلوات في المساجد في رمضان فلما انتهى تركوها.

وإلى الذين كانوا يقرؤون القرآن في رمضان فلما مضى هجروه وأعادوا المصاحف إلى رفوفها.

وإلى الذين تركوا المحرمات ـ من شرب دخان ومخدرات ومسكرات ـ فلما انتهى رمضان عادوا إليها وقارفوها.

وإلى الذين هجروا مشاهدة المحرمات وسماع الأغنيات طيلة رمضان فلما مضى عادوا إليها ووقعوا فيها.

إن الإسلام يعلمنا أن مواسم الطاعة لا تنتهي، كلما انقضى موسم أتى موسم، فإذا مضى موسم الصيام بدأ بعده مباشرة موسم الحج، وفي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صوم الدهر).

فكونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين، ولا تقطعوا طاعاتكم وعباداتكم؛ فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال.. وجعلنا وإياكم من المقبولين الفائزين.

178239 أحل لكم ليلة الصيام..

المقال

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (البقرة:187).

الحديث حول هذه الآية تنظمه اثنا عشرة مسألة، هي وفق التالي:

الأولى: قوله سبحانه: (أحل لكم) رويت هنا أخبار تتعلق بصدر هذه الآية؛ من ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غُشِيَ عليه؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم) ففرحوا فرحاً شديداً.

وروى الطبري أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سَمَرَ عنده ليلة، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت له: قد نمت؛ فقال لها: ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله؛ فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعتذر إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيَّنت لي، فواقعتُ أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: (لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر!)، فلما بلغ بيته، أرسل إليه، فأنبأه بعذره في آية من القرآن. 

الثانية: (الرفث) كناية عن الجماع؛ لأن الله عز وجل كريم يكني؛ قاله ابن عباس رضي الله عنه، وقال بعضهم: {الرفث} كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وقيل: (الرفث) أصله قول الفحش؛ يقال: رفث، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح.

الثالثة: قوله سبحانه: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد من الزوجين ستراً لصاحبه عما لا يحل، قال أبو عبيد: يقال للمرأة: هي لباسك، وفراشك، وإزارك، وقال مجاهد: أي: سكن لكم؛ أي: يسكن بعضكم إلى بعض.

الرابعة: قوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) روى البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) يقال: خان واختان بمعنى: من الخيانة، أي: تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم، والمعنى: يستأمر بعضكم بعضاً في إتيان المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه، بأنه يخونها؛ وسماه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه. 


الخامسة: قوله سبحانه: (فتاب عليكم) يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة؛ كقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (المزمل:20)، يعني: خفف عنكم. وكذلك قوله عز وجل: (وعفا عنكم) يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) رواه الدار قطني، يعني: تسهيله وتوسعته.

السادسة: قوله سبحانه: (فالآن باشروهن) كناية عن الجماع، أي: قد أحل لكم ما حرم عليكم، وسمي الوقاع مباشرة؛ لتلاصق البشرتين فيه، وصيغة (الأمر) هنا للإباحة، قال ابن العربي: "وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه، لا جوع قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به؛ لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله".

السابعة: قوله سبحانه: (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: وابتغوا الولد؛ يدل عليه أنه عقيب قوله: (فالآن باشروهن)، وروي عنه أيضاً قوله: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقال قتادة: اطلبوا الرخصة والتوسعة. قال ابن عطية: "وهو قول حسن".

الثامنة: روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) عَمَدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار). 

وروى الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، قال: نزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد (من الفجر)، فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار. 

وروى البخاري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا) إن أبصرت الخيطين، ثم قال: (لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار). وسمي (الفجر) خيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يُرَى ممتداً كالخيط. و(الخيط) في كلامهم عبارة عن اللون، و(الفجر) مصدر فَجَرْتُ الماء أفجره فجراً: إذا جرى وانبعث، وأصله الشق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً؛ لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض. 


التاسعة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بد من تبيت نية الصيام قبل طلوع الفجر، واستدلوا لذلك بما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له). 

العاشرة: قوله عز وجل: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) بينت الآية أن الصيام الواجب هو من طلوع الفجر إلى دخول الليل، وهو وقت الغروب، ومن ثَمَّ ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر عامداً في نهار رمضان بأكل، أو شرب، أو نكاح، فعليه القضاء والكفارة؛ لما رواه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً.

وقد قال الشافعي: إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع؛ لحديث أبي هريرة أيضاً في "الصحيحين"، قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان..) الحديث، وفيه ذكر الكفارة على الترتيب. 

وأكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن المرأة الموطوءة في نهار رمضان عليها القضاء والكفارة أيضاً، سواء أكان الوطء طواعية، أو كراهية، وقال أبو حنيفة: إن كانت مكرهة فعليها القضاء فحسب، وإن كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة، وقال الشافعي عليها القضاء فحسب، سواء طاوعت الزوج، أو أكرهها.

والذي عليه أكثر أهل العلم أن من جامع ناسياً لصومه، فلا قضاء عليه ولا كفارة، كمن أكل، أو شرب ناسياً. وقال مالك: عليه القضاء فحسب. وقال أحمد: عليه القضاء والكفارة معاً. وقد قال جمهور أهل العلم: إذا أكل ناسياً، فظن أن ذلك قد فطره، فجامع عامداً، أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.

وإذا أفطر الصائم -لغيم أو ضباب- ظناً منه أن الشمس قد غربت، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. ففي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لـ هشام -أحد رواة الحديث-: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء). ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمَّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، فأكل، ثم بان أنه من رمضان.

وفي قوله سبحانه: (إلى الليل) ما يقتضي النهي عن الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام؛ وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من ها هنا، فقد أفطر الصائم) رواه مسلم.

ثم قال العلماء: تكره مباشرة النساء لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها؛ لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم، وقد روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ مخافة ما يحدث عنهما، فإن قَبَّل الصائم، وسَلِمَ فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر.
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ ويباشر، وهو صائم.
قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً رخص فيها -القُبلة- لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه".
فإن قبَّل فأمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: "ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة". وإن كرر النظر فأمنى فيجب عليه القضاء عند بعض أهل العلم؛ لتسببه في إفساد صومه، مع إمكان التحرز عن استدامة النظر.

وأكثر أهل العلم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جُنب؛ لما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل، ويصوم). قال ابن العربي: "وذلك جائز إجماعاً، وقد استقر الأمر على أن من أصبح جنباً، فإن صومه صحيح".

وأكثر أهل العلم على أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل أن عليها الصوم، ويجزئها، سواء تركت الغسل عمداً، أو سهواً، وأما إذا شكت فلم تدرِ أكان طهرها قبل الفجر أو بعده فإنها تصوم، وتقضي ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارة عليها.

الحادية عشرة: قوله سبحانه: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (الاعتكاف) في اللغة: الملازمة؛ يقال: عكف على الشيء: إذا لازمه مقبلاً عليه، ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه، لزمه هذا الاسم، وهو في عُرف الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة، في وقت مخصوص، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، بل قُربة من القُرَب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه، وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، وقيل في صفة المسجد: لا بد من المسجد الجامع، وقيل: مطلق مسجد، وهو مذهب جمهور العلماء، واختلفوا في مدته، فقال الشافعي: "أقله لحظة، ولا حد لأكثره".  

والآية تنهى عن الجماع زمن الاعتكاف، ومن ثَمَّ ذهب العلماء إلى أن الجماع يفسد الاعتكاف. 

الثانية عشرة: قوله عز وجل: (تلك حدود الله فلا تقربوها) (الحدود) الحواجز ونهايات الأشياء، التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشُبِّهت الأحكام بالحدود؛ لأن تجاوزها يُخْرِج من حِلٍّ إلى منع، وفي الحديث: (وحَدَّ لكم حدوداً، فلا تعتدوها)، رواه الدار قطني. 

وقوله سبحانه: (فلا تقربوها) نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية؛ لأن القرب من (الحد) يستلزم قصد الخروج غالباً، كما قال تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (الأنعام:152)؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (البقرة:229).

الثالثة عشرة: قوله سبحانه: (كذلك يبين الله آياته للناس) أي: كما بيَّن الله أحكام الصيام، يبين جميع آياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه؛ لئلا يلتبس شيء منها على الناس؛ وليتقوا مجاوزتها، و(الآيات) العلامات الهادية إلى الحق. 

وقوله عز وجل: (لعلهم يتقون) أي: يريد الله -ببيان أحكامه- وقاية الناس من الوقوع في مخالفة ما شرعه لهم؛ لأنه لو لم يبين لهم الأحكام، لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يمتثلون لهذه الأحكام على وجهها المبين، فتحصل لهم صفة التقوى؛ إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان، وغير مؤاخذين بإثم التقصير، إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى.

43117 سنن الصوم وآدابه

المقال

الأدب عنوان فلاح المرء وسعادته في الدنيا والآخرة، وأكمل الأدب وأعظمه الأدب مع الله سبحانه، ولذلك شُرعت لكل عبادة في الإسلام آداب ينبغي على المسلم الحفاظ عليها ومراعاتها؛ فالصلاة لها آداب, والحج له آداب، والصوم كذلك له آداب عظيمة، لا يتم على الوجه الأوفق إلا بها، ولا يكمل إيمان العبد إلا بتحقيقها.

والعبادات وإن كانت تصح من غير الإتيان بآدابها وسننها إلا أنها تبقى ناقصة الأجر، قليلة الأثر، ولأجل هذا الملحظ شُرعت السنن والآداب لتكميل النقص الذي يطرأ على الفرائض والواجبات.

وقد جاءت الشريعة بكف اللسان عن المحرمات من غيبة ونميمة وكذب وسَفَه وعدوان في كل وقت وحين، إلا أن الكف عن هذه الأمور يتأكد في رمضان، لمنافاتها لحقيقة الصوم والغاية منه، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذٍ ولا يجهل، فان سابَّه أحد أو قاتله أحد، فليقل: إني امرؤ صائم) رواه البخاري ومسلم، و(الرفث) هو: الكلام الفاحش، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، قال: وكانوا إذا صاموا - يقصد السلف الصالح - قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحداً. 

وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

فعلى الصائم أن يحفظ بصره عن النظر إلى المحرمات، ويحفظ أذنه عن الاستماع للغناء وآلات اللهو، ويحفظ بطنه عن كل مكسب خبيث محرم،  فليس من العقل والحكمة أن يتقرب العبد إلى ربه بترك المباحات من الطعام والشراب والجماع، وهو لم يتقرب إليه بترك ما حُرِّم عليه في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان، وارتكاب المحرمات، ومن فعل ذلك كان كمن يضيِّع الفرائض، ويتقرب بالنوافل. 

كما يُسْتَحب للصائم بذل الصدقة للمحتاجين من الفقراء والمساكين، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم: (كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.

ومن السنن المشروعة في الصيام، تناول السحور وتأخيره، لما في ذلك من عون على صيام النهار، قال صلى الله عليه وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم، وقال في الحديث الآخر: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلَة السَّحَر) رواه مسلم.

يقول زيد بن ثابت: "تسحّرْنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة"، متفق عليه، وهو يدل على استحباب تأخير السحور.

كما يُستحب للصائم تعجيل الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر) متفق عليه. وأن يفطر على رطبات إن تيسر؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه الترمذي. 

ومن الأمور المسنونة للصائم الدعاء عند فطره، وفي الحديث: (ثلاثة لا ترد دعوتهم -وذكر منهم- والصائم حين يفطر) رواه الترمذي، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام عند الإفطار قوله: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى) رواه أبو داود.

وبهذا يتبين أن حقيقة الصيام ليست مجرد الإمساك عن المفطرات الحِسِّيَة فحسْب، فإن ذلك يقدر عليه كل أحد، كما قال بعضهم: "أهون الصيام ترك الشراب والطعام"، ولكن حقيقة الصيام ما أخبر عنه جابر رضي الله عنه بقوله: "إذا صمتَ، فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء". 

فاحرص - أخي الصائم - على الالتزام بهذه الآداب والمسنونات، واجتنب المحرَّمات والمكروهات، ففي ذلك حفظ لصومك، ومرضاة لربك، وزيادة في أجرك.

227887 تصدقوا.. تصدقوا؛ فأنتم في رمضان

المقال

تصدقوا.. تصدقوا.. فأنتم في رمضان شهر الجود والإحسان، شهر النفقة والعطاء، شهر البذل والمواساة.

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن الله جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم.
وهو القائل في الحديث القدسي: (ياعبادي.. لَوْ أَنّ أَوّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيّكُمْ وَمَيّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كلّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كلّ سَائِلٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلاَ كَمَا لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ مَرّ بِالبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ) قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَدُ اللَّهِ مَلأَى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ).

فالله سبحانه هو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.. وهو سبحانه يضاعف جوده على عباده في الأوقات الفاضلة، ومواسم الخيرات والتي من أخصها شهر رمضان، فيضاعف عطاءه عليهم في الحِسيات والمعنويات: فيفتح عليهم من أبواب الأرزاق من المطعومات والمأكولات والمشروبات والملبوسات ما لا يوسع في غيره، وهذا محسوس مشاهد.. وكذا يفتح من أبواب العفو والصفح والتوبة والمغفرة ما لا يكون في غيره، ويكفي في ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة). وقوله عن أبي أمامة: (لله عند كل فطر عتقاء) رواه أحمد، وهو في صحيح الترهيب.

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)، وفي رواية أحمد زيادة: (لا يُسأل عن شيء إلاَّ أعطاه).

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن من مقاصد الصيام أن يجوع الغني المسلم ويعطش لبعض الوقت كي يعيش إحساس الجائعين، ويتذكر المحرومين؛ لعله تتحرك فيه روح العطف والشفقة والرحمة بالعطشى والجوعى والمحرومين من إخوانه الذين ملؤوا مشارق الأرض ومغاربها.

تصدقوا.. تصدقوا.. فإن من مقاصد الصيام إزكاء روح الأخوة والوحدة بين أبناء هذه الأمة {إنما المؤمنون إخوة}(الحجرات:10)، وفي الحديث (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى).
لقد أثنى الله على الأنصار لإيوائهم المهاجرين، وإيثارهم لهم، وكفالتهم إياهم، فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الحشر:9).

وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الأشعريين فقد كانوا يجمعون ما في بيوتهم من طعام ثم يتقاسمونه بينهم بالسوية، وهذا منتهى التكامل في التكافل.. فأين نحن من هذه الأخلاق الزاكيات؟

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة إعانة للصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم، ومن أعانهم كان له مثل أجرهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) رواه الترمذي.

تصدقوا.. تصدقوا: فإن ما تتصدقون به هو الذي يبقى لكم على الحقيقة وما سواه فانٍ أو للوارث.. قال صلى الله عليه وسلم: (فإن مالك ما أمضيت ومال وارثك ما أبقيت)، وقد ذُبحت في بيته شاة فتصدقوا بها إلا الذراع، فلما رجع قال لعائشة: (مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة تطهر النفس من داء البخل والشح والأثرة، {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}(الحشر:9).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه؛ قال تعالى: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} (محمد:38). {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران:180).

تصدقوا.. تصدقوا: فإنما تقرضون الغني الكريم السخي، يأخذه منكم هنا، ثم يوفيكم إياه هناك أضعافا مضاعفة.. {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}(الحديد:11)، {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}(البقرة:245)، وفي الحديث: (من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه.

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة تغسل الذنوب وتمحو الخطايا: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ}(البقرة:271)، وفي الحديث: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الجود سبب الأمن والسعادة والمنفقون لا خوف عليهم ولا يحزنون في الدنيا ولا في الآخرة، {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة:262)، {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة:274).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الجود سبب النماء والزيادة: إن الله وهبكم أموالا، وأمركم بالنفقة، ووعدكم بالقبول، وعظم لكم الأجر، ووعدكم بالخلف؛ فقال سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}(سبأ: 39)، وقال أكرم الخَلق صلى الله عليه وسلم: (ثلاث أقسم عليهن: "مانقص مال من صدقة...) الحديث.

تصدقوا.. تصدقوا: الصدقة تدفع عنك البلاء، و(صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، وما وقع كريم قط، فإن وقع وجد متكأ.

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الصدقة ظل لكم في يوم الحر الشديد؛ قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة)، وقال عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الكريم السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل الشحيح بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.
الجود مكرمة والبخل مبغضة .. لا يستوي البخل عند الله والجود

تصدقوا.. تصدقوا: فإن الجود يظهر المحاسن ويستر المعايب:
ويظهر عيب المرء في الناس بخله .. ويستره عنهم جميعا سخاؤه
تســتر بأثــواب السخـــاء فإنني .. أرى كل عـيب فالسخاء غطاؤه

وإن كثرت ذنوبك في البرايا .. وسرك أن يكون لها غطاء
تســـتر بالسخـــاء فكل عيب .. يغطــيه كـمــا قيل السخـاء

إننا نحتاج أن نجود في رمضان وفي غير رمضان.. إخوانك في كل مكان يحتاجون من يجود عليهم ويمد لهم يد العون.. فتصدقوا تصدقوا عسى الله أن يعفو عنا، ويعتق رقابنا من النار.. آمين.
 

227635 رمضان.. ولزوم التوبة

المقال

رمَضانُ أقبلَ قُم بنا يا صاحِ هذا أوانُ تبتُّلٍ وصلاحِ
واغنَمْ ثوابَ صيامه وقيامِه تَسعَدْ بخيرٍ دائم وفَلاحِ

ها هي الشهور قد توالت متتابعات، وها هي الأيام قد انفرطت مسرعات تؤذننا بقرب دخول شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والبركات.

وقد اتفقت كلمة الأمة على أن رمضان أعظم موسم خير وأكبر نفحة يهبها الله للمسلمين، فإذا كان الأمر كذلك.. وجب على كل مسلم ألا يتعامل مع رمضان كتعامله مع بقية الشهور، ولا مع أيامه تعامله مع بقية الأيام، لأن التعامل مع الأمور المتفاوتة نفس التعامل دليل قلة عقل وعدم فهم، وسوء تقدير للأمور، ووضع لها في غير موضعها.

إن بلوغ رمضان نعمة كبرى وإنما يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون، فإذا كان الله قد من عليك ببلوغه ومد في عمرك للوصول إليه، فالواجب استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة فإنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، وخسارة ما بعدها خسارة.

شهر المغفرة
وأعظم الحسرات على الإطلاق أن يخرج الإنسان من رمضان دون أن يُغفر له، فإن من أعظم ما وُصف به رمضان أنه شهر التوبة وشهر المغفرة، وكأن الله اختاره لهذه الأمة ليغفر لها ويتوب عليها؛ فكل ما فيه من أسباب المغفرة:
كما جاء عن المعصوم عليه الصلاة والسلام:
ـ (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)..
ثم إذا كانت آخر ليلة من رمضان أعتق الله بعدد ما أعتق في رمضان كله.

فإذا حُرِم العبد المغفرة بعد كل هذا فمتى يرتجي حصولها، وفي أي وقت يصبح من أهلها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. ففي أي وقت يستنير ويزهر؟
قَالَ عليه الصلاة والسلام: (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ).
وكيف لا يبعده الله وكل شيء في رمضان مهيأ لتوبته وأوبته، وتسهيل عودته وعبادته، وليس موسم في السنة أجدر بالتوبة منه؟!

غير أن من أراد تحصيل التوبة في رمضان فعليه السعي في طلبها، وبذل الوسع في تحصيلها، وإعطاء المجهود من نفسه ليرى الله منه رغبة في الطلب وسعيا فيمن عليه.

وأول طريق تحصيل العفو والمغفرة في رمضان هو التوبة قبل رمضان؛ وذلك أن رمضان مضمار سباق كما قال الحسن البصري: "إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا".
وكل مسلم مندوب للدخول في المضمار، والاشتراك في هذا السباق، وإنما يتخلف عنه كل مخذول غير موفق. غير أن من أراد أن يكون من أهل السبق وأصحاب المنافسة على المراكز الأولى، ونيل مغفرة الله وعفوه، وأن يكون من الفائزين؛ فلابد له من تخفيف حمله بتوبة صادقة، إذ لا يمكن أن يفوز أحد في سباق وقد حمل على ظهره حملا ثقيلا وحجرا كبيرا، لأن هذا الثقل يمنعه من الخفة، ويحرمه من المنافسة. وإن أثقل الأحمال حمل الذنوب والمعاصي؛ فإنها والله تنهك البدن وتتعبه، وتنقض الظهر حتى تكاد تكسره، قال تعالى: {ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك}(الشرح:2، 3).
فالذنوب تمنع صاحبها من الخفة إلى الطاعات ويحرم من المسارعة إلى الخيرات.

والذنوب حجاب بين العبد وبين الله: فهي توجب الحرمان، وتعقب الخذلان، وتمنع صاحبها عن السير إلى طاعة الرحمن. فالقلب المتلطخ بالأقذار، الممتلئ بالأوزار، لا يصلح للقرب من ساحة الطهر ساحة العزيز الغفار، فإنها ساحة الطيب والنقاء ولا يصلح لها إلا قلب طيب تقي نقي (فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).
قال بعض الصالحين: "حُرِمْتُ قيام الليل سنة بذنبٍ عملته".
وعندما قيل للحسن لا نستطيع قيام الليل، قال: "قيدتكم خطاياكم".
وقال الفضيل: "إذا كنت لا تستطيع قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محبوس قد قيدتك ذنوبك".

والذنوب تفسد القلب وتظلمه: قال عليه الصلاة والسلام: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرً، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) رواه مسلم.
فبين أن الذنوب تذهب ببصيرة العبد، فلا يرى الحق حقا، ولا الباطل باطلا، ولا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه.

والذنوب قسوة للقلب: ففي الحديث: (وإن أبعد الناس من الله صاحب القلب القاسي)، وكلما قسى القلب جفا العبادة واستثقل القرب، وألف الغفلة والبعد، فإن تكلف العبادة لم يجد لها لذة ولا بهجة، ولا حلاوة ولا أنس ولا صفوة، وإنما بكد يحمل على سرعة الفرار وعدم الاستمرار.

والذنوب تسبب الوحشة فيما بين العبد وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله، وهذا الأخير يمنع العبد من كثير من الأعمال الطيبة. فكلما أراد أن يرفع يديه ويدعو ربه، حالت تلك الوحشة بينه وبين الدعاء، وإذا خلا فأراد أن يقوم يصلي حجبته الوحشة عن القيام للصلاة، وإذا تفرد بنفسه عن الناس وأراد أن يذكر ربه ويستغفر لذنبه، حالت بينه وبين ذلك تلك الوحشة؛ فيقوم يبحث عن إنسان يأنس به ليهرب من هذه الوحشة إذ أنسه بالناس لا بالله.
فلا علاج لكل ذلك إلا بالتوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء، ودوام الاستغفار، وكثرة الإلحاح، والتضرع إلى الله بالقبول، وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان، وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار..

وعلامة الصدق: كثرة الإلحاح، ودوام الطلب، وكثرة الاستغفار.
فارفع يديك إليه وناجه وتوسل إليه.
يا من يرى ما في الضمير ويسمع .. أنت المعـــد لكـل مـا يتوقـع
يا مـــن يرجّـــى للشــدائد كـــلها .. يا من إليه المشتكى والمفـزع
يا من خزائن فضـله في قول كن .. امنن فإن الخير عندك أجـمع
مالي ســـوى فقـري إليك وســيلة .. فبالافتــقــار إليك فقـري أدفع
مالي ــسوى قرعـي لبابك حــيلة .. فـإذا رددت فــأي باب أقــرع
ومن الذي أرجو وأهتف باسمه.. إن كان جودك عن فقيرك يمنع
حاشـا لفضلك أن تقنـط راجيا .. الجود أجـزل والمـواهب أوســع

فـ {فسارعوا إلى مغفرة من ربكم}(آل عمران:133)، {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31).

اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا فيه توبة نصوحا تغفر لنا بها ما فات، وتصلح لنا بها ما هو آت، وتكتبنا بها من أهل الجنات.. آمين.

230953 رمضان.. أدركوه قبل أن يرحل

المقال

 الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.. وبعد:
فمنذ أيام قريبة كنا ندعو الله أن يبارك في أعمارنا وينسأ في آجالنا حتى ندرك رمضان، وأعطينا العهود الوثيقة بأن نعمره بطاعة الله قدر الطاقة.. واستجاب الله لنا بمنه، وحقق أمنيتنا بفضله، فمد في الأعمار حتى أدركنا رمضان...

وجاء رمضان، وكما هي عادة الأيام المباركات، مر مسرعا، فإن مثل مواسم الخير وساعات البر كمثل القطار أو الطائرة، من كان مستعدا له منتظرا قدومه ركب فيه فبلغ به غايته وحقق به أمنيته، ومن كان غافلا عنه فاته غير مأسوف عليه.

وقفة محاسبة:
لقد مر من رمضان أكثره، ولم يبق أقل من القليل، فينبغي للمسلم أن يقف وقفة يحاسب فيها نفسه: ماذا قدم فيما مضى؟ وماذا يرجو مما بقي؟ حتى لا يخرج رمضان كما دخل، وحتى لا نخرج نحن منه كما دخلنا فيه.

وهذه المحاسبة أثناء العمل أصل من أصول النجاة في الآخرة، وسبيل إلى تحقيق الآمال بتحسين الأعمال، ورد النفس عن الميل أو النقص أو عن سوء القصد، ولتجديد العزم، ورفع الهمة، وتصحيح النية.

والمحاسبة من أصول السير والوصول إلى الله سبحانه، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر:18).
وقال صلى الله عليه وسلم: (الكيِّس (العاقل) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت..) رواه الترمذي وحسنه. ومعنى: (دانَ نفسه) أي حاسبها..
قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

قال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة همته".

وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه. (فالنفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك).

وذكر الإمام أحمد أنه: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه من نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات وإجماما للقلوب.

وقال الحسن البصري أيضا: "المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة".

فلابد من هذه المحاسبة لتعرف أين أنت، وماذا استفدتَ من صيامك وقيامك؟ وهل تحقق فيك مقصود الله تعالى من فرض الصيام، وهل تحقق لك مقصودك من شهر رمضان؟
هل رق قلبك بعد قسوته..؟
هل نديت عينك بعد جمودها..؟
هل قويت إرادتك بالصوم فتركت معاص كنتَ تقترفها مما حرم الله، أو حديث فيما يغضب الرب أو لا يرضيه أو غير ذلك مما يعد خللا في الخلق والدين..؟
هل تحسَّنت بالصوم أخلاقك، وتهذبت به ألفاظك..؟
هل أحسستَ بنسائم المغفرة وقد هبت على ذنوبك لتمحوها..؟
هل أحسست بسحائب الرضوان وقد تنزلت على نفسك لتزكيها..؟
هل أحسست ببشائر العتق من النار، قد دلت عليها خفة النفس وانشراح القلب، وانطلاق العين، والإقبال على العبادة..؟
هل اشتم قلبك ريح الجنة ونسيمها، أم أن قلوبنا ما زالت مزكومة ببرد المعاصي وطبقات الران عليها..؟

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا صائمين لكن ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وذكر أناسا قائمين لكن ليس لهم من قيامهم إلا طول السهر.
ذلك أنهم لم يعرفوا من رمضان إلا ترك الطعام والشراب.
رمضــان رُبَّ فــمٍ تَمَنَّع عن طعــام أو شراب
ظن الصيام عن الطعام هو الحقيقة في الصيام
وانهال في الأعراض ينهشها ويقطع كالحسـام
ياليته إذ صـــام صـــام عن النمــائم والحــرام

مازلنا نراهم.. أغفل الناس في زمان الجد والاجتهاد، وأولع الناس بمشاهدة الأفلام والمسلسلات والجلوس إلى القنوات، أكثر الناس تسكعا في الأسواق في مواسم الخيرات.

زيدوا أنتم في العمل
أيها الأحبة: إن كان رمضان قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم من العمل، فكأنكم به قد انصرف، فإنه قد بدأ إدباره، وآذن بوداع، وإن ما بقي منه سيمر كطرفة عين أو ومضة برق، أو كلمح البصر أو هو أقرب.

إن هذه الأيام هي أيام التنافس الحق.. أيام تبتلى فيها الهمم، وتتميز فيها العزائم.. وإني ـ والله ـ لكم لمن الناصحين.

إنها أيام وليالٍ نطق بقدرها الكتاب الكريم، وبين مكانها النبي الأمين، وتحدث عن فضلها الوعاظ والعلماء، وأطنب في مدحها الدعاة والخطباء.. فماذا تنتظر حتى تنضم إلى سلك سبيل المؤمنين، وتسطر اسمك في قافلة الراكعين الساجدين؟!!

إن أيام شهركم تتقلص، ولياليه تتقضي، وساعاته الطيبة تسارع في الرحيل شاهدة بما عملتم، وحافظة لما أودعتم، فهي خزائن مستودعة تدعون لرؤيتها يوم القيامة {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا}(آل عمران:30)، حين تسمعون القول الحق من الإله الحق كما في الحديث القدسي: (ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم وأوفيكم إياها؛ فمن وجد خير فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
إنها فرصة عظيمة تغترف من الحسنات تملأ بها كتابا طالما سوَّدت صفحاته المعاصي والسيئات فلعلك تسعد به حين يقال: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}(الإسراء:14).

إن هذه الأيام والليالي التي نعيشها هي أعظم ليالي السنة، بل هي كالتاج على رأس الزمن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظمها أكبر تعظيم، ويستعد لها أجمل الاستعداد، ويجتهد فيها ما لا يجتهد في سواها.. ففي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها قالت: "كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره". يشد مئزره، ويحيي ليله، ويوقظ أهله، ويعتكف في المسجد.. كل ذلك طلبا لليلة القدر التي من حرم خيرها فقد حرم.. فإياك أن تكون من المحرومين. 

إن العشر تكاد أن تنخرم، ويكاد رمضان أن يذهب عنا شاهدا لنا أو علينا، فما بين مقتصد وظالم لنفسه وسابق بالخيرات.. وقد علمت ما كان رسول الله يعمل في هذا الوقت؛ فاجعل منه لك أسوة وقم فشد مئزرك، وأيقظ أهلك، وأحيي ليلك عسى أن تنال بركة العشر، وتفوز بليلة القدر، ويكتبك الله من العتقاء من النار.
فاللهم ألزمنا هدي نبينا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، وبالعتق من النار شهرنا.. آمين.
 

187030 من صام رمضان ثم أتبعه ستا..

المقال

لم يجعل الله تعالى حدًّا لطاعة العبد إلا بانتهاء عمره وانقضاء أجله، يقول جل وعلا في كتابه العزيز: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99)، وهذه هي حقيقة الاستقامة التي وعد الله تعالى أصحابها بالنجاة، والفوز بعالي الدرجات، فقال سبحانه: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم} (فصلت:30-32).

ومما منَّ الله به على عباده بعد انقضاء شهر الصيام والقيام، ورتّب عليه عظيم الأجر والثواب: صيام ستة أيام من شوال، التي ثبت في فضائلها العديد من الأحاديث، منها: ما رواه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر).

في رحاب الحديث

- من فضل الله تعالى على عباده تتابع مواسم الخيرات، ومضاعفة الحسنات، فالمؤمن يتقلب في ساعات عمره بين أنواع العبادات والقربات، فلا يمضي ساعة من عمره إلا ولله فيها وظيفة من وظائف الطاعات، وما أن يفرغ من عبادة إلا ويشرع في عبادة أخرى، فبعد انتهاء رمضان تأتي فضيلة صيام ستة أيام من شوال (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر).
وبيان ذلك: أن العبد يستكمل بصيامها أجر صيام الدهر كله، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان يعدل عشرة أشهر، وهذه الأيام الستة من شوال تعدل شهرين، وقد ثبت ذلك مفصلا في حديث ثوبان رضي الله عنه عند ابن ماجه  بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (الأنعام:160)، وفي رواية أبي الشيخ: (جعل الله الحسنة بعشر أمثالها: الشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الشهر تمام السَنة).

- وصيام هذه الست بعد رمضان دليل على شكر الصائم لربه تعالى على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير، كما أن صيامها دليل على حب الطاعات، ورغبة المواصلة في طريق الصالحات والقربات.

- وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث ما حاصله: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة.. وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره من الأعمال.
وقال أيضا: إن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد، وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

- وصيام الأيام الستة ليس له وقت محدد من شوال، بل يصومها المسلم في أي جزء من أجزاء الشهر، في أوله، أو في أثنائه أو في آخره، وله كذلك أن يصومها متتابعة أو متفرقة، ولكن الأفضل أن يبادِر إلى صيامها عقب عيد الفطر مباشرة، وأن تكون متتابعة -كما نص على ذلك أهل العلم-، لأن ذلك أبلغ في تحقيق (الإتْباع) الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم أتبعه)، كما أنه من المسابقة إلى الخيرات والمسارعة في الطاعات الذي جاءت النصوص بالترغيب فيه والثناء على فاعله، وهو أيضاً من الحزم الذي هو من كمال العبد، فإن الفُرص لا ينبغي أن تفوت، والمرء لا يدري ما يعرض له من شواغل وقواطع تحول بينه وبين العمل، فإن أخرها أو فرَّقها على الشهر حصلت الفضيلة أيضاً.

197626 ما أحلى الدعاء في رمضان

المقال

شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.
قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من آمن به هداهُ، ومن توكل عليه كفاهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3)، {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} (التغابن:17)، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران: 101)، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة:186)..

وإذا سألك عبادي عني
قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186) وهذه الآية  في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.
قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185) طلب تكبيره وشكره، بيَّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته، تنبيهاً على أن يكون ولابد مسبوقاً بالثناء الجميل. [البحر المحيط: 2/221]. والمقصود أنه تعالى ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: "إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء".
وقال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221]..
وقال ابن عاشور: نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ..}.
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عبادة غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربطا للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].
«إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الموحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186)..

يوم بدر والدعاء

كانت غزوة بدر في شهر رمضان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة، حيث أُعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- النصر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي طوال الليل، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).
ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعا، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك).
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (الأنفال:9)، فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم) إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

دعاء المتضرعين
- التغني هو تحسين الصوت بالقراءة، وقد جاء الأمر به عند تلاوة القرآن في أحاديث عديدة، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن) رواه البخاري. وعلة ذلك أن التغني وتحسين الصوت والترنم في القراءة من أسباب الإقبال عليها والإنصات لها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع". 
وأما التغني بالقراءة في غير تلاوة القرآن الكريم كدعاء القنوت ونحو ذلك، فرأى كثير من أهل العلم أنه لا بأس به؛ إذ مقصود التحسين حضور القلب وتأثره، ولكن ينبغي أن يكون ذلك التغني والتحسين بدون مبالغة مفرطة، أو جعله مما يشتبه بالقرآن، حتى يلتبس على السامع، هل هو قرآن أو غيره؟، كتعمد التجويد من إدغام وإخفاء ومدود حتى يظن الظان أن الداعي يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب .

- يتأكد على الإمام عدم المبالغة في رفع صوته في الدعاء، حتى يصل ـ أحياناً - إلى حد الصياح والصراخ المذهب للخشوع والمجلب للرياء، وربما رافقه بكاء ونحيب لتهيج مشاعر الناس. قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55)، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء اعتداء، وفي الحديث: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل [أي كغلي القدر]، قال ابن القيم: "وأما بكاؤه -صلى الله عليه وسلم- فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت"، ولم يشعر ابن مسعود -رضي الله عنه- ببكائه -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ عليه بعضا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.

- من التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السَجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
أيضا ورد النهي عن التفصيل المخل، روى أبو داود من حديث أبي نعامة عن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) حسنه الحافظ ابن حجر ..
وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يكون قوم يعتدون في الدعاء) فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
وبالجملة فقد قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه.
 

45180 أخطاء في السّحور

المقال

تناولُ السَّحُور من السنن التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في ذلك قوله: (تسحروا، فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم. وقد فرط بعض المسلمين في هذه السُّنَّة، وأفرط البعض الآخر فيها، فوقعوا في أخطاء نشير إليها تالياً:

أولاً: ترك بعض الناس السحور، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه السحور، ثم إنه قد حث عليه وجعله فارقاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، يقول عليه الصلاة والسلام: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) متفق عليه، ويقول أيضاً: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السَّحَر) رواه مسلم، وبناء على هذين الحديثين ونحوهما، فإن في السحور عوناً على الصيام، وأداء الأعمال والطاعات، فلا ينبغي تركه. 

ثانياً: تعجيل السحور وتقديمه في منتصف الليل أو قبل الفجر بساعة أو ساعتين، وهو خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عَجِّلوا الإفطار، وأخِّروا السحور) رواه الطبراني وصححه الألباني. والسنة أن يكون السحور في وقت السَّحَر قبيل طلوع الفجر بقليل؛ ومنه سمي السحور سحوراً، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحَّرَا، فلما فرغا من سَحُورهما قام النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الصلاةِ فصلَّى، فسُئِل أنس: كم كان بين فراغِهما من سَحُورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: (قدْرَ ما يقرأ الرجل خمسين آية) رواه البخاري.

ثالثاً: الاستمرار في الأكل والشرب مع أذان الصبح وهو يسمع النداء، والواجب أن يحتاط العبد لصومه، فيمسك بمجرد أن يسمع أذان المؤذن.

رابعاً: الإفراط في تناول طعام السَّحور، حيث إن الإفراط في تناول السَّحور يؤدي إلى خمول الجسم، وهذا بدوره يفضي إلى التثاقل عن أداء الواجبات، وهو ما ينافي الحكمة من الصوم، وهي كسر شهوتي البطن والفرج، والسحور إذا كثر فإنه ينافي هذه الحكمة.

قال الحافظ ابن حجر: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحب، كالذي يصنعه المترفون من التأنق في المآكل وكثرة الاستعداد لها، ويحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد أخرج أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: (السحور بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).

خامساً: النوم بعد تناول السَّحور مباشرة، وهو من العادات السيئة، حيث إنه يجلب على صاحبه أضراراً صحية، فضلاً عما فيها من تضيعٍ لصلاة الفجر مع الجماعة، ومخالفةٍ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر؛ لذكر الله إلى أن تطلع الشمس. 

178227 فضل الذكر

المقال

أرأيت لو أن نباتاً بهيّ المظهر، حَسَن الزهر، ولكن تقاعس صاحبه عن سقياه وتعاهده، كيف يكون منظره؟ هل تبقى نضارته طويلاً، أو يذبل سريعاً؟ أَوَ قد رأيتَ سمكةً تمّ إخراجها من الماء، أكانت تعيش؟ أو أنّ حاجتها إلى الهواء كحاجتها إلى الطعام والشراب، إن لم تكن أشدّ؟
كذلك الحال مع قضية الذِكْر لله سبحانه وتعالى، فالذِّكر للقلوب قوتٌ يوميّ لا تُتصوّر الحياة دونه، ومن هذه الحقيقة جاء التمثيل النبوي الرائع؛ ليبيّن حال الذاكرين وما يُقابله من حال الغافلين اللاهين، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحيِّ والميت) متفق عليه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الذِكْر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟".
من هنا نفهم سرّ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بقضية الذكر، وبيان فضائله المرة تلو الأخرى، روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟)، قالوا: بلى, فقال عليه الصلاة والسلام: (ذكر الله تعالى) رواه الترمذي والحاكم وصححه، و(الوَرِق) هو الفضّة.
وعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كَثُرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) رواه الترمذي وابن ماجه.

واللسان الغافل عن ذكر الله تعالى كاليد الشلاّء، أو العين العمياء، أو الأذن الصمّاء: أعضاءٌ مُعطّلة عن فعل ما خُلقت لأجله، فكيف تستنير بصيرةٌ إن لم يكن لها من مدد القلوب وغِياثُها؟ ولذلك وصف العلماء الذكر للقلب بالقوت: متى حُرمت الأجساد منه صارت قبوراً، وجعلوه بمثابة السلاح الذي يقاتل أصحابه قطّاع الطريق، والماء الذي يطفئون به نار الحريق، ودواء الأسقام الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، فضلاً عن كونه السبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علاّم الغيوب.

وقد جاء في القرآن الكريم التوكيد والتأكيد على أهميّة الذكر ودوره في تحقيق النصر، في أحلك الظروف وأشدها، حين تقارع السيوف، وتطاير الرؤوس، وارتفاع غبار المعارك، ليكون ذكرُ الله تعالى في تلك اللحظات الحرجة مدداً من السماء، يحصل من خلاله ثبات القلب وطمأنينته، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} (الأنفال:45).

ومن مَكرُمات الذكر أن الله سبحانه وتعالى يُظهر فضل عبيده الذاكرين ويُبيّن مكانتهم العظيمة لملائكته الكرام، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: (ما أجلسكم؟) قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا، قال: (آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: (أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم, ولكنه أتاني جبريل عليه السلام, فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.

وأصحاب مجالس الذكر اختصّهم الله سبحانه وتعالى بفضائل أربعة: تنزل الطمأنينة، وغشيان الرحمة، وإحاطة الملائكة بهم، وذِكْرِهم في الملأ الأعلى، وهذه الفضائل مذكورةٌ في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.

وكما أنّ ذكر الله سبحانه وتعالى هو نداء الفطرة، وانقيادٌ للشرع، فإنه كذلك مقتضى العقل؛ فإن المرء يجد في نفسه ضرورةً إلى المداومة على الاشتغال بالذكر؛ لترتاح نفسه، وتطمئن من أمراضها وأدوائها المختلفة، قال الله سبحانه وتعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28)، وقد أنشد بعضهم في ذلك قائلاً:

                                                   إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ         ونترك الذكر أحيانًا فننتكس

وقد مدح الله سبحانه وتعالى الذاكرين ووصفهم بما يدلّ على رجاحة عقولهم فقال: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لأيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران:190-191).

وطوبى لمن أشغله ذِكْرُ الله عزّ وجل عن كلّ ما سواه، أولئك الذين قال الله فيهم: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} (الأحزاب:35)، وهم من سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمفرِّدين، فقال: (سبق المفردون)، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: (الذاكرون الله كثيراً، والذاكرات) رواه مسلم.

وإن أقواماً ترى فيهم أثر الذكر جليّاً من زيادة الإيمان ودمع العين وما تحصل للجلود من القشعريرة أثراً من آثار خشية الله تعالى، ترقّوا إلى مراتب الإحسان والإتقان، ولا سيما في الخلوات، فاستحقّوا بذلك الوعد بالمغفرة وطيب الرزق: {أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} (الأنفال:4).

ويوم القيامة يصطلي أناسٌ بحرّ الشمس حتى يبلغ منهم العرق كلّ مبلغ، يصطفي الله تعالى الذاكرين بظلّه، ويكلؤهم بحفظه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، وذكر منهم: (ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)، متفق عليه.

وللذِكر فضائل خاصّة جاء التنصيص عليها في عدد ليس بالقليل من الأحاديث، من ذلك قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، وأنها تعدل عشر رقاب، ويكتب الله لصاحبها له مائة حسنة، ويمحو عنه مائة سيئة، وهي حرزٌ أكيد من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي رواه مسلم. وأن غراس الجنّة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، رواه الترمذي، وأنّ قول: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة سببٌ في حطّ الخطايا, ولو كانت مثل زبد البحر، رواه مسلم. وأن من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفر له ذنبه. إلى غير ذلك من الفضائل العظيمة التي اهتمّ العلماء بجمعها وبيانها وذكروها في مؤلّفاتهم، ككتاب "الأذكار" للإمام النووي، و"الوابل الصيّب من الكلم الطيب" للإمام ابن القيم.

فيا أيها المسلم! رمضان فرصةٌ عظيمة للإكثار من ميادين الخير، ومنها: ميدان ذكر الله سبحانه وتعالى. وفضلاً عن الأجور العظيمة المترتّبة على الذِّكر، فإنها عبادةٌ يسيرة ليس فيها كبير جهد أو مشقّةٌ تُذكر، فلا تحرم نفسك من هذا الأجر الذي وعده الله للذاكرين من عباده. 

178575 آيات في الصيام

المقال

ثمة بعض آيات في القرآن الكريم قيل: إن المراد منها الصوم والصيام، نذكرها:
الآية الأولى: قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} (الحاقة:24). قال مجاهد في معنى الآية: هي أيام الصيام؛ إذ تركوا فيها الأكل والشرب. وقال الكلبي: {بما أسلفتم} يعني الصوم؛ وذلك أنهم لما أُمروا بالأكل والشرب دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة لله تعالى، قيل: كان عملهم الصيام؛ لأنه قال سبحانه في آية أخرى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10)، فيُفْرَغ للصائم جزاؤه إفراغاً، ويجازف جزافاً، فلا يدخل تحت وهم وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك؛ لأن الصوم إنما كان له سبحانه، ومشرفاً بالنسبة إليه -وإن كانت العبادات كلها له، كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه، والأرض كلها له- لمعنيين:
أحدهما: أن الصوم كفٌّ وترك، وهو في نفسه سرٌّ، ليس فيه عمل يُشَاهَد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد. 
الثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان -لعنه الله- الشهوات؛ وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب. 
وقد روى الترمذي حديثاً وحسنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (الصوم نصف الصبر). 

الآية الثانية: قوله سبحانه: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(الزمر:10)، قيل: إن المراد بـ (الصابرين) في قوله: {إنما يوفى الصابرون} الصائمون؛ لما روي في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم لي، وأنا أجزي به)، متفق عليه. فلم يذكر ثواباً مقدراً، كما لم يذكره في الصبر. وقد قيل أيضاً: إن المراد بـ (الصبر) في الآية: الصبر بمعناه العام، أي: الصبر على فعل الطاعات، والصبر على ترك المعاصي، والصبر على مصائب الحياة.

الآية الثالثة:
قوله سبحانه في وصف المؤمنين: {السّائِحُونَ} (التوبة: 112)
فقد قيل بأن المقصود به: الصائمون، وهو أشهر الأقوال في معنى الآية، فقد نقله ابن جرير عن جماعة منهم ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وعطاء، ونقل عن ابن عيينة قوله: إذا ترك الطعام والشراب والنساء، فهو السائح.
وعن قتادة (السائحون)، قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله.
وقال الحسن البصري: (السائحون) الصائمون شهر رمضان.
وأورد ابن كثير في تفسيره  حديثا عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال: "هم الصائمون". وقال ابن كثير عن هذا الحديث: هذا مرسل جيد. ثم قال: هذه أصح الأقوال وأشهرها.
وقالَ القُتَبِيُّ: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات..

179777 في رمضان يحلو القيام

المقال

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا مُحمد وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن قيام الليل من أعظم أدوية القلوب التي تزيد الإيمان وتقوي صلة العبد بربه وخالقه، وتؤهل العبد لتحمل الأعباء والمشاق في طريق سيره إلى الله ، ولهذا كان الأمر الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية التنزيل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} (المزمل:2:1).
وقد وصف الله أهل الجنة فكان من صفاتهم أنهم يقومون الليل يناجون ربهم ويصلون له ويذكرونه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات:18:15).

وفي رمضان يحلو القيام
إذا كان قيام الليل هو شعار الصالحين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد). فإن هذا القيام له في رمضان حلاوة و مزية خاصة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). قال الشيخ الألباني رحمه الله: "هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات ، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب".
فيا أيها الحبيب: هل ألهبت جوفك حرارة المعصية؟ هل أقلقت نومك الخطيئات؟ هل نغصت وكدرت عليك عيشك كثرة السيئات؟ إذا كنت كذلك فعليك بقيام الليل وخصوصا في رمضان يغفر لك ما مضى.

من فضائل القيام
لقيام الليل فضل عظيم وثمرات مباركة في الدنيا والآخرة، فهو في الدنيا شرف للمؤمن فقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل..".
وبه يستحق العبد درجة الصديقين والشهداء فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة ، وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: (من الصديقين والشهداء).
وإذا تدبرت لوجدت أن الرجل ما زاد على أركان الإسلام إلا قيام الليل، واستحق بهذه الزيادة اسم الصديقين والشهداء.
وتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عبد الله بن عمر : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل).
ومن صفات عباد الرحمن الذين أضافهم إلى نفسه إضافة تشريف أنهم يقومون الليل: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان:64).

قيام الليل طريق إلى الجنة
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام).
وهو مهر الحور العين فقد قال أبو سليمان الداراني: بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء ركضتني برجلها فقالت: يا حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وانا أربى لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
إنها الحور العين التي قال عنها نبيكم صلى الله عليه وسلم: (ولو أن امرأة من نساء الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه أعد لهؤلاء المتهجدين بالليل أعلى الكرامة في جنات النعيم: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}( السجدة:17:16).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يُفسر.
ولا شك أن هذا الذي أخفاه الله من أجرهم هو أعلى الكرامة لأعلى أهل الجنة منزلةً كما سأل موسى ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة فقال: أولئك الذين أردت غرسَ كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر..

وفي الليل تقضى الحوائج
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن في الليل لساعة ، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة ، إلا أعطاه إياه ، وذلك كل ليلة).

وفي أحرج اللحظات وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويدعو ، حدث ذلك في بدر وفي يوم الأحزاب، فيا من ضاقت عليه الأرزاق قم الليل وسل ربك التوسعة ، يا من حرمت نعمة الولد عليك بالدعاء في جوف الليل، يا من تنشد للإسلام نصرا وعزا وتمكينا سل ربك في ظلمة الليل وفي أوقات السحر.
ذكر العلامة ابن كثير رحمه الله أن بعض المسلمين سمع الفرنجة يكلم بعضهم بعضا فقالوا: إن القسيم بن القسيم ( يقصدون نور الدين محمود زنكي ) لا ينتصر علينا بكثرة جيشه ولا عتاده لكنه يقوم بالليل فيدعو ربه فإذا أصبح نصره علينا. فيا سبحان الله أعداؤه علموا أنه ينصر عليهم بدعواته في الليل قبل كثرة العدد والعتاد.
فاللهم وفقنا لقيام رمضان إيمانا واحتسابا، واجعلنا ممن غفرت لهم ما تقدم من الذنوب، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
 

196948 من المقبول فنهنيه

المقال

لقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يجتهدون في إتمام العمل وإتقانه في جميع أوقاتهم وحياتهم، وخاصة في شهر رمضان، ومع ذلك يخافون من رده وعدم قبوله، فقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون:60) أهُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا، يا بنت الصِدِّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا تُقبل منهم، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).

فلنستشعر في شهر رمضان هذا النداء: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر)، كما استشعره سلفنا الصالح، ولنسارع فيه إلى طاعة الله ومرضاته، ولنتأمل في أحوالنا وأحوالهم في رمضان لنسير على طريقهم وهديهم، ونجتهد في التوبة والإنابة، والعمل الصالح والدعاء لنكون من المقبولين، فقد كانوا رضوان الله عليهم يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم. 

قال عبد العزيز بن أبي رواد: "أدركتُهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الْهَمّ، أيُقبل منهم أم لا". وقد رأى وهب بن الورد قوماً يضحكون في يوم عيد، فقال: "إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين".

وعن الحسن قال: "إن الله جعل شهر رمضان مِضماراً (سباقاً) لِخَلْقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون".

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يُنادَى في آخر ليلة من رمضان: ليت شعري من المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه". وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: "مَنْ هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول: هنيئاً لك، أيها المردود: جَبَرَ الله مصيبتك".

وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة، وقال في كتابه: "قولوا كما قال أبوكم آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف:23)، وقولوا كما قال نوح عليه السلام: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} (هود:47)، وقولوا كما قال إبراهيم عليه السلام: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} (الشعراء:82)، وقولوا كما قال موسى عليه السلام: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} (القصص:16) وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء:87). صيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعملٍ صالح له شافع، كم نخرق من صيامنا بسهام الكلام، ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع، كم نرفو خروقه بمخِيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع".

ومِن علامات القبول: الحسنة بعد الحسنة، والتوبة الصادقة المستمرة، والمداومة والمحافظة على الطاعات بعد رمضان، فذلك دليل على رضى الله عن عبده، وقبوله لعبادته وطاعته في رمضان.

فيا مَنْ أطعتَ الله في شهر رمضان، إياك أن تعود إلى المعاصي والأوزار بعده، ويا مَن اعتدتَ حضور المساجد والمحافظة على الصلاة في رمضان إياك أن تهجر المساجد وتضيع صلاتك بعد رمضان، ويا مَنْ تعودتَ قراءة القرآن في هذا الشهر المبارك، داوم على تلاوته، واجعل لك ورداً بعده، ويا منِ اعتدتَ قيام الليل، استمر في هذه المسيرة الطيبة، فاجعل لك حظاً مستمراً من قيام الليل ولو كان قليلاً ترفع فيه حوائجك إلى ربك، ويا من اعتدتَ الصيام في رمضان امضِ في ذلك في عامك كله، وهناك أيام من السَنَة حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها، كصيام ستة أيام من شوال، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومنها صوم الاثنين والخميس، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشوراء. 

ويا من تعودتَ في شهر رمضان الجود والكرم واصل مسيرتك في البذل والعطاء، فذلك كله من علامات قبول العمل في رمضان...فإذا انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي، ولا يتحدد بزمان، فعبادة الله وطاعته يجب أن تكون مستمرة ودائمة حتى الممات، فلا تكون قاصرة على رمضان فحسب، قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56)، وقال: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام:162). وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّه؟، قَال: أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ) رواه مسلم.

فاللهم سلِّمنا إلى رمضان، وسلِّم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلاً، وأعِدْه علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، واجعله شاهداً لنا لا علينا، واجعلنا فيه من عتقائك من النار ومن عبادك المقبولين، آمين.

205198 من فطّر صائما كان له مثل أجره

المقال

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان، وصححه الترمذي وابن حبان.

وعند ابن خزيمة والنسائي بلفظ: (من جهّز غازيا أو جهّز حاجا أو خلفه في أهله أو فطّر صائما، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء).

في رحاب الحديث

من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين أن شرع لهم التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة: 2)، وجعل لهم الأجر والثواب في الدلالة على الخير والبر، ومن ذلك: تفطير الصائم، لأن الصائم مأمور بأن يُفطر، وأن يُعجّل الفطر، فإذا قام المسلم بتفطير الصائم، سواء أكان ذلك صيام نافلة أو فريضة، فسيكون له من الأجر مثله، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئا.

قال الإمام المناوي في فيض القدير: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ): "أي فله مثل أجر من عمل الصوم، لا مثل أجر من عمل تفطير الصائم، ويجوز كون "من" بمعنى "ما"، والأصل كان له أجر ما عمله وهو الصوم، وهو عام في القادر على الفطر وغيره".

والمراد من تفطيره هو أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة واحدة، وقيل: المراد بتفطيره أن يُشبعه؛ لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله، وربما يستغني به عن طعام السحور، ولكن ظاهر الحديث أن الإنسان لو فطّر صائما ولو بتمرة واحدة فإن له مثل أجره، وما ذلك على الله بعزيز.

قال الإمام الطيبي في شرحه على لفظ ابن خزيمة والنسائي: "نظم الصائم في سلك الغازي لانخراطهما في معنى المجاهدة مع أعداء الله، وقُدم الجهاد الأكبر"، فالصائم يُجاهد نفسه في ترك الطعام والشراب والشهوات، امتثالا لأمر الله تعالى وإذعانا له.

وقال الإمام الطبري - كما نقل عنه ابن بطال -: "وفيه - أي في هذا الحديث - من الفقه أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه أجرٌ مثل العامل"، فيا سعادة من أعان الناس على أفعال البر والخير.

ولهذا ينبغي علينا أن نحرص على تفطير إخواننا الصائمين قدر المستطاع، ولا سيما مع حاجة الصائمين وفقرهم، أو حاجتهم لكونهم لا يجدون من يقوم بتجهيز الفطور لهم وما أشبه ذلك.

135244 الاعتكاف وتربية النفس

المقال

ما أحوج العبد إلى أن يخلو بنفسه في بعض الأوقات، ويركن إلى زاوية الفِكْر والذِكْر يتأمل حاله فيصلحه، ويتأمل نعمة الله عليه فيحمده ويشكره، في عالم ملأه الضجيج والاضطراب والفتن.

ما أحوجه إلى أن يخلد إلى محراب الإيمان ليعتكف فيه لا هربا من الحياة ومشكلاتها، ولكن تجديداً لقوة النفس وثقتها وإيمانها بربها.

وما أجمل أن يكون هذا الاعتكاف في شهر مبارك امتلأ بمعاني الإيمان، وفاحت منه أريج الطاعات، فالناس بين ذاكر وقارئ ومُصل، في هذا الجو الإيماني الفريد يخلو العبد بربه ذاكراً شاكراً متفكراً في نعم الله عليه، فيجلس الأيام والليالي وهو على هذه الحال، ليشعر بلحظات من السعادة تغمر قلبه وتملأ جوانحه، لحظاتٍ لم يشعرها في عالم الصخب والضجيج بكل ما فيه من زخارف الحياة المادية الجافة.

قدوته في ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان حريصاً على الاعتكاف وما تركه حتى قبض -كما قال الزهري رحمه الله-، فكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في مسجده في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوماً كما روى ذلك أبو داود، وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف مرة فقضاه في شوال، وكان في ابتداء أمره يعتكف في العشر الأول من رمضان ثم الوسطى ثم العشر الأخيرة يلتمس ليلة القدر، فلما تبين له أنها فيها داوم على اعتكافه فيها حتى لحق بربه عز وجل، وكان صلى الله عليه وسلم يتخذ لنفسه خباءً في المسجد، لمزيد من التفرغ للعبادة والخلوة، وتفريغ القلب من الصوارف والشواغل.

لهذا أصبح الاعتكاف سُنة لسائر المسلمين يعيشون فيه حياة ملؤها الإيمان واليقين، مما يعينهم على الاستمرار في عمل الصالحات، والثبات في مسيرة الحياة، ويصبح الاعتكاف للمسلم بمثابة بوصلة التصحيح التي تصوب له سيره تجاه هدفه، فلا يغيب عنه ولا يضل.

وللاعتكاف فوائد كثيرة أهمها: زيادة الصلة الإيمانية بالله، وإخلاص العمل له، والتفرغ لعبادته وطاعته، وتربية النفس وجهاد الهوى، والبعد عن الصوارف والشواغل، والإكثار من أنواع العبادات التي تزكي النفس، وتجعل المرء أكثر قدرة على مواجهة فتن الحياة، ولهذا كان مقصود الاعتكاف وروحه كما يقول ابن القيم رحمه الله: "عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخَلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم".

ولذا، ينبغي للمعتكف أن يراعي في اعتكافه تحصيل هذه الغايات العظيمة، وألا يخرج من معتكفه خالي الوفاض، كحال من يجعل المساجد مهجعاً للنوم، وعنواناً للتزاور وتجاذب أطراف الحديث والضحك وفضول الكلام!!

كما ينبغي له أن يعتني بأمور منها: المحافظة على ذِكْر الله، وخاصة المأثور منها كأذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، والأكل والشرب، والدخول والخروج، ومن أعظم الذِكْر قراءة القرآن، فليحرص المعتكف على أن يتفرغ لقراءته بتدبر وخشوع وفهم، في الصلاة وفي غيرها، وأن يجعل له ورداً لا يفرط فيه مع مضاعفة الجهد.

وعليه أن يتجنب فضول الأكل؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس، كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول، قال عمر رضي الله عنه: "من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة"، والاعتكاف فرصة للمرء ليُربي نفسه على التقلل والتزهد، ويجاهدها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته. 

وعليه أن يحرص كذلك على تجنب فضول المخالطة، فإن كثرة الخلطة تقصر همة العبد، وتفقده لذة المناجاة، وتفوت المقصود من الخلوة والاعتكاف، وهي مَظِنَّة كثرة المزاح والتقليل من هيبة المكان والزمان، وقد تجر إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب وغير ذلك. 

فاحرص أخي الصائم على إحياء هذه السُنة العظيمة، والاقتداء فيها بسيد الخَلْق صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة الصالحين، وتوجه بقلبك وجوارحك إلى الله عز وجل في ذل وخضوع وانكسار، حتى تخرج منها، وقد ازددت إيماناً وتقوى وقرباً من ربك جل وعلا، لتلحق بركب المقبولين الفائزين، قبل أن تطوى الصحف وتوضع الموازين.

197509 النظام القرآني للصيام

المقال

ذكر الله تعالى قبل ذكر آيات الصيام آيات تتعلق بمجالين من المجالات الحياتية العامة في سورة البقرة هما مجال حفظ الحياة {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} (البقرة:178) ومجال الترابط المجتمعي للأجيال بالوصية {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية} (البقرة:180) وهما يعتمدان على ضبط النفس وتقواها، وهنا ذكر الله تعالى عبادة تعين على التهذيب والتأديب والتقوى وضبط النفس، ويقبل عليها الناس بصورة لا توجد في غيرها من العبادات، وهي عبادة الصيام. 

أسلوب القرآن في هذا الموضع:

جاء أسلوب القرآن على هيئة مواد قانونية، دون أن تخلو من مزجها التربوي التزكوي الرائع الفريد بنور الموعظة، وجمال التأثير العاطفي، ولنلق نظرة واعية على سلاسل النور القرآنية في هذا الموضع:

أولاً: الأسس العامة لنظام الصيام: تكون من ست مواد:

المادة الأولى: فرض الله الصيام، وهو توحيد عبادي كما فُرِض على من قبلنا {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (البقرة:183).

المادة الثانية: الغاية الكبرى للصيام وأعظم أهدافه: التقوى {لعلكم تتقون} (البقرة:183) فتستنير قلوبكم وعقولكم بما به تؤمنون، وتقومون بحقوق الخالق وحقوق الخلق، وأنتم محسنون.

والصيام يعلم التقوى؛ لأن أساس التقوى الصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى الأقدار، والصيام يعلم ذلك كله، وعند أحمد والترمذي وحسنه عن رجل من بنى سليم قال: عدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده: (التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان) ولذا جعله الله يقي من الشهوات كالجُنَّة وهو الدرع الذي يحمي في الحرب، فعند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قَال: (يقول الله عز وجل: الصوم لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جُنَّة). 

المادة الثالثة: المدى الزمني للصيام {أياما معدودات} (البقرة:184) فليس كثيراً.

المادة الرابعة: الصيام لنفع العباد لا لتعذيبهم، ولذا يُعذر أصحاب الأعذار: 

وهم ثلاثة أصناف:

الصنف الأول والثاني: المستطيعون للصيام لاحقاً، فهؤلاء يفطرون ويقضونه، وهم صنفان: المرضى مرضاً مؤقتاً، والمسافرون {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:184).

الصنف الثالث: من أطاق الصيام بمشقةٍ عظيمةٍ: وهم كبار السن، والمرضى مرضاً لا يُرجى برؤه، فهؤلاء يفدون عن كل يوم طعام مسكين {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} (البقرة:184). 

المادة الخامسة: تطوع الصيام أو تطوع الإطعام خيرٌ للمتطوعين في الدنيا والآخرة {فمن تطوع خيرا فهو خير له} (البقرة:184). 

المادة السادسة: نظام الصيام ليس للتعذيب، بل للتدريب والتهذيب، فهو نظام لصالح العباد صحياً ونفسياً وإيمانياً {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} (البقرة:184) وهذه خاتمة لبيان سبب عام لتشريع الصيام، وعند أحمد عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه  سلم، فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة، قال: (عليك بالصوم، فإنه لا عِدْل له)، و{خير} في الآية ليس للتفضيل، بل للاستبداد، بمعنى أن الصوم يحمل كل خيرٍ لكم، وتركه، أو التلاعب به بعدم تأديته على ما أمر الله يذهب بهذه الخيرية. 

ثانياً: النظام التفصيلي للصيام: تكون من عشر مواد:

المادة الأولى: وقت الصيام المفروض: {شهر رمضان} (البقرة:185).

المناسبة والاتصال:

1) بعد أن ذكر الله تعالى أن الصيام {أياما معدودات} أراد أن يبين موعده، وهو شهر رمضان، والحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن.

2) قال ربنا عز وجل أولاً: {كتب عليكم الصيام} (البقرة:183) وهذا محتملٌ ليوم ويومين وأيام، ثم بينه بقوله تعالى: (أياما معدودات) فزال بعض الاحتمال، ثم بينه بقوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، والحكمة في ذكر (الأيام) مبهمة أولاً، وتعيينها بعد ذلك: أن ذلك الإبهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس.

المادة الثانية: سبب تخصيص رمضان بالصيام: القرآن {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185) فالصيام والقرآن هما الشفيعان القرينان، والقرآن نزل في شهر رمضان، فأمر الله بصيامه، فعن عبد الله بن عمرو -فيما رواه أحمد والطبراني- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان له).

ولشدة الحفاوة بالقرآن في شهر الصيام، وصف الله القرآن هنا بثلاث صفات:

الصفة الأولى: {هدى للناس} رَشاداً للناس إلى سبيل الحقّ والسعادة في الحياة.

الصفة الثانية: {وبينات من الهدى} واضحات من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.

الصفة الثالثة: {والفرقان} والفصل بين الحق والباطل.

وسبب الاستطراد بذكر صفات القرآن قبل الأمر بصوم الشهر؛ أن الله تعالى ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه، ووصف القرآن بما وصفه به، حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم، ثم ثنى بالأمر بالصيام، فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قَدم العلةَ على المعلول.

المادة الثالثة: صوم رمضان فرض لمن شهد الشهر: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة:185). 

المادة الرابعة: يقضيه أصحاب الأعذار وفق ما سبق: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:185). 

وأعاد ذكرهم: 

1) لأن ما سبق كان كلاماً عن الأسس العامة للصيام، وهنا كلام عن رمضان وأهميته.

2) قيل: لما كان النسخ للتخيير بين الصيام والفداء خاصةً، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يُتوهم أن الرخصة أيضاً منسوخة، أو أنها لا تحمد فيه "ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه". 

المادة الخامسة: أهم أهداف الصيام سبعة:

1) الصيام يعد لمرتبة التقوى: {لعلكم تتقون} (البقرة:183) وقدمه على بقية الأهداف؛ لأنه هدف الأهداف وغايتها.

2) الصيام يبرز اليسر في الحياة والدين: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة:185) و{اليسر} في الصيام ذاته كتشريع؛ لأنه يقوِّم النفس ويهذبها ويزكيها، ويبين لها سبيلاً لازماً في المجاهدة، كما يبين لها سبيلاً لصحة الجسم، وصفاء الروح، وهذا عند من يقوم برمضان حق القيام، و(اليسر) أيضاً في التشريعات التفصيلية له كما في عذر أصحاب الأعذار.

3) اعتياد الانضباط بإكمال العدة: {ولتكملوا العدة} (البقرة:185).

4) تعظيم أرحم الراحمين: {ولتكبروا الله على ما هداكم} (البقرة:185).

5) شكر الله الذي يسعد الدنيا بالدين: {ولعلكم تشكرون} (البقرة:185).

6) القرب المباشر من رب العالمين، ودعاؤه {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة:186).

7) الوصول إلى الرشد الفردي والجماعي {لعلهم يرشدون} (البقرة:186) ما يترتب عليه صلاح الفرد والجماعة، وصواب القرارات الشخصية والعامة، ضمن ميدان الابتلاء في هذه الحياة.

إعجاز وبيان: لماذا وسَّط ذكر الأهداف، وبثها بين مواد الصيام وأحكامه؟

1) لتُذكر وتُستحضر، فلا تطغى عليها الأحكام التي هي وسيلة إليها.

2) لئلا يهمل الناس الغاية مشتغلين بالوسيلة.

من أسرار الترتيب القرآني لآيات الصيام في فهم القفال الشاشي رحمه الله:

قال القفال رحمه اللّه: "انظروا إلى عجيب ما نبه اللّه عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.

ثم ثانياً: بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف.

ثم ثالثاً: بين أنه مختص بأيام معدودة، فإنه لو جعله أبداً، أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة.

ثم بين رابعاً: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن؛ لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة.

ثم بين خامساً: إزالة المشقة في إلزامه، فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه كثيراً".

42149 فضائل الصدقة

المقال

للصدقة شأن عظيم في الإسلام، فهي من أوضح الدلالات، وأصدق العلامات على صدق إيمان المتصدق؛ وذلك لما جبلت عليه النفوس من حب المال والسعي إلى كنزه، فمن أنفق ماله وخالف ما جُبِل عليه، كان ذلك برهان إيمانه وصحة يقينه، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والصدقة برهان) أي: برهان على صحة إيمان العبد، هذا إذا نوى بها وجه الله، ولم يقصد بها رياء ولا سمعة.
لأجل هذا جاءت النصوص الكثيرة التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر من الله عز وجل.
فقد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين، فقال عنهم: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} (الذاريات:16-19)، ووعد سبحانه -وهو الجواد الكريم الذي لا يخلف الميعاد- بالإخلاف على من أنفق في سبيله، فقال سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} (سبأ:39)، ووعد بمضاعفة العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافاً كثيرة، فقال سبحانه: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} (البقرة:245).

والصدقة بالأموال من أنواع الجهاد المتعددة، بل إن الجهاد بالمال ورد مقدماً على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي ورد فيها ذِكر الجهاد إلا في موضع واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أبو داود.

وفي السُنة من الأحاديث المرغبة في الصدقة، والمبينة لثوابها وأجرها، ما تقر به أعين المؤمنين، وتهنأ به نفوس المتصدقين، ومن ذلك أنها من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً)، رواه البيهقي، وحسنه الألباني.

والصدقة ترفع صاحبها، حتى توصله أعلى المنازل، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل) رواه الترمذي.

وهي تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا، وتنجيه من الكروب والشدائد، قال صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) رواه الحاكم وصححه الألباني.

وجاء في السنة عِظم أجر الصدقة، ومضاعفة ثوابها، قال صلى الله عليه وسلم: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كان تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله) رواه مسلم.

والصدقة تطفئ الخطايا، وتكفر الذنوب والسيئات، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.

وهي من أعظم أسباب بركة المال، وزيادة الرزق، وإخلاف الله على صاحبها بما هو أحسن، قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! أَنفقْ أُنفقْ عليك) رواه مسلم.

كما أنها وقاية من عذاب الله، قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري.

وهي دليل على صدق الإيمان، وقوة اليقين، وحسن الظن برب العالمين، إلى غير ذلك من الفضائل الكثيرة، التي تجعل المؤمن يتطلع إلى الأجر والثواب من الله، ويستعلي على نزع الشيطان الذي يخوفه الفقر، ويزين له الشح والبخل، وصدق الله إذ يقول: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم} (البقرة:268).. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المنفقين في سبيله وألا يجعلنا من الأشحاء والبخلاء في طاعته، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير..

178085 فضل السحور

المقال

ليس هناك وصفٌ يصدق على شهرٍ من الشهور كمدح شهر رمضان بوصف البركة؛ فإن هذه الصفة تنطبق عليه من كلِّ وجه. وإذا كانت البركة في حقيقتها: الزيادة والنماء، فرمضان -وفق ذلك- بركةٌ في الأوقات، بركةٌ في الأعمال، بركةٌ في الأجور، وأحد أوجه هذه البركة ما تفضّل الله سبحانه وتعالى به من نعمة السحور.

يتمثّل أمام ناظرينا حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تسحّروا؛ فإن في السحور بركة) متفق عليه، فهذا الحديث إشارةٌ واضحةٌ إلى ما تمتّعتْ به أكلةُ السحور من البركات والفضائل، سواءٌ ما تعلّق بأمور الدنيا، أو توجّه إلى شؤون الآخرة.

إن أوّل بركات هذه العبادة أن المسلم يقوم بها اتباعاً للسنّة واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان مداوماً عليها، وهذا ما تُشير إليه الأحاديث فقد جاء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة" فقيل له: كم كان بين الأذان والسحور؟ فقال: "قدر خمسين آية" رواه البخاري.

قال ابن أبي جمرة: "كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتّبعوه فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشق أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر".

ومن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه العبادة كان كثيراً ما يُذكّر أصحابه بها، ويدعوهم إلى فعلها، ويشير عليهم بين الحين والآخر ببركاتها وفضلها حتى ترسخ في أذهانهم، فلا يدعونها، وهذا واضح في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، حيث قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان، فقال: (هلمّ إلى الغداء المبارك) رواه أبو داود والنسائي.

وعن عبد الله بن الحارث أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يتسحر، فقال: (إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه) رواه النسائي.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسَّحور) رواه الطبراني.

وجاء عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه مرفوعاً: (السَّحور بركة؛ فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم ماء) رواه أحمد.

وأما ثاني بركات السَّحور وفضائله: أنه مخالفةٌ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين حُرموا من هذه المنحة الإلهيّة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر) رواه مسلم، فالحديث يدلّ على أنهم لم يكونوا يأكلون تعبّداً في مثل هذه الأوقات.
يقول الإمام الخطّابي: "كان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام، ثم نسخ الله عز وجل ذلك، ورخّص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} (البقرة:187)".

وثالث بركاته: أنه تقويةٌ للعبد على العبادة وزيادةٌ في النشاط، لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك السَّحور لكان في ذلك مشقّة على البعض ممن لا يحتمل طول وقت الإمساك عن الطعام، فقد يُغشى عليه، وقد يفضي ذلك إلى الإفطار في رمضان، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه، وزاد الدار قطني: (ومن شاقّ شقَّ الله عليه).
ولعلّ هذا السبب الذي لأجله شُرع تأخير السَّحور؛ ليكون فرصةً للنفس كي تأخذ نشاطها كاملاً، فقد كان عبد الله بن مسعود يعجل الإفطار ويؤخر السحور، ويقول: "هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع" رواه النسائي، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "كنت أتسحّر في أهلي، ثم يكون سرعةٌ بي، أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، رواه البخاري، وهذا يدلّ على تأخير السَّحور، بحيث أن سهلاً رضي الله عنه كان يسرع بعد تسحّره إلى الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ مخافة أن يفوته شيءٌ منها.

ورابع بركات السحور: اليقظة في وقتٍ مباركٍ يتنزّل فيه الرّب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟) حتى يطلع الفجر، كما جاء في "صحيح مسلم"، ومثل هذا الوقت المبارك يملؤه الصالحون بالذكر والتسبيح والاستغفار: {والمستغفرين بالأسحار} (آل عمران:17)، ومثل هذه الأوقات المباركة تكون مظنّة للإجابة.

وخامس بركاته: أن يكون في التسحّر استحضارٌ لرحمة الله تعالى بعباده، ولو شاء لأمرهم بالوصال، فكان في ذلك مشقّة عظيمةٌ عليهم، ومظاهر الرحمة الإلهيّة تتجلّى في كلّ تشريعاته وأحكامه وأقداره.

وأما سادس بركاته: فهي صلاة الله تعالى وصلاة الملائكة على العبد، ويدلّ على هذا الفضل حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله وملائكتة يصلون على المتسحّرين) رواه أحمد.

ونذكر في الختام أن أفضل ما يتسحر به المؤمن هو التمر، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم المتسحرين بالتمر فقال: (نِعْمَ سحور المؤمن التمر) رواه أبو داود، وفضلاً عن الأجر الحاصل من امتثال هذه السنّة، فإن للتمر قيمة غذائيّة عالية، تقوّي البدن وتعينه على تحمّل أعباء الصيام طيلة اليوم كما يقول الأطباء.

222745 العشر الأواخر.. زمن الجد والتشمير

المقال

الحمد لله الذي لم يزل عليما قدريا، و{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان:62:61)

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بما كانوا يَعْمَلون}(السجدة:17)) متفق عليه.

الجنة أيها الأحبة هي بلاد الأفراح التي اشتاق إليها الصالحون، وسعى إليها السالكون، وعمل لها العاملون، وتزود لها المخلصون، وشمَّر من أجل تحصيلها المشمرون.
أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن أبوابها تفتح كلها في رمضان فلا يغلق منها باب، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بَابٌ)، وكأنها تنادي على الطالبين والراغبين والمشتاقين، وكأنها دعوة أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم للسعى في تحصيلها، كما قال في آخر الحديث (وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل).. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ـ وجميع أمته ـ على التشمير في طلب الجِنان، والبذل والجد من أجل الفوز بمقعد فيها..

أيها الصائمون رمضان، الصادقون في طلب الجنان، أيها الساعون في فكاك رقابكم من النيران: هذا أوان البذل، وزمان دفع المهر، أيها المشمرون هذا وقت الجد والتشمير.
من لم يبذر في زمان الغرس ندم وقت الحصاد.
من لم يطلب الجنة في رمضان فمتى يطلبها؟
ومن لم يسع في عتق رقبته في رمضان ففي أي زمان يعتقها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. .. ففي أي وقت يستنير ويزهر

أقول رمضان وأستغفر الله.. وأين رمضان؟
لقد شمَّر عن ساق، وأذِن بوداع وانطلاق، تقوضت خيامه، وتصرمت أزمانه، ومرت أيامه المعدودات كأنها غمضة عين أو ومضة برق.
أدركوا رمضان.. فقد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل..

أيها الصائمون:
لئن كان قد مضى من رمضان أكثره، غير أنه ربما كان ما بقي منه هو التاج الأجمل والثمرة الأينع.
والعبد الموفق من أدرك أن حسن النهايات يمحو تقصير البدايات، فمن لم يحسن الاستقبال فليحسن الوداع، فإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وما يدريك لعل بركة عملك مخبأة في آخره؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.

أيها المسلمون
لقد خبأ الله بركة رمضان ـ وكله بركة ـ في آخره، فهذه العشر الأخيرة هي خلاصة الشهر وزينة الدهر، وأفضل الأيام، ولياليلها أفضل ليالي العام، وفيها ليلة القدر التي هي ليلة العمر، فيها أنزل القرآن، وفيها تكتب مقادير العام، من حرم خيرها فقد حرم، ومن وفق لها فقام ليلها غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أدركها وأصابها كانت له خيرا من ألف شهر، وكان كمن عبد الله أكثر من ثلاثة وثمانين عاما.

هَدي النبي واجتهاده
وكان من هدي رسولكم صلى الله عليه وسلم الاجتهاد الشديد في هذه العشر؛ ويخصها بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.
وعنها أيضا رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) متفق عليه. ومعنى شد المئزر أي كان يعتزل النساء اشتغالاً بالعبادة.

وقد بلغ من شدة اجتهاده في هذه الليالي المباركة أنه كان يجافي فيها النوم فلا يكاد ينام، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة وصوم ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر) رواه أحمد.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه يعتكف في مسجده هذه الأيام، فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً).

وكان من شديد حرصه على الوقت أنه كان يواصل الصيام، ولما أراد الصحابة أن يواصلوا نهاهم وقال: (إنكم لستم كمثلي، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني).. أي يفتح علي من أبواب الفتوحات والقرب ونعيم الطاعة ولذائذ العبادة والأنس به ما يغنيني به عن الطعام والشراب الحسي.

وإنما كان يفعل صلى الله عليه وسلم كل ذلك تفريغا للوقت طلبا لرضا الرب وسعيا لتحصيل ليلة القدر، وقد دعا أمته لطلبها والسعي في تحصيلها فقال: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي) متفق عليه.

فاجتهدوا يا عباد الله في التماس ليلة القدر، وأكثروا من سؤال العفو؛ كما علم رسول الله أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها حين قالت: (أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: 0قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني) رواه الترمذي.

فيا طالب الجِنان، وخاطب الحور الحِسان، وراغبا في سلعة الرحمن، هذا أوان البذل ووقت الجد، وأوان التشمير، فأظهر لله الرغبة وصدق الطلب؛ فإن سلعة الله غالية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي.

يا سلعةَ الرحمن لست رخيصةً .. .. بـل أنتِ غاليةٌ على الكسلان 
يَا سِلْعَةَ الرحمن أَيــنَ المُشْتَرِي .. .. فَلَقَدْ عُرِضْتِ بَأيْسرِ الأَثْمانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمن هَلْ مِنْ خَاطِبٍ .. ..فَالمَهْرُ قَبْلَ الموتِ ذُو إِمْكَانِ
يَا سِلْعَةَ الرحمن كَيْفَ تَصبُّر ال .. ..خُطَّابُ عَنْكَ وَهم ذَوُو إِيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمنِ لَــــولا أَنَّهــَــــا .. ..حُجِبَتْ بِكُل مَكَـــارِهِ الإِنْسَـانِ
مَا كَانَ عَنْـــهَا قَــطْ مِنْ مُتَخِلفٍ .. .. وَتَعَطَّـــلتْ دَارُ الجَزاءِ الثَّانِي
لَكِـــنَّهَا حُجِــبَتْ بِكُـــلِّ كَــرِيْهَـةٍ .. .. لِيَصُــدُّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوانِي
وَتَنَالُهَا الهِــمَمُ التِّي تَسْمُــوا إِلى .. .. رَبّ العُـــلَى بِمَشِيْئَةِ الرَّحـمنِ
فاتْعَـبْ ليوْم معادِك الأدنى تَجِدْ .. .. راحــاتهِ يومَ المعــادِ الثـــاني

45418 أخطاء في قراءة القرآن

المقال

القرآن الكريم كتاب الله المنـزل على سيد المرسلين، يستمد عظمته من عظمة المتكلم به، ومن مكانة المنزَّل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فلما كان القرآن بهذه العظمة لزم على من يقرأه أن يكون معظِّماً له في هيئته وحاله. ومعلوم أن الإقبال على قراءة القرآن يزداد في رمضان، بل إن بعض الناس لا يقرأ القرآن إلا في رمضان، وقد يقع بعض قارئي القرآن بأخطاء تتنافى مع آداب تلاوة القرآن، ومن هذه الأخطاء ما يلي:

أولاً: ظنُّ بعض الناس أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيسرع في قراءة القرآن بهدف إكمال أكبر عدد من الأجزاء والسور، دون مراعاة التدبر وأحكام التلاوة والترتيل، مع أن المقصود من قراءة القرآن إنما هو التدبر والوقوف عند معاني الآيات، وتحريك القلب بها، وقد قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال له ابن مسعود: "أهذًّا كهذِّ الشعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه نفع" رواه مسلم.

ثانياً: التفريط من بعض الناس في ختم القرآن خلال شهر رمضان، فربما مرَّ عليه الشهر دون أن يختم فيه القرآن مرة واحدة، وهذا بلا شك من التفريط في شهر القرآن، وهذا النوع مقابل للصنف الأول. 

ثالثاً: اجتماع بعض الناس على قراءة القرآن بطريقة معينة فيما يعرف بعادة "المساهر"، حيث يستأجرون قارئاً لهم، يقرأ عليهم من كتاب الله، ويجلس الناس من بعد صلاة التراويح إلى السحور في أحد البيوت، ويرفعون أصواتهم بعد قراءة القارئ لكل آية مرددين بعض عبارات الاستحسان والإعجاب، وهذا الاجتماع بهذه الطريقة بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه كذلك رفعاً للأصوات وتشويشاً ينافي الأدب مع كلام الله، ويفوت الخشوع والتدبر، ولأن يقرأ الإنسان وحده بتدبر وخشوع خير له من الاجتماع على الصياح الذي يفوت عليه ذلك. 

رابعاً: رفع الصوت بالتلاوة في المسجد بحيث يشوش على المصلين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: (ألا إن كلّكم مناجٍ ربَّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصّلاة) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأمور التي قد يتساهل فيها بعض من يجتمعون للتلاوة وتدارس القرآن، الضحك واللغط، وقطع القراءة للانشغال بأحاديث جانبية، والذي ينبغي الاستماع والإنصات، وتجنب كل ما يشغل ويقطع عن التّلاوة.

سادساً: عدم الالتزام بآداب التّلاوة من طهارة، وسواك، واستعاذة، وتحسين صوت، وغيرها من آداب التّلاوة المعروفة التي ينبغي أن يكون القارئ منها على بيّنة من أمره، وهو يتلو كلام الله جلّ وعلا.

44348 عمرة في رمضان تعدل حجّة!

المقال

دعا الله عباده إلى الاستباق في الخيرات، والمسارعة إلى القربات طلبًا لثوابه ومغفرته، فقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا) (المائدة:48)، وقال جلّ وعلا: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)(آل عمران:133). 

ومن أعظم ميادين المنافسة والمسابقة إلى الخيرات قَصْدُ بيت الله الحرام لأداء العمرة، لما في ذلك من الأجر العظيم، وتكفير الخطايا والسّيئات، قال صلّى الله عليه وسلّم: (العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما) متفق عليه، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (تابعوا بين الحج والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب, كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه أحمد وغيره.

والعمرة في رمضان لها مزية ليست في غيره، فقد جاء الترغيب فيها، وبيان فضلها وثوابها، وأنها تعدل حجة في الأجر والثواب، ففي "الصحيحين" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية حين لم يكتب لها الحج معه: (فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي). وفي رواية عند أحمد والترمذي: (عمرة في رمضان تعدل حجة).

وعلى هذا درج السلف الصالح فكان من هديهم الاعتمار في رمضان كما ثبت عن سعيد بن جبير ومجاهد "أنهما كانا يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة"، وروي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: "خرجت أنا وعطاء في رمضان، فأحرمنا من الجعرانة". 

وهو ما يفسر لنا سر تنافس المسلمين في هذا الشهر الكريم في هذه الطاعة، وتسابقهم إلى بيت الله الحرام لأداء هذه الشعيرة، وكأنك بهذا المشهد العظيم في موسم حج كبير.

لذا كان لا بد من التذكير بشيء من أحكام العمرة، وبيان صفتها وأعمالها، وهي على وجه الإجمال: إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير.

فإذا أراد المسلم العمرة فإنه يسُنَّ له أن يغتسل ويتطيب، ثم يلبس ملابس الإحرام، بعد أن يتجرد من لبس المخيط، كالسراويل ونحوه.

ويسنُّ للرّجل أن يلبس إزارًا ورداء، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب، بشرط أن تكون ساترة لا زينة فيها؛ ويحرم عليها لبس النقاب، لكن إذا مر بها الرجال، أسدلت على وجهها ما تستره به، كما يحرم عليها لبس القفازين.

ثم يصلّي المعتمر ركعتين استحباباً، ينوي بهما سنة الوضوء، وليس هناك صلاة خاصة للإحرام ؛ فإذا فرغ من الصلاة أحرم ملبيًا، فيقول: لبيك عمرة، ثم يشرع في التلبية، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

وينبغي للمحرم الإكثار من التلبية، لأنها الشعار القولي لهذا النسك، خاصة عند تغير الأحوال والأزمان، كأن يعلو مرتفعاً أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل ويدبر النهار، ونحو ذلك ؛ ويستمر في التلبية إلى أن يشرع في الطواف.

فإذا وصل إلى المسجد الحرام قدم رجله اليمنى قائلاً: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مستحضراً نعمة الله عليه وفضله بتيسير الوصول إلى بيته الحرام.

ثم يتقدم نحو الحجر الأسود مبتدئا طوافه منه، فيستلمه ويقبله إن استطاع، وإلا أشار إليه من بعيد بيده اليمنى قائلاً: "بسم الله، الله أكبر"، ولا يزاحم غيره للوصول إليه، ويطوف سبعة أشواط بطهارة، مبتدئًا بالحجر الأسود ومنتهيًا إليه، مكبراً مع بداية كل شوط، ويُسن استلام الركن اليماني في كل شوط -وهو الركن الذي يسبق الحجر الأسود- إن تيسر له ذلك، ولا يشرع تقبيله، ولا الإشارة إليه عند تعذر استلامه؛ ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201).

ويقول في طوافه ما تيسر من ذكر ودعاء وقراءة قرآن، وليس هناك دعاء أو ذكر مخصص لكل شوط.

والسُّنَّة في هذا الطواف أن يضطبع في جميع الأشواط، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه؛ والاضطباع: أن يبرز كتفه الأيمن، فيجعل وسط ردائه تحت إبطه، وطرفيه على كتفه الأيسر، والرَّمَل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا؛ فإذا تمت الأشواط السبعة تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (البقرة:125)، ثم يصلى ركعتين خلف المقام، إن تيسر، وإلا ففي أي مكان من المسجد.

ثم يتوجه بعد ذلك إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا، قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158)، ثم يصعد على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه ويدعو بما شاء ؛ وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، يكرر ذلك ثلاث مرات، ويدعو بينها.

ثم ينزل من الصفا متجهاً إلى المروة، ويسرع بين الميلين الأخضرين، من غير أن يزاحم غيره، فإذا وصل إلى المروة صعد واستقبل القبلة ورفع يديه، وقال ما قاله على الصفا، غير أنه لا يقرأ (إن الصّفا والمروة) مرة أخرى. 


وبذلك يكون قد أنهى شوطًا من أشواط السعي السبعة. 

ثم ينزل عائداً إلى الصفا، ماشياً في موضع المشي، مسرعاً في موضع الإسراع وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، مبتدأً بالصفا منتهياً بالمروة.

فإذا أتم السعي حلق رأسه أو قصره، والحلق أفضل، وهذا في حق الرجل، أما المرأة فتقصر ولا تحلق، وتقصيرها يكون بأخذ قدر أٌنملة من أطراف شعرها.

وبالحلق أو التقصير، تكون قد تمت أعمال العمرة، ويكون المعتمر قد تحلل من إحرامه، وحلَّ له ما كان محرمًا عليه من قبل من محظورات الإحرام.

وختاماً: ينبغي على المسلم أن لا يضيع هذه الفرصة، وأن يغتنم شرف الزمان والمكان، فيكثر من نوافل العبادات والطاعات، وخصوصاً في هذا الشهر المبارك، وفي هذا المكان المبارك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه) رواه أحمد، وليحذر كل الحذر من أي مخالفة أو معصية قد تذهب بأجره، ويعود معها محملاً بالأوزار والآثام، فكما أن الحسنة تضاعف في هذا المكان، فإن السّيئة فيه ليست كالسّيئة في غيره، وقد قال سبحانه: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (الحج:25)، وفي الحديث: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة...وذكر منهم: ملحد في الحرم) رواه البخاري.

104357 ماذا بعد رمضان

المقال

ها هو شهر رمضان قد مضى.. مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، بعد أن كان ملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا. مضى وخلّف الناس بعده بين شقي وسعيد، وفائز وخاسر.

لقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران. وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه؟

                     

وإنَّ امرءًا ينجو من النار بعد        ما تزود من أعمالها لسعيد

الاستقامة

ونحن ما زلنا نعيش في آثار نفحات رمضان يجب علينا أن نقف لنتساءل: ماذا بعد أن انقضى رمضان؟ وما هو حالنا بعد أيام قليلة من رمضان؟ ماذا بعد شهر الرحمة والغفران؟ وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ ماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا.

بعد أن عايشنا كل ذلك، كان ولا بد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

والإجابة نزل بها الوحي منذ مئات السنين، وأجاب النبي الأمين -صَلى الله عليه وسلم- على السائلين الطالبين العلاج الناجع والدواء النافع، فقال: "قل آمنت بالله ثم استقم".

إذا كان الله قد حباك بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم، وأن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه.

الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (فصلت:30).

قال أبو بكر -رضي الله عنه-: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً.

وقال عمر بن الخطاب: "لم يروغوا روغان الثعالب".

فيا من رفعت كفيك في رمضان طالبًا الهداية، زاعمًا الرجوع، مدعيا الإقبال، هل صدقت في زعمك، ووفيت مع الله بعد رمضان؟ أم إنك رغت روغان الثعلب فتعاملت مع الله بذمتين: ذمة رمضانية، وذمة غير رمضانية، ولقيت الله بوجهين، وقد قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (شر الناس ذو الوجهين)، فكان حالك قريبًا من حال المنافقين. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة:14، 15).

أسباب مُعِيْنَة

الاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.. منها:

أولًا: الاستعانة بالله 

أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية، فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة.

أما الناظر إلى عمله، المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه أبو داود.

ثانيا: المجاهدة 

أن تعلم أن الاستقامة لا تتحصل بالهجوع في المضاجع، ولا بالاستمتاع بكل ما لذَّ وطاب من الشهوات والملذات، بل تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة.. مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، حتى تأتي بأمر الله على تمامه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24).

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله.

إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.

ثالثا: رفقة أهلها

وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: "كنت إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوعاً".. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة تدرك الواحد، وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

علامات القبول

إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه.. وإذا كان رمضان قد انقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض.. ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، عالم بني إسرائيل الذي أذاقه الله حلاوة الإيمان وآتاه آياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ} (الأعراف:175).

وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلاً قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} (النحل:92).

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل). وسئلت عائشة -رضي الله عنها- عن عمله فقالت: كان عمله ديمة" متفق عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) رواه مسلم.

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات، وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثاً.

وعلى الذين كانوا يحافظون على الصلاة، فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات.

وعلى الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات، فلما غاب رمضان عادوا إليها.

وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن، فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن.

وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الردِّ وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة .. نعوذ بالله من الخذلان.

عبادة حتى الموت

لقد عَلَمَنَا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها.. فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسمًا آخر .. فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} (البقرة:197).. وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال.

وسنَّ لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، فذلك صيام الدهر). وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99).

198142 من مقاصد الصيام

المقال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فإن الله تعالى لم يفترض الصوم على عباده ليعذبهم به، ولا لنفع يعود عليه من جراء صومهم، فهو سبحانه الغني عن عباده وعن عبادتهم، وإنما افترض عليهم ذلك لنفعهم في معاشهم ومعادهم، وفي دنياهم وفي أخراهم، وفي نفوسهم وفي أبدانهم، وفي أخلاقهم وفي دينهم.. ومن تدبر مقاصد الصوم وجد من هذه المصالح ما يفوق الوصف ويتخطى العد والحصر..

فالصيام (كما يقول ابن القيم): "هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من سائر الأعمال، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه.. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوار الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من صحتها. والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى".

ويمكن جمع فوائد الصيام في خمس فوائد رئيسية تحمل بين طياتها ما هو أعظم من مجرد عناوينها.. فمن ذلك:
أولا: تحصين الصائم من الأخلاط الرديئة:
فالصوم يحفظ على العبد قوته، ويحميه من ورود الأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)(صحيح الجامع 5674).
وقد قيل: إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
ثلاث مهلكات للأنام .... ... ومدعاة الصحيح إلى السقام
دوام مدامة ودوام وطء .. .. وإدخال الطعام على طعام.

ثانيا: يصون من الأخلاق الرذيلة:
فإن الإنسان إذا شبع تحركت شهوته، وسع للشيطان مجاريه، فتحكم فيه وقاده إلى المعاصي والأشر والبطر والمفاسد، فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء، ولنا في أبينا آدم عبرة. قال القرطبي: "كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي".
فإذا شبعت النفس استأسدت على صاحبها وعصت وعتت وطغت، وإذا صامت جاعت فضعفت وسكنت وصفت ورقت وهدأت. فمن صام فهو في جنة من كل سوء، وحفظ من كل فحش، ووقاية من كل مهلك.. كما في الصحيحين: (الصوم جنة)، وفيهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.

فالصوم يحفظ على العبد جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
إذا لم يكن في السمع مني تصاون .. .. وفي نظر غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صوم الجوع والظما .. .. وإن قلت إني صمت يوما فما صمت
وفي المسند وصحيح البخاري عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

ثالثا: ضبط الإرادة والتحكم في النفس:
فلا يقود الصائم طمع، ولا يستفزه غضب، ولا شبهة تضله ولا شهوة تذله، ومن بلغ هذا فهو الرجل حقا كما في الصحيحين: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
وفي صحيح مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم).
فالصائم إذا ثارت شهوته ضبطها، وإن تحرك هواه أسكنه وألجمه بلجام التقوى والورع، أما غير الصائم فهو منقاد لشهوته خادم لهواه.
رب مفتون سبته شهــوته .. .. فتعرى ستره فانهتكا
صاحب بالشهوة عبد فإذا .. .. ملك الشهوة أضحى ملكا.

رابعا: تحصيل التقوى:
وهي مقصود العبادة وثمرة الطاعة عامة؛ كما قال جل ذكره {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:21)
وهي أيضا من أعظم مقاصد الصوم خاصة، فالصيام من أكبر أسباب تحصيلها، بل إن من صام الصيام الحق على الوجه الذي بينه رسول الصدق لا بد وأن يحصل التقوى لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)
ألا إنما التقوى هي العز والكرم .. .. وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة .. .. إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

خامسا : الوصول إلى درجة الإحسان:
وهي أعلى مراتب الدين كما في حديث جبريل الشهير: قال: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) متفق عليه..
فالصائم صومه كله مراقبة، وإلا فما بال الإنسان يمر على الطعام وهو في أشد حالات الجوع، ويمر على الماء وهو يكاد يهلك من العطش ولا يراه أحد من الناس، فما يمنعه من الأكل أو الشرب إلا أنه يعلم أن الله مطلع عليه ويراه، فهو يعيش مع الله ويتعامل معه بالمشاهدة.. فهل هناك مراقبة أو إحسان أعلى من هذا؟

الإخلاص.. الصوم لي:
ومن أجل هذا كله كان الصوم عبادة الله الخالصة فنسبه إلى نفسه من دون سواه، وإن كانت الأعمال كلها في الأصل له، لكن للصوم خصيصة في الإخلاص لا تكون في غيره كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
قال الإمام ابن حجر في الفتح والإمام النووي في شرح صحيح مسلم ما معناه: "لأنه أبعد من الرياء فيكون بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه".

فهذه بعض مقاصد الصيام وفوائده ومنافعه، تجمع تحتها الكثير مما لم أذكره، وفوائد الصيام أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.. فاللهم انفعنا بالصيام والقيام، وحقق فينا مقاصده ومنافعه، وتقبل منا صالح الأعمال، واغفر ذنوبنا، وأعتق رقابنا من النار.. آمين.

135300 يوم رمضاني

المقال

إليك أختي المسلمة هذا البرنامج اليومي الذي يمكنك الاستعانة به لاستغلال ساعات هذا الشهر العظيم وأيامه فيما يقربك من ربك جل وعلا.

يبدأ البرنامج قبيل الفجر في ساعات الليل الأخيرة، حيث تستيقظ الأخت، ثم تتوضأ وتصلي ما كتب الله لها، لتقوم بجزء من القرآن في هذا الوقت الشريف، وقت تهجد المتهجدين، واستغفار المستغفرين، ودعاء الملحين، وليس هناك من حرج في أن تصلي في هذا الوقت، ولو كانت قد أوترت عقب صلاة التراويح، المهم أن لا توتر مرة أخرى.

فإذا صلت ما كتب الله لها ودخل وقت السحر، تكون المرأة قد أعدت ما تيسر من الطعام للسحور، ولو بضع تمرات لقوله صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَ سحور المؤمن التمر) رواه الطبراني، فإن لم تجد التمر شربت قليلاً من الماء, لتحصل لها بركة السحور.

فإذا تسحرت جلست تذكر الله وتسبحه وتستغفره حتى يؤذن الفجر، فإن الله جل وعلا أثنى على المستغفرين بالأسحار، وكان ابن عمر رضي الله عنه يحيي الليل بالصلاة، ثم يقول لمولاه: يا نافع! أسحرنا -يعني هل دخل وقت السحر؟- فيقول: لا، فيعاود، فإذا قال: نعم، قعد يستغفر الله حتى يصبح.

فإذا أذن المؤذن لصلاة الفجر رددت معه ألفاظ الأذان، ثم تدعو بما ورد، ثم تصلي راتبة الفجر (سنة الفجر) التي هي خير من الدنيا وما فيها، وكان صلى الله عليه وسلم لا يدعها في حضر ولا سفر، ثم تجلس تدعو الله بعد الأذان حتى تقيم الصلاة، ثم تصلي الفريضة، وبعدها الأذكار، ثم تقرأ أوراد الصباح لتكون في حرز من الشيطان يومها ذاك، ويمكنها الاستعانة بكتب الأذكار الصحيحة، إن لم تكن تحفظها.

وبعدها تشرع في قراءة قدر من القرآن لا تفرط فيه، وليكن جزءاً أو جزأين أو أكثر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، ثم تصلي ركعتين ليكتب لها أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم.

ثم تأخذ قسطاً من النوم والراحة حتى تستعيد نشاطها، إن لم تكن مرتبطة بعمل أو دراسة، وتستيقظ قبل الظهر لتصلي سنة الضحى، فإذا دخل وقت صلاة الظهر تحرص على أن تصلي السنة القبلية، وهي أربع ركعات ثم الفريضة، ثم السنة البعدية ركعتين أو أربع، ثم تستكمل قراءة وردها اليومي من القرآن قبل أن تشتغل بأمور البيت والأولاد والإعداد للإفطار.

وينبغي للصائمة أن تجعل لها حزباً يومياً من كتاب الله، تقرؤه في نهارها وليلها، وأوقات فراغها، ولا أقل من أن تختم القرآن مرة في هذا الشهر، الذي هو شهر القرآن، ولو قرأت الأخت جزءاً من القرآن بالليل، وجزأين بعد صلاة الفجر وجزءاً بعد صلاة الظهر، وجزءاً بعد صلاة العصر والتراويح، لاستطاعت أن تقرأ خمسة أجزاء في يومها وليلتها، وبذلك تختم القرآن في رمضان خمس مرات بفضل الله ومنته، إذا رتبت وقتها وحرصت عليه، والأخت التي لا تستطيع القراءة من المصحف، بإمكانها تعويض ذلك عن طريق سماعه بواسطة الإذاعة أو جهاز التسجيل، فيحصل لها الأجر والثواب، ويعمر البيت بتلاوة كلام الله وذكره.

ويمكن في هذا الوقت أيضاً أن يكون هناك مجلس ذِكْر عائلي يجتمع فيه أفراد الأسرة يتدارسون فيه القرآن، وبعض الأحاديث من رياض الصالحين، أو الأربعين النووية، ويشجع الأولاد على ذلك عن طريق إقامة المسابقات والجوائز.

ثم تصلي صلاة العصر، وبعدها تبدأ في إعداد ما تحتاجه الأسرة من إفطار دون مبالغة أو إسراف، مستغِلة هذا الوقت الذي تقضيه في المطبخ في الذكر والتسبيح والتهليل، وسماع القرآن وبعض الأشرطة والمواد النافعة، محتسبة في ذلك الأجر والنية الخالصة.

وعليها ألا تنسى في غمرة الانشغال أن تخصص وقتاً قبيل المغرب -ولو بثلث ساعة على الأقل- لتغتنم هذه اللحظات المباركة، وتتفرغ لقراءة الأذكار، ودعاء الله في هذه الساعة التي هي من أوقات الإجابة.

فإذا أذن المؤذن استحب تعجيل الفطر، ولا تنسى الأذكار بعد الإفطار، ثم أداء صلاة المغرب في أول وقتها وركعتين بعدها، وبعد الصلاة يكمل أفراد الأسرة عشاءهم، وينبغي أن لا يثقلوا على أنفسهم في تناول الطعام، كي يستطيعوا أن يؤدوا التراويح بخشوع وراحة. 

وقبيل صلاة العشاء تقوم متطهرة لتستعد لصلاة العشاء والتراويح إما في بيتها، أو في مسجد حيها مع مراعاة الضوابط الشرعية، ولا تنصرف من الصلاة حتى ينصرف الإمام من آخر ركعة، ليكتب لها قيام ليلة كاملة.

بعد الانتهاء من صلاة العشاء والتراويح يمكن أن تخصص جزءاً من الوقت تستكمل فيه وردها من القرآن، وبعده تتوجه إلى شؤونها الخاصة وشؤون أولادها من صلة رحم، أو زيارة قريب أو جار، أو حضور درس أو محاضرة، أو الجلوس مع الأولاد لتعليمهم وتحفيظهم بعض الآيات والأذكار والقصص، ولتحذر الأخت من إضاعة الوقت أمام القنوات أو في الأسواق والسهر الطويل، فقد كان صلى الله عليه وسلم يكره السمر والحديث بعد العشاء إلا لحاجة.

وبعد ذلك تأخذ قسطاً من النوم في الليل؛ لأن نوم النهار لا يغني عن نوم الليل، مع عدم نسيان الأذكار الواردة عند النوم، والحرص على أن تنام على طهارة، فإذا جاء ثلث الليل الأخير استيقظت لتستأنف يوماً جديداً مليئاً بالطاعات والقربات.

178229 فضل قراءة القرآن

المقال

جرى في الأمثال السائرة قولهم: "شرف العلم بشرف ما تعلّق به"، فكيف إذا تعلّقت العبادة بالقرآن العظيم؟: أشرف الكتب وأكملها، وقد أعلى الله مكانه، وأيّد بالحق سلطانه، أفصح كتبه كلاماً، وأحسنها نظاماً: {وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:41-42).

والارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم ارتباطٌ محكم وثيق، ففي أيّامه المباركة ولياليه الجليلة نزل الروح الأمين بالقرآن العظيم ليكون هدى للناس وفرقاناً، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:186).

وقد حثّ الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أن يكون لهم شأن مع القرآن الكريم، فيردوا حياضه، ويستروحوا في رياضِهِ، ويأنسوا بكَنَفِه، فها هو يخاطبهم في محكم كتابه، فيقول عز من قائل: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4).
قال الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "اقرأه على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه".

وقراءة القرآن الكريم عبادةٌ عظيمة، غَفَلَ عنها المتقاعسون عن الأجور؛ ذلك لعدم استشعارهم الأجور العظيمة التي تترتّب عليها، وفي هذا المقام يأتي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: {آلم} حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف)، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وكلّما قرأ المؤمن آيات الله تضاعفت حسناته، وامتلأت صحائف أعماله، وهذه هي التجارة الحقيقيّة مع الله عز وجل:{إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} (فاطر:35).

والمقصود بـ (التالين) لكتاب الله -كما ذكر العلماء- هم الذين يداومون على قراءته، واتباع ما فيه، حتى صار ذلك سمةً لهم وعنواناً، فمثل هؤلاء قد عقدوا مع الله عز وجل صفقةً رابحة،ً لن تكسد وتفسد، بل تجارة: "هي أجلُّ التجارات، وأعلاها، وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه".

وقراءة القرآن تشفع لصاحبها يوم القيامة، فقد روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقانٌ من طير صواف، تحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم. و(البطلة): هم السَحَرة، كما ذكر شرّاح الحديث.

ومن فضائل قراءة القرآن الأخرويّة: ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أحمد وأصحاب السنن عدا ابن ماجه.

والناس يتفاوتون ويتباينون في قدرتهم على قراءة القرآن ومهارتهم فيه، ومن ثَمَّ  كان لكل واحدٍ منهم فضلٌ وأجرٌ بحَسَبِه، مصداق ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه.

والحديث عن قراءة القرآن يقودنا إلى مسألة تدبّر آياته، والذي يعني أصالةً: تأمّل معانيه، والتفكر في حكمه، والتبصّر بما فيه من الآيات، وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82)، وقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} (ص:29)، وقوله سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24).

يقول الإمام ابن القيم: "وأما التأمل في القرآن، فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر".

وإنّ من الغبن أن ترى من يُجهد نفسه في قراءة القرآن في رمضان وفي غيره دون أن يَجعل للتدبّر قسطاً من يومه وليله، رغبةً في الاستكثار من الحسنات الواردة في حقّ التلاوة، وقد تناسى ما يُثمره التدبّر من تزكية للروح، وتهذيب للنفس، ورقيّ في مدارج الإيمان، ناهيك عن موافقة الطريقة النبويّة في القراءة. وقد ذُكر لعائشة رضي الله عنها أن أناساً يقرؤون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: "أولئك قرؤوا، ولم يقرؤوا، كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، فلا يمرّ بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله، ورغب إليه" رواه أحمد، قال محققو "المسند": صحيح لغيره. وقولها: (ليلة التمام) كأن المراد ليلة تمام الختمة والشروع في أخرى، أو المراد تمام رمضان، أو المراد تمام الليلة.

ولنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عبرةٍ، إذ يقول: (مَثَل الذي يقرأ القرآن كالأترجّة طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومَثَل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مُرّ، ولا ريح لها) متفق عليه، فقد أومأ هذا الحديث إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال قارئ القرآن من التدبّر، الذي يقوده إلى العمل الصالح، وهذه هي الثمرة الحقيقيّة لكل العبادات، سواءٌ ما كان منها في رمضان أو في غيره: علمٌ، وعمل، وتدبّر، تحصل منه الخشية، ويزداد المؤمن إيماناً، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان والعمل الصالح.

45733 أخطاء في صدقة الفطر

المقال

صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة، صغير وكبير، غنيٍّ ومن يملك قوت يومه. ومع أن المسلمين يحرصون كل الحرص على أداء هذه الفريضة، إلا أن بعضهم يقع في بعض الأخطاء عند أدائها، الأمر الذي يستدعي التنبيه إليها، وهي:

أولاً: تأخير صدقة الفطر إلى أن يخرج وقتها، كمن يُخرجها بعد صلاة العيد، والواجب إخراجها قبل الصلاة، وقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).

ثانياً: أن بعض الناس ربما وُلِد له مولود قبل غروب شمس ليلة العيد، ولكنه لا يُخرج عنه زكاة الفطر، مع وجوب الزكاة عليه، فإن زكاة الفطر تجب بغروب شمس ليلة العيد، بخلاف ما لو وُلِد بعد الغروب فلا يجب الإخراج عنه، وقد ورد عن بعض الصحابة أنه كان يخرجها عن الحمل الذي في بطن أمه، وهذا مستحب وليس بواجب.

ثالثاً: ومن الأخطاء أيضاً تكليف الناس فوق القَدْر الواجب عليهم، والقَدْر الواجب صاع من غالب قوت البلد، والمقصود بالصاع هو الصاع النبوي، ومقداره بالوزن كيلوان وأربعون جراماً من البُّرِّ الجيد، أما وزن غير البُّر فبحسبه. 

رابعاً: ظن البعض أنه إذا فاته إخراج الصدقة في وقتها المشروع، لأمر خارج عن إرادته، أنها تسقط عنه، والصواب أنه يُخْرجها ولو فات وقتها. 

خامساً: ظَنُّ البعض أن صدقة الفطر لا تجوز إلا بالبُّر، أو التمر، أو الشعير، مع أن بعض أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين أجاز إخراجها مالاً نقديًّا؛ وذلك بتقويم تلك الأصناف مالاً، وربما كان هذا أنفع للفقير.
 
سادسا: إخراجها بطريقة تشعر برغبته في التخلص منها لا الإخلاص فيها، فربما يَخرج ومعه قيمة صدقة الفطر فيوزعها على من لقي دون تحري المحتاجين والمتعففين، والمقصود بها إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، وسد حاجتهم ليشاركوا الموسرين فرحة العيد.

197062 الصيام وغض البصر

المقال

(الغض) لغة: مصدر قولهم: غض بصره يغضه غضًّا، وهو مأخوذ من مادة (غ ض ض) التي تدل على معنيين: أحدهما: الكفّ والنقص. والآخر: الطراوة، وغض البصر من المعنى الأول، وكل شيء كففته فقد غضضته. 

و(البصر) لغة: اسم لآلة الإبصار، وهو مأخوذ من مادة (ب ص ر) التي تدل على العلم بالشيء، ومنه أيضاً: البصيرة، وبَصُرتُ بالشيء: علمته.

وغَضُّ البصر اصطلاحاً: أن يغمض المسلم بصره عما حرم عليه، ولا ينظر إلا لما أبيح له النظر إليه، ويدخل فيه أيضاً إغماض الأبصار عن المحارم.

قال القرطبي: "البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله".

ومن النصوص الآمرة بغض البصر قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} (النور:30-31)، قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً.

وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) حسن لغيره.

وروى الإمام أحمد أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: (يا عليُّ! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة) حسن لغيره.

وروى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفُجَاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، ومعنى (نظر الفجأة) أن يقع نظره على الأجنبية من غير قصد، فلا إثم عليه في أول ذلك، فيجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال، فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم.

وما أكثر المناظر التي أصبح من المحتم غض البصر عنها؛ فبعض القنوات والمواقع الإلكترونية، التي يتقن القائمون عليها فن الإغراء والإغواء، باختيار الوجوه الحسان، والأجساد شبه العارية، والأصوات الناعمة، وغير ذلك من المغريات والمفتنات، حتى أصبحت مجاهدة النفس على غض البصر من أهم المهمات، وآكد الواجبات، وصار الفشل فيها لدى الشباب ذريعة إلى الوقوع في الفحشاء والمنكر، والانقطاع عن عمل الخير، وضعف تأثير العبادة كالصلاة والصوم، وسبب لكثير من المعاناة والضيق وكدر الحياة.

ولغض البصر عما حرم الله جملة فوائد، منها:

- أنه امتثال لأمر الله تعالى، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.

- أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم، الذي ربما كان هلاك قلبه فيه.

- أنه يورث القلب أنساً بالله سبحانه؛ لأن غض البصر لا يكون إلا باستحضار الخوف من الله، وعملاً بما نهى عنه، وهذا الاستحضار هو بمعنى ما ذكر، وقد قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).

- يقوي القلب ويفرحه، كما أن النظر إلى المحرمات يُضعف القلب ويحزنه.

- يكسب القلب نوراً، كما أن إطلاقه يورثه ظلمة، وقد قال بعض السلف: (من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته).

- يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب.

- يورث القلب شجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة.

- يسد على الشيطان مدخله إلى القلب؛ فإنه يسرع إلى القلب مع النظرة أسرع من الهواء إلى المكان الخالي.

- يفرِّغ القلب إلى مصالحه، والاشتغال بها.

وعليك أيها الشاب المؤمن ألا تيأس ولا تستسلم، ولو أغراك الشيطان، فحملك على الدخول إلى موقع إلكتروني، أو سوَّل لك النظر إلى صورة خليعة، أو فتاة فاتنة، بل عليك أن تلزم الاستغفار، وتجعله على لسانك ليل نهار، ولا تحرم نفسك من الانضمام إلى قافلة {والمستغفرين بالأسحار} (آل عمران:17)، فللاستغفار سر عجيب، من محو آثار النظر، وصفاء القلب، وتجديد العزيمة، وبسط سلطان السعادة على النفس، والحمد لله الذي شرع للمؤمنين التوبة، وحفَّزهم على الاستغفار، ووعدهم بالعفو والغفران.

والمؤمن مأمور بغض بصره عما حرم الله عليه في الأحوال والأزمان كافة، ويكون الأمر آكد في شهر رمضان؛ إذ هو شهر العبادة، وشهر التقرب إلى الله سبحانه، فلا يليق بالمؤمن أن يفعل في هذا الشهر ما يبعده عن ربه، وهو أحوج ما يكون قريباً إليه.

43828 صلاة التراويح

المقال

من السنن التي سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة في شهر رمضان، صلاة التراويح، التي اتفق أهل العلم على أنها سنة مؤكدة في هذا الشهر الكريم، وشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام؛ وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغِّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة ثم ترك الاجتماع عليها؛ مخافة أن تُفْرَض على أمته، كما ذكرت ذلك عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري. 

ثم استمر المسلمون بعد ذلك يصلون صلاة التراويح كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجَمْع، وذاك يصلي بمفرده، حتى جمعهم عمر رضي الله عنه على إمام واحد يصلي بهم التراويح، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان.

روى البخاري في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع - أي جماعات متفرقة - يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط - الجماعة من الرجال - فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعْم البدعة هذه، والتي ينامون عنها، أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل -، وكان الناس يقومون أوله.

وروى سعيد بن منصور في "سننه": أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أُبيِّ بن كعب، فكان يُصلي بالرجال، وكان تميم الداري يُصلي بالنساء.

أما عن عدد ركعاتها، فلم يثبت في تحديدها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه صلاها إحدى عشرة ركعة كما بينت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فقالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" متفق عليه، ولكن هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة عليه، وإن كانت المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل.

وثبت عن بعض السلف أنهم كانوا يزيدون على هذا العدد، مما يدل على أن الأمر في ذلك واسع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا وثلاثين، كما هو مذهب مالك, وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة...والصواب أن ذلك جميعه حسن كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله عنه، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره".

وأما وقتها فيمتد من بعد صلاة العشاء إلى قبيل الفجر، والوتر منها، وله أن يوتر في أول الليل أو في آخره، والأفضل أن يجعله آخر صلاته لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) متفق عليه، فإن أوتر في أوله ثم تيسر له القيام آخر الليل، فلا يعيد الوتر مرة أخرى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) رواه الترمذي وغيره.

ويجوز للنساء حضور التراويح، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) رواه البخاري ومسلم، ولكن بشرط أمن الفتنة، فتأتي متسترة متحجبة من غير طيب ولا زينة ولا خضوع بالقول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) رواه مسلم.

فاحرص أخي الصائم على المحافظة على هذه السُّنَّة المباركة، وأدائها مع الجماعة، ولا تنصرف منها حتى يسلم الإمام ليكتب لك أجر قيام ليلة.

43692 الأعذار المبيحة للفطر

المقال

رَفْعُ الحرج وعدم إلحاق الضرر والمشقة بالمُكَلَّف من المقاصد الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية، وتظافرت عليها أدلة الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (البقرة:185)، ويقول سبحانه: (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:28)، ويقول عز وجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج:78)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد، وفي رواية: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه البيهقي وغيره.

وقد قرر أهل العلم استناداً إلى هذه النصوص عدداً من القواعد الفقهية، التي تفيد رفع الحرج وإزالة الضرر والمشقة عن المكلف؛ من ذلك قولهم: "المشقة تجلب التيسير"، وقولهم: "الضرر مدفوع شرعاً"، وقولهم: "الأمر إذا ضاق اتسع"، ونحو ذلك مما أصَّله الفقهاء في قواعدهم الفقهية.  

وصيام رمضان وإنْ كان فرضاً على كل مُكَلَّف عاقل بالغ، إلا أن هناك بعض العوارض والأعذار التي قد تطرأ على المكلف، فتصرف عنه حكم الوجوب، ويباح له الفطر حينئذ، وربما وجب في حقه كما في حالات معينة، وهذه العوارض هي ما يُعرف بـ "رُخَص الفطر" أو "الأعذار المبيحة للفطر" ومنها:

أولاً: المرض
والمرض تغيُّر يطرأ على الإنسان يُخرجه عن طبيعته السوِّية، وهو من الأعذار المبيحة للفطر؛ لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، وضابط المرض المبيح للفطر هو المرض الذي يخاف معه الضرر والهلاك، أو يلحقه به مشقة شديدة تزيد في مرضه، أو تؤخر بُرْءه وشفاءه، فهذا هو الذي يجوز الفطر معه، ويقضي ما أفطره عند زوال عذره، أما المرض الذي لا يلحق الصائم معه ضرر أو مشقة، فلا يرخص له في الفطر.

ثانياً: الكِبَر 
الشيخ الكبير والمرأة العجوز يُرَخَّص لهما في الفطر، لعدم القدرة على الصيام، ولا قضاء عليهما إذا كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السنة، وعليهم أن يُطعموا عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)(البقرة:184)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا"، ومثلهما المريض مرضاً لا يرجى بُرْؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

ثالثاً: الحمل والرضاعة
اتفق الفقهاء على أنه يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على نفسيهما، أو ولديهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) رواه النسائي وغيره، ويجب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أُخَر، حين يتيسر لهما ذلك، ويجب التنبه هنا أن مجرد الحمل والرضاعة لا يبيحان الفطر في رمضان، وإنما الذي يبيح الفطر هو خوف الحامل والمرضع على نفسها أو ولدها.

رابعاً: السفر
المسافر إذا لم يقصد بسفره التحَيُّل على الفطر، فإنه يرخص له فيه، لقول الله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم)، والسفر المبيح للفطر هو السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة الرباعية، ويجب عليه القضاء بعد ذلك، وهو مُخَيَّر في سفره بين الصوم والفطر، لقول أنس رضي الله عنه كما في "الصحيحين": (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فلم يعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، وأن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسن).

خامساً: دفع ضرورة
يرخص الفطر - وربما يجب - لدفع ضرورة نازلة، كإنقاذ غريق، أو إخماد حريق، ونحو ذلك، إذا لم يستطع الصائم دَفْع ذلك إلا بالفطر، ويلزمه قضاء ما أفطره، ودليل ذلك عموم الأدلة التي تفيد رفع الحرج، ودفع الضرر، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومثله ما لو احتاج إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله، وقتال العدو، فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العدو، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "سافَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ ونحنْ صيام، فنَزلْنا منْزلاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم) فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: (إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا) وكانت عَزَمَة، فأفطرنا".

هذه هي أهم الأعذار المبيحة للفطر شرعها الرؤوف الرحيم بعباده؛ رفعاً للحرج والعنت عن العِباد، ودفعاً للضرر والمشقة عنهم، منها ما يُلْزم صاحبها بقضاء الأيام التي أفطرها كما في حق المسافر، والمرضع، والحامل، والمريض مرضاً يُرجى شفاؤه، ومنها ما لا يلزمه قضاء تلك الأيام كما في حق الكبير، والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه، وإنما تلزمهم الفدية فحسب، وهي إطعام مسكين عن كل يوم أفطروه، وأما الفطر في رمضان من غير عذر، فهو من كبائر الذنوب، التي ورد الوعيد الشديد تجاه مرتكبها.  

135310 على مائدة الإفطار

المقال

اجتمع أفراد الأسرة المسلمة لتناول الإفطار، اجتمعوا حول الطعام الشهي، والشراب البارد النقي، الكل ينتظر صوت المؤذن، مشعراً بغروب شمس ذلك اليوم ودخول الليل، ومُؤْذِناً بانتهاء وقت الصيام وبدء تناول الطعام.

إنه مشهد من المشاهد التي تهتز لها النفوس، وتلتفت لها الأنظار، ما الذي منع ذلك الجائع من أكل شيء يعالج جوعته، أو تناول شراب يسد ظمأته، ما الذي جعل الشاب الصغير يصبر دون مد يديه، يترقب وينتظر مثل والديه، إنها مراقبة الله عز وجل وطلب رضاه، الأمر الذي جعله يضحي بشهواته من أجل مولاه.

مشهد رائع جميل عند سماع الأذان "الله أكبر، الله أكبر"، حيث تتحرك أيدي الجميع نحو رطبات، أو تمرات، أو حسوات من ماء، اقتداءً بخير الصائمين، وأفضل العابدين، روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

يأكل الصائم باسم الله، حامداً له على نعمه، قائلاً: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة)، فهو سبحانه وتعالى المتفضل على عباده بنعمه الكثيرة، وآلائه المديدة، والعبد ضعيف مسكين، لا حول له ولا قوة إلا به، فكيف لو فقد الإنسان نعمة السمع الذي يسمع به، أو نعمة اليد التي يتناول بها، أو نعمة الذوق الذي يميز به بين الأطعمة، أو نعمة اللسان الذي يتكلم به، ويحرك به الطعام، أو نعمة اللعاب الذي يساعد في المضغ والبلع، أو نعمة الطعام والشراب، يا لها من نعم شتى يستشعرها الصائم لحظة فطوره.

وكم هي فرحة عظيمة تغمر نفس الصائم، وقد أتم صيام يومه، آملاً ثواب ربه، إنها فرحة الطاعة، ولذة العبادة، والقرب من المولى سبحانه، وكسب محبته، تلك الفرحة تزيد على فَرَحه بالطعام بعد الانقطاع عنه، ولذلك جاء الوصف النبوي لتلك الحالة وصفاً دقيقاً رائعاً، حين قال: (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) متفق عليه.

على مائدة الإفطار يتذكر الصائم أولئك الفقراء والمساكين الذين يستمر صومهم ساعات طوال وأياماً معدودات، فهم دائماً في صراع مع الجوع والعطش، لا يهنؤون بالطعام وأنواعه، بل قد لا يجدون ما يفطرون عليه، ولذلك جاء الترغيب النبوي بتفطير الصائم، حيث قال صلى الله عليه وسلم : (من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً) رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني.

أضف إلى ما سبق استشعار وحدة الأمة الإسلامية، وهي تفطر في وقت واحد، فكم من الملايين اجتمعوا على موائد الإفطار يترقبون الأذان، لا أحد يتقدمه ولا يتأخر بعده، فهل يوجد دين وحَّد بين أتباعه كدين الإسلام، إنها النعمة العظمى، قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة:3). فهيّا بنا -أخي القارئ الكريم- نستشعر تلك المعاني العظيمة، والقيم النبيلة التي جاء بها الإسلام العظيم، والدين الحنيف، فلا سعادة بدونه، ولا عز بغيره، ولا وحدة إلا عليه، والله الموفق.

217453 كلمات في الصيام

المقال

الصيام: عبادة من أجل العبادات، وطاعة من أروع الطاعات، شرعها الله لغرس الرحمة في القلوب، وتطهير النفوس من الشرور. وهو فضيلة من أعظم الفضائل، ومدرسة حازمة لتربية الإرادة القوية، والعزيمة النافذة، والطاعة الحكيمة.

الصوم: جنة من الشهوات، ووقاية من ملابسة الخطيئات، وحصن يحتمي به المؤمن إذا ساوره الهوى، أو نازعته غواية الشيطان، فهو لغرس التقوى في القلوب، والخشية في النفوس.

الصوم: جنة من الغضب والسفه والطيش، ووقاية من مجارة السفهاء، ومخاصمة الجهلاء (فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم).

الصيام: مدرسة أخلاقية، وعيادة نفسية، وتربية اجتماعية.

الصوم: تحرر من سجن الجسد، وسلطان الهوى، وقيد الشهوات.

الصوم: يربي في النفس الصدق في القول، والإخلاص في العمل، ويدعو الصائم إلى الجد والحزم، والقوة والعزم.

الصيام: يربي في المسلم ملكة الصبر وقهر النفس، واحتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات، ومصائب الأحداث ومتاعب الحياة ومكاره النفوس.

الصيام: يربي النفوس مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال.

الصوم: ليس قمعا للغرائز، وإنما تهذيب وضبط لها وتعويد على التحكم فيها، وعدم الاسترسال في الشهوات؛ لأنها أصل البلاء على الروح والبدن.

الصوم: جوع للبدن.. لكنه شبع للروح، وسمو للنفس.

الصوم: يعود على الصبر، ويقوي الإرادة، ويعلم ضبط النفس.

الصيام: منهج رباني يربي في النفس عاطفة الرحمة، وسلوك يدفع الامتثال للأوامر واجتناب النواهي، وخلق يدعو للصفح والتسامح، وتعاون يفرض على الإنسان ألا يشبع ويترك الآخرين جياعا.

الصوم: يطلق النفوس من أسر العادات، ويحررها ممن رق الشهوات، ويجتث منها فساد الطبع ورعونة الغرائز، ويطوف عليها في أيامه بمحكمات الصبر ومثبتات العزيمة، وفي لياليه بأسباب الاتصال بالله والقرب منه.

الصوم: ينمي في النفوس الأمانة والإخلاص في العمل، وهذه تقضي على رذائل النفاق والمداهنة والرياء (فإنه لي وأنا أجزي به).

الصوم: فرصة للتوبة والإنابة والعودة والاستجابة، ووسيلة للتربية والتهذيب، وطريق للتعليم والتأديب.

الصوم: صون للسان، وحفظ للناس من شرور النفس، فلا ينتفع به من ترك لسانه يجول في أعراض الناس، ويخوض في العورات وينشر السوءات، وجعل الناس مادة للحديث وأداة للهو والتسلية.

ما جدوى الصيام إن لم تتهذب به الألسنة، وتتطهر به النفوس؟ وما جدوى الصيام إذا لم يكن وراءه عفة القول وسماحة النفس ولين الحديث وحسن الكلام؟

جعل الله الصيام للقلب فلا ينبغي أن نجعله للبطن والمعدة.. جعل الله الصيام للحلم والصبر فلا ينبغي أن نجعله للطيش والغضب.. جعل الله الصيام لتقوية العزائم، فلا ينبغي أن نجعله للعب والنوم والخور.

الصوم: تربية للنفس وعدة للجهاد، فمن انهزم في جهاد النفس الداخلي لا يصلح للجهاد الخارجي.

الصوم: مدرسة لتهذيب الغرائز ـ غريزة الطعام والشراب، غريزة الشهوة الجنسية، غريزة حب التملك ـ بما يدعو إليه من الجود والإحسان وزكاة الفطر للصائمين، وإطعام الطعام، وتفطير الصائمين.. وغريزة الاجتماع مع الناس، فيجمعهم عل الخير والقيام ودروس العلم والذكر والقرآن وصلة الأرحام وحسن الجوار والتواضع والتآلف..

للصوم حكم باهرة وآثار بديعة باطنة وظاهرة، ودروس لا تنقضي، وعبر لا تنتهي، وآثار عظيمة على الفرد والجماعة.

لولا أهمية الصيام وسمو منزلته، ووفرة منافعه الجسدية والروحية ما فرضه الله على جميع الأمم {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة:183).

تسجيل الخروج

هل أنت متأكد أنك تريد تسجيل الخروج من حسابك؟

سجّل دخولك للاستفادة من المميزات

تنويه حول الإجابات المختصرة

تم إنشاء هذا الملخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لأغراض إرشادية فقط. يُرجى الرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة واكتمال التفاصيل.

شارك الفتوى عبر مواقع التواصل الإجتماعي