مقالات رمضان

197626 ما أحلى الدعاء في رمضان

المقال

شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.
قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من آمن به هداهُ، ومن توكل عليه كفاهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3)، {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} (التغابن:17)، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران: 101)، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة:186)..

وإذا سألك عبادي عني
قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186) وهذه الآية  في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.
قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185) طلب تكبيره وشكره، بيَّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته، تنبيهاً على أن يكون ولابد مسبوقاً بالثناء الجميل. [البحر المحيط: 2/221]. والمقصود أنه تعالى ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: "إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء".
وقال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221]..
وقال ابن عاشور: نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ..}.
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عبادة غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربطا للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].
«إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الموحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186)..

يوم بدر والدعاء

كانت غزوة بدر في شهر رمضان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة، حيث أُعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- النصر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي طوال الليل، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).
ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعا، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك).
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (الأنفال:9)، فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم) إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

دعاء المتضرعين
- التغني هو تحسين الصوت بالقراءة، وقد جاء الأمر به عند تلاوة القرآن في أحاديث عديدة، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن) رواه البخاري. وعلة ذلك أن التغني وتحسين الصوت والترنم في القراءة من أسباب الإقبال عليها والإنصات لها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع". 
وأما التغني بالقراءة في غير تلاوة القرآن الكريم كدعاء القنوت ونحو ذلك، فرأى كثير من أهل العلم أنه لا بأس به؛ إذ مقصود التحسين حضور القلب وتأثره، ولكن ينبغي أن يكون ذلك التغني والتحسين بدون مبالغة مفرطة، أو جعله مما يشتبه بالقرآن، حتى يلتبس على السامع، هل هو قرآن أو غيره؟، كتعمد التجويد من إدغام وإخفاء ومدود حتى يظن الظان أن الداعي يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب .

- يتأكد على الإمام عدم المبالغة في رفع صوته في الدعاء، حتى يصل ـ أحياناً - إلى حد الصياح والصراخ المذهب للخشوع والمجلب للرياء، وربما رافقه بكاء ونحيب لتهيج مشاعر الناس. قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55)، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء اعتداء، وفي الحديث: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل [أي كغلي القدر]، قال ابن القيم: "وأما بكاؤه -صلى الله عليه وسلم- فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت"، ولم يشعر ابن مسعود -رضي الله عنه- ببكائه -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ عليه بعضا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.

- من التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السَجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
أيضا ورد النهي عن التفصيل المخل، روى أبو داود من حديث أبي نعامة عن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) حسنه الحافظ ابن حجر ..
وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يكون قوم يعتدون في الدعاء) فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
وبالجملة فقد قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه.
 

178239 أحل لكم ليلة الصيام..

المقال

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (البقرة:187).

الحديث حول هذه الآية تنظمه اثنا عشرة مسألة، هي وفق التالي:

الأولى: قوله سبحانه: (أحل لكم) رويت هنا أخبار تتعلق بصدر هذه الآية؛ من ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غُشِيَ عليه؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم) ففرحوا فرحاً شديداً.

وروى الطبري أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سَمَرَ عنده ليلة، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت له: قد نمت؛ فقال لها: ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله؛ فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعتذر إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيَّنت لي، فواقعتُ أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: (لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر!)، فلما بلغ بيته، أرسل إليه، فأنبأه بعذره في آية من القرآن. 

الثانية: (الرفث) كناية عن الجماع؛ لأن الله عز وجل كريم يكني؛ قاله ابن عباس رضي الله عنه، وقال بعضهم: {الرفث} كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وقيل: (الرفث) أصله قول الفحش؛ يقال: رفث، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح.

الثالثة: قوله سبحانه: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد من الزوجين ستراً لصاحبه عما لا يحل، قال أبو عبيد: يقال للمرأة: هي لباسك، وفراشك، وإزارك، وقال مجاهد: أي: سكن لكم؛ أي: يسكن بعضكم إلى بعض.

الرابعة: قوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) روى البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) يقال: خان واختان بمعنى: من الخيانة، أي: تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم، والمعنى: يستأمر بعضكم بعضاً في إتيان المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه، بأنه يخونها؛ وسماه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه. 


الخامسة: قوله سبحانه: (فتاب عليكم) يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة؛ كقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (المزمل:20)، يعني: خفف عنكم. وكذلك قوله عز وجل: (وعفا عنكم) يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) رواه الدار قطني، يعني: تسهيله وتوسعته.

السادسة: قوله سبحانه: (فالآن باشروهن) كناية عن الجماع، أي: قد أحل لكم ما حرم عليكم، وسمي الوقاع مباشرة؛ لتلاصق البشرتين فيه، وصيغة (الأمر) هنا للإباحة، قال ابن العربي: "وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه، لا جوع قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به؛ لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله".

السابعة: قوله سبحانه: (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: وابتغوا الولد؛ يدل عليه أنه عقيب قوله: (فالآن باشروهن)، وروي عنه أيضاً قوله: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقال قتادة: اطلبوا الرخصة والتوسعة. قال ابن عطية: "وهو قول حسن".

الثامنة: روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) عَمَدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار). 

وروى الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، قال: نزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد (من الفجر)، فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار. 

وروى البخاري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا) إن أبصرت الخيطين، ثم قال: (لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار). وسمي (الفجر) خيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يُرَى ممتداً كالخيط. و(الخيط) في كلامهم عبارة عن اللون، و(الفجر) مصدر فَجَرْتُ الماء أفجره فجراً: إذا جرى وانبعث، وأصله الشق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً؛ لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض. 


التاسعة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بد من تبيت نية الصيام قبل طلوع الفجر، واستدلوا لذلك بما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له). 

العاشرة: قوله عز وجل: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) بينت الآية أن الصيام الواجب هو من طلوع الفجر إلى دخول الليل، وهو وقت الغروب، ومن ثَمَّ ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر عامداً في نهار رمضان بأكل، أو شرب، أو نكاح، فعليه القضاء والكفارة؛ لما رواه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً.

وقد قال الشافعي: إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع؛ لحديث أبي هريرة أيضاً في "الصحيحين"، قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان..) الحديث، وفيه ذكر الكفارة على الترتيب. 

وأكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن المرأة الموطوءة في نهار رمضان عليها القضاء والكفارة أيضاً، سواء أكان الوطء طواعية، أو كراهية، وقال أبو حنيفة: إن كانت مكرهة فعليها القضاء فحسب، وإن كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة، وقال الشافعي عليها القضاء فحسب، سواء طاوعت الزوج، أو أكرهها.

والذي عليه أكثر أهل العلم أن من جامع ناسياً لصومه، فلا قضاء عليه ولا كفارة، كمن أكل، أو شرب ناسياً. وقال مالك: عليه القضاء فحسب. وقال أحمد: عليه القضاء والكفارة معاً. وقد قال جمهور أهل العلم: إذا أكل ناسياً، فظن أن ذلك قد فطره، فجامع عامداً، أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.

وإذا أفطر الصائم -لغيم أو ضباب- ظناً منه أن الشمس قد غربت، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. ففي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لـ هشام -أحد رواة الحديث-: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء). ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمَّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، فأكل، ثم بان أنه من رمضان.

وفي قوله سبحانه: (إلى الليل) ما يقتضي النهي عن الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام؛ وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من ها هنا، فقد أفطر الصائم) رواه مسلم.

ثم قال العلماء: تكره مباشرة النساء لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها؛ لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم، وقد روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ مخافة ما يحدث عنهما، فإن قَبَّل الصائم، وسَلِمَ فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر.
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ ويباشر، وهو صائم.
قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً رخص فيها -القُبلة- لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه".
فإن قبَّل فأمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: "ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة". وإن كرر النظر فأمنى فيجب عليه القضاء عند بعض أهل العلم؛ لتسببه في إفساد صومه، مع إمكان التحرز عن استدامة النظر.

وأكثر أهل العلم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جُنب؛ لما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل، ويصوم). قال ابن العربي: "وذلك جائز إجماعاً، وقد استقر الأمر على أن من أصبح جنباً، فإن صومه صحيح".

وأكثر أهل العلم على أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل أن عليها الصوم، ويجزئها، سواء تركت الغسل عمداً، أو سهواً، وأما إذا شكت فلم تدرِ أكان طهرها قبل الفجر أو بعده فإنها تصوم، وتقضي ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارة عليها.

الحادية عشرة: قوله سبحانه: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (الاعتكاف) في اللغة: الملازمة؛ يقال: عكف على الشيء: إذا لازمه مقبلاً عليه، ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه، لزمه هذا الاسم، وهو في عُرف الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة، في وقت مخصوص، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، بل قُربة من القُرَب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه، وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، وقيل في صفة المسجد: لا بد من المسجد الجامع، وقيل: مطلق مسجد، وهو مذهب جمهور العلماء، واختلفوا في مدته، فقال الشافعي: "أقله لحظة، ولا حد لأكثره".  

والآية تنهى عن الجماع زمن الاعتكاف، ومن ثَمَّ ذهب العلماء إلى أن الجماع يفسد الاعتكاف. 

الثانية عشرة: قوله عز وجل: (تلك حدود الله فلا تقربوها) (الحدود) الحواجز ونهايات الأشياء، التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشُبِّهت الأحكام بالحدود؛ لأن تجاوزها يُخْرِج من حِلٍّ إلى منع، وفي الحديث: (وحَدَّ لكم حدوداً، فلا تعتدوها)، رواه الدار قطني

وقوله سبحانه: (فلا تقربوها) نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية؛ لأن القرب من (الحد) يستلزم قصد الخروج غالباً، كما قال تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (الأنعام:152)؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (البقرة:229).

الثالثة عشرة: قوله سبحانه: (كذلك يبين الله آياته للناس) أي: كما بيَّن الله أحكام الصيام، يبين جميع آياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه؛ لئلا يلتبس شيء منها على الناس؛ وليتقوا مجاوزتها، و(الآيات) العلامات الهادية إلى الحق. 

وقوله عز وجل: (لعلهم يتقون) أي: يريد الله -ببيان أحكامه- وقاية الناس من الوقوع في مخالفة ما شرعه لهم؛ لأنه لو لم يبين لهم الأحكام، لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يمتثلون لهذه الأحكام على وجهها المبين، فتحصل لهم صفة التقوى؛ إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان، وغير مؤاخذين بإثم التقصير، إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى.

187030 من صام رمضان ثم أتبعه ستا..

المقال

لم يجعل الله تعالى حدًّا لطاعة العبد إلا بانتهاء عمره وانقضاء أجله، يقول جل وعلا في كتابه العزيز: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99)، وهذه هي حقيقة الاستقامة التي وعد الله تعالى أصحابها بالنجاة، والفوز بعالي الدرجات، فقال سبحانه: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم} (فصلت:30-32).

ومما منَّ الله به على عباده بعد انقضاء شهر الصيام والقيام، ورتّب عليه عظيم الأجر والثواب: صيام ستة أيام من شوال، التي ثبت في فضائلها العديد من الأحاديث، منها: ما رواه الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر).

في رحاب الحديث

- من فضل الله تعالى على عباده تتابع مواسم الخيرات، ومضاعفة الحسنات، فالمؤمن يتقلب في ساعات عمره بين أنواع العبادات والقربات، فلا يمضي ساعة من عمره إلا ولله فيها وظيفة من وظائف الطاعات، وما أن يفرغ من عبادة إلا ويشرع في عبادة أخرى، فبعد انتهاء رمضان تأتي فضيلة صيام ستة أيام من شوال (من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر).
وبيان ذلك: أن العبد يستكمل بصيامها أجر صيام الدهر كله، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان يعدل عشرة أشهر، وهذه الأيام الستة من شوال تعدل شهرين، وقد ثبت ذلك مفصلا في حديث ثوبان رضي الله عنه عند ابن ماجه  بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (الأنعام:160)، وفي رواية أبي الشيخ: (جعل الله الحسنة بعشر أمثالها: الشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الشهر تمام السَنة).

- وصيام هذه الست بعد رمضان دليل على شكر الصائم لربه تعالى على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير، كما أن صيامها دليل على حب الطاعات، ورغبة المواصلة في طريق الصالحات والقربات.

- وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث ما حاصله: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة.. وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره من الأعمال.
وقال أيضا: إن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد، وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

- وصيام الأيام الستة ليس له وقت محدد من شوال، بل يصومها المسلم في أي جزء من أجزاء الشهر، في أوله، أو في أثنائه أو في آخره، وله كذلك أن يصومها متتابعة أو متفرقة، ولكن الأفضل أن يبادِر إلى صيامها عقب عيد الفطر مباشرة، وأن تكون متتابعة -كما نص على ذلك أهل العلم-، لأن ذلك أبلغ في تحقيق (الإتْباع) الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم أتبعه)، كما أنه من المسابقة إلى الخيرات والمسارعة في الطاعات الذي جاءت النصوص بالترغيب فيه والثناء على فاعله، وهو أيضاً من الحزم الذي هو من كمال العبد، فإن الفُرص لا ينبغي أن تفوت، والمرء لا يدري ما يعرض له من شواغل وقواطع تحول بينه وبين العمل، فإن أخرها أو فرَّقها على الشهر حصلت الفضيلة أيضاً.

45686 من أخطاء النّساء في رمضان

المقال

جاءت توجيهات الشرع الحنيف شاملة للرجال والنساء تحثهم على اغتنام شهر رمضان في العبادات والطاعات والقربات إلى الله تعالى، وعدم تضييع هذا الشهر فيما لا يُقرِّب إلى الله من الأعمال. ومما يؤسف له أن بعض النساء لا يفقهن المراد من شهر الصيام سوى الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، ثم هن بعد ذلك يقعن في بعض الأخطاء التي ينبغي الاحتراز منها، والابتعاد عنها، ومن تلك الأخطاء:

أولاً: ضياع أوقات كثير من النساء بالنهار في إعداد الطعام، والتفنن في الموائد والمأكولات والمشروبات، حيث تقضي المرأة معظم نهارها في المطبخ، ولا تنتهي من إعداد هذه الأطعمة إلا مع أذان المغرب، فيضيع عليها اليوم دون ذِكْر أو عبادة أو قراءة للقرآن، وينبغي على الأخت المسلمة أن تحفظ وقتها في هذا الشهر الكريم، وأن تقتصد في الطعام والشراب فتصنع ما لا بد منه وتكتفي بصنف أو صنفين، وأن تتعاون النساء في البيت الواحد بحيث تعمل واحدة وتتفرغ الأخرى للعبادة والذكر وتلاوة القرآن.

ثانياً: ضياع الأوقات بالليل في الزيارات التي قد تمتد لساعات متأخرة من الليل وربما إلى قبيل الفجر، أو الانشغال بمتابعة القنوات والبرامج التلفزيونية، فتقضي المرأة معظم ساعات الليل في مشاهدة ذلك، وكان الأولى بها أن تحيي ليلها بعبادة الله وذكره وشكره وتلاوة كتابه. 

ثالثاً: خروج بعض النساء إلى المسجد لصلاة العشاء والتراويح بلباس الزينة مع التعطر والتطيب مع ما في ذلك من أسباب الفتنة والإثم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما امرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) رواه مسلم، ويقول: (أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية) رواه أحمد.

رابعاً: الاختلاط الذي يحصل بين النساء والرجال عند الخروج من المسجد بعد صلاة التراويح، ما قد يتسبب في حصول الفتنة، والواجب عليهن أن يبادرن بالخروج قبل الرجال، ولا يمشين إلا في حافة الطريق وجوانبها، فهو الأستر والأحفظ لهن، وقد قال صلى الله عليه وسلم للنساء لما رآهن مختلطات بالرجال في الطريق: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) رواه أبو داود.

خامساً: فتور بعض النساء عن العبادة حال الحيض والنفاس، فتظن أنها في رخصة من كل أنواع العبادة التي تقربها إلى الله جل وعلا، مع أنه يمكن للحائض أن تؤدي كثيراً من الطاعات حال حيضها كالمداومة على الذكر والدعاء، والصدقة، وقراءة الكتب النافعة، والتفقه في الدين، بل لها أن تقرأ القرآن على القول الصحيح دون مس للمصحف، إلى غير ذلك من الأمور التي ينبغي أن تحرص عليها الأخت المسلمة.

سادساً: الانشغال في العشر الأواخر من رمضان بالتجهيز للعيد، والتجوال في الأسواق ومحلات الخياطة لشراء الملابس، وهو خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها، ويمكن للمرأة شراء حاجاتها وحاجات أولادها قبيل شهر رمضان، أو في الأيام الأولى منه بحيث تتفرغ تفرغاً تاماً إذا دخلت العشر.

سابعاً: من الأخطاء أن بعض النساء قد تطهر قبيل الفجر، ولا تتمكن من الغسل لضيق الوقت، فتترك الصيام بحجة أن الصبح أدركها قبل أن تغتسل، مع أن الواجب عليها أن تصوم ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لأن الطهارة ليست شرطاً لصحة الصوم.

ثامناً: إنكار البعض على بناتهم إذا أردن الصيام بحجة أنهن صغيرات، وقد تكون الفتاة من اللواتي بلغن سن المحيض، فإذا أرادت الصيام منعها أهلها من غير أن يسألوها عن مجيء الحيض أو لا، فقد تكون بلغت سن التكليف الذي يجب فيه الصوم وهم لا يعلمون بذلك.

تاسعاً: خروج كثير من النساء إلى الأسواق مع السائق الأجنبي ومن غير محرم، وقد يخالطن الباعة، فتحصل الخلوة المحرّمة، التي تقود إلى أمور لا تحمد عقباها، فعلى المرأة الشّريفة العفيفة أن تتجنّب مواطن الريبة، وأن تبتعد عن أماكن الاختلاط ونظرات العابثين، وأن تلتزم بلباس الحشمة والحياء حتى لا يطمع فيها طامع، أو يتطلع إليها فاسد، وقد قال تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} (الأحزاب:33).

45733 أخطاء في صدقة الفطر

المقال

صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة، صغير وكبير، غنيٍّ ومن يملك قوت يومه. ومع أن المسلمين يحرصون كل الحرص على أداء هذه الفريضة، إلا أن بعضهم يقع في بعض الأخطاء عند أدائها، الأمر الذي يستدعي التنبيه إليها، وهي:

أولاً: تأخير صدقة الفطر إلى أن يخرج وقتها، كمن يُخرجها بعد صلاة العيد، والواجب إخراجها قبل الصلاة، وقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).

ثانياً: أن بعض الناس ربما وُلِد له مولود قبل غروب شمس ليلة العيد، ولكنه لا يُخرج عنه زكاة الفطر، مع وجوب الزكاة عليه، فإن زكاة الفطر تجب بغروب شمس ليلة العيد، بخلاف ما لو وُلِد بعد الغروب فلا يجب الإخراج عنه، وقد ورد عن بعض الصحابة أنه كان يخرجها عن الحمل الذي في بطن أمه، وهذا مستحب وليس بواجب.

ثالثاً: ومن الأخطاء أيضاً تكليف الناس فوق القَدْر الواجب عليهم، والقَدْر الواجب صاع من غالب قوت البلد، والمقصود بالصاع هو الصاع النبوي، ومقداره بالوزن كيلوان وأربعون جراماً من البُّرِّ الجيد، أما وزن غير البُّر فبحسبه. 

رابعاً: ظن البعض أنه إذا فاته إخراج الصدقة في وقتها المشروع، لأمر خارج عن إرادته، أنها تسقط عنه، والصواب أنه يُخْرجها ولو فات وقتها. 

خامساً: ظَنُّ البعض أن صدقة الفطر لا تجوز إلا بالبُّر، أو التمر، أو الشعير، مع أن بعض أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين أجاز إخراجها مالاً نقديًّا؛ وذلك بتقويم تلك الأصناف مالاً، وربما كان هذا أنفع للفقير.
 
سادسا: إخراجها بطريقة تشعر برغبته في التخلص منها لا الإخلاص فيها، فربما يَخرج ومعه قيمة صدقة الفطر فيوزعها على من لقي دون تحري المحتاجين والمتعففين، والمقصود بها إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، وسد حاجتهم ليشاركوا الموسرين فرحة العيد.

179777 في رمضان يحلو القيام

المقال

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا مُحمد وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن قيام الليل من أعظم أدوية القلوب التي تزيد الإيمان وتقوي صلة العبد بربه وخالقه، وتؤهل العبد لتحمل الأعباء والمشاق في طريق سيره إلى الله ، ولهذا كان الأمر الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم في بداية التنزيل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} (المزمل:2:1).
وقد وصف الله أهل الجنة فكان من صفاتهم أنهم يقومون الليل يناجون ربهم ويصلون له ويذكرونه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات:18:15).

وفي رمضان يحلو القيام
إذا كان قيام الليل هو شعار الصالحين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد). فإن هذا القيام له في رمضان حلاوة و مزية خاصة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). قال الشيخ الألباني رحمه الله: "هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تغفر له بسبب هذه العبادات ، فإن لم يكن للإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب".
فيا أيها الحبيب: هل ألهبت جوفك حرارة المعصية؟ هل أقلقت نومك الخطيئات؟ هل نغصت وكدرت عليك عيشك كثرة السيئات؟ إذا كنت كذلك فعليك بقيام الليل وخصوصا في رمضان يغفر لك ما مضى.

من فضائل القيام
لقيام الليل فضل عظيم وثمرات مباركة في الدنيا والآخرة، فهو في الدنيا شرف للمؤمن فقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل..".
وبه يستحق العبد درجة الصديقين والشهداء فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة ، وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: (من الصديقين والشهداء).
وإذا تدبرت لوجدت أن الرجل ما زاد على أركان الإسلام إلا قيام الليل، واستحق بهذه الزيادة اسم الصديقين والشهداء.
وتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عبد الله بن عمر : (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل).
ومن صفات عباد الرحمن الذين أضافهم إلى نفسه إضافة تشريف أنهم يقومون الليل: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (الفرقان:64).

قيام الليل طريق إلى الجنة
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما والناس نيام).
وهو مهر الحور العين فقد قال أبو سليمان الداراني: بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء ركضتني برجلها فقالت: يا حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وانا أربى لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
إنها الحور العين التي قال عنها نبيكم صلى الله عليه وسلم: (ولو أن امرأة من نساء الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وقد بين الله في كتابه أنه سبحانه أعد لهؤلاء المتهجدين بالليل أعلى الكرامة في جنات النعيم: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}( السجدة:17:16).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يُفسر.
ولا شك أن هذا الذي أخفاه الله من أجرهم هو أعلى الكرامة لأعلى أهل الجنة منزلةً كما سأل موسى ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة فقال: أولئك الذين أردت غرسَ كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترعين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر..

وفي الليل تقضى الحوائج
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن في الليل لساعة ، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة ، إلا أعطاه إياه ، وذلك كل ليلة).

وفي أحرج اللحظات وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويدعو ، حدث ذلك في بدر وفي يوم الأحزاب، فيا من ضاقت عليه الأرزاق قم الليل وسل ربك التوسعة ، يا من حرمت نعمة الولد عليك بالدعاء في جوف الليل، يا من تنشد للإسلام نصرا وعزا وتمكينا سل ربك في ظلمة الليل وفي أوقات السحر.
ذكر العلامة ابن كثير رحمه الله أن بعض المسلمين سمع الفرنجة يكلم بعضهم بعضا فقالوا: إن القسيم بن القسيم ( يقصدون نور الدين محمود زنكي ) لا ينتصر علينا بكثرة جيشه ولا عتاده لكنه يقوم بالليل فيدعو ربه فإذا أصبح نصره علينا. فيا سبحان الله أعداؤه علموا أنه ينصر عليهم بدعواته في الليل قبل كثرة العدد والعتاد.
فاللهم وفقنا لقيام رمضان إيمانا واحتسابا، واجعلنا ممن غفرت لهم ما تقدم من الذنوب، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.
 

42150 العشر الأواخر وليلة القدر

المقال

يقول الله تبارك وتعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة} (القصص:68)، وقد اختار سبحانه العشر الأواخر من شهر رمضان، من بين سائر أيام الشهر، وخصها بمزيد من الفضل وعظيم الأجر.

فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.

وكان يُحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.

فكان يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذِكْر، حرصاً على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، قال ابن رجب: "ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه".

وشد المئزر هو كناية عن ترك الجماع واعتزال النساء، والجِدِّ والاجتهاد في العبادة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قُبض، ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده).

وما ذلك إلا تفرغاً للعبادة، وقطعاً للشواغل والصوارف، وتحرياً لليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: {ليلة القدر خير من ألف شهر} (القدر:3).

في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، والآجال والأرزاق، قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (الدخان:4).

وقد أخفى الله عز وجل علم تعييين يومها عن العباد؛ ليُكْثِروا من العبادة، ويجتهدوا في العمل، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها، ومن كان عاجزاً مفرطاً؛ فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه.

هذه الليلة العظيمة يُستحب تحريها في العشر الأواخر من رمضان، وهي في الأوتار أرجى وآكد، فقد ثبت في "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)، وهي في السبع الأواخر أرجى من غيرها، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) رواه البخاري.

ثم هي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) رواه أبو داود.

فاحرص أخي المسلم على الاقتداء بنبيك صلى الله عليه وسلم، واجتهد في هذه الأيام والليالي، وتعرَّض لنفحات الرب الكريم المتفضل، عسى أن تصيبك نفحة من نفحاته لا تشقى بعدها أبداً، وأكثر من الدعاء والتضرع، خصوصاً الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني) رواه أحمد وغيره.

178413 الصّيام والغيبة

المقال

يظن بعض الصائمين أن الصوم إنما هو صوم عن الطعام والشراب والجماع فحسب، مع أن حقيقة الصوم أعلى من هذا وأجل. فثمة فريق من الصائمين يصوم عن تلك الممنوعات، ويفطر على غيرها من المحرمات. ولعل من أهم المحرمات التي تجعل من الصوم عملاً لا اعتبار له في ميزان الشرع الغيبة. وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بقوله: (أتدرون ما الغيبة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (ذِكْرُك أخاك بما يكره)، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول! قال: (إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتْه)، رواه مسلم. ومعنى (بَهَته)، أي: قلت فيه البهتان، وهو الباطل. 

وفي هذا المعنى أيضاً جاء قوله صلى الله عليه وسلم: (ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه أحمد وابن خزيمة

وجاء أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الصوم أمانة، فليحفظ أحدكم أمانته) أخرجه الخرائطي وإسناده حسن.

وروى ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه قوله: (إذا صمتَ، فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء).

وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن مجاهد قال: (خصلتان من حفظهما سَلِمَ له صومه: الغيبة، والكذب). 

وروى أحمد والدارمي عن أبى عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الصوم جُنَّةٌ، ما لم يخرقها)، قال الدرامي: يعني بالغيبة. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام.

وقد حُكي عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها - وبه قال الأوزاعي -: إن الغيبة تُفطر الصائم، وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. وقال سفيان الثوري: الغيبة تفسد الصوم. وأفرط ابن حزم فقال: "يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلاً أو قولاً؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (...فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ، ولا يصخب، فإن سابّه أحد، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وجمهور أهل العلم وإن حملوا النهي (فلا يرفث...ولا يصخب) على التحريم، إلا أنهم خصّوا الفطر بالأكل، والشرب، والجماع.

وقد اعتبر القرطبي أن الغيبة وقول الزور سواء من حيث المعنى، فقال في هذا الصدد: "إن من اغتاب في صومه، أو شهد بِزُور مُفْطِرٌ حكماً، ولا فرق بينهما"، أي: من فعل ذلك فكأنه لم يصم، وليس المعنى أن عليه القضاء؛ ولهذا قال: "وتمامه وكماله - أي الصوم - باجتناب المحظورات، وعدم الوقوع في المحرمات".  

وذكر الغزالي كلاماً مؤداه أن الصائم إذا اغتاب، أو شهد زوراً، أو قال كذباً، أو آذى الناس بكلامه، أو فعل نحو ذلك من المناهي الشرعية، فإن صيامه غير مقبول، ولا ينفعه يوم القيامة. وأثار هنا سؤالاً، حاصله: أن من اقتصر على كف شهوة البطن والفرج، ولم يتورع عن الغيبة والكذب ونحوهما، فقد قال الفقهاء: صومه صحيح؟
وقد أجاب عن هذا السؤال بقوله: "فاعلم أن فقهاء الظاهر يُثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة، لا سيما الغيبة وأمثالها، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم المكلفين -المقبلين على الدنيا- الدخول تحته. فأما علماء الآخرة فيَعنون بالصحة القبول، وبالقبول الوصول إلى المقصود".

والحاصل أن الغيبة ونحوها من المناهي الشرعية، تتنافى مع مقاصد الصوم، وهي وإن كانت لا تفسد الصوم وَفْق النظر الفقهي - كما قال جمهور أهل العلم - إلا أنها تفسده وَفْق النظر المقصدي، وتجعله صوماً ناقصاً، لا معنى له. وقد يكون من رحمة الله بعباده، أن لم يجعل الغيبة مفسدة للصوم؛ لأنها مما يشق على الناس تجنبها تماماً، ولا يَسْلَم منها إلا من سلَّمه الله تعالى. 

43117 سنن الصوم وآدابه

المقال

الأدب عنوان فلاح المرء وسعادته في الدنيا والآخرة، وأكمل الأدب وأعظمه الأدب مع الله سبحانه، ولذلك شُرعت لكل عبادة في الإسلام آداب ينبغي على المسلم الحفاظ عليها ومراعاتها؛ فالصلاة لها آداب, والحج له آداب، والصوم كذلك له آداب عظيمة، لا يتم على الوجه الأوفق إلا بها، ولا يكمل إيمان العبد إلا بتحقيقها.

والعبادات وإن كانت تصح من غير الإتيان بآدابها وسننها إلا أنها تبقى ناقصة الأجر، قليلة الأثر، ولأجل هذا الملحظ شُرعت السنن والآداب لتكميل النقص الذي يطرأ على الفرائض والواجبات.

وقد جاءت الشريعة بكف اللسان عن المحرمات من غيبة ونميمة وكذب وسَفَه وعدوان في كل وقت وحين، إلا أن الكف عن هذه الأمور يتأكد في رمضان، لمنافاتها لحقيقة الصوم والغاية منه، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذٍ ولا يجهل، فان سابَّه أحد أو قاتله أحد، فليقل: إني امرؤ صائم) رواه البخاري ومسلم، و(الرفث) هو: الكلام الفاحش، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، قال: وكانوا إذا صاموا - يقصد السلف الصالح - قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحداً. 

وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

فعلى الصائم أن يحفظ بصره عن النظر إلى المحرمات، ويحفظ أذنه عن الاستماع للغناء وآلات اللهو، ويحفظ بطنه عن كل مكسب خبيث محرم،  فليس من العقل والحكمة أن يتقرب العبد إلى ربه بترك المباحات من الطعام والشراب والجماع، وهو لم يتقرب إليه بترك ما حُرِّم عليه في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان، وارتكاب المحرمات، ومن فعل ذلك كان كمن يضيِّع الفرائض، ويتقرب بالنوافل. 

كما يُسْتَحب للصائم بذل الصدقة للمحتاجين من الفقراء والمساكين، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم: (كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.

ومن السنن المشروعة في الصيام، تناول السحور وتأخيره، لما في ذلك من عون على صيام النهار، قال صلى الله عليه وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم، وقال في الحديث الآخر: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلَة السَّحَر) رواه مسلم.

يقول زيد بن ثابت: "تسحّرْنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة"، متفق عليه، وهو يدل على استحباب تأخير السحور.

كما يُستحب للصائم تعجيل الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر) متفق عليه. وأن يفطر على رطبات إن تيسر؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه الترمذي

ومن الأمور المسنونة للصائم الدعاء عند فطره، وفي الحديث: (ثلاثة لا ترد دعوتهم -وذكر منهم- والصائم حين يفطر) رواه الترمذي، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام عند الإفطار قوله: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى) رواه أبو داود.

وبهذا يتبين أن حقيقة الصيام ليست مجرد الإمساك عن المفطرات الحِسِّيَة فحسْب، فإن ذلك يقدر عليه كل أحد، كما قال بعضهم: "أهون الصيام ترك الشراب والطعام"، ولكن حقيقة الصيام ما أخبر عنه جابر رضي الله عنه بقوله: "إذا صمتَ، فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء". 

فاحرص - أخي الصائم - على الالتزام بهذه الآداب والمسنونات، واجتنب المحرَّمات والمكروهات، ففي ذلك حفظ لصومك، ومرضاة لربك، وزيادة في أجرك.

44349 أحكام قضاء رمضان

المقال

من رحمة الله بعباده أن شرع لهم من الأحكام ما يُكفِّرون به عن ذنوبهم، ويستدركون به ما فاتهم، وفي التنزيل يقول سبحانه: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} (آل عمران:135-136).

وإذا كان الأصل في العبادات أن تؤدى في أوقاتها المحددة شرعاً، فإن أداء العبادة قد يتخلف عن وقتها لعذر شرعي، ولأجل ذلك شرع الله قضاء بعض العبادات ليستدرك العبد ما فاته منها، وهو ما يُعْرَفُ بالقضاء، الذي يقابل أداء العبادة في وقتها المحدد، وصيام رمضان لا يخرج عن القاعدة السابقة، فالصوم له وقت محدد وهو شهر رمضان، فمن تركه بعذر فإنه يقضيه، ليستدرك ما فاته من صيام، وسنتاول في هذا الموضوع جملة من أحكام القضاء والكفارة والفِدْيَة في الصوم.

وجوب القضاء

اتفق أهل العلم على وجوب القضاء على كل مَنْ أفطر يوماً أو أكثر من رمضان، لعذر شرعي، كالسفر، والمرض المؤقت، والحيض، والنفاس، ودليل ذلك قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:184)، وقول عائشة رضي الله عنها: (كان يُصيبنا ذلك -أي الحيض- فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) رواه مسلم.

وكل من لزمه القضاء فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطرها، فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، سواء أكانت ثلاثين أم تسعة وعشرين يوماً.

ويستحب المبادرة بالقضاء بعد زوال العذر المانع من الصوم؛ لأنه أبرأ للذمة وأسبق إلى الخير، وله أن يؤخره، بشرط أن يقضيه قبل حلول رمضان القادم، لقول عائشة رضي الله عنها: (كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) رواه البخاري.

ولا يلزم التتابع في قضاء رمضان ولكنه يُستحب؛ لأن القضاء يحاكي الأداء، كما قال أهل العلم.

ومن استمر به العذر حتى مات قبل أن يتمكن من قضاء ما عليه من أيام رمضان، فلا شيء عليه؛ لأن الله أوجب عليه عدةً من أيام أخر، ولم يتمكن منها، فسقطت عنه، وأما من تمكن من القضاء، ولكنه فرط حتى أدركه الموت، فلوليه أن يصوم عنه الأيام التي تمكن من قضائها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه) متفق عليه.

وجوب القضاء والكفارة

اتفق أهل العلم على وجوب القضاء مع الكفارة المغلظة في حالة الجماع المتعمَّد في نهار رمضان؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (هلكتُ يا رسول الله! قال: وما شأنك؟ قال: وقعتُ على أهلي في رمضان، قال: تجد رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا، قال: لا ...) متفق عليه.

فالحديث يدل على وجوب الكفارة على من جامع متعمداً في نهار رمضان على الترتيب الوارد في الحديث، وبما أن العتق غير ممكن اليوم، فيجب صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكيناً، ولا يجوز الانتقال من حالة إلى أخرى إلا إذا عجز عنها.

ومما يتعلق بالكفارة، عدم جواز صرف كفارة الإطعام إلى الأهل الموسرين، بل الواجب صرفها إلى الفقراء والمساكين، ومما يتعلق بها أيضاً وجوب التتابع في صيام الشهرين، فلو قطع التتابع لعذر، فإنه يبني على ما سبق بعد زوال العذر، وأما إن قطعه بغير عذر، فعليه أن يعيد الصيام من البداية، ولا يعتبر ما صامه قبل الانقطاع.

الفدية

الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان لا قدرة لهما على الصيام، أو كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السَنة، يُرَخَّص لهما في الفطر، ولا قضاء عليهما، وعليهما أن يُطعما عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} (البقرة:184). قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً"، ومثلهما المريض مرضاً لا يُرجى برؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً. أما إذا بلغ الشيخ الكبير أو المرأة العجوز حدَّ الهذيان وعدم التمييز، فلا يجب عليهما الصيام ولا الإطعام؛ لسقوط التكليف عنهما.

هذه أهم الأحكام المتعلقة بقضاء رمضان، فاحرص أخي المسلم على المسارعة والمبادرة في أداء ما عليك، واغتنم فرصة هذا الشهر الكريم، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً، وإن فاتك شيء منه لعذر أو تقصير، فبادر إلى قضائه واستدراكه.

135238 رمضان والتوبة

المقال

 

من أعظم نعم الله على عباده أن فتح لهم باب التوبة والإنابة، وجعل لهم فيه ملاذاً آميناً، وملجأً حصيناً، يلِجْه المذنب، معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، ليجد في قربه من ربه ما يزيل عنه وحشة الذنب، وينير له ظلام القلب، وتتحول حياته من شقاء المعصية وشؤمها، إلى نور الطاعة وبركتها.

فقد دعا الله عباده إلى التوبة مهما عظمت ذنوبهم وجلَّت سيئاتهم، وأمرهم بها ورغبهم فيها، ووعدهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات رحمة ولطفاً منه بالعباد.

ومنزلة التوبة هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، لا يفارقها العبد ولا ينفك عنها حتى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه، فهي بداية العبد ونهايته، ولذا خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه، وأمرهم أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وجهادهم، وعلق الفلاح بها، فقال سبحانه: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور:31). وقسَّم العباد إلى تائب وظالم، قال سبحانه: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (الحجرات: 11)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.

وإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم، فكيف بغيره من المذنبين والمقصرين.

والتوبة الصادقة تمحو الخطايا والسيئات مهما عظمت، حتى الكفر والشرك، فإن الله تبارك وتعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، قال سبحانه: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} (الأنفال:38)، بل حتى الذين قتلوا الأنبياء، و{قالوا إن الله ثالث ثلاثة)(المائدة:73)، و{قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة:17)، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- دعاهم للتوبة، وفتح لهم أبواب المغفرة فقال سبحانه: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} (المائدة 74)، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم، وفي حديث آخر: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.

ورمضان من أعظم مواسم التوبة والمغفرة وتكفير السيئات، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) كيف وقد جعل الله صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر على وجه الخصوص إيماناً واحتساباً مكفراً لما تقدم من الذنوب؟! والعبد يجد فيه من العون ما لا يجده في غيره، ففرص الطاعة متوفرة، والقلوب على ربها مقبلة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، ودواعي الشر مضيقة، والشياطين مصفدة، وكل ذلك مما يعين المرء على التوبة والرجوع إلى الله.

فلذلك، كان المحروم من ضيع هذه الفرصة، وأدرك هذا الشهر ولم يُغفر له، فاستحق الذل والإبعاد بدعاء جبريل عليه السلام وتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال جبريل: (يا مُحمد! من أدرك شهر رمضان فمات، ولم يُغفر له، فأُدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقال: آمين) رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: (رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفر له) رواه الترمذي.

وإذا كان الله عز وجل قد دعا عباده إلى التوبة الصادقة النصوح في كل زمان، فإن التوبة في رمضان أولى وآكد، لأنه شهر تُسْكَبُ فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وتُعتق فيه الرقاب من النار، ومن لم يتب في رمضان فمتى يتوب؟!

وللتوبة شروط ستة لابد من توفرها لكي تكون صحيحة مقبولة:

أولها: أن تكون خالصة لله تعالى.

ثانيها: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تنفع معها التوبة، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} (الأنعام:158)، وقبل أن تبلغ الروح الحُلقوم، فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثها: الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدَّعي العبدُ التوبة، وهو مقيم على المعصية.

رابعها: الندم على ما كان منه، والندم ركن التوبة الأعظم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الندم توبة) أخرجه ابن ماجه.

خامسها: العزم على عدم العودة إلى الذنب في المستقبل.

سادسها: رد الحقوق إلى أصحابها والتحلل منهم، إن كان الذنب مما يتعلق بحقوق المخلوقين.

فحري بنا -أخي الصائم- ونحن في هذا الشهر الكريم أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة، وأن نجعل من رمضان موسماً لتقويم أعمالنا، وتصحيح مسيرتنا، ومحاسبة نفوسنا، فإن وجدنا خيراً حمدنا الله وازددنا منه، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرنا منه، وأكثرنا من عمل الصالحات.

43692 الأعذار المبيحة للفطر

المقال

رَفْعُ الحرج وعدم إلحاق الضرر والمشقة بالمُكَلَّف من المقاصد الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية، وتظافرت عليها أدلة الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (البقرة:185)، ويقول سبحانه: (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:28)، ويقول عز وجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج:78)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد، وفي رواية: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه البيهقي وغيره.

وقد قرر أهل العلم استناداً إلى هذه النصوص عدداً من القواعد الفقهية، التي تفيد رفع الحرج وإزالة الضرر والمشقة عن المكلف؛ من ذلك قولهم: "المشقة تجلب التيسير"، وقولهم: "الضرر مدفوع شرعاً"، وقولهم: "الأمر إذا ضاق اتسع"، ونحو ذلك مما أصَّله الفقهاء في قواعدهم الفقهية.  

وصيام رمضان وإنْ كان فرضاً على كل مُكَلَّف عاقل بالغ، إلا أن هناك بعض العوارض والأعذار التي قد تطرأ على المكلف، فتصرف عنه حكم الوجوب، ويباح له الفطر حينئذ، وربما وجب في حقه كما في حالات معينة، وهذه العوارض هي ما يُعرف بـ "رُخَص الفطر" أو "الأعذار المبيحة للفطر" ومنها:

أولاً: المرض
والمرض تغيُّر يطرأ على الإنسان يُخرجه عن طبيعته السوِّية، وهو من الأعذار المبيحة للفطر؛ لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، وضابط المرض المبيح للفطر هو المرض الذي يخاف معه الضرر والهلاك، أو يلحقه به مشقة شديدة تزيد في مرضه، أو تؤخر بُرْءه وشفاءه، فهذا هو الذي يجوز الفطر معه، ويقضي ما أفطره عند زوال عذره، أما المرض الذي لا يلحق الصائم معه ضرر أو مشقة، فلا يرخص له في الفطر.

ثانياً: الكِبَر 
الشيخ الكبير والمرأة العجوز يُرَخَّص لهما في الفطر، لعدم القدرة على الصيام، ولا قضاء عليهما إذا كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السنة، وعليهم أن يُطعموا عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)(البقرة:184)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا"، ومثلهما المريض مرضاً لا يرجى بُرْؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

ثالثاً: الحمل والرضاعة
اتفق الفقهاء على أنه يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على نفسيهما، أو ولديهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) رواه النسائي وغيره، ويجب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أُخَر، حين يتيسر لهما ذلك، ويجب التنبه هنا أن مجرد الحمل والرضاعة لا يبيحان الفطر في رمضان، وإنما الذي يبيح الفطر هو خوف الحامل والمرضع على نفسها أو ولدها.

رابعاً: السفر
المسافر إذا لم يقصد بسفره التحَيُّل على الفطر، فإنه يرخص له فيه، لقول الله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم)، والسفر المبيح للفطر هو السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة الرباعية، ويجب عليه القضاء بعد ذلك، وهو مُخَيَّر في سفره بين الصوم والفطر، لقول أنس رضي الله عنه كما في "الصحيحين": (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فلم يعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، وأن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسن).

خامساً: دفع ضرورة
يرخص الفطر - وربما يجب - لدفع ضرورة نازلة، كإنقاذ غريق، أو إخماد حريق، ونحو ذلك، إذا لم يستطع الصائم دَفْع ذلك إلا بالفطر، ويلزمه قضاء ما أفطره، ودليل ذلك عموم الأدلة التي تفيد رفع الحرج، ودفع الضرر، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومثله ما لو احتاج إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله، وقتال العدو، فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العدو، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "سافَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ ونحنْ صيام، فنَزلْنا منْزلاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم) فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: (إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا) وكانت عَزَمَة، فأفطرنا".

هذه هي أهم الأعذار المبيحة للفطر شرعها الرؤوف الرحيم بعباده؛ رفعاً للحرج والعنت عن العِباد، ودفعاً للضرر والمشقة عنهم، منها ما يُلْزم صاحبها بقضاء الأيام التي أفطرها كما في حق المسافر، والمرضع، والحامل، والمريض مرضاً يُرجى شفاؤه، ومنها ما لا يلزمه قضاء تلك الأيام كما في حق الكبير، والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه، وإنما تلزمهم الفدية فحسب، وهي إطعام مسكين عن كل يوم أفطروه، وأما الفطر في رمضان من غير عذر، فهو من كبائر الذنوب، التي ورد الوعيد الشديد تجاه مرتكبها.  

104357 ماذا بعد رمضان

المقال

ها هو شهر رمضان قد مضى.. مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة، بعد أن كان ملء أسماعنا وأبصارنا، وحديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا. مضى وخلّف الناس بعده بين شقي وسعيد، وفائز وخاسر.

لقد فاز في رمضان من فاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران. وخسر من خسر بسبب الغفلة والبطلان، والذنوب والعصيان، فليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود فنعزيه؟

                     

وإنَّ امرءًا ينجو من النار بعد        ما تزود من أعمالها لسعيد

الاستقامة

ونحن ما زلنا نعيش في آثار نفحات رمضان يجب علينا أن نقف لنتساءل: ماذا بعد أن انقضى رمضان؟ وما هو حالنا بعد أيام قليلة من رمضان؟ ماذا بعد شهر الرحمة والغفران؟ وماذا بعد شهر التوبة والرضوان؟ ماذا بعد أن اكتحلت عيوننا بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزت جباهنا بالخضوع والذلة لرب الأرض والسماء؟ بعد أن عاينا القرب والإقبال وشاهدناه، القرب من الله لعباده، والقرب من العباد إلى الله، ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا.

بعد أن عايشنا كل ذلك، كان ولا بد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

والإجابة نزل بها الوحي منذ مئات السنين، وأجاب النبي الأمين -صَلى الله عليه وسلم- على السائلين الطالبين العلاج الناجع والدواء النافع، فقال: "قل آمنت بالله ثم استقم".

إذا كان الله قد حباك بشجرة الإيمان، فيلزمك أيها الموحد معها وتحت ظلها أن تستقيم، وأن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه.

الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (فصلت:30).

قال أبو بكر -رضي الله عنه-: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً.

وقال عمر بن الخطاب: "لم يروغوا روغان الثعالب".

فيا من رفعت كفيك في رمضان طالبًا الهداية، زاعمًا الرجوع، مدعيا الإقبال، هل صدقت في زعمك، ووفيت مع الله بعد رمضان؟ أم إنك رغت روغان الثعلب فتعاملت مع الله بذمتين: ذمة رمضانية، وذمة غير رمضانية، ولقيت الله بوجهين، وقد قال النبي صَلى الله عليه وسلم: (شر الناس ذو الوجهين)، فكان حالك قريبًا من حال المنافقين. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (البقرة:14، 15).

أسباب مُعِيْنَة

الاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.. منها:

أولًا: الاستعانة بالله 

أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية، فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة.

أما الناظر إلى عمله، المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه أبو داود.

ثانيا: المجاهدة 

أن تعلم أن الاستقامة لا تتحصل بالهجوع في المضاجع، ولا بالاستمتاع بكل ما لذَّ وطاب من الشهوات والملذات، بل تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة.. مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، حتى تأتي بأمر الله على تمامه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24).

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله.

إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.

ثالثا: رفقة أهلها

وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: "كنت إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوعاً".. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة تدرك الواحد، وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

علامات القبول

إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه.. وإذا كان رمضان قد انقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض.. ومن كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، عالم بني إسرائيل الذي أذاقه الله حلاوة الإيمان وآتاه آياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ} (الأعراف:175).

وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلاً قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} (النحل:92).

وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل). وسئلت عائشة -رضي الله عنها- عن عمله فقالت: كان عمله ديمة" متفق عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) رواه مسلم.

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات، وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثاً.

وعلى الذين كانوا يحافظون على الصلاة، فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات.

وعلى الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات، فلما غاب رمضان عادوا إليها.

وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن، فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن.

وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الردِّ وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة .. نعوذ بالله من الخذلان.

عبادة حتى الموت

لقد عَلَمَنَا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها.. فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسمًا آخر .. فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} (البقرة:197).. وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال.

وسنَّ لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، فذلك صيام الدهر). وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99).

135242 رمضان شهر الدعاء

المقال

في سياق آيات الصيام جاءت لفتة عجيبة تخاطب أعماق النفس، وتلامس شغاف القلب، وتسرِّي عن الصائم ما يجده من مشقة، وتجعله يتطلع إلى العوض الكامل والجزاء المُعَجّل، هذا العوض وذلك الجزاء الذي يجده في القرب من المولى جل وعلا، والتلذذ بمناجاته، والوعد بإجابة دعائه وتضرعه، حين ختم الله آيات فرضية الصيام بقوله سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة:186)، فهذه الآية تسكب في نفس الصائم أعظم معاني الرضا والقرب، والثقة واليقين، ليعيش معها في جنبات هذا الملاذ الأمين والركن الركين.

كما أنها تدل دلالة واضحة على ارتباط عبادة الصوم بعبادة الدعاء، وتبين أن من أعظم الأوقات التي يُرجى فيها الإجابة والقبول شهر رمضان المبارك الذي هو شهر الدعاء.

وقد جاءت النصوص الشرعية مبينة عظم شأن الدعاء وفضله، فالدعاء هو العبادة، وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر وتفريج الهم وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين وملجأ المستضعفين، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء. 

                                                 وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيقٌ          علــيَّ فــمـا ينفـــك أن يتفرّجا
   
                                                 وربَّ فتى ضاقت عليه وجوهُهُ       أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا

وللدعاء شروط وآداب ينبغي مراعاتها والأخذ بها حتى يكون الدعاء مقبولاً مستجاباً:

يأتي في مقدمتها إخلاص الدعاء لله، وإفراده سبحانه بالقصد والتوجه، فلا يدعو إلا الله ولا يسأل أحداً سواه.

ولا بد من قوة الرجاء وحضور القلب وعدم الغفلة عند الدعاء لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه) رواه الترمذي.

وعلى الداعي أن يجزم في المسألة ولا يتردد، ولا يستعجل الإجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء لا مكره له)، وقوله: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ، فلم يستجب لي) رواه البخاري.

وليتحرَ الأوقات والأحوال التي تكون الإجابة فيها أرجى، كليلة القدر، وجوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وحال السجود، والصيام، والسفر، وغيرها من أوقات الإجابة.

وليقدم بين يدي دعائه الثناء على الله جل وعلا، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والإقرار والاعتراف بالذنب والخطيئة، فعن فضالة بن عبيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً، إذ دخل رجل فصلى، فقال: "اللهم اغفر لي وارحمني"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله وصل علي، ثم ادعه) رواه الترمذي.

وعليه أن يلح في دعائه وتضرعه، ويعظم المسألة، ويظهر الفاقة والمسكنة، ويدعو في جميع الأحوال من شدة ورخاء ومنشط ومكره، ويكرر دعاءه ثلاثاً، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) رواه الطبراني، وقال: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب، فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي.

ويستحب أن يتطهر ويستقبل القِبلة، ويرفع يديه حال الدعاء، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله حي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين) رواه الترمذي.

وعلى الداعي أن يخفض صوته بين المخافتة والجهر؛ لقوله جل وعلا: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين} (الأعراف:55) وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! اربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم ) رواه البخاري. ومعنى (اربعوا) أي: ارفقوا.

وليتخيّر جوامع الدعاء، والأدعية المأثورة التي جاءت النصوص بأنها أرجى للقبول والإجابة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء:87) فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله) رواه الترمذي.

وليبتعد عن السجع المتكلَّف، ومراعاة تنميق العبارات، وتزويق الألفاظ، فإن العبرة بما في القلب من صدق التوجه والإقبال على الله، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك.

وعلى الداعي أن يطيب مطعمه ومشربه حتى يكون مجاب الدعوة، وألا يدعو إلا بخير، وأن يتجنب الاعتداء في دعائه، ولا يدعو على نفسه وماله وأهله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم)، وقوله: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم) رواه مسلم.

هذه بعض آداب الدعاء وشروطه على سبيل الإجمال، فاحرص أخي الصائم على استغلال الأوقات والأحوال الشريفة في هذا الشهر المبارك، وأكثر من الدعاء لنفسك ووالديك وأولادك، وإخوانك من المؤمنين والمؤمنات، وتعرض لنفحات الله، لعله أن تصيبك نفحة لا تشقى بعدها أبداً.

103283 رمضان والرحيل المر

المقال

أرأيتم لو أن ضيفًا عزيزًا ووافدًا كريمًا حبيبًا حلَّ في ربوعكم، ونزل بين دياركم، وغمركم بفضله وإحسانه، وأفاض عليكم من بره وامتنانه.. أحبكم وأحببتموه، وألفكم وألفتموه.. حتى إذا تعلقتم به، ثم حان وقت فراقه، وقربت لحظات وداعه، فبماذا عساكم مودعوه؟ وبأي شعور أنتم مفارقوه؟ 

خليليّ شهر الصوم زُمَّت مطاياه   وسارت وفود العاشقين بمسراه
فيا شهر لا تبعد لك الخير كله      وأنت ربيع الوصل يا طيب مرعاه
مساجدنا  معمورة في نهـاره       وفي ليله والليل يحمـد  مسـراه
عليك سـلام الله شهر قيامنا         وشهر تلاقينا بدهـر أضعــناه

 

دهاك الفـراق فما تصنع     أتصبر للبين أم تجــزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة    فكيف تكون إذا ودعوا

 

هاهي أمة الإسلام تودع شهر رمضان، رمضان الذي كنا بالأمس القريب نستقبله، وهانحن وبهذه السرعة نودعه، مرَّ علينا وكأنه دقائق أو بضع ساعات، وكأني بك تسمع قول الله وهو يحذر المؤمنين من الفوات ويستحثهم على  اغتنام الأوقات؛ فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ}(البقرة: 183، 184). ومرت الأيام المعدودات وكأنها غمضة عين أو ومضة برق، ولم يبق إلا سويعات وإنها والله مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.  

لقد عزم رمضان على الرحيل، وشمَّر عن ساق، وآذَن بوداع وانطلاق، فقوضت خيامه، وتصرمت أيامه، وأزف رحيله وانتقاله، ولم يبق لنا منه إلا سويعات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

مضى رمضان

مضى الشهر الذي شرفه الله وعظمه، ورفع قدره وكرمه، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر الرحمة والعفو والغفران. شهر أنزل الله فيه كتابه، وفتح للتائبين العائدين فيه بابه، فلا دعاء إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، ولا شهر إلا مدفوع ممنوع.

شهر تنزل فيه البركات، وتكثر فيه الصدقات، وتكفر فيه السيئات، وتقال فيه العثرات، وترفع فيه الدرجات، جعله الله لذنوبنا تطهيرًا ولسيئاتنا تكفيرًا.

شهر الأمن والأمان، والبركة والإحسان، والتجاوز والغفران، والعتق من النيران. شهر النسك والتعبد، والقيام والتهجد، والركوع والتسجد.

شهر كانت أبواب الجنة فيه مفتحة، فلا يغلق منها باب، وأبواب الجحيم موصدة فلا يفتح منها باب، ومردة الجن مُصفدة مسلسلة فلا سلطان لها على العباد، ومنادٍ ينادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. 

كل هذا الخير العميم والفضل العظيم يذهب بعد سويعات بذهاب رمضان، فحُقَّ أن تتقطع ـ والله - لفراقه قلوب المؤمنين، وتتحرق لذهابه نفوس المتهجدين، وتسيل لوداعه دموع الصائمين القائمين.  

يا شهر رمضان: غير مودَّع ودَّعناك، وغير مزهود فيك فارقناك، ولو كان الأمر لنا لما تركناك.
أتراك تعود بعدها علينا؟ أم يُدركنا الموت فلا تؤوب إلينا.. اللهم أعد علينا رمضان أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة.

 

عبرة وعظة
إن في انقضاء رمضان إشارة بانقضاء الأعمار وسرعة فناء هذه الدار، وتذكيرًا لكل مسلم بأن الدنيا كلَّها أيامٌ محدودة وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، وأنها مهما طالت في أعين المخدوعين فإنها ظل زائل وسراب خادع  {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (لقمان:33)، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} (غافر:39).

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

وقال صلى الله عليه وسلم: "مالي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها".
روي عن عيسى عليه السلام أنه قال لأصحابه: الدنيا قنطرة اعبروها ولا تعمروها.
وقال: من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا؟  تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا.

مضمار سباق

إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا.
رمضان سوق قام وهاهو يكاد أن ينفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.. فليت شعري مَن المقبول منا فنهنيه ومن المطرود منعزيه؟!
 

لقد انقسم الناس في رمضان إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، فالسعيد من وفقه الله لطاعته وإتمام العمل وإخلاصه. والشقي من فرط في الشهر وضيعه وخرج منه كما دخل فيه، مصرًّا على الذنب مقيمًا على العصيان. 

فيا من أحسنت في رمضان هنيئًا لك ثواب الله ورضوانه، ورحمته وغفرانه، وعفوه وامتنانه. وأدِم الطاعة لله حتى النهاية فإن الأعمال بالخواتيم، وإياك والغرور فيرد عليك عملك.

ويا أيها المسوف المصر على طغيانه المتمادي في عصيانه؛ لقد عظمت والله مصيبتك وجلت بليتك.. أما سمعت نبيك وهو يقول: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له...". فإلى أي يوم أخرت توبتك؟ وإلى أي عام ادخرت أوبتك؟ أإلى عام مقبل أم إلى رمضان قادم.. هيهات.. وما أدراك أن تبقى مدة عام؟! كم ممن أمِل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر؟! وكم من مستقبل يومًا لم يستكمله؟! ومؤمل غدًا لم يدركه. إنك لو أبصرت الأجل ومسيره لأبغضت الأمل وغروه.

تؤمل أن تخلد والمنايا                       تدور عليك من كل النواحي
ولا تدري إذ أمسيت يومًا                   لعلك لا تعيش إلى الصباح

كم كنت تعرف ممن صام في سلف        من بين أهلٍ وجيران  وخـلاَّن
أفناهم الموت واستبقاك بعــدهُمُ            حيًّا فما أقرب القاصي من الداني

أين من كانوا معنا في رمضان الماضي شاهدين؟! أتاهم والله هادم اللذات وقاطع الشهوات ومفرق الجماعات، فأخلى منهم المشاهد، وعطَّل منهم البيوت والمساجد. فهم في بطون اللحود صرعى لا يملكون لأنفسهم خيرًا ولا نفعًا، ينتظرون أن ينفخ في الصور ليعرضوا على الله فيجازيهم على ما قدموا.

أيها المغرور! أتنتظر أن تكون مثلهم.. تفرط في رمضان وهو في يدك وتطلب غيره وهو بعيد عنك؟!

أتترك من تحب وأنت جار     وتطلبهم وقد بَعُدَ المـزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقًا         وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهمُ حضور    وترجو أن تخـبرك الديار
فنفسك لم ولا تلم المطايا       ومت كمدًا فليس لك اعتذار

 

الأعمال بالخواتيم

أيها الأحبة الصائمون.. لإن كان قد بقي لنا في رمضان كلام فهي دعوة وتذكير..

دعوة لجميع المسلمين أن يجتهدوا في الساعات الباقية فيختموا شهرهم بالحسنى؛ فإن الأعمال بالخواتيم. ومن أحسن فيما بقي غفر له ما مضى. ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقى.

 

وخير ما تشغل به هذه الأوقات هو الاستغفار وطلب العفو من العزيز الغفار، فإنه ختام الأعمال الصالحة، به ختم الله الحج فقال: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(البقرة:199).
وبه ختم قيام الليل فقال: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}(آل عمران:17).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يختم به صلاته فيقول: (أستغفر الله، أستغفر الله.. اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

وأمر الله نبيه أن يختم به حياته فقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}(النصر:3).

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم أن يختموا رمضان بصدقة الفطر وبالاستغفار.. فأكثروا من الاستغفار، وأظهروا لله الحاجة والافتقار.. وقولوا كما قال آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(الأعراف:23).

وكما قال نوح: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(هود:47). 

وكما قال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(القصص:16). 

وكما قال ذو النون: {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}(الأنبياء:87). 

بل وكما قال الصحابة رضي الله عنهم: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(البقرة:286).

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وتول أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، واجعلنا من عتقائك من النار.

233041 الأسرة المسلمة في رمضان

المقال

شهر رمضان مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين، فهو شهر الصيام والقيام، شهر العِتق والغفران، شهر تُفتح فيه أبواب الجنات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه السيئات.. شهر أُنْزِل فيه أنزل القُرآن الكريم، فيه ليلة (ليلة القدر) خير من ألف شهر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُبَشِّرُ أصحابه رضوان الله عليهم بقدومه، لِمَا فيهِ مِنَ الخيرِ العميم، والفضائل والبركات الوافرة، فكان يقول لهم: (أتاكم شهرُ رمضان، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ (تُشَدُّ الأغلالُ والسَّلاسِل) فيه مَرَدَة الشياطين (رُؤساءُ الشَياطين)، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقد وردت الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبيّن فضل شهر رمضان وما فيه من خيرات ورحمات، وفضائل وبركات.. ومن ثم فالأسرة المسلمة ترى شهر رمضان ليس ضيفًا عاديًّا يمكن أن تستقبله دون إعداد واستعداد، بل هي تفرح وتستبشر به، وتُحْسِن استقباله والاستعداد له، والعمل والعبادة فيه، حتى يَعُمَّ عليها خيره وفضله..

الأسرة: 

الأسرة هي اللبنة الأساسيّة في بناء المجتمع، وللأسرة أهمية عظيمة في الإسلام، وذلك لأنَّها المسؤول الأول في تنشئة الأجيال، وهي المحضن الأول لنشأة الصغار، وسعادتهم مقصد كل أب وأم، وأطفالنا هم الأمانة التي استرعانا الله إياها، وما نربيهم عليه ونبثه فيهم مِنْ قيم ومبادئ، يساهم بشكل كبير في تكوين شخصياتهم وتشكيل سلوكهم خاصة في شهر رمضان المبارك.. ولا شك أننا محاسبون على أولادنا، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع فمسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلِها (زوجها) وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري. والراعي هو الحافظ المؤتمَن، الملتزم بمصالح ما قام عليه في أموره الدينية والدنيوية، والذي سيُسْأل أمام الله عن رعيته: ضيَّع أم حفِظ؟!. وعلى الوالدين أن يتذكرا دائما أن نعمة الأولاد مسؤولية وأمانة، سيُسْألان عنها يوم القيامة.. ومن هذه المسئولية للآباء والأمهات تجاه أبنائهم: تربيتهم وتنشئتهم من صغرهم على طاعة الله وعبادته، وعلى حُسْن الأخلاق والمعاملات. قال ابن القيم: "فمَنْ أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بهم كبارا".

استعداد واستقبال الأسرة المسلمة لرمضان:

استعداد الأسرة المسلمة لشهر رمضان يكون من ناحيتين: الاستعداد الإيماني والاستعداد المادي. ومِنْ أهم ما يجب أن تعتني به الأسرة وهي بصدد الاستعداد الإيماني: المحافظة على الصلاة، وتعريف الأبناء فضل وعِظم وبركة هذا الشهر الكريم، مع شحذ همة واستحضار النية لأفراد الأسرة جميعا للخروج بأقصى زاد من تقوى الله عز وجل من هذا الشهر الفضيل، ويكون أفرادها جميعا ممن غفر الله عز وجل لهم، وجعلهم من عباده الفائزين المقبولين.
والمقصود بالاستعداد المادي هو أن توفر الأسرة ما قد تحتاجه من مستلزمات البيت خلال شهر رمضان بدون إسراف ولا تقتير، حتى يتسنى لها الحفاظ على أوقاتها في هذا الشهر الكريم. وقد قال الله تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ}(الأعراف:31). ومما يلاحظ على بعض الأُسَر أنهم يجعلون من شهر رمضان موسماً سنوياً للإسراف في الطعام والشراب، ويسرفون في ذلك إسرافا كبيرا، والنتيجة من وراء ذلك إضاعة الأوقات والمال، وإرهاق الأسرة بدنيا وماديا، قال ابن تيمية: "فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإنّ أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يبصرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها". وقال ابن القيم: "فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحسبك بهذين شرا، فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام! وكم من طاعة حال دونها! فمن وُقِيَ شر بطنه، فقد وقيَ شرا عظيما". ومن ثم فالأسرة المسلمة في رمضان وغيره توطن نفسها وأفرادها على الاعتدال والوسطية في المآكل والمشارب، ولا تعرف الإسراف أو التقتير.

ولا تنسى الأسرة المسلمة في استقبالها لشهر رمضان من باب صلة الأرحام وحُسْن الجِيرة: تهنئة الأقارب والجيران ولو بالهاتف إن لم يتيسر أكثر من ذلك. وكذلك إظهار السعادة والسرور، وتعليق بعض الأنوار أو الزهور، مع تعريف الأبناء والأطفال فضل وعِظم هذا الشهر المبارك، ليُغْرَس في نفوسهم حب هذا الشهر الكريم والتطلع والشوق إليه كل عام.

وصايا للأسرة المسلمة في رمضان:

مما ينبغي على الآباء والأمهات خاصة في شهر رمضان: التكاتف والتعاون على الطاعة والعبادة، والبر والخير، وإرشاد أولادهم والأخذ بأيديهم للوصول إلى أن يكونوا من الفائزين المقبولين في رمضان، ومن السعداء في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الوصايا والوسائل للأسرة المسلمة لتكون ـ بفضل الله تعالى ـ من الفائزين الرابحين في رمضان وفي حياتها كلها:

1 ـ ينبغي على الأسرة ـ الأب والأم والأبناء ـ في آخر يوم من شهر شعبان التطلع بشوق وفرح لمعرفة رؤية هلال رمضان، وإظهار البِشْر والسعادة بتحقق رؤية هلاله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأى الهلال الذي يَبْدَأُ به الشَّهْر القَمَريّ: (اللهمَّ أهلَّه علينا باليُمنِ والإيمانِ، والسلامةِ والإسلامِ، ربِّي وربُّكَ اللَّه) رواه الترمذي وصححه الألباني.

2 ـ استحضار النية والإخلاص لله عز وجل مِنْ كل فرد من أفراد الأسرة، فالنيَّة هي الفعل القلبيُّ الذي لا يراه أحد إلاَّ الله سبحانه وتعالى، وبمقتضاها يكون الجزاء: إمَّا ثواب، وإمَّا عقاب، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والأسرة المسلمة في رمضان وغيره ترجو بعبادتها وجميع أعمالها ثوابَ الله تعالى. ومع اسحتضار الأسرة النية فإنها كذلك ـ بجميع أفرادها ـ تنوي وتعزم على التوبة من كل الذنوب، ما كان منها في حق الله، وما كان منها في حق العباد، فرمضان فرصة ـ للكبير والصغير ـ للتوبة، وللمصالحة وصلة الرحم، والعفو والتسامح.

3 ـ على أفراد الأسرة جميعا الجلوس في الليلة الأولى من رمضان (آخر يوم من شعبان) للتذكير بشهر رمضان وفضله، وأجر الصيام والقيام، وتعريف الأبناء بحقيقة الصيام، وأنه ليس فقط ترك الطعام والشراب، ف (ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوع، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهر) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فشهر رمضان والصيام هو طريق لتحصيل التقوى وحُسْن الأخلاق، وينغي كذلك على الوالدين حث أبناءهم وتشجيعهم على استثماره والاجتهاد فيه في عبادة الله وطاعته، إذ هو سبيل وطريق عظيم لمغفرة الذنوب وتكثير الحسنات.

4 ـ على الآباء والأمهات الاهتمام ـ وخاصة في رمضان ـ بالتربية الإيمانية للأبناء، وغرس فيهم الحرص على المحافظة على الصلاة، وتعويد الصغار على الصيام، ومتابعتهم وشحذ همة المقصر منهم.. والحرص كل الحرص على ختم القرآن في رمضان، فرمضان هو شهر القرآن، ولكثرة القراءة فيه مزية خاصة، وكان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدًا وتبيينًا. وكان السلف يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غيرها. كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام". وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.

5 ـ قد يوجد في البيت أولاد صغار بحاجة للتشجيع على الصيام، فعلى الوالدين حثهم على السحور، وتشجيعهم ماديا ومعنوياً على الصيام، والتدرج معهم في الصوم عدة ساعات من النهار، أو صيام اليوم كله على حسب استطاعتهم وقدرتهم. عن الرُبَيِّع بنت مُعَوذ رضي الله عنها قالت: "كنا نُصَوِّم صبياننا الصغار ونذهب بهم إلى المساجد، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن (القطن)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". قال النووي: "وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين". مع تعويد الأبناء مشاركة الأسرة نظامها في هذا الشهر الطيب، والجلوس على مائدة الإفطار مع الكبار ليشاركوهم فرحتهم وطعامهم.

6 ـ التعاون بين أفراد الأسرة في أعباء ومسئوليات البيت، ومن ذلك إعانة الأم في إعداد المائدة وتجهيزها، وكذا في رفع الباقي من الطعام عن المائدة، وحفظ الطعام الصالح للأكل. وعلى الزوج أن يساعد زوجته، وألا يكلِّفها بما لا طاقة لها به من حيث إعداد الطعام. تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلاّ أنه كان ضحّاكاً بسّاماً، وما كان إلاّ بشراً مِن البشر، كان يكون في مهنة أهله (خدمتهم ومساعدتهم)...ولا رأيتُه ضرب بيده امرأة ولا خادما".

7 ـ على الوالدين تذكير الأبناء بفضل المحافظة على صلاة الفرائض في المسجد، والمواظبة على صلاة التراويح، وما أعدّه الله عز وجل من الأجر والثواب لمن حافظ عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَات الخَمْس، وَالْجُمْعَة إلى الجُمْعَة، ورمضان إلى رمضان، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائر) رواه مسلم. وقال: (مَن قام رمضان إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه) رواه البخاري. قال الكرماني: "اتفقوا على أن المراد بقيامه صلاة التراويح". مع الاهتمام الكبير من الوالدين والأبناء بالاجتهاد في العبادة والمحافظة على صلاة التراويح في العشر الأواخر من رمضان لإدراك ليلة القدر التي قال الله تعالى عنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر:3). والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: (وفيه (في رمضان) ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: (ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

8 ـ على الوالدين الاهتمام بأعمال الخير المتنوعة، وحث أبناءهم على الشعور بالفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور إلى قلوبهم، وتشجيعهم على الجُود والتصدق، وتفقد أحوال الجيران، فقد كان الجود والإنفاق من هدْي النبي صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل".

9 - بالنسبة للسحور يُذكِّر الأبوان أبناءهما ببركة السحور، وأنه يقوي الإنسان على الصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحَّروا فإن في السَّحور بركة) رواه البخاري. والبَركةُ في السُّحورِ تَحصُلُ بجِهاتٍ مُتعدِّدة، وهي: اتِّباعُ السُّنة، ومُخالَفة أهْلِ الكتاب لأنَّهم لا يَتسحَّرون، والتَّقوِّي على العبادة.

10 ـ إن تيَسَّر للأب والأم الذهاب بالأسرة إلى العمرة في رمضان فخيرٌ وفضل كبير يقدمونه لأنفسهم ولأسرتهم، فالعمرة في رمضان لها أجر وثواب حجة كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: "معنى ذلك في الأجر والثواب، لا في الإجزاء عن الفريضة بغير خلاف".

11 ـ الأسرة المسلمة في رمضان وغير رمضان لا تُقبِل إلا على الطيب من البرامج الإعلامية، ولا تشغل أوقاتها إلا بالنافع والمفيد من البرامج التي ترشدها إلى ما ينفعها في أمر دينها ودنياها، وعلى الآباء والأمهات ـ بجانب محافظة الأبناء الصغار على الصلاة وورد من القرآن ـ إشغال أولادهم وتسليتهم ببعض المهارات الفنية والمسلية، وجلب لهم كراسات التلوين التي تنمي مهاراتهم وقدراتهم، وفتح لهم جهاز الحاسب الآلي في وقت محدد لمشاهدة بعض البرامج التعليمية والترفيهية...وكذلك على الوالدين الاهتمام بالمرح والدعابة مع الأبناء، وقد اعتبر الكثير من التربويين اللعب والمرح وسيلة من وسائل التربية، والأسرة محتاجة إلى اللعب والترويح ـ بالضوابط الشرعية ـ كحاجتها للطعام والشراب...مع تعريف الأبناء أن الأصل في هذا الشهر المبارك هو الاجتهاد والإقبال على القرآن الكريم تلاوةً وتدبرّاً وسماعاً.

12 ـ أيام شهر رمضان فرصة للوالدين لتعليم أولادهما شيئا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليستفيدوا من دروسها وعبرها، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقدرون للسيرة النبوية قدرها، ويتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم، فكان علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: "كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نُعلم السورة من القرآن". ومن فوائد وثمرات تعلم أولادنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يجدون فيها القدوة، فهي تقدم إليهم نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج المثالي للمسلم في حسن معاملته لأهله، وللأب في حنو عاطفته، والصاحب في حبه وحسن معاملته لأصحابه، والمسلم الجامع بين واجباته وعبادته لربه.. وكل من يبحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه سيجد ذلك نموذجاً ماثلاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} (الأحزاب21).

مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن يبلغهم شهر رمضان، فهو شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُغْفَر فيه الذنوب والسيئات، وتُضاعف فيه الأجور والدرجات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، ويعتق الله فيه عباده من النيران، فحريٌّ بالأسرة المسلمة أن تستغل هذا الشهر بما يعود عليها بالخير.


نسأل الله تعالى أن يجعل شهر رمضان عوناً لنا على طاعته، وأن يعيننا على حُسْن صيامه وقيامه، ويجعلنا فيه من الفائزين الرابحين، ومِنْ عتقائه مِنَ النار ومن المقبولين.

205225 ذهب الظمأ وابتلت العروق

المقال

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله) رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن، وروى الطبراني بإسناد فيه ضعف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (بسم الله، اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت)، وله طريق مرسل عند أبي داود في سننه.

في رحاب الحديث

كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (إذا أفطر) أي من صومه، (قال) أي بعد الإفطار، (ذهب الظَّمَأ) وهو العطش، (وابتلت العروق) أي بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، ولم يقل: وذهب الجوع؛ لأن أرض الحجاز حارة، فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا العطش، وكانوا يمتدحون بقلة الأكل لا بقلة الشرب، (وثبت الأجر) أي زال التعب وحصل الثواب، (إن شاء الله) علق الأجر بالمشيئة هنا لعدم وجوب الأجر عليه تعالى وإنما هو محض تفضل وإنعام منه سبحانه وتعالى.

في هذا الدعاء العظيم حثٌّ على العبادة والطاعة، لزوال التعب وبقاء الأجر، فإن التعب يسيرٌ لذهابه وزواله، والأجر كثيرٌ لثباته وبقائه، وهذا أعظم محفِّز، وأقوى مرغِّب.

قال الإمام الطيبي: "ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور}(فاطر:34)..، وقوله (ثبت الأجر) بعد قوله (ذهب الظمأ) استبشار منه؛ لأنه من فاز ببغيته ونال مطلوبه بعد التعب والنصب، وأراد اللذة بما أدركه، ذكر له تلك المشقة، ومن ثم حمد أهل الجنة في الجنة".

وثبوت الأجر إن شاء الله بأن يقبل الله تعالى الصوم من عباده، ويتولى جزاءه بنفسه، كما وعد سبحانه: {إن الله لا يخلف الميعاد}(آل عمران:9).

وقد صح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوة الصائم لا ترد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي وصححه الألباني.

والمراد بدعوة الصائم هنا دعاؤه حال صيامه أو عند إفطاره، قال الإمام المناوي في فيض القدير: "ومراده كامل الصوم الذي صان جميع جوارحه عن المخالفات، فيجاب دعاؤه لطهارة جسده بمخالفة هواه" والله أعلم.

135308 أصناف الناس في رمضان

المقال

جعل الله سبحانه وتعالى شهر رمضان مضماراً لخلقه، يتسابقون فيه لطاعته، امتثالاً لقوله: {فاستبقوا الخيرات} (البقرة:148).
فسَبَق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، وقد أخبر سبحانه عن ثلاثة مواقف لعباده في تلقي أوامره وشرعه، فقال سبحانه: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} (فاطر:32) فأصناف الناس في تلقي شرعه سبحانه ثلاثة، منهم مقصر في حق خالقه، وبعضهم آخذ بظاهر العبادة دون حقيقتها، وثالث عالم وعامل بحقيقتها وحكمتها.

ومواقف الناس في صيام شهر رمضان ينطبق عليها ما تقرر سابقاً، وقد بينها الإمام الغزالي عندما اعتبر أن الناس في صوم رمضان على ثلاث درجات: صوم العامة، وصوم الخاصة، وصوم خاصة الخاصة.

أما صيام الصنف الأول -وهو صوم العامة- فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة فحسب، وليس وراء ذلك شيء. وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن هذا الصنف من الناس بقوله: (رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني

وأما صوم الخاصة فهو كف الجوارح عن الآثام، كغض البصر عما حرم الله، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وكف السمع عن الإصغاء إلى الحرام، وكف باقي الجوارح عن ارتكاب الآثام، وهذا الصنف ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يَصْخَب، فإن سابَّه أحد أو قاتله أحد فَلْيَقُلْ إني صائم) متفق عليه.
ثم إن من صفات هذا الصنف أنك تجد قلبه معلقاً بين الخوف والرجاء، مستحضراً قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون:60)، إذ ليس يدري أيُقبل صومه، فيكون من أصحاب اليمين المقربين، أم يرد فيكون من أصحاب الشمال المبعدين المحرومين.

أما صوم خاصة الخاصة، فهو صوم القلب عن الأفعال الدنيئة، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله سبحانه بالكلية، وقد وصف الغزالي صاحب هذه الرتبة بأنه مقبل بكامل الهمة على الله، منصرف عما سواه، متمثلاً -في كل ذلك- قوله تعالى: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (الأنعام:91)، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين من عباده المخلَصين.

فحقيق بالمسلم أن يربأ بنفسه عن صوم العوام -وهو صوم البطن والفرج- وأن يأخذ بنفسه إلى مراتب صوم الخواص، ليكون من المقربين عند رب العالمين، وَلِيَصْدُقَ عليه قوله تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} (الأحقاف:16)، والله الموفق.

135232 أحاديث صحيحة في الصيام

المقال

هذه جملة من الأحاديث الصحيحة في الصيام، قسمناها إلى ما يلي:

أولاً: أحاديث في صيام رمضان خصوصاً

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه الشيخان.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" متفق عليه.

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر) رواه مسلم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين) رواه مسلم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

ثانياً: أحاديث في الصيام عموماً

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، فقال: (عليك بالصوم، فإنه لا مثل له) رواه النسائي.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: كل عمل بن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكّفرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر والنهي) متفق عليه.

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الصيام جُنّة من النار، كجنّة أحدكم من القتال) رواه ابن ماجه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنّة وحصن حصين من النار) رواه أحمد.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي في "السنن"، والضياء في "الأحاديث المختارة"، وإسناده حسن.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، فقلت: نعم، قال: (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونَفِهَتْ له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله)، قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: (فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً). رواه البخاري ومسلم. معنى (نَفِهَتْ) أي: تعبت وكلَّت.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام الأبد فلا صام ولا أفطر) رواه النسائي.

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام ثلاثة أيام من الشهر، فقد صام الدهر كله)، ثم قال: (صدق الله في كتابه): {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (الأنعام:160) رواه النسائي، وصححه الشيخ الألباني.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنّة ثمانية أبواب، فيها باب يُسمى الريّان، لا يدخله إلا الصائمون) رواه البخاري، وزاد النسائي: (فإذا دخل آخرهم أُغلق، من دخل فيه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً).

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها)، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام) رواه الترمذي.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان) رواه أحمد.

عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهنّ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكاد أن يبطئ، فقال له عيسى: إنك قدُ أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهنّ، وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإما أن تبلغهنّ، وإما أبلغهنّ. فقال له: يا أخي! إني أخشى إن سبقتني أن أُعذّب أو يُخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، وقعد على الشُرَف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ، وآمركم أن تعملوا بهنّ -وذكر منهنّ- وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرّة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) رواه أحمد.

عن علقمة والأسود رضي الله عنهما قالا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه. (الباءة) في اللغة الجماع، والتقدير: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح. وقيل: المراد بالباءة هنا مؤن الزواج. و(الوجاء) الوقاية والحماية.

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم، إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعيّ، فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهّله لك، فصعدتُ، حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار. ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلّقين بعراقيّبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلّة صومهم) رواه ابن خزيمة. و(الضبْع) هو الساعد من المرفق إلى الكتف.

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخّرون) رواه أبو داود.

ثالثاً: أحاديث في فضل السحور

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر) رواه مسلم.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السحور أكله بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحّرين) رواه أحمد وابن حبان.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين) رواه ابن حبّان.

عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بغداء السحور؛ فإنه هو الغداء المبارك) رواه النسائي.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة) رواه الطبراني.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسحّروا ولو بجرعة من ماء) رواه ابن حبّان.

227635 رمضان.. ولزوم التوبة

المقال

رمَضانُ أقبلَ قُم بنا يا صاحِ هذا أوانُ تبتُّلٍ وصلاحِ
واغنَمْ ثوابَ صيامه وقيامِه تَسعَدْ بخيرٍ دائم وفَلاحِ

ها هي الشهور قد توالت متتابعات، وها هي الأيام قد انفرطت مسرعات تؤذننا بقرب دخول شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والبركات.

وقد اتفقت كلمة الأمة على أن رمضان أعظم موسم خير وأكبر نفحة يهبها الله للمسلمين، فإذا كان الأمر كذلك.. وجب على كل مسلم ألا يتعامل مع رمضان كتعامله مع بقية الشهور، ولا مع أيامه تعامله مع بقية الأيام، لأن التعامل مع الأمور المتفاوتة نفس التعامل دليل قلة عقل وعدم فهم، وسوء تقدير للأمور، ووضع لها في غير موضعها.

إن بلوغ رمضان نعمة كبرى وإنما يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون، فإذا كان الله قد من عليك ببلوغه ومد في عمرك للوصول إليه، فالواجب استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة فإنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، وخسارة ما بعدها خسارة.

شهر المغفرة
وأعظم الحسرات على الإطلاق أن يخرج الإنسان من رمضان دون أن يُغفر له، فإن من أعظم ما وُصف به رمضان أنه شهر التوبة وشهر المغفرة، وكأن الله اختاره لهذه الأمة ليغفر لها ويتوب عليها؛ فكل ما فيه من أسباب المغفرة:
كما جاء عن المعصوم عليه الصلاة والسلام:
ـ (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)..
ثم إذا كانت آخر ليلة من رمضان أعتق الله بعدد ما أعتق في رمضان كله.

فإذا حُرِم العبد المغفرة بعد كل هذا فمتى يرتجي حصولها، وفي أي وقت يصبح من أهلها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. ففي أي وقت يستنير ويزهر؟
قَالَ عليه الصلاة والسلام: (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ).
وكيف لا يبعده الله وكل شيء في رمضان مهيأ لتوبته وأوبته، وتسهيل عودته وعبادته، وليس موسم في السنة أجدر بالتوبة منه؟!

غير أن من أراد تحصيل التوبة في رمضان فعليه السعي في طلبها، وبذل الوسع في تحصيلها، وإعطاء المجهود من نفسه ليرى الله منه رغبة في الطلب وسعيا فيمن عليه.

وأول طريق تحصيل العفو والمغفرة في رمضان هو التوبة قبل رمضان؛ وذلك أن رمضان مضمار سباق كما قال الحسن البصري: "إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا".
وكل مسلم مندوب للدخول في المضمار، والاشتراك في هذا السباق، وإنما يتخلف عنه كل مخذول غير موفق. غير أن من أراد أن يكون من أهل السبق وأصحاب المنافسة على المراكز الأولى، ونيل مغفرة الله وعفوه، وأن يكون من الفائزين؛ فلابد له من تخفيف حمله بتوبة صادقة، إذ لا يمكن أن يفوز أحد في سباق وقد حمل على ظهره حملا ثقيلا وحجرا كبيرا، لأن هذا الثقل يمنعه من الخفة، ويحرمه من المنافسة. وإن أثقل الأحمال حمل الذنوب والمعاصي؛ فإنها والله تنهك البدن وتتعبه، وتنقض الظهر حتى تكاد تكسره، قال تعالى: {ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك}(الشرح:2، 3).
فالذنوب تمنع صاحبها من الخفة إلى الطاعات ويحرم من المسارعة إلى الخيرات.

والذنوب حجاب بين العبد وبين الله: فهي توجب الحرمان، وتعقب الخذلان، وتمنع صاحبها عن السير إلى طاعة الرحمن. فالقلب المتلطخ بالأقذار، الممتلئ بالأوزار، لا يصلح للقرب من ساحة الطهر ساحة العزيز الغفار، فإنها ساحة الطيب والنقاء ولا يصلح لها إلا قلب طيب تقي نقي (فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).
قال بعض الصالحين: "حُرِمْتُ قيام الليل سنة بذنبٍ عملته".
وعندما قيل للحسن لا نستطيع قيام الليل، قال: "قيدتكم خطاياكم".
وقال الفضيل: "إذا كنت لا تستطيع قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محبوس قد قيدتك ذنوبك".

والذنوب تفسد القلب وتظلمه: قال عليه الصلاة والسلام: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرً، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) رواه مسلم.
فبين أن الذنوب تذهب ببصيرة العبد، فلا يرى الحق حقا، ولا الباطل باطلا، ولا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه.

والذنوب قسوة للقلب: ففي الحديث: (وإن أبعد الناس من الله صاحب القلب القاسي)، وكلما قسى القلب جفا العبادة واستثقل القرب، وألف الغفلة والبعد، فإن تكلف العبادة لم يجد لها لذة ولا بهجة، ولا حلاوة ولا أنس ولا صفوة، وإنما بكد يحمل على سرعة الفرار وعدم الاستمرار.

والذنوب تسبب الوحشة فيما بين العبد وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله، وهذا الأخير يمنع العبد من كثير من الأعمال الطيبة. فكلما أراد أن يرفع يديه ويدعو ربه، حالت تلك الوحشة بينه وبين الدعاء، وإذا خلا فأراد أن يقوم يصلي حجبته الوحشة عن القيام للصلاة، وإذا تفرد بنفسه عن الناس وأراد أن يذكر ربه ويستغفر لذنبه، حالت بينه وبين ذلك تلك الوحشة؛ فيقوم يبحث عن إنسان يأنس به ليهرب من هذه الوحشة إذ أنسه بالناس لا بالله.
فلا علاج لكل ذلك إلا بالتوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء، ودوام الاستغفار، وكثرة الإلحاح، والتضرع إلى الله بالقبول، وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان، وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار..

وعلامة الصدق: كثرة الإلحاح، ودوام الطلب، وكثرة الاستغفار.
فارفع يديك إليه وناجه وتوسل إليه.
يا من يرى ما في الضمير ويسمع .. أنت المعـــد لكـل مـا يتوقـع
يا مـــن يرجّـــى للشــدائد كـــلها .. يا من إليه المشتكى والمفـزع
يا من خزائن فضـله في قول كن .. امنن فإن الخير عندك أجـمع
مالي ســـوى فقـري إليك وســيلة .. فبالافتــقــار إليك فقـري أدفع
مالي ــسوى قرعـي لبابك حــيلة .. فـإذا رددت فــأي باب أقــرع
ومن الذي أرجو وأهتف باسمه.. إن كان جودك عن فقيرك يمنع
حاشـا لفضلك أن تقنـط راجيا .. الجود أجـزل والمـواهب أوســع

فـ {فسارعوا إلى مغفرة من ربكم}(آل عمران:133)، {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31).

اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا فيه توبة نصوحا تغفر لنا بها ما فات، وتصلح لنا بها ما هو آت، وتكتبنا بها من أهل الجنات.. آمين.

178601 مراتب الصوم

المقال

ذكر الإمام الغزالي أن الصوم ليس على درجة واحدة، وإنما هو على درجات، فليس كل من امتنع عن المفطرات المادية يكون قد أتى بمعنى الصوم؛ إذ إن حقيقة الصوم فوق هذا، وهي الامتناع عن المفطرات المعنوية؛ ولأجل هذا المعنى جعله الغزالي على ثلاث درجات، فقال في الإحياء: اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك من زاد الآخرة، وليس من الدنيا، حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه، كُتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل، وقلة اليقين برزقه الموعود، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين، ولا يطول النظر في تفصيلها قولاً، ولكن في تحقيقها عملاً، فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل، وانصراف عن غير الله سبحانه، وتَلَبُّسٌ بمعنى قوله عز وجل: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (الأنعام:91).

وقد ذكر أن صوم الخصوص - وهو صوم الصالحين - إنما يحصل بستة أمور: 

الأول: غض البصر، وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يُذّم ويُكْره وإلى كل ما يُشغل القلب، ويلهي عن ذكر الله عز وجل، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} (النور/ 30 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تتبع النظر النظر، فإن الأولى لك، وليست لك الآخرة) رواه أحمد وهوحسن بالشواهد.

الثاني
: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمِراء، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن، فهذا صوم اللسان، وقد قال سفيان: الغيبة تفسد الصوم، وروي عن مجاهد قوله: خصلتان تفسدان الصيام: الغيبة والكذب، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جُنَّةٌ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابَّه أحد، أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) متفق عليه.

الثالث: كفُّ السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حَرُمَ قوله حَرُم الإصغاء إليه؛ ولذلك قرن الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت، فقال تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} (المائدة:42)، وقال عز وجل: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} (المائدة:63)، فالسكوت على الغيبة وعدم الإنكار على قائلها حرام، وقال تعالى: {إنكم إذاً مثلهم} (النساء:140). فالمستمع شريك المغتاب ما لم ينهه عن هذا المنكر..

الرابع
: كفُّ بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكفُّ البطن عن الشبهات وقت الإفطار، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال، ثم الإفطار على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصراً، ويهدم مِصْراً، فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه، فالصوم لتقليله، وتارك الاستكثار من الدواء خوفاً من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهاً، والحرام سم مهلك للدِّين، والحلال دواء ينفع قليله، ويضر كثيره، وقَصْدُ الصوم تقليله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش) رواه أحمد، قيل: هو الذي يفطر على الحرام، وقيل: هو الذي يمسك عن الطعام الحلال، ويفطر على لحوم الناس بالغيبة، وقيل: هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام.

الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار، بحيث يمتلىء جوفه، فقد أخرج النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما وعاء شر من بطن، حسب المسلم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة؛ فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه). وكيف يستفاد من الصوم قَهْرُ عدو الله، وكسر الشهوة، إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام؟ حتى استمرت العادات بأن تُدَّخَرَ جميع الأطعمة لرمضان، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في غيره، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء، وكسر الهوى؛ لتقوى النفس على التقوى، وإذا مُنِعَت المعدة من وسط النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها، وقويت رغبتها، ثم أُطعِمَت من اللذات وأُشبعت، زادت لذتها، وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما كانت راكدة، فروح الصوم وسره إضعاف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل نهاراً إلى ما كان يأكل ليلاً، فلا ينتفع بصومه.
ومن الآداب: أن لا يُكْثِر النوم بالنهار حتى يَحُسَّ بالجوع والعطش، ويستشعر ضعف القوى، فيصفو عند ذلك قلبه، ويستديم في كل ليلة قدراً من الضعف، حتى يخف عليه تهجده وأوراده، فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه، فينظر إلى ملكوت السماء.

السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء؛ إذ ليس يدري أيُقبل صومه، فهو من المقربين، أو يُرَدُّ عليه فهو من الممقوتين؟ وقد روي عن الحسن البصري أنه مرَّ بقوم وهم يضحكون، فقال: "إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون، وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كُشِفَ الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، أي: كان سرور المقبول يشغله عن اللعب، وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك". 

ثم أثار الغزالي هنا سؤالاً، فقال: "فإن قلتَ: فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج، وتَرْكِ هذه المعاني، فقد قال الفقهاء: صومه صحيح، فما معناه؟".
وقد أجاب الغزالي عن هذا السؤال بقوله: "اعلم أن فقهاء الظاهر يُثْبِتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة، لاسيما الغيبة وأمثالها، وليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم المُكَلَفين المقبلين على الدنيا الدخول تحته، فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول، وبالقبول الوصول إلى المقصود، ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بأخلاق الله عز وجل، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات - بحسب الإمكان - فإنهم منزهون عن الشهوات، والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم؛ لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين، والتحق بغمار البهائم، وكلما قمع الشهوات، ارتفع إلى أعلى عليين، والتحق بأفق الملائكة..

والملائكة مقربون من الله عز وجل، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم، فإن الشبيه من القريب قريب، وليس القرب ثَمَّ بالمكان، بل بالصفات، وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب، فأي جدوى لتأخير أكلة، وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأُخر طول النهار؟ ولو كان لمثله جدوى، فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش)، ومن فهم معنى الصوم وسره، عَلِمَ أن مثل من كفَّ عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات، فقد وافق في الظاهر العدد، إلا أنه ترك المهم، وهو الغُسْلُ، فصلاته مردودة عليه بجهله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الصوم أمانة، فليحفظ أحدكم أمانته) أخرجه الخرائطي وإسناده حسن، ولما تلا قوله عز وجل: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}(النساء:58)، وضع يده على سمعه وبصره. أخرجه أبو داود، ولولا أن السمع والبصر - وكذلك سائر الجوارح - من أمانات الصوم، لما قال صلى الله عليه وسلم: (فليقل: إني صائم)، أي: إني أودعت لساني وبصري وجوارحي كافة لأحفظها، فكيف أُطلقها فيما لا يُرضي الله سبحانه؟". 

وبهذا تعلم، أن الصوم ليس في مرتبة واحدة، بل هو في مراتب متفاوتة، أعلاها صوم القلوب والجوارح عن كل ما لا يُرضي الله سبحانه من الأفعال والأقوال، وأدناها الصوم عن الطعام والشراب والنكاح، وشتان ما بينهما، وقد تبين لك الفرق بينهما. والله الموفق. 

205450 من عادات الصالحين وعباداتهم في رمضان

المقال

لم يزل رمضان ذلكم الضيف الكريم الذي يُنتظر على مدى العام تستشرف النفوس للقائه، وتعم الأكوان مظاهر البهجة والفرح بقدومه، وتتنوع مظاهر هذا الاحتفاء وهاتيكم البهجة إلى ما شاء الله لها أن تبلغ من التعداد والتنوع؛ مما يعبر عن الانفعال النفسي الجياش في الذائقة الإسلامية بقدوم هذا الشهر الميمون، ولا غرو فهو من مواسم الخير التي يفتح الله فيها أبواب رحماته لتتنزل خيراته تترى على عباده، وليغمرهم بفضائل جوده وسبائك إنعامه، ومن خلال هذه السياحة السريعة سنقف عند محطات بارزة من خط سير الصالحين، ودأبهم في هذا الشهر الكريم، مما اتخذوه عادة من خصال الخير وأفعال البر يداومون على فعله كلما أعاد الله عليهم أيام هذا الشهر وأوقاته، نستقري تلك المواقف من مصادر تاريخنا المعتمدة لنتأسى ببعض ما كانوا عليه من استثمار لحظات هذا الشهر الكريم وأوقاته في التصدي لنفحات الله والتعرض لمواسم جوده .

من صور تلك المواقف التي حفظ لنا التاريخ اللقطات التالية:
• كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولي عثمان رضي الله عنه أقر ذلك وزاده، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، والمعتكفين، وأبناء السبيل، والفقراء، والمساكين.
• كان الأسود النخعي صوَّاما قوَّاما حجاجا وكان يختم القرآن في كل ست ليال فإذا كان رمضان ختَمَهُ ختمةً في كل ليلتين.
• كان ثابت البنانى يختم القرآن فى كل يوم وليلة من شهر رمضان.

• تواتر عن الإمام الشافعي أنه كان يخْتم القرآن فِي كل يَوْم ختمة فَإِذا كَانَ رَمَضَان قَرَأَ بِالنَّهَارِ ختمة وبالليل أُخْرَى.
• روي عن أبي بكر بن الحداد المعروف بالفضل والدين والاجتهاد في العبادة أنه قال: أخذت نفسي بما رواه الربيع، عن الشافعي، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة.
• كان حماد بن أبي سليمان يُفطِّر في كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا، فإذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا.

• كان السلطان ألْب أرسلان فِي أواخر أيام دولته من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم فِي الجهاد وَفِي نصرة الدين، وكان يتصدَّق فِي كل رمضان بأربعة آلاف دينار ببلْخ، ومرْو، وهَراة، ونَيْسابور، ويتصدق بحضرته بعشرة آلاف دينار .
• الشَّيْخ المفتي الفقيه، الإِمَام كمال الدّين المَغَربيّ، الشّافعيّ، أحد كبار فُقهاء الشام كان فِي كلّ رمضان ينسخ ختْمة كاملة من القرآن ثم يُوقِفُها احتسابا وطلبا للأجر.
• كان الصاحب بن عباد جوادا كريما لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائنا من كان فيخرج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها وكانت هداياه وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة.

• كان العلامة المفسر قاضي حلب والقسطنطينية عصام الدين أبو الخير المعروف بطاشكبرى زاده ذا خط مليح وضبط صحيح، وكان مدرسا بمدارس الدولة العثمانية، فكان من عادته أن يدعو طلبته للإفطار عنده في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، وكان يقول: إني منذ توليت التدريس جعلت لنفسي عادة وهي أن أكتب في كل سنة نسخة من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وأبيعها بثلاثة آلاف درهم وأنفق ذلك المبلغ على طعام الطلبة في ليالي رمضان.
• القائد سرور الزبيدي وزير دولة آل نجاح باليمن كانت نفقاته وصدقاته تتسع في رمضان اتساعا يجاوز الحد والوصف؛ بحيث كانت وظيفة مطبخه في كل يوم من رمضان تبلغ ألف دينار؛ بمعنى أنه ينفق في كل رمضان أكثر من 30000 دينار على إطعام الصائمين، علما بأن مجموع رواتب موظفي قصره وعماله وأعيان دولته في كل سنة لم يكن يتخطى 20000 دينار.

هذه بعض الأمثلة لما كان عليه أسلافنا من اهتمام بهذا الشهر الفضيل واغتنام لساعاته ولحظاته، وتتبع هذا النوع من الأمثلة والنماذج يطول، لكن لعل القاريء يلحظ أن جميع ما تقدم ـ من زيادة بذل الخير في هذا الشهر المعظم أو الاجتهاد في زيادة الحصة  اليومية  من قراءة القرآن فيه - قدوتهم فيه النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حيث يلقاه جبريل عليه السلام في كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه جِبريل عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.
قال ابن الجوزي: "وإنما كثر جوده عليه السلام في رمضان لخمسة أشياء: أحدها: أنه شهر فاضل، وثواب الصدقة يتضاعف فيه، وكذلك العبادات، قال الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره. والثاني: أنه شهر الصوم، فإعطاء الناس إعانة لهم على الفطر والسحور، والثالث: أن إنعام الحق يكثر فيه، فقد جاء في الحديث: أنه يزاد فيه رزق المؤمن، وأنه يعتق فيه كل يوم ألف عتيق من النار، فأحب الرسول أن يوافق ربه عز وجل في الكرم، والرابع: أن كثرة الجود كالشكر لترداد جبريل إليه في كل ليلة. والخامس: أنه لما كان يدارسه القرآن في كل ليلة من رمضان زادت معاينته الآخرة، فأخرج ما في يديه من الدنيا"..

وإذا ما ختمنا بنظرة تحليلية عن الأمثلة التي ذكرنا فسنجد أن فيها نقطتين هامتين:
الأولى: أن المسلمين على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم وأشغالهم يستثمرون أوقات الشهر المبارك ويستفيدون من لحظاته؛ فالعلماء ينصرفون لقراءة القرآن وتدبر معانيه ولاجتهاد في زيادة الحصة اليومية من قراءته، وأهل المال والإمارة يوظفون إمكاناتهم لخدمة الصائمين وإفطارهم والرعاية بهم..

الثانية: أن أصفياء هذه الأمة وصالحيها كانوا يعدون لهذا الموسم عدته، فلم يكونوا يقبلوا بأن تكون نوافلهم وطاعاتهم في رمضان مساوية لما تكون عليه في سائر الشهور، بل إننا لنلحظ في أعمالهم أن هممهم تطمح لأن تكون عباداتهم في هذا الشهر مساوية أو تزيد على الأحد عشر شهرا الباقية من العام.

وهكذا كان دأب  الصالحين من أمتنا وديدن الأخيار من عباد شريعتنا، فلنقتد بهم حين عزت القدوة الصالحة، ولنسلك طريقهم علنا نرد الحوض على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير مغيرين ولا مبدلين ... اللهم آمين.

45180 أخطاء في السّحور

المقال

تناولُ السَّحُور من السنن التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في ذلك قوله: (تسحروا، فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم. وقد فرط بعض المسلمين في هذه السُّنَّة، وأفرط البعض الآخر فيها، فوقعوا في أخطاء نشير إليها تالياً:

أولاً: ترك بعض الناس السحور، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه السحور، ثم إنه قد حث عليه وجعله فارقاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، يقول عليه الصلاة والسلام: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) متفق عليه، ويقول أيضاً: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السَّحَر) رواه مسلم، وبناء على هذين الحديثين ونحوهما، فإن في السحور عوناً على الصيام، وأداء الأعمال والطاعات، فلا ينبغي تركه. 

ثانياً: تعجيل السحور وتقديمه في منتصف الليل أو قبل الفجر بساعة أو ساعتين، وهو خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عَجِّلوا الإفطار، وأخِّروا السحور) رواه الطبراني وصححه الألباني. والسنة أن يكون السحور في وقت السَّحَر قبيل طلوع الفجر بقليل؛ ومنه سمي السحور سحوراً، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحَّرَا، فلما فرغا من سَحُورهما قام النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الصلاةِ فصلَّى، فسُئِل أنس: كم كان بين فراغِهما من سَحُورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: (قدْرَ ما يقرأ الرجل خمسين آية) رواه البخاري.

ثالثاً: الاستمرار في الأكل والشرب مع أذان الصبح وهو يسمع النداء، والواجب أن يحتاط العبد لصومه، فيمسك بمجرد أن يسمع أذان المؤذن.

رابعاً: الإفراط في تناول طعام السَّحور، حيث إن الإفراط في تناول السَّحور يؤدي إلى خمول الجسم، وهذا بدوره يفضي إلى التثاقل عن أداء الواجبات، وهو ما ينافي الحكمة من الصوم، وهي كسر شهوتي البطن والفرج، والسحور إذا كثر فإنه ينافي هذه الحكمة.

قال الحافظ ابن حجر: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحب، كالذي يصنعه المترفون من التأنق في المآكل وكثرة الاستعداد لها، ويحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد أخرج أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: (السحور بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).

خامساً: النوم بعد تناول السَّحور مباشرة، وهو من العادات السيئة، حيث إنه يجلب على صاحبه أضراراً صحية، فضلاً عما فيها من تضيعٍ لصلاة الفجر مع الجماعة، ومخالفةٍ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر؛ لذكر الله إلى أن تطلع الشمس. 

227977 انتهاء رمضان بين الحزن والفرح

المقال

كل عام وأنتم بخير، وأسعد الله أيامكم، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، تقبل الله منا ومنكم الصدقات وقراءة القرآن، تقبل الله منا ومنكم الطاعات والعبادات وسائر الأعمال.

ها هو شهر رمضان قد مضى
مضى بأيامه الفاضلة، ولياليه العامرة.
مضى بعد أن كان بين أيدينا، وملء أسماعنا ونور أبصارنا، وبهجة قلوبنا.
بعد أن كان حديث منابرنا، وزينة منائرنا، وسمر مجالسنا، وحياة مساجدنا.

مضى بعد أن انفض سوق تجارته، وانتهى مضمار سباقه.
مضى حاملا معه صحائف أعمالنا، شاهدا فيها لنا أو علينا.
مضى بعد أن قسم الناس إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.
فليت شعري من أي الأقسام نحن؟.

لقد فاز في رمضان من جد واجتهد؛ ففاز بالرحمة والغفران، والعتق من النيران.
وخسر من خسر بسبب الغفلة والذنوب والعصيان.
فليت شعري من الفائز فنهنيه، ومن الآخَر فنعزيه؟

مضى رمضان فبكت قلوب المؤمنين حزنا على فراقه قبل أن تدمع عيونهم..
وحق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تبكي وتدمع على فراق شهر الرحمة والتوبة والرضوان الغفران.

حق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تدمع على شهر اكتحلت فيه بدموع المحبة والخوف والرجاء، وعزَّت جباهنا بالسجود والذل لرب الأرض والسماء.

حق للقلوب أن تحزن وللعيون أن تدمع على شهر الجد والاجتهاد.. بعد أن جعل القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله متعتنا، وذِكْر الله غذاءنا.

لكنني أقول أيها الإخوة
لئن كان من حقنا أن نحزن على فوات كل هذا الخير بفوات رمضان.. إلا أنه أيضا من حقنا أن نفرح:
نفرح بنعمة الإسلام التي لولاها ما عرفنا الله، ولا عرفنا رسول الله، ولا عرفنا رمضان، ولا عرفنا القرآن.

نفرح بنعمة الإسلام الدين الذي اختاره الله لنا واختارنا الله له بعد أن اختاره الله لنفسه فلا يقبل من أحد دينا سواه.. {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ}(آل عمران:19)، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(آل عمران:85)..

نفرح بنعمة الله علينا، وبإحسانه إلينا وإتمام نعمته وإكمال فضله.. فأكرمنا ببلوغ رمضان، وأتم علينا نعمته بإكماله، وتفضل علينا بتوفيقه، فوفقنا فيه فصمنا الشهر كاملا، وقمنا الشهر كاملا، ودعوناه ورجوناه وأملنا خيره وبره وثوابه ونعماه.

ولماذا لا نفرح والله تعالى يقول: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}(يونس:58)؟

ولماذا لا نفرح النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)..
وقد صمنا بحمد الله، وقمنا بفضل الله، والتمسنا ليلة القدر قدر الطاقة والمستعان الله.
فاللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيمانا واحتسابا، وقام رمضان إيمانا واحتسابا، وممن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا.

إن انقضاء رمضان ليس معناه انتهاء العبادة..
فإذا كان رمضان قد انتهى وزال فإن رب رمضان لا يزول ولا يحول، وإن كان رمضان مضى وفات فإن رب رمضان هو الحي الذي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ليس معنى انتهاء رمضان نهاية الصوم، فإذا كان صوم الفريضة قد تم فهناك صيام النوافل (الاثنين والخميس، والست من شوال، وعاشوراء، وعشر ذي الحجة)

وإذا كان قيام رمضان قد انتهى، فإن قيام الليل لم ينته.. والأمر ما زال كما قال عليه الصلاة والسلام (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل).

وأما القرآن فليس هو بكتاب رمضان فقط، وإنما هو دستور الله لأمة الإسلام على مدار الأوقات والأيام والأزمان.

فيا أيها الأفاضل الكرام:
واصلوا طاعاتكم، وتابعوا قرباتكم، فإن من علامات قبول الطاعة الطاعة بعدها، فلا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياله، ولا بالجود والكرم آخر يوم فيه.. ولكن شمروا واستقيما على ما كنتم فيه في رمضان فـ {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}(فصلت:30).

إن انقضاء رمضان ليس معناه أن يعود الإنسان إلى سابق عهده قبله ويرجع إلى سالف ذنبه، ويطلق سمعه وبصره ولسانه، ويظهر سيء خلقه؛ فإن النكوص والارتداد على الأعقاب بعد زمن الطاعة من علامات الرد وعدم القبول.
يقول ابن رجب رحمه الله: "من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إليها بعد الشهر ويعود، فصومه مردود وباب القبول عليه مسدود".

وقد حذرنا القرآن عن هذا المسلك غير الرشيد وهذا المسلك غير السديد فقال سبحانه: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا}(النحل:92). وقال سبحانه: {ولا تبطلوا أعمالكم}(محمد:33).

وهو تحذير للذين كانوا يحافظون على الصلوات في المساجد في رمضان فلما انتهى تركوها.

وإلى الذين كانوا يقرؤون القرآن في رمضان فلما مضى هجروه وأعادوا المصاحف إلى رفوفها.

وإلى الذين تركوا المحرمات ـ من شرب دخان ومخدرات ومسكرات ـ فلما انتهى رمضان عادوا إليها وقارفوها.

وإلى الذين هجروا مشاهدة المحرمات وسماع الأغنيات طيلة رمضان فلما مضى عادوا إليها ووقعوا فيها.

إن الإسلام يعلمنا أن مواسم الطاعة لا تنتهي، كلما انقضى موسم أتى موسم، فإذا مضى موسم الصيام بدأ بعده مباشرة موسم الحج، وفي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فذلك صوم الدهر).

فكونوا ربانيين ولا تكونوا رمضانيين، ولا تقطعوا طاعاتكم وعباداتكم؛ فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال.. وجعلنا وإياكم من المقبولين الفائزين.

42149 فضائل الصدقة

المقال

للصدقة شأن عظيم في الإسلام، فهي من أوضح الدلالات، وأصدق العلامات على صدق إيمان المتصدق؛ وذلك لما جبلت عليه النفوس من حب المال والسعي إلى كنزه، فمن أنفق ماله وخالف ما جُبِل عليه، كان ذلك برهان إيمانه وصحة يقينه، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والصدقة برهان) أي: برهان على صحة إيمان العبد، هذا إذا نوى بها وجه الله، ولم يقصد بها رياء ولا سمعة.
لأجل هذا جاءت النصوص الكثيرة التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر من الله عز وجل.
فقد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين، فقال عنهم: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} (الذاريات:16-19)، ووعد سبحانه -وهو الجواد الكريم الذي لا يخلف الميعاد- بالإخلاف على من أنفق في سبيله، فقال سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} (سبأ:39)، ووعد بمضاعفة العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافاً كثيرة، فقال سبحانه: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} (البقرة:245).

والصدقة بالأموال من أنواع الجهاد المتعددة، بل إن الجهاد بالمال ورد مقدماً على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي ورد فيها ذِكر الجهاد إلا في موضع واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أبو داود.

وفي السُنة من الأحاديث المرغبة في الصدقة، والمبينة لثوابها وأجرها، ما تقر به أعين المؤمنين، وتهنأ به نفوس المتصدقين، ومن ذلك أنها من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً)، رواه البيهقي، وحسنه الألباني.

والصدقة ترفع صاحبها، حتى توصله أعلى المنازل، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل) رواه الترمذي.

وهي تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا، وتنجيه من الكروب والشدائد، قال صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) رواه الحاكم وصححه الألباني.

وجاء في السنة عِظم أجر الصدقة، ومضاعفة ثوابها، قال صلى الله عليه وسلم: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كان تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله) رواه مسلم.

والصدقة تطفئ الخطايا، وتكفر الذنوب والسيئات، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.

وهي من أعظم أسباب بركة المال، وزيادة الرزق، وإخلاف الله على صاحبها بما هو أحسن، قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! أَنفقْ أُنفقْ عليك) رواه مسلم.

كما أنها وقاية من عذاب الله، قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري.

وهي دليل على صدق الإيمان، وقوة اليقين، وحسن الظن برب العالمين، إلى غير ذلك من الفضائل الكثيرة، التي تجعل المؤمن يتطلع إلى الأجر والثواب من الله، ويستعلي على نزع الشيطان الذي يخوفه الفقر، ويزين له الشح والبخل، وصدق الله إذ يقول: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم} (البقرة:268).. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المنفقين في سبيله وألا يجعلنا من الأشحاء والبخلاء في طاعته، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير..

135296 أولادنا في رمضان

المقال

الأطفال بهجة العمر وزينة الحياة الدنيا، والرصيد الباقي للمرء بعد موته إن أحسن تربيتهم وتنشئتهم (أو ولد صالح يدعو له)، ورمضان فرصة عظيمة لها آثارها على نفوس أطفالنا، إن أحسنا استغلالها والإفادة منها بما ينعكس على سلوكهم في شؤون الحياة كلها.

فالصوم مسؤولية جسيمة تتطلب قدراً من الجهد والمشقة والصبر وقوة الإرادة، إضافة إلى أنه فريضة رتب الشارع الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، مما يحتم على الأبوين ضرورة تعويد الأبناء على أداء هذه الفريضة، وتحبيبهم فيها، واستثمار هذه الفرصة الاستثمار الأمثل لغرس القيم والسلوكيات الجميلة في نفوسهم، وإضافة عدد من المهارات والتجارب لديهم.

فكيف نجعل من لحظات الصيام سعادة في قلوب أولادنا، وكيف يصبح رمضان فرحة ينتظرونها بفارغ الصبر، وكيف نستثمر هذا الشهر في غرس المعاني التربوية والإيمانية في نفوسهم؟!

من المهم جداً أن يرى الطفل ويسمع من حوله مظاهر الحفاوة والابتهاج بهذا الشهر الكريم، فينشأ ويكبر وهو يشاهد هذه السعادة الغامرة والفرحة الكبيرة من والديه وإخوانه كلما هبت نسائم شهر رمضان، وتظل هذه الذكريات السارة محفورة في ذاكرته، لا تبليها مرور الليالي والأيام، ولا يمحوها كَرُّ الشهور والأعوام، ولو رجع أحدنا بذاكرته إلى الوراء عدة سنوات ليتذكر البدايات الأولى التي عاش فيها تجربة الصوم لوجدها من أكثر سني عمره متعة وإثارة.

ولعل من المناسب أن يُحْضِر الوالدان للأطفال بعض الهدايا واللعب في بداية الشهر، لتحمل معها معنى عظيماً، وهو أن هذا الشهر يأتي، ويأتي معه الخير، فيحبونه ويترقبونه بكل شوق وشغف.

ومن الأمور المهمة أيضاً تعويد الطفل على الصوم والتدرج معه في ذلك، فلا ينبغي أن ندع أطفالنا يكبرون، ثم نباغتهم بالأمر بالصوم من غير أن يستعدوا له، فيشق ذلك عليهم، بل لا بد من إعدادهم نفسيًّا، وتهيئتهم فكريًّا.

وطاقة الطفل وتحمله تزداد يوماً بعد يوم، فقد يكون في هذا العام غير قادر على الصيام، ولا حرج في ذلك ولا إثم، فهو لم يبلغ سن التكليف بعدُ، كما أنه ليس بالضرورة أن يصوم الطفل الشهر كله في البداية، أو يصوم اليوم كاملاً إلى نهايته، بل يمكن أن نبدأ معه بشكل متدرج، كأن يصوم للظهر ثم للعصر، ولا حرج إن كان بمقدوره تحمل الجوع مع تناول بعض الماء، وهكذا حتى يعتاد الصيام.

ولا بد مع ذلك من التلطف مع الطفل، وتنمية جانب الاحتساب عنده، عن طريق بيان ما أعده الله للصائمين، وألا يفهم أن القضية جوع وعطش، بل هي عبادة وطاعة، وفوق ذلك ثواب عظيم، وجزاء كبير.

ومن المهم أيضاً أن تقترن هذه التجربة بالمكافآت والجوائز التشجيعية في نهاية يوم الصوم، أو في نهاية الشهر الكريم، ويمكن أن يفتح باب المنافسة بين الأطفال كأن يقال لهم: "من يصوم أكثر له جائزة أكبر"، و"من يصلي التراويح إلى نهايتها له كذا وكذا"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطفل عادة يحب المكافأة السريعة، وهو ما يدفعه ويجعله يستمر فيما يقوم به من تكاليف، إلى أن تصبح تلك التكاليف سلوكاً من حياته، وجزءاً من شخصيته، ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كانوا يُعوِّدون أبناءهم منذ نعومة أظفارهم على الصيام، وكانوا في المقابل يقدمون لهم الألعاب والدمى، يتلهَّون بها عن الجوع والعطش.

إن إقبال الأطفال على مشاركة والديهم في الصيام يحمل معنى تربوياً هاماً، فهو يغرس الثقة في نفس الطفل، وينمي لديه الشعور بإثبات الذات، والإحساس بالمسؤولية، عندما يحس بأنه يقوم بأعمال لا يمارسها إلا الكبار، ولعل هذا الشعور هو ما يفسر لنا الإصرار والحماس الذي يدفع بعض الأطفال لأن يصوم هذا الشهر كاملاً مع صغر سنه، وهو أمر له أثره الإيجابي على سلوكيات أبناءنا وعباداتهم ومعاملاتهم، لأنه يجعل من شهر الصوم نقطة بداية لتحملهم المسؤولية في بقية الشهور والعبادات والمعاملات.

رمضان أيضاً فرصة عظيمة لغرس المعاني الإيمانية في نفوس أطفالنا، كالصبر، وتحمل الجوع والعطش، ومراقبة الله تعالى عندما يمسكون عن الأكل والشرب مع إمكانهم أن يفعلوا ذلك بعيداً عن أعين الناس، والتعلق بالمساجد والتراويح وحب القرآن عن طريق إقامة المسابقات في ختمه، وحفظ جزء منه، والإقبال على تلاوته، والجود والكرم حين يعطي الوالدان صغيرهما مبلغاً من المال ليضعه في يد سائل أو محتاج.

يجب أن يشعر الأطفال أنه لا مكان للكسل والخمول في هذا الشهر، وأن الأوقات فيه غالية ثمينة لا ينبغي أن تضيع فيما لا فائدة فيه، فضلاً عما يعود بالضرر عليه، ولذا فإن من الجريمة في حق أطفالنا أن نتركهم ضحية للمحطات الفضائية والقنوات التي تغرس فيهم القيم والسلوكيات المنحرفة عن طريق ما تبثه من برامج وأفلام وترفيه غير برئ، تحت مبرر أنها قنوات موجهة للأطفال، وقد لا تدرك المرأة أن المخاطر التي تتهدد الطفل وأخلاقه من جراء عكوفه على هذه القنوات قد لا تقل -إن لم تكن أعظم- عن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها فيما لو أخلي سبيله، وذهب إلى خارج البيت.

رمضان أيضاً فرصة لتنمية الذوق الغذائي السليم لدى أولادنا، والابتعاد عن العادات السيئة التي جلبتها لنا الحضارة المعاصرة، وفيها من الضرر ما يفوق النفع، ولذا ينبغي أن نكون قدوة لأطفالنا في أكلنا وشربنا؛ لأن عاداتنا وممارساتنا الغذائية ستنعكس على الطفل بلا شك.

وأخيراً وليس آخراً، فإن رمضان فرصة عظيمة ينبغي أن نستفيد منها في تربية أبنائنا وبناتنا، ولن يتأتى ذلك إلا بوضع الخطط، وإعداد البرامج لكي يخرج الطفل من هذا الشهر الكريم وقد اكتسب شيئاً جديداً وخلقاً حميداً، والله الموفق، وهو يهدي السبيل.

45181 أخطاء في الإفطار

المقال

وقت الإفطار في رمضان هو الوقت الذي يكون فيه الصائم قد استنفد الكثير من طاقته الجسمية، والفكرية، والعاطفية، ما يدفع البعض إلى القيام ببعض الأخطاء التي لا تليق بأخلاق الصائم وآداب الصيام، وإليك بعضها:

أولاً: تأخير الإفطار بعد دخول وقته، وهو  خلاف السنَّة التي جاءت بتعجيل الفطر إذا دخل الوقت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) متفق عليه. 

ثانياً: ومن ذلك أن بعض الصائمين لا يفطر إلا بعد أن ينتهي المؤذن من أذانه احتياطاً، وهو من التنطع والتكلف الذي لم يُطَالَب به العبد.

ثالثاً: ومن الأخطاء انشغال بعض الصائمين بالإفطار عن إجابة المؤذن، والسنة للصائم وغيره أن يتابع المؤذن عند سماعه ويقول مثل قوله، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم النّداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) متفق عليه.

ولا يلزم الصائم أن يقطع أكله أو شربه من أجل المتابعة، بل يتابعه مع مواصلة الإفطار، حيث لم يرد نهي عن الأكل حال متابعة المؤذن وترديد الأذان. 

رابعاً: ومن الأخطاء غفلة بعض الصائمين عن الدعاء عند الإفطار، مع أن هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، ومن الغبن والحرمان أن يضيع العبد على نفسه هذه الفرصة العظيمة يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه أحمد وصححه الألباني، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأخطاء الإسراف في الطعام والشراب حال الإفطار، كما أن الإكثار من الأكل والشرب يثقل الإنسان عن العبادة وأداء الصلاة بخشوع وحضور قلب، وهو خلاف ما شُرِعَ له الصوم.

سادساً: ما يفعله بعض الصائمين من الفطر على ما حرم الله، كالسجائر، وغيرها من الخبائث، ولا شك أن الصوم فرصة عظيمة للتخلص من هذه العادات السيئة، وتدريب للإنسان على ترك المألوفات التي تعودها، فمن استطاع أن يتركها نهاراً كاملاً، لا يعجزه -بالصبر والعزيمة- الإقلاع عن هذه الخبائث في ليله أيضاً، حتى إذا انتهى رمضان كان قد تعود على تركها، فيسهل عليه المداومة والاستمرار على ذلك.

222745 العشر الأواخر.. زمن الجد والتشمير

المقال

الحمد لله الذي لم يزل عليما قدريا، و{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان:62:61)

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بما كانوا يَعْمَلون}(السجدة:17)) متفق عليه.

الجنة أيها الأحبة هي بلاد الأفراح التي اشتاق إليها الصالحون، وسعى إليها السالكون، وعمل لها العاملون، وتزود لها المخلصون، وشمَّر من أجل تحصيلها المشمرون.
أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن أبوابها تفتح كلها في رمضان فلا يغلق منها باب، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بَابٌ)، وكأنها تنادي على الطالبين والراغبين والمشتاقين، وكأنها دعوة أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم للسعى في تحصيلها، كما قال في آخر الحديث (وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل).. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ـ وجميع أمته ـ على التشمير في طلب الجِنان، والبذل والجد من أجل الفوز بمقعد فيها..

أيها الصائمون رمضان، الصادقون في طلب الجنان، أيها الساعون في فكاك رقابكم من النيران: هذا أوان البذل، وزمان دفع المهر، أيها المشمرون هذا وقت الجد والتشمير.
من لم يبذر في زمان الغرس ندم وقت الحصاد.
من لم يطلب الجنة في رمضان فمتى يطلبها؟
ومن لم يسع في عتق رقبته في رمضان ففي أي زمان يعتقها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. .. ففي أي وقت يستنير ويزهر

أقول رمضان وأستغفر الله.. وأين رمضان؟
لقد شمَّر عن ساق، وأذِن بوداع وانطلاق، تقوضت خيامه، وتصرمت أزمانه، ومرت أيامه المعدودات كأنها غمضة عين أو ومضة برق.
أدركوا رمضان.. فقد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل..

أيها الصائمون:
لئن كان قد مضى من رمضان أكثره، غير أنه ربما كان ما بقي منه هو التاج الأجمل والثمرة الأينع.
والعبد الموفق من أدرك أن حسن النهايات يمحو تقصير البدايات، فمن لم يحسن الاستقبال فليحسن الوداع، فإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وما يدريك لعل بركة عملك مخبأة في آخره؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.

أيها المسلمون
لقد خبأ الله بركة رمضان ـ وكله بركة ـ في آخره، فهذه العشر الأخيرة هي خلاصة الشهر وزينة الدهر، وأفضل الأيام، ولياليلها أفضل ليالي العام، وفيها ليلة القدر التي هي ليلة العمر، فيها أنزل القرآن، وفيها تكتب مقادير العام، من حرم خيرها فقد حرم، ومن وفق لها فقام ليلها غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أدركها وأصابها كانت له خيرا من ألف شهر، وكان كمن عبد الله أكثر من ثلاثة وثمانين عاما.

هَدي النبي واجتهاده
وكان من هدي رسولكم صلى الله عليه وسلم الاجتهاد الشديد في هذه العشر؛ ويخصها بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.
وعنها أيضا رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) متفق عليه. ومعنى شد المئزر أي كان يعتزل النساء اشتغالاً بالعبادة.

وقد بلغ من شدة اجتهاده في هذه الليالي المباركة أنه كان يجافي فيها النوم فلا يكاد ينام، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة وصوم ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر) رواه أحمد.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه يعتكف في مسجده هذه الأيام، فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً).

وكان من شديد حرصه على الوقت أنه كان يواصل الصيام، ولما أراد الصحابة أن يواصلوا نهاهم وقال: (إنكم لستم كمثلي، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني).. أي يفتح علي من أبواب الفتوحات والقرب ونعيم الطاعة ولذائذ العبادة والأنس به ما يغنيني به عن الطعام والشراب الحسي.

وإنما كان يفعل صلى الله عليه وسلم كل ذلك تفريغا للوقت طلبا لرضا الرب وسعيا لتحصيل ليلة القدر، وقد دعا أمته لطلبها والسعي في تحصيلها فقال: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي) متفق عليه.

فاجتهدوا يا عباد الله في التماس ليلة القدر، وأكثروا من سؤال العفو؛ كما علم رسول الله أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها حين قالت: (أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: 0قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني) رواه الترمذي.

فيا طالب الجِنان، وخاطب الحور الحِسان، وراغبا في سلعة الرحمن، هذا أوان البذل ووقت الجد، وأوان التشمير، فأظهر لله الرغبة وصدق الطلب؛ فإن سلعة الله غالية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي.

يا سلعةَ الرحمن لست رخيصةً .. .. بـل أنتِ غاليةٌ على الكسلان 
يَا سِلْعَةَ الرحمن أَيــنَ المُشْتَرِي .. .. فَلَقَدْ عُرِضْتِ بَأيْسرِ الأَثْمانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمن هَلْ مِنْ خَاطِبٍ .. ..فَالمَهْرُ قَبْلَ الموتِ ذُو إِمْكَانِ
يَا سِلْعَةَ الرحمن كَيْفَ تَصبُّر ال .. ..خُطَّابُ عَنْكَ وَهم ذَوُو إِيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمنِ لَــــولا أَنَّهــَــــا .. ..حُجِبَتْ بِكُل مَكَـــارِهِ الإِنْسَـانِ
مَا كَانَ عَنْـــهَا قَــطْ مِنْ مُتَخِلفٍ .. .. وَتَعَطَّـــلتْ دَارُ الجَزاءِ الثَّانِي
لَكِـــنَّهَا حُجِــبَتْ بِكُـــلِّ كَــرِيْهَـةٍ .. .. لِيَصُــدُّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوانِي
وَتَنَالُهَا الهِــمَمُ التِّي تَسْمُــوا إِلى .. .. رَبّ العُـــلَى بِمَشِيْئَةِ الرَّحـمنِ
فاتْعَـبْ ليوْم معادِك الأدنى تَجِدْ .. .. راحــاتهِ يومَ المعــادِ الثـــاني

42286 مقدمة في أحكام الصّيام

المقال

صحَّ في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه. والفقه بأحكام الإسلام من أوجب الواجبات، وآكد المطلوبات، خاصة ما كان يتعلق منه بفرائض العبادات، كالصلاة والزكاة وباقي أركان الإسلام.

والصيام فريضة من فرائض ديننا الحنيف، شرعه الله لهذه الأمة، كما شرعه لمن سبقها من الأمم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:183).

وقبل الشروع في الكلام على أحكام الصيام، هناك مقدمات لا بد من ذِكْرِها بين يدي الموضوع، تتعلق بتعريف الصوم، وفرضيته، ومراحل تشريعه، ومراتبه. 

تعريف الصوم:
فالصيام لغة: الإمساك مطلقاً، تقول: صام عن الكلام، إذا امتنع عنه ولم يكلم أحداً، ومنه قوله تعالى على لسان مريم عليها السلام: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) (مريم:26).

وشرعاً: الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية مخصوصة. 

فرْضيَّة الصيام:
وفرضيَّة صيام شهر رمضان ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) (البقرة:183). 

وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (بني الإسلام على خمس...) إلى قوله: (وصوم رمضان) متفق عليه، وقد أجمعت الأمة على فرضية صوم رمضان.

وبناء على هذا، فقد قرر أهل العلم أن صيام رمضان فرض على كل مسلم عاقل بالغ صحيح مقيم خال من الموانع. 

مراحل تشريع الصيام : 
فرضية رمضان مرت بأربع مراحل:

المرحلة الأولى: صيام يوم عاشوراء وجوباً، وهو اليوم العاشر من المحرم، وكان صلى الله عليه وسلم قد أمر بصيام هذا اليوم قبل أن يفرض صيام شهر رمضان؛ وفي "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك؛ أي تركه على أنه فرض، وسنَّ صيامه لمن شاء.

أما المرحلة الثانية فجاءت بالتخيير بين صيام شهر رمضان، أو دفع فدية للمساكين، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (البقرة:184).

والمرحلة الثالثة: كانت إيجاب الصيام على المقيم الصحيح القادر المكلف، فإذا غربت الشمس، كان للصائم أن يأكل ويشرب ما لم ينم، فإن نام، حرم عليه الطعام والشراب وقربان النساء إلى الليلة القابلة، ولما كان الصيام على هذه الشاكلة فيه من الحرج ما لا يخفى، خُفِّف عن المسلمين ذلك؛ ويدل على هذه المرحلة وملابساتها، ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك - تتحسر عليه - فلما انتصف النهار غشي عليه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (البقرة:187) ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزل قوله تعالى بعدُ: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (البقرة:187). 

واستقر الأمر في المرحلة الرابعة: على وجوب صوم هذا الشهر الكريم، على كل مكلف قادر مستطيع على الصيام، قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة:185). 

ثم إن الصيام ليس على درجة واحدة، ولا على مرتبة واحدة، بل منه الواجب والمحرم ومنه المستحب والمكروه، فمن الصوم الواجب، صيام رمضان، وصوم النذر؛ ومن الصوم المحرم صيام يومي العيدين، ومن الصوم المندوب صيام ستة أيام من شوال، وصيام يومي التاسع والعاشر من المحرم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار يوم، ومن الصوم المكروه صوم يوم الجمعة منفرداً، وقد فصَّلت السنةُ النبويةُ كلَّ ذلك وبينته بياناً تاماً.

230803 رمضان.. والدعاء المستجاب

المقال

رمضان شهر الصيام.. رمضان شهر القيام.. رمضان شهر الجود.. رمضان شهر الانتصارات.. لقد جمع رمضان كل هذا الخير وغيره كثير.. وجمع معه أيضا أنه شهر الدعوات المستجابات.

والدعاء من أجل القربات وأعظم الطاعات، وقد وصف بأنه العبادة كما في الحديث (الدعاء هو العبادة).. لأنه جمع مقاصدها. وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين.

والدعاء وإن كان سُنة مشروعة مندوبا إليها في كل وقت وحين، إلا أنه في أوقات مخصوصة وأماكن معلومة يكون آكد سنيَّة، وأشد طلباً، وأرجى قبولا.. ومن الأوقات التي يُلتمس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاء الصائم مقبول وأن دعوته لا ترد.
فقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم)(صححه الألباني). وكلام العلماء في تفسير الحديث يدل على أن الدعاء يكون قبل الإفطار ووقت الإفطار وبعده. ورجح بعضهم أنه وقت الفطر أدعى للقبول والله تعالى أعلم.

وفي كتاب الله تعالى ما يدل على الترغيب في الدعاء للصائمين، فقد ذكر الله في وسط أيات الصيام قوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186]..
وهذه الآية في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.

قال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221].

وقال ابن عاشور: "نظم الآية مؤذن بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم...
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.

ادعوا ربكم تضرعا وخفية
يقول سبحانه {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55).
فأمرهم سبحانه أولا بالدعاء، وهي سؤال العبد ربه كل ما يحتاجه من أموره.
فهو سبحانه لواسع كرمه وعظيم فضله وجوده وبره يأمرهم أن يسألوه ثم يعدهم أن يستجيب لهم ويحقق لهم طلبتهم ويعطيهم سؤلهم.. فالدعاء عبادة محبوبة إليه يغضب على من تركها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يسأل الله يغضب عليه).
لا تســألن بـني آدم حــاجــة .. .. وسل الذي أبوابـه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله .. .. وبني آدم حين يسأل يغضب
وأَمْره سبحانه بالدعاء مشعر في ذاته بالإجابة لأنه لو لم يرد أن يعطي لما أمر بالسؤال.
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه .. .. من جود كفك ما علمتني الطلبا

وقوله:  {ربكم}: أي الذي رباكم بصنوف النعم، وأغدق عليكم أنواع المنن، ولطائف الفضائل، ومازال يتولاكم مذ كنتم نطفا في أصلاب آبائكم، ثم أجنة في بطون أمهاتكم، ثم ما زال يغذوكم بفضله، ويوالي عليكم نعمه حتى صرتم كبارا.. فالفضل كله بيديه، والقدرة كلها عنده، والأمر كله إليه، لا يعجزه شيء، ولا يصعب عليه شيئ.. ومثل هذا يدعى دون غيره.. كما قيل:
لا تجلسن بباب من .. .. يأبى عليك دخول داره
وتقول حاجاتي إليه .. .. يعوقـــها إن لـــم أداره
اتركه واقصد ربها .. .. تقضى ورب الدار كاره
فرب الكون هو الذي يقصد وحده، فاقصده في جليل أمرك وقليله..

تضرعا:
أي تذللا وتمسكنا وافتقارا.. خاضعين له، متمسكنين عنده، منكسرين بين يديه، متذللين له سبحانه.. واسألوه سؤال المسكين، وادعوه دعاء الخائف الذليل، سؤال من رغم له أنفه، وخضعت له رقبته، وذل له قلبه، وفاضت له عيناه.. دعاء الغريق الذي يعلم أنه لا ملجأ له ولا منجا من الله إلا إليه. "فما الغريق في لجج البحر على خشبة في تضرعه إلى الله بأحوج إلى الله من الآمن المستقر في قعر بيته" كما قال ابن قدامة يرحمه الله.

ومن التضرع رقع اليدين عند الدعاء .. فإن الله يستحي من العبد أن يرفع إليه عبده يديه ثم يردهما صفرا خائبتين.

ومن التضرع كثرة الإلحاح والتكرار، وألا تتبرم إذا أبطأت عليك الإجابة؛ فإن الله يستجيب لعبده ما لم يعجل، ويقول دعوت فلم يستجب، لي فيستحسر حينئذ ويدع الدعاء.

واعلم أنك رابح مع الدعاء في كل حال؛ فإن الله إما أن يعطيك مسألتك ويجيب دعاءك، وإما أن يصرف عنك من السوء مثلها، وإما أن يدخرها لك يوم القيامة.

ومن التضرع الثناء على الله وتحميده وتمجيده ووصفه بما هو أهله.. والصلاة والسلام على رسوله في أول الدعاء وآخره.

ومن التضرع أن تحضر قلبك وقت الدعاء، فتجمع همتك، ويواطئ القلب اللسان، فإن الله لا يقبل دعاء قلب لاه.

وأن تعزم المسألة فإن الله تعالى لا مستكره له، وأن توقن بالإجابة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة)... وقد قال عمر: والله إني لا أحمل هم الإجابة ولكني لا أحمل هم الدعاء.. يعني إذا جاء الدعاء فالإجابة معه لأن الله تعالى قال: {ادعوني أستجب لكم}(غافر:60).

وخُفية
أي أخفوا دعاءكم، واجعلوه فيما بينكم وبين الله، ولا ترفعوا به أصواتكم رفعا منكرا.. فالدعاء الخفي أولى بالقبول كما العمل الخفي، وكلما كان العمل أخفى عن الخلق كلما كان أدعى للإخلاص، وأبعد من الرياء، وأرجى للقبول عند رب الأرض والسماء.
وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة يرفعون أصواتهم في دعائهم فقال: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.

لا يحب  المعتدين
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون قوم يعتدون في دعائهم..
ومن الاعتداء في الدعاء: الدعاء بظلم أو إثم أو قطيعة رحم.. وهذا دعاء مردود على صاحبه غير مقبول كما جاء في الحديث (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم).

ومن الاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بما لا يجوز أو المستحيلات الشرعية، كأن يسأل الله منازل الأنبياء، أو يصعد الله به إلى السماء وأمثال هذا.

ومن التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".

أيضا ورد النهي عن التفصيل في الدعاء، فعن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) رواه أبو داود.

وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعُذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء)، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداء.

وإنما ينجي من هذا الاعتداء التزام أدعية القرآن الكريم، وما ورد من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنها خير الدعوات وأحبها إلى الرب سبحانه، فإن النبي صلى الله عليه قد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا.

وأخيرا فإن التماس أوقات الدعاء المرجو القبول فيها يجعلها أقرب للإجابة كعند الأذان وبين الأذان والإقامة، وفي ثلث الليل الآخر.. وغيرها من الاوقات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحاح.

نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

45417 أخطاء في القيام

المقال

رمضان شهر الطاعات والقربات، وفرصة لزيادة المبرَّات وفعل الخيرات، ومن السنن المشروعة في هذا الشهر المبارك قيام لياليه بالعبادة لله سبحانه، وقد يتخلل ذلك بعض الممارسات التي تخلُّ بأخلاق المتعبدين والقائمين، من ذلك:

أولاً: التهاون في أداء صلاة التراويح، بحجة أنها سنة وليست واجبة، فترى الرجل ربما أضاع وقته في المجالس أو الأسواق أو أمام الشاشة أو غير ذلك مما ضرره أكثر من نفعه، ويفرِّط في هذه السُنَّة العظيمة مع علمه بما ورد في فضل قيام رمضان إيماناً واحتساباً، ولا شك أن ذلك من الغبن والحرمان، والذي ينبغي على المسلم أن يصلي التراويح كاملة مع الإمام حتى ينصرف ليُكتب له أجر قيام ليلة.

ثانياً: ومن الأخطاء أن بعض الناس إذا بلغه أن هذه الليلة هي أول ليلة في رمضان، لا يصلي صلاة التراويح ظناً منه أن هذه الليلة ليست من ليالي رمضان، وهو خطأ فبمجرد رؤية هلال رمضان يكون الإنسان قد دخل في أول ليلة من رمضان، ولذا فإن من السنة أن تصلى التراويح جماعة في المسجد في هذه الليلة. 

ثالثاً: الإسراع من بعض الأئمة في صلاة التراويح إسراعاً يخل بالصلاة والمقصود منها، فيسرع في التلاوة إسراعاً شديداً، ولا يراعي الطمأنينة والخشوع، وكل همه إنهاء تلك الرُّكيعات لينصرف الناس بعدها لأعمالهم، وأشغالهم، ومسامراتهم، ومساهراتهم...، والواجب أن يطمئن الإمام في صلاته، وإذا لم يتيسر له ختم القرآن، أو قراءة قدر كبير منه في صلاة القيام تخفيفاً على الناس، فلا أقل من أن يحسن صلاته، فيطمئن فيها، ويتم ركوعها وسجودها.

رابعاً: مسابقة كثير من المأمومين لإمامهم في صلاة التراويح في الركوع والسجود والرفع منهما، والمشروع في حق المأموم إنما هو متابعة الإمام في أفعال الصلاة، فيأتي بها بعده مباشرة، لا يسبقه ولا يتخلف عنه، وقد ورد الوعيد الشديد في مسابقة الإمام، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار).

خامساً: حَمْلُ بعض المأمومين المصحف أثناء صلاة القيام، وذلك من أجل متابعة قراءة الإمام، وهذا الأمر بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه شُغلاً للمصلي عن الخشوع وتدبر الآيات؛ وبالتالي فلا ينبغي أن يُفعل ذلك، إلا لمن كان يتابع الإمام من أجل تصويبه إذا أخطأ.

سادساً: تطويل دعاء القنوت، والتكلف فيه، والإتيان بأدعية غير مأثورة، ما يسبب الملل والسآمة، وربما حول بعضهم القنوت إلى موعظة يذكر فيها أشياء تتعلق بالقبر وعذابه، والصراط والبعث والجزاء، وكل هذا من الاعتداء المنهي عنه في الدعاء، والذي ينبغي الاقتصار على الأدعية المأثورة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة: (يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك) رواه أبوداود.

سابعاً: ومن الأخطاء رفع الصوت بدعاء القنوت أكثر مما ينبغي، وهو مناف لأدب الدعاء، فقد قال الله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) (الأعراف:55)، ولما رفع الصحابة رضي الله عنهم أصواتهم بالتكبير نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم -أي اخفضوا أصواتكم- فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائباً) متفق عليه، والذي ينبغي على الإمام أن يرفع صوته بالقدر الذي يُسْمِع مَن خلفه من المأمومين.

ثامناً: رفع الصوت بالبكاء والصراخ بحيث يتسبب في إشغال المصلين من حوله، فإن البكاء وإن كان مطلوباً عند قراءة القرآن وسماعه إلا أنه ينبغي على العبد أن يحرص على خفض صوته وإخفائه ما أمكن، حتى يكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وبعض الناس ربما اشتد بكاؤه وتأثره إذا جاء وقت الدعاء والقنوت، ولا شك أن الأولى أن يكون البكاء والتأثر عند سماع كلام الله. 

تاسعاً: تَرْكُ التهجد في العشر الأواخر من رمضان، والانشغال بالتجوال في الأسواق وشراء الأغراض وحاجيات العيد، فتضيع على العبد -رجلاً كان أو امرأة- هذه الليالي المباركة، وتضيع عليه ليلة القدر، التي من حُرِمَ خيرها، فقد حُرِمَ الخير كله، وهو أمر -مع الأسف الشديد- يقع فيه كثير من المسلمين في أواخر هذا الشهر المبارك، مخالفين بذلك سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا دخلت ليالي العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر.

عاشراً: من الأخطاء التي يقع فيها البعض في ليالي القيام، إنشاء جماعة ثانية أثناء قيام الجماعة في المسجد، ويفعل ذلك من فاتته صلاة العشاء مع الجماعة الأولى، وهذا لا يجوز؛ لأن فيها تشويشاً على المصلين، وفيها أيضاً إقامة لجماعتين في وقت واحد ومكان واحد. والواجب على من فاتته صلاة العشاء مع الجماعة، أن يصلي مع الجماعة التي تصلي صلاة التراويح، وينوي فرض العشاء، وبعد أن ينتهي الإمام من أداء ركعتي التراويح، يأتي بما فاته من ركعات صلاة العشاء. 

45687 أخطاء في العيد

المقال

العيد فرحة المؤمنين، بعد أن أتموا مناسك عبادتهم، والقلوب عندما يدخلها الفرح، تغفل عن هدي ربها، وتنسى سُنَّة نبيها، وقد يصل بها الأمر إلى ارتكاب ما لا يجوز شرعاً، ومن ثَمَّ كان العيد مَظِنَّة لارتكاب بعض المخالفات الشرعية، نشير إلى بعضها فيما يلي:

أولاً: أن بعض ضعاف الإيمان يفرحون بالعيد لانتهاء شهر رمضان والتخلص من العبادة فيه، وكأنها حِمْل ثقيل على ظهورهم، وهؤلاء على خطر عظيم، فإن العيد إنما يفرح به المؤمنون؛ لأن الله تعالى وفقهم لإكمال عدة الشهر، وإتمام الصيام، فيشكرون الله على هذه النعمة.

ثانياً: تهاون بعض الناس في أداء صلاة العيد، بسبب السهر طوال الليل، فيَحْرم نفسه من الأجر المترتب على شهود الصلاة ودعاء المسلمين.

ثالثاً: ترك سنة التكبير في ليلة العيد ويومه قبل الصلاة مع الأمر به في القرآن، يقول سبحانه: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} (البقرة:185).

رابعاً: تفريط بعض الآباء في إخراج أهله وأولاده لصلاة العيد مع ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء على حضور هذه الصلاة حتى الحُيَّض وذوات الخدور، ليشهدن الخير ودعوة المسلمين. 

خامساً: التكبير الجماعي بصوت واحد، أو الترديد خلف شخص، وإحداث صيغ للتكبير غير مشروعة.

سادساً: اعتقاد البعض مشروعية إحياء ليلة العيد بالقيام، ويتناقلون في ذلك حديثاً لا يصح، وهو أن (من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)، والصحيح أنه لا يُشرع تخصيص ليلة العيد بالقيام من بين سائر الليالي، وأما من كانت عادته القيام في سائر الليالي فلا حرج أن يقوم ليلة العيد.

سابعاً: تخصيص يوم العيد لزيارة المقابر والسلام على الأموات.

ثامناً: اختلاط الرجال بالنساء في بعض المصليات والشوارع، ما قد يجر إلى الفتنة ووقوع المحظور، والذي ينبغي في صلاة العيد أن تخصص أبواب ومسارات خاصة للنساء، وأن يتأخّر خروج الرجال حتى ينصرف النساء.

تاسعاً: التوسع في المباحات من لبس وأكل وشرب حتى يتجاوز الأمر إلى الإسراف في ذلك، والله جل وعلا يقول: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (الأعراف:31).

عاشراً: خروج بعض النساء إلى الصلاة متجملات متعطرات، مظهرات لبعض الزينة، وفي ذلك من الإثم والفتنة والخطر العظيم ما لا يخفى، فهن وإن كن أمرن بالخروج إلى المصلى، إلا أنهن أمرن أن يخرجن تفلات -أي: غير متطيبات-. ويلحق بالطيب سائر ما يدعو إلى الفتنة، كالزينة الظاهرة والتكسر في المشي، وغير ذلك.

حادي عشر: وقوع كثير من الناس في أيام الأعياد في بعض المخالفات الشرعية كسماع الغناء، ومشاهدة المناظر المحرمة، وتبرج النساء، وغير ذلك، بحجة أن هذا اليوم يوم فرح وسرور، والواجب أن يفرح المسلم في هذه الأيام بما أحل الله من المباحات والطيبات، وأن يشكر الله على إتمامه نعمة الصيام بطاعته والتزام أمره ونهيه.

135236 من معاني الصيام

المقال

غير خاف على أحد أن الله عز وجل لم يشرع العبادة ويوجبها على عباده لحاجته إليها، فهو الغني سبحانه، وإنما شرعها لحكم ومعان عظيمة، ومقاصد جليلة، تعود على العبد نفسه بالنفع في دينه ودنياه.

وإذا كان المقصود الأول من العبادة هو الاستسلام والانقياد والعبودية والإذعان، وقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على ظهر الاستسلام لله سبحانه، فلا يعني ذلك خلو هذه العبادات عن الحكمة، وأن لا يبحث المسلم عن المعاني والأسرار الكامنة وراء الأوامر والنواهي.

والصوم شأنه شأن سائر العبادات والقربات، له معانٍ وأسرار عظيمة، يمكن تلمسها والوقوف عندها لمعرفة الحكمة من مشروعية هذه العبادة الجليلة.

أول هذه المعاني والتي تشترك فيها جميع العبادات، أن الصوم فيه تربية على العبودية والاستسلام لله جل وعلا، فعندما تغرب الشمس يأكل الصائم ويشرب؛ امتثالاً لأمر الله، وإذا طلع الفجر يمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، فهو يتعبد الله عز وجل في صيامه وفطره، فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية إذن ليست قضية ذوق ومزاج، وإنما هي قضية طاعة واستسلام وانقياد لأمر الله.

والصوم كذلك يربي في النفس مراقبة الله عز وجل، وإخلاص العمل له، والبعد عن الرياء والسمعة، فهو عبادة بين العبد وربه جل وعلا، ولهذا جاء أن الصوم عبادة السر، فإن بإمكان الإنسان ألا يصوم، وأن يتناول أي مفطر من المفطرات من غير أن يشعر به أحد من الناس، بل إنه بمجرد تغيير النية وقطعها يفطر، ولو لم يتناول شيئاً من المفطرات طوال يومه، فامتناعه عن ذلك كله على الرغم من أنه يستطيع الوصول إليه خفية، دليل على استشعاره اطلاع الله على سرائره وخفاياه، ومراقبته له، ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات، ولم يجعل لها جزاء محدداً، قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) أخرجه مسلم. فقوله جل وعلا: (من أجلي) تأكيد لهذا المعنى العظيم.

والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، وانتظار ما عند الله عز وجل، حيث يتخلى الصائم عن بعض شهوات النفس ومحبوباتها؛ تطلعاً إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وفي ذلك توطين للنفس على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.

والصوم يربي النفس على الصبر، وقوة الإرادة والعزيمة، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، والمقصود من الصوم إنما هو حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، والله تعالى يقول: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10).

وفي الصوم كذلك تربية للمجتمع، وتنمية للشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين، فالصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم، فإنه يشعر بالترابط والتلاحم مع هذا المجتمع، فالكل صائم، والكل يتذوق لذة بالجوع في سبيل الله، والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز، لا يُستثنى من ذلك أحد لغناه أو لجاهه أو منصبه، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وأفضلهم أزكاهم.

فما أعظمها من صورة معبرة عن وحدة المجتمع في ظل العبودية لله جل وعلا.

والصوم يضيّق مجاري الدم، ويخمد نيران الشهوات، ويقلل فرص إغواء الشيطان لابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (الصوم جُنَّة) أي: وقاية يتقي به العبد الشهوات والمعاصي؛ ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح مع عدم قدرته عليه بالصيام، وجعله وجاءً لهذه الشهوة ومخففاً من حدتها.

ومن معاني الصوم أن يتذكر الصائم بصومه الجائعين والمحتاجين، فيتألم لآلامهم، ويشعر بمعاناتهم، فالذي لا يحس بالجوع والعطش قد لا يشعر بمعاناة غيره من أهل الفقر والحاجة، وإذا كان أحدنا يجد ما يفطر عليه من الطعام والشراب، فغيرنا قد لا يجد شيئاً من ذلك.

تلك هي بعض معاني هذه العبادة العظيمة، وقد جمعها الله عز وجل في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183) فالحكمة التي شُرِع الصوم من أجلها هي تحقيق تقوى الله عز وجل، وهي ثمرة الصوم الشرعي ونتيجته، وما لم يكن الصوم طريقاً لتحصيل هذه التقوى، فقدْ فَقَدَ الغاية والمعنى الذي شُرِع لأجله، فليس المقصود من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فحسب، دون أي أثر لهذا الصوم على حياة الإنسان وسلوكه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم -كما عند البخاري-: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وقال: (ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وسنده صحيح. قال جابر رضي الله عنه: "إذا صمتِ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم, ودع أذى الجار, وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك, ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
 
فينبغي للمسلم أن يستحضر هذه المعاني وهو يؤدي عباد ة الصوم، حتى لا تخرج العبادة عن مقصودها، وحتى لا تتحول إلى عادة يؤديها مسايرة للبيئة والمجتمع.

135235 هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

المقال

لم يكن حال النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان كحاله في غيره من الشهور، فقد كان برنامجه صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر مليئاً بالطاعات والقربات، وذلك لعلمه بما لهذه الأيام والليالي من فضيلة خصها الله بها وميزها عن سائر أيام العام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه، إلا أنه أشد الأمة اجتهادا في عبادة ربه وقيامه بحقه.

وسنقف في هذه السطور مع شيء من هديه عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان المبارك حتى يكون دافعاً للهمم، ومحفزاً للعزائم أن تقتدي بنبيها عليه الصلاة والسلام، وتلتمس هديه.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر في هذا الشهر من أنواع العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان عليه الصلاة والسلام -إذا لقيه جبْريل- أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن، والصلاة والذكر والاعتكاف.

وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما لا يخص غيره من الشهور، حتى إنه ربما واصل الصيام يومين أو ثلاثة ليتفرغ للعبادة، وينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: إنك تواصل، فيقول: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) أخرجاه في "الصحيحين".

وكان عليه الصلاة والسلام يحث على السحور، وصح عنه أنه قال: (تسحروا، فإن في السحور بركة) متفق عليه، وكان من هديه تعجيل الفطر، وتأخير السحور، فأما الفطر فقد ثبت عنه من قوله ومن فعله أنه كان يعجل الإفطار بعد غروب الشمس وقبل أن يصلي المغرب، وكان يقول كما في الصحيح: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) وكان يفطر على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، وأما السحور فكان يؤخره حتى ما يكون بين سَحوره وبين صلاة الفجر إلا وقت يسير، قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.

وكان يدعو عند فطره بخيري الدنيا والآخرة.

وكان صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل أزواجه وهو صائم، ولا يمتنع من مباشرتهن من غير جماع، وربما جامع أهله بالليل فأدركه الفجر وهو جُنب، فيغتسل ويصوم ذلك اليوم.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يدَع الجهاد في رمضان، بل إن المعارك الكبرى قادها صلى الله عليه وسلم في رمضان، ومنها بدر، وفتح مكة، حتى سمي رمضان شهر الجهاد.

وكان يصوم في سفره تارة، ويفطر أخرى، وربما خيَّر أصحابه بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم؛ ليتقووا على قتاله، وفي "صحيح مسلم" عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: كنا في سفر في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. وخرج عام الفتح إلى مكة في شهر رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) رواه مسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ليجتمع قلبه على ربه عز وجل، وليتفرغ لذكره ومناجاته، وفي العام الذي قُبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوماً.

وكان إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره مجتهداً ومثابراً على العبادة والذكر.

هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم، وتلك هي طريقته وسنته، فما أحوجنا -أخي الصائم- إلى الاقتداء بنبينا، والتأسي به في عبادته وتقربه، والعبد وإن لم يبلغ مبلغه، فليقارب وليسدد، وليعلم أن النجاة في اتباعه والاقتداء به، والفلاح في السير على طريقه وهديه.

178575 آيات في الصيام

المقال

ثمة بعض آيات في القرآن الكريم قيل: إن المراد منها الصوم والصيام، نذكرها:
الآية الأولى: قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} (الحاقة:24). قال مجاهد في معنى الآية: هي أيام الصيام؛ إذ تركوا فيها الأكل والشرب. وقال الكلبي: {بما أسلفتم} يعني الصوم؛ وذلك أنهم لما أُمروا بالأكل والشرب دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة لله تعالى، قيل: كان عملهم الصيام؛ لأنه قال سبحانه في آية أخرى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10)، فيُفْرَغ للصائم جزاؤه إفراغاً، ويجازف جزافاً، فلا يدخل تحت وهم وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك؛ لأن الصوم إنما كان له سبحانه، ومشرفاً بالنسبة إليه -وإن كانت العبادات كلها له، كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه، والأرض كلها له- لمعنيين:
أحدهما: أن الصوم كفٌّ وترك، وهو في نفسه سرٌّ، ليس فيه عمل يُشَاهَد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد. 
الثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان -لعنه الله- الشهوات؛ وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب. 
وقد روى الترمذي حديثاً وحسنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (الصوم نصف الصبر). 

الآية الثانية: قوله سبحانه: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(الزمر:10)، قيل: إن المراد بـ (الصابرين) في قوله: {إنما يوفى الصابرون} الصائمون؛ لما روي في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم لي، وأنا أجزي به)، متفق عليه. فلم يذكر ثواباً مقدراً، كما لم يذكره في الصبر. وقد قيل أيضاً: إن المراد بـ (الصبر) في الآية: الصبر بمعناه العام، أي: الصبر على فعل الطاعات، والصبر على ترك المعاصي، والصبر على مصائب الحياة.

الآية الثالثة:
قوله سبحانه في وصف المؤمنين: {السّائِحُونَ} (التوبة: 112)
فقد قيل بأن المقصود به: الصائمون، وهو أشهر الأقوال في معنى الآية، فقد نقله ابن جرير عن جماعة منهم ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وعطاء، ونقل عن ابن عيينة قوله: إذا ترك الطعام والشراب والنساء، فهو السائح.
وعن قتادة (السائحون)، قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله.
وقال الحسن البصري: (السائحون) الصائمون شهر رمضان.
وأورد ابن كثير في تفسيره  حديثا عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال: "هم الصائمون". وقال ابن كثير عن هذا الحديث: هذا مرسل جيد. ثم قال: هذه أصح الأقوال وأشهرها.
وقالَ القُتَبِيُّ: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات..

135311 تاريخ الصيام

المقال

الصيام عبادة قديمة، كانت في الأمم السابقة، وانتقلت من أمة إلى أخرى، وإن اختلفت في كيفيتها، ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (البقرة:183).

فقد كان لليهود صوم فرضه الله عليهم، وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم، وهو المسمى (تِسْري) يبتدئ الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر، وهو يوم كفارة الخطايا، ويسمونه (كَبُّور)، ثم إن أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى، وهي الأيام الأول من الأشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر من سنتهم تذكاراً لوقائع بيت المقدس.

وصوم يوم (بُوريم) تذكاراً لنجاتهم من غضب ملك الأعاجم (احشويروش) في واقعة (استير).

وعندهم صوم التطوع، ففي الحديث: (إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً) متفق عليه.

وعندهم صوم عاشوراء ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (قدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا) رواه البخاري.

أما النصارى فكانوا يتبعون صوم اليهود، ففي الصحيح عن إسماعيل بن أمية أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري يقول: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: (حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى -وفي لفظ أبي داود: تصومه اليهود والنصارى- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)، قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، رواه مسلم.

ثم إن رهبانهم شرعوا لهم صوم أربعين يوماً اقتداء بالمسيح؛ إذ صام أربعين يوماً قبل بعثته، ويُشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها، إلا أنهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات القوية والمشروبات، أو هو تناول طعام واحد في اليوم، يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة.

ويروي بعض أصحاب التفسير كالطبري وابن العربي أن النصارى فُرِض عليهم الصيام، وكتب عليهم أن لا يأكلوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساءَ في شهر الصوم، واختلف عليهم الزمان، فكان يأتي في الحر يوماً طويلاً، وفي البرد يوماً قصيراً، واشتد عليهم؛ فارتأوا برأيهم أن يردوه في الزمان المعتدل، فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً، نكفر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم خمسين.

وكان في الجاهلية قبل البعثة النبوية صيام، كصيام قريش لعاشوراء، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه) رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

وجاء النداء الإلهي للمؤمنين بفرضية الصيام على المسلمين، كما كُتب على السابقين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183).

والمراد بـ {الذين من قبلكم}: من كان قبل المسلمين من أهل الشرائع، وهم أهل الكتاب، كاليهود والنصارى.

هكذا -أخي القارئ- نجد أن الصيام له تاريخ قديم، ما يدل على أهميته، فهل يعي الناس ذلك، وخاصة أولئك المفرطون والمتساهلون في أحكام الإسلام؛ إذ لا بد من الانقياد لأوامره عز وجل، حتى يُكتب لهم السلامة في الدنيا والآخرة، والله الهادي إلى سواء السبيل.

43694 مفسدات الصوم

المقال

من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم دينًا قِيَمًا؛ يضبط سلوكهم ويزكي نفوسهم، فأنزل لهم كتابًا مبينًا، وأرسل رسولاً أمينًا، فبشَّر وأنذر، ووعد وحذر. وجاء بشريعة تضمنت الحلال والحرام، والواجبات والمحظورات، كل ذلك تحقيقًا لخير الفرد والمجتمع، في الآجل والعاجل: (أَلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك:14).

وكما أن للعبادات الشرعية شروطًا وأركانًا، لا تصح ولا تجزئ عن المكلف - مع القدرة - إلا بها، فإن لها كذلك مفسدات ومبطلات إذا طرأت عليها أفسدتها، وأبطلت أجرها وثوابها. 
ومفسدات الصوم ومبطلاته التي ينبغي أن يتجنبها الصائم؛ ليكون صومه صحيحاً مقبولاً إن شاء الله، هي سبعة أمور: 

أولاً: الجماع

والجماع في نهار رمضان أعظم مفسد للصوم، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكْتُ، قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعْتُ على امرأتي في رمضان..."، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، ما يدل على أن الجماع مفسد للصوم، وهو محل إجماع بين العلماء. 

والجماع المفسد للصوم هو إيلاج حشفة الذكر في الفرج، وأما مقدماته من القبلة ونحوها مع عدم الإنزال فإنها لا تفسده، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إِرْبه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إِرْبه) رواه مسلم، وعليه فلو علم الصائم من نفسه أن فعله سيؤدي به إلى الجماع أو الإنزال لعدم قدرته على كبح شهوته، فإنه يحرم عليه حينئذٍ سداً للذَّريعةِ، وصوناً لصيامه عن التعرض للفسادِ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً خوفاً من تسرب الماء إلى جوفه. 

ثانيًا: الأكل والشرب 

وهو إيصال الطعام والشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف أياً كان نوع المأكول أو المشروب، فمن فعل شيئًا من ذلك متعمدًا فقد فسد صومه لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187).

أما من أكل أو شرب ناسيا، فلا يؤثر ذلك على صيامه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، رواه البخاري ومسلم.

ثالثًا: ما كان في معنى الأكل والشرب 

كالإبر المغذية ونحوها مما يكتفى به عن الأكل والشرب، فإذا تناول الصائم مثل هذه الإبر فإنه يفطر، لأنها وإن لم تكن أكلاً وشرباً حقيقة إلا أنها بمعناهما، فيثبت لها حكم الأكل والشرب، وأما الإبر غير المغذية فإنها لا تفطر سواء تناولها عن طريق العضلات، أو عن طريق الوريد، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعناهما، فلا يثبت لها حكمهما. 


رابعًا: التقيؤ عمْداً

وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، إذا تعمد الصائم فِعْل ذلك، وأما إن غلبه القيء وخرج من غير إرادته فلا قضاء عليه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) رواه أحمد وأبو داود، ومعنى ذرعه: سبقه وغلبه في الخروج.

وسواء كان التعمد بالفعل كعصر بطنه وإدخال أصبعه في حلقه، أو بالشم كأن يشم شيئاً ليقيء به، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء ليقيء فإنه يفطر بذلك كله.

خامسًا: خروج دم الحيض والنفاس 

لقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) رواه البخاري. وقد أجمع أهل العلم على أن خروج دم الحيض أو النفاس مفسد للصوم.

فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء كان ذلك في أول النهار أم في آخره، ولو قبل الغروب بلحظة، وأما إن أحسَّت بانتقال الدم، ولم يبرز إلا بعد الغروب، فصيامها صحيح، لأن مدار الأمر على خروج الدم.

سادسًا: إنزال المني باختياره

فمن قبَّل أو لمس، أو استمنى حتى أنزل فإن صومه يفسد، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه أحمد، وخروج المني من الشهوة التي لا يتحقق الصوم إلا باجتنابها، فإن قصد إليها بفعل ما، لم يكن تاركًا لشهوته، وبالتالي لم يحقق وصف الصائم الذي جاء في الحديث.

أما إن كان إنزال المني عن غير قصد، ولا استدعاء، كاحتلام، أو تفكير، أو نتيجة تعب وإرهاق، فلا يؤثر ذلك على الصوم.

سابعًا: الحجامة

وهي شق أو جرح عضو من الجسد كالرأس أو الظهر لمص الدم منه، وقد اختلف أهل العلم في عدِّ الحجامة من مفسدات الصوم، فذهب الجمهور من أهل العلم من الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلى أنها لا تفطر، وذهب أحمد إلى أن الحجامة تفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أبو داود وابن ماجه.

وكذلك ما كان في معنى الحجامة كسحب الدم الكثير للتبرع وما أشبه ذلك؛ لأنه يؤثر في البدن كتأثير الحجامة.

وأما خروج الدم بالرعاف أو الجرح أو قلع السن أو شق الجرح، أو أخذ دم قليل للتحليل، فلا يفطر به الصائم، لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها، فلا يؤثر في البدن كتأثيرها.

ومما ينبغي أن يُعْلم في هذا الباب أن هذه المفسدات - غير الحيض والنفاس - لا يفطر الصائم بشيء منها إلا إذا كان عالماً ذاكراً مختاراً، فإن كان جاهلا بالحكم فلا يفطر، ولا يفطر كذلك إذا كان جاهلا بالحال، كأن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل أو يشرب مع أنه قد طلع، وأما من غلب على ظنه دخول وقت المغرب فأفطر، ثم تبين بقاء النهار فجمهور العلماء على أنه يقضي بدل هذا اليوم.

وكذلك لا يفطر إن نسي أنه صائم لقوله عليـه الصـلاة والسلام: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) متفق عليه. 

لكن عليه أن يمسك حال التذكر، ويخرج ما في فمه من الطعام والشراب، وعلى من رآه يأكل أو يشرب أن يذكره وينبهه.

وكذلك لا يفطر إذا كان مُكْرَهاً على ارتكاب شيء من هذه المفطرات، ولا قضاء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه) رواه ابن ماجه.

وهناك أحكام تتعلق بقضاء الصوم، وما يترتب على فساده، سيتم الحديث عنها في موضوع مستقل.

197062 الصيام وغض البصر

المقال

(الغض) لغة: مصدر قولهم: غض بصره يغضه غضًّا، وهو مأخوذ من مادة (غ ض ض) التي تدل على معنيين: أحدهما: الكفّ والنقص. والآخر: الطراوة، وغض البصر من المعنى الأول، وكل شيء كففته فقد غضضته. 

و(البصر) لغة: اسم لآلة الإبصار، وهو مأخوذ من مادة (ب ص ر) التي تدل على العلم بالشيء، ومنه أيضاً: البصيرة، وبَصُرتُ بالشيء: علمته.

وغَضُّ البصر اصطلاحاً: أن يغمض المسلم بصره عما حرم عليه، ولا ينظر إلا لما أبيح له النظر إليه، ويدخل فيه أيضاً إغماض الأبصار عن المحارم.

قال القرطبي: "البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله".

ومن النصوص الآمرة بغض البصر قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} (النور:30-31)، قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً.

وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) حسن لغيره.

وروى الإمام أحمد أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: (يا عليُّ! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة) حسن لغيره.

وروى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفُجَاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، ومعنى (نظر الفجأة) أن يقع نظره على الأجنبية من غير قصد، فلا إثم عليه في أول ذلك، فيجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال، فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم.

وما أكثر المناظر التي أصبح من المحتم غض البصر عنها؛ فبعض القنوات والمواقع الإلكترونية، التي يتقن القائمون عليها فن الإغراء والإغواء، باختيار الوجوه الحسان، والأجساد شبه العارية، والأصوات الناعمة، وغير ذلك من المغريات والمفتنات، حتى أصبحت مجاهدة النفس على غض البصر من أهم المهمات، وآكد الواجبات، وصار الفشل فيها لدى الشباب ذريعة إلى الوقوع في الفحشاء والمنكر، والانقطاع عن عمل الخير، وضعف تأثير العبادة كالصلاة والصوم، وسبب لكثير من المعاناة والضيق وكدر الحياة.

ولغض البصر عما حرم الله جملة فوائد، منها:

- أنه امتثال لأمر الله تعالى، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.

- أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم، الذي ربما كان هلاك قلبه فيه.

- أنه يورث القلب أنساً بالله سبحانه؛ لأن غض البصر لا يكون إلا باستحضار الخوف من الله، وعملاً بما نهى عنه، وهذا الاستحضار هو بمعنى ما ذكر، وقد قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).

- يقوي القلب ويفرحه، كما أن النظر إلى المحرمات يُضعف القلب ويحزنه.

- يكسب القلب نوراً، كما أن إطلاقه يورثه ظلمة، وقد قال بعض السلف: (من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته).

- يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب.

- يورث القلب شجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة.

- يسد على الشيطان مدخله إلى القلب؛ فإنه يسرع إلى القلب مع النظرة أسرع من الهواء إلى المكان الخالي.

- يفرِّغ القلب إلى مصالحه، والاشتغال بها.

وعليك أيها الشاب المؤمن ألا تيأس ولا تستسلم، ولو أغراك الشيطان، فحملك على الدخول إلى موقع إلكتروني، أو سوَّل لك النظر إلى صورة خليعة، أو فتاة فاتنة، بل عليك أن تلزم الاستغفار، وتجعله على لسانك ليل نهار، ولا تحرم نفسك من الانضمام إلى قافلة {والمستغفرين بالأسحار} (آل عمران:17)، فللاستغفار سر عجيب، من محو آثار النظر، وصفاء القلب، وتجديد العزيمة، وبسط سلطان السعادة على النفس، والحمد لله الذي شرع للمؤمنين التوبة، وحفَّزهم على الاستغفار، ووعدهم بالعفو والغفران.

والمؤمن مأمور بغض بصره عما حرم الله عليه في الأحوال والأزمان كافة، ويكون الأمر آكد في شهر رمضان؛ إذ هو شهر العبادة، وشهر التقرب إلى الله سبحانه، فلا يليق بالمؤمن أن يفعل في هذا الشهر ما يبعده عن ربه، وهو أحوج ما يكون قريباً إليه.

44348 عمرة في رمضان تعدل حجّة!

المقال

دعا الله عباده إلى الاستباق في الخيرات، والمسارعة إلى القربات طلبًا لثوابه ومغفرته، فقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا) (المائدة:48)، وقال جلّ وعلا: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)(آل عمران:133). 

ومن أعظم ميادين المنافسة والمسابقة إلى الخيرات قَصْدُ بيت الله الحرام لأداء العمرة، لما في ذلك من الأجر العظيم، وتكفير الخطايا والسّيئات، قال صلّى الله عليه وسلّم: (العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما) متفق عليه، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (تابعوا بين الحج والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب, كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه أحمد وغيره.

والعمرة في رمضان لها مزية ليست في غيره، فقد جاء الترغيب فيها، وبيان فضلها وثوابها، وأنها تعدل حجة في الأجر والثواب، ففي "الصحيحين" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية حين لم يكتب لها الحج معه: (فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي). وفي رواية عند أحمد والترمذي: (عمرة في رمضان تعدل حجة).

وعلى هذا درج السلف الصالح فكان من هديهم الاعتمار في رمضان كما ثبت عن سعيد بن جبير ومجاهد "أنهما كانا يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة"، وروي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: "خرجت أنا وعطاء في رمضان، فأحرمنا من الجعرانة". 

وهو ما يفسر لنا سر تنافس المسلمين في هذا الشهر الكريم في هذه الطاعة، وتسابقهم إلى بيت الله الحرام لأداء هذه الشعيرة، وكأنك بهذا المشهد العظيم في موسم حج كبير.

لذا كان لا بد من التذكير بشيء من أحكام العمرة، وبيان صفتها وأعمالها، وهي على وجه الإجمال: إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير.

فإذا أراد المسلم العمرة فإنه يسُنَّ له أن يغتسل ويتطيب، ثم يلبس ملابس الإحرام، بعد أن يتجرد من لبس المخيط، كالسراويل ونحوه.

ويسنُّ للرّجل أن يلبس إزارًا ورداء، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب، بشرط أن تكون ساترة لا زينة فيها؛ ويحرم عليها لبس النقاب، لكن إذا مر بها الرجال، أسدلت على وجهها ما تستره به، كما يحرم عليها لبس القفازين.

ثم يصلّي المعتمر ركعتين استحباباً، ينوي بهما سنة الوضوء، وليس هناك صلاة خاصة للإحرام ؛ فإذا فرغ من الصلاة أحرم ملبيًا، فيقول: لبيك عمرة، ثم يشرع في التلبية، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

وينبغي للمحرم الإكثار من التلبية، لأنها الشعار القولي لهذا النسك، خاصة عند تغير الأحوال والأزمان، كأن يعلو مرتفعاً أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل ويدبر النهار، ونحو ذلك ؛ ويستمر في التلبية إلى أن يشرع في الطواف.

فإذا وصل إلى المسجد الحرام قدم رجله اليمنى قائلاً: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مستحضراً نعمة الله عليه وفضله بتيسير الوصول إلى بيته الحرام.

ثم يتقدم نحو الحجر الأسود مبتدئا طوافه منه، فيستلمه ويقبله إن استطاع، وإلا أشار إليه من بعيد بيده اليمنى قائلاً: "بسم الله، الله أكبر"، ولا يزاحم غيره للوصول إليه، ويطوف سبعة أشواط بطهارة، مبتدئًا بالحجر الأسود ومنتهيًا إليه، مكبراً مع بداية كل شوط، ويُسن استلام الركن اليماني في كل شوط -وهو الركن الذي يسبق الحجر الأسود- إن تيسر له ذلك، ولا يشرع تقبيله، ولا الإشارة إليه عند تعذر استلامه؛ ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201).

ويقول في طوافه ما تيسر من ذكر ودعاء وقراءة قرآن، وليس هناك دعاء أو ذكر مخصص لكل شوط.

والسُّنَّة في هذا الطواف أن يضطبع في جميع الأشواط، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه؛ والاضطباع: أن يبرز كتفه الأيمن، فيجعل وسط ردائه تحت إبطه، وطرفيه على كتفه الأيسر، والرَّمَل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا؛ فإذا تمت الأشواط السبعة تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (البقرة:125)، ثم يصلى ركعتين خلف المقام، إن تيسر، وإلا ففي أي مكان من المسجد.

ثم يتوجه بعد ذلك إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا، قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158)، ثم يصعد على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه ويدعو بما شاء ؛ وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، يكرر ذلك ثلاث مرات، ويدعو بينها.

ثم ينزل من الصفا متجهاً إلى المروة، ويسرع بين الميلين الأخضرين، من غير أن يزاحم غيره، فإذا وصل إلى المروة صعد واستقبل القبلة ورفع يديه، وقال ما قاله على الصفا، غير أنه لا يقرأ (إن الصّفا والمروة) مرة أخرى. 


وبذلك يكون قد أنهى شوطًا من أشواط السعي السبعة. 

ثم ينزل عائداً إلى الصفا، ماشياً في موضع المشي، مسرعاً في موضع الإسراع وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، مبتدأً بالصفا منتهياً بالمروة.

فإذا أتم السعي حلق رأسه أو قصره، والحلق أفضل، وهذا في حق الرجل، أما المرأة فتقصر ولا تحلق، وتقصيرها يكون بأخذ قدر أٌنملة من أطراف شعرها.

وبالحلق أو التقصير، تكون قد تمت أعمال العمرة، ويكون المعتمر قد تحلل من إحرامه، وحلَّ له ما كان محرمًا عليه من قبل من محظورات الإحرام.

وختاماً: ينبغي على المسلم أن لا يضيع هذه الفرصة، وأن يغتنم شرف الزمان والمكان، فيكثر من نوافل العبادات والطاعات، وخصوصاً في هذا الشهر المبارك، وفي هذا المكان المبارك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه) رواه أحمد، وليحذر كل الحذر من أي مخالفة أو معصية قد تذهب بأجره، ويعود معها محملاً بالأوزار والآثام، فكما أن الحسنة تضاعف في هذا المكان، فإن السّيئة فيه ليست كالسّيئة في غيره، وقد قال سبحانه: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (الحج:25)، وفي الحديث: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة...وذكر منهم: ملحد في الحرم) رواه البخاري.

45688 أخطاء في الاعتكاف

المقال

الاعتكاف في المسجد سُنَّة في الأوقات كافة، غير أنه في رمضان آكد، وقد ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، بيد أن بعض الناس يقعون في بعض الأخطاء عند أدائهم لهذه السُّنَّة، ومن هذه الأخطاء ما يلي:

أولاً: من الأخطاء جَعْل بعض الناس الاعتكاف فرصة للقاء والاجتماع والتحدث، فترى المجموعة من الأصحاب يحرصون على أن يعتكفوا في مسجد واحد أو في مكان معين من المسجد لهذا الغرض، وكل ذلك من الغفلة عن مقصود الاعتكاف الذي هو الانقطاع عن الناس، والاشتغال بعبادة الله، والخلوة به، والأنس بذكره.

ثانياً: التوسع في المباحات والإكثار من الأكل وفضول الطعام، والذي ينبغي للمعتكف أن يحرص على تقليل طعامه ما أمكن، وأن يقتصر منه على ما يعينه على العبادة، فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس، وتطرد الكسل والخمول، ومن كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة.

ثالثاً: جَعْلُ الاعتكاف فرصة للمباهاة والتفاخر وجلب ثناء الناس، كقول البعض اعتكفنا في الحرم أو المسجد الفلاني أو ما أشبه ذلك؛ طلباً للمدح والإعجاب، والواجب أن يخفي الإنسان عمله، وأن يخاف عليه من الرد وعدم القبول، فإن الأعمال بالنيات، ومما يعين العبد على ذلك اختيار المسجد الذي لا يعرف فيه أحداً ولا يعرفه أحد، وعدم إعلان ذلك للناس حتى يكون أقرب إلى الإخلاص.

رابعاً: الإكثار من النوم وعدم استغلال الأوقات في المعتكَف، فالمعتكِف لم يترك بيته وأهله وأولاده لينام في المسجد، وإنما جاء ليتفرغ لعبادة الله وطاعته، فينبغي أن يقلل من ساعات نومه قدر استطاعته، وأن يغير البرنامج الذي تعود عليه في بيته.

خامساً: الخروج من المعتكف لغير حاجة معتبرة، كالخروج المتكرر إلى السوق لشراء الأكل، بينما يكفيه من ذلك مرة واحدة.

سادساً: عدم المحافظة على نظافة المسجد، فربما ترك بعض المعتكفين مخلفاتهم دون تنظيف، والنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) متفق عليه، والذي ينبغي على المعتكف أن يتعاهد موضع معتكفه بالتنظيف.

سابعاً: من الأخطاء التي تحدث من بعض المعتكفين وخصوصا في الحرمين أن بعضهم لا يصلي أحياناً التراويح مع المصلين، وخصوصاً في العشر الأواخر اكتفاء بصلاة القيام، ويظل يشوش على المصلين برفع الصوت في أحاديث لا طائل من ورائها.

ثامناً: يُلاحظ إظهار البعض الجدَّ والحزم والعزم والنشاط في أول أيام الاعتكاف، ثم لا يلبث أن يفتر ويتراخى بسبب المخالطة وإلف المكان، والذي ينبغي أن يكون عليه الأمر، أن يستمر هذا النشاط والجد إلى آخر لحظة، تحرياً لليلة القدر التي أخفاها الله عنا لهذا الغرض.

تاسعاً: تفريط بعض الناس في حق أهله وأولاده وتضييعهم وهو في معتكفه، فربما انحرف الواحد منهم وضاع، خصوصاً مع غياب الرقيب والمتابع، والاعتكاف سُنَّة، والمحافظة على الأهل والأبناء من الواجبات، فكيف يُضيِّع الإنسان ما هو واجب عليه من أجل المحافظة على سُنَّة، ولا شك أن الجمع بين الأمرين هو المطلوب إن تيسر ذلك، وإلا فتحصيل ما هو واجب هو المقدم.

عاشراً: المبالغة في نصب الخيام، وكأن المقصد الأساس من الاعتكاف النوم والخلود إلى الراحة، مع أن كثرة النوم يتنافى مع مقاصد الاعتكاف القائمة على التقليل من العادات اليومية، والانقطاع عن مشاغل الدنيا وزخرفها، أما إذا كان نصب الخيام سيضيِّق على المصلين أماكن صلاتهم، فهذا من الضرر الذي لا يتوافق مع مقصد الاعتكاف، ولا يجوز للمعتكف فعله.

135239 رمضان شهر القرآن

المقال

ثمة علاقة وطيدة ورباط متين بين القرآن وشهر الصيام، تلك العلاقة التي يشعر بها كل مسلم في قرارة نفسه مع أول يوم من أيام هذا الشهر الكريم، فيُقْبِل على كتاب ربه يقرأه بشغف بالغ، فيتدبر آياته ويتأمل قصصه وأخباره وأحكامه، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين، وتدوي في المآذن آيات الكتاب المبين، معلنة للكون أن هذا الشهر هو شهر القرآن، قال جل وعلا: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185)، قال الحافظ ابن كثير: "وكان ذلك -أي إنزال القرآن- في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}(القدر:1)، وقال سبحانه : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}(الدخان:3)، ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكان جبريل عليه السلام يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيدارسه القرآن كل ليلة في رمضان -كما في "الصحيحين"-، وكان يعارضه القرآن في كل عام مرة، وفي العام الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل القرآن مرتين.

وكان للسلف رحمهم الله اهتمام خاص بالقرآن في هذا الشهر الكريم، فكانوا يخصصون جزءاً كبيراً من أوقاتهم لقراءته، وربما تركوا مدارسة العلم من أجل أن يتفرغوا له، فكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وكانوا يقرؤون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للإمام الشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان يترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقْبِل على قراءة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

ومما ينبغي أن يُعْلَم أن ختم القرآن ليس مقصوداً لذاته، وأن الله عز وجل إنما أنزل هذا القرآن للتدبر والعمل، لا لمجرد تلاوته والقلب غافل لاه، قال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} (ص:29)، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقد وصف الله في كتابه أمماً سابقة بأنهم {أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} (البقرة:78)، وهذه (الأمية) هي أمية عقل وفهم، وأمية تدبر وعمل، لا أمية قراءة وكتابة، و(الأماني) هي التلاوة -كما قال المفسرون- بمعنى أنهم يرددون كتابهم من غير فقه ولا عمل.
وأكد نبينا صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين حدَّث أصحابه يوماً فقال: (هذا أوان يُختلس العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء) فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يُختلس منا، وقد قرأنا القرآن؟! فوالله لنقرأنه، ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: (ثكلتك أمك يا زياد! إن كنتُ لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم) رواه الترمذي.
إذن، فختم القرآن ليس مقصوداً لذاته، وليس القصد من تلاوته هذَّه كهذَّ الشِّعر، دون تدبر ولا خشوع ولا ترقيق للقلب ووقوف عند المعاني، ليصبح همُّ الواحد منا الوصول إلى آخر السورة، أو آخر الجزء، أو آخر المصحف، ومن الخطأ أيضاً أن يحمل أحدنا الحماس -عندما يسمع الآثار عن السلف التي تبين اجتهادهم في تلاوة القرآن وختمه- فيقرأ القرآن من غير تمعن، ولا تدبر، ولا مراعاة لأحكام التجويد، أو مخارج الحروف الصحيحة، حرصاً منه على زيادة عدد الختمات، وكون العبد يقرأ بعضاً من القرآن جزءاً أو حزباً أو سورة بتدبر وتفكر خير له من أن يختم القرآن كله من دون أن يعي منه شيئاً، وقد جاء رجل لابن مسعود رضي الله عنه، فقال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال ابن مسعود: "أهذّاً كهذِّ الشِّعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع"، وكان يقول: "إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا! فأصغ لها سمعك، فإنه خير تُؤْمَر به، أو شر تُصْرَف عنه"، وقال الحسن: "أنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً".

فاحرص -أخي الصائم- على تلاوة القرآن في هذا الشهر بتدبر وحضور قلب، واجعل لك ورداً يوميًّا لا تفرط فيه، ولو رتبت لنفسك قراءة جزأين أو ثلاثة بعد كل صلاة لحصَّلت خيراً عظيماً، ولا تنس أن تجعل لبيتك وأهلك وأولادك نصيباً من ذلك. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

178055 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

المقال

قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة:185). 

القول في هذه الآية تنظمه عشر مسائل:

الأولى: (الشهر) مشتق من الشُّهرة؛ لأن الهلال يظهر لملتمسيه، فيشهرونه؛ ليراه الناس، فيثبت الشهر عندهم، و(رمضان) عَلَم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج. و(رمضان) ممنوع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون؛ لأنه مشتق من الرمضاء، وهي الحرارة؛ لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب. 

قال ابن عاشور: "وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يقتضي عدم ذكره؛ إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم؛ وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال: رمضان لكان ظاهراً لا نصاً، لا سيما مع تقدم قوله {أياما} فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان". والمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية، هو الذي جُعِلَ ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين، فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان، فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه. 

الثانية: المراد بإنزال القرآن في (شهر رمضان) ابتداء إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه ابتداء النزول، فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأن ذلك القدر المنزل مقدر إلحاق تكملته به، كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله سبحانه: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) (الأنعام:92)، وذلك قبل إكمال نزوله، فيشمل كل ما يلحق به من بعد. 

قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوُضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجماً نجماً في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوماً -يعني الآية والآيتين- في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة". 

واختير شهر رمضان من بين الأشهر؛ لأنه قد شَرُفَ بنزول القرآن فيه، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها، ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعاً فيه.

الثالثة: قوله تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) إشارة إلى وجه تفضيل شهر رمضان بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان، والمراد بـ(الهدى) الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي، الذي ينكره كثير من الناس، مثل أدلة التوحيد، وصدق الرسول، وغير ذلك من الحجج القرآنية.

و(الفرقان) مصدر (فَرَقَ)، وقد شاع في الفرق بين الحق والباطل، أي: إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله، وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام.

الرابعة: و(شهد) يجوز أن يكون بمعنى (حضر) كما يقال: إن فلاناً شهد بدراً، وشهد أحداً، أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: حضرها، والمعنى على هذا: حضر في الشهر، أي لم يكن مسافراً، وهو المناسب لقوله بعده: (ومن كان مريضا أو على سفر)، أي: فمن حضر في الشهر، فليصمه كله. 

ويجوز أن يكون (شهد) بمعنى (علم)، كقوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) (آل عمران:18)، ويكون المعنى: علم بحلول الشهر، وليس (شهد) بمعنى (رأى)؛ لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال: شاهد، ومن فهم قوله سبحانه: (شهد) بمعنى (رأى) فقد أخطأ خطأ بيِّناً، وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان، فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم، وهذا باطل. 

قال جمهور الأمة: "من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيماً، فإن سافر أفطر"، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة، وقد ترجم البخاري لهذا، فقال: "باب: إذا صام أياماً من رمضان، ثم سافر"..عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس.

ثم قال الحنفية: مَن (شهد) الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جنَّ أول الشهر وآخره، فإنه يقضي أيام جنونه. قالوا: وإذا أسلم الكافر، أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الإمساك، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر، ولا اليوم الذي بلغ فيه الصبي، أو أسلم الكافر.

وقال جمهور أهل العلم: ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. قال مالك: وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه. قال القرطبي: "الصحيح لا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم، ولا قضاء ما مضى".

الخامسة: قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا) قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا): إنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي (كتب عليكم الصيام)، وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها، فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله: (شهر رمضان)، وصار الصوم واجباً على التعيين، خيف أن يظن الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نُسخ، فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر، فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة؛ تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهذا بناء على كون هذه الآية ناسخة للتي قبلها. 

فإن قلنا: إنهما نزلتا في وقت واحد، كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: (ومن كان مريضا)؛ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة؛ رفقاً بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إذا كان {شهد} بمعنى (تحقق) و(علم)، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة؛ ولزيادة بيان معنى قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). 

ثم إن للمريض حالتين: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يُستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر؛ قياساً على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدعُ إلى الفطر ضرورة. وقال جمهور أهل العلم: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيُّده صح له الفطر. قال القرطبي: "قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب، إن شاء الله تعالى".

السادسة: قوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) تعليل لقوله سبحانه: (ومن كان مريضا أو على سفر)، وبيان للحكمة من الرخصة، أي: شرع لكم القضاء؛ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة، ولا يريد بكم العسر في التكاليف. وجوز ابن عاشور أن يكون تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: (كتب عليكم الصيام) إلى هنا، فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام -وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر- فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر، أي: تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. 

السابعة: قوله سبحانه: (ولتكملوا العدة) المعنى: يريد الله أن تكملوا العدة، و(إكمال العدة) يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم؛ ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع، وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف. وقد يراد بـ (إكمال العدة) إكمال عدة الهلال، سواء كانت تسعاً وعشرين يوماً أو ثلاثين. قال العلماء: ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهاراً، بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً صُبْحَ ثلاثين يوماً، فرأى هلال شوال نهاراً، فلم يفطر حتى أمسى). أخرجه الدار قطني.

الثامنة: قوله سبحانه: (ولتكبروا الله) تعليل لحكمة متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى، وهو أن يكبروه. والمراد بـ (التكبير) النسبة والتوصيف، أي: أن تنسبوا الله إلى الكِبَر، و(الكبر) هنا كبر معنوي لا جسمي، فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها، أي: لتصفوا الله بالعظمة، وذلك بأن تقولوا: الله أكبر، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الواقع، كالحكماء، والملوك، والسادة، والقادة، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية؛ لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه، والناقص غير مستحق للإلهية. 

وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون، قال الشافعي: وتُشَبَّه ليلة النحر بها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك والشافعي. وروى الدار قطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى. 

قال القرطبي: "وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر". وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى، وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. 

قال ابن عاشور: "وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة؛ وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر، إشارة إلى أن الله يُعْبَدُ بالصوم، وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام".

وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير؛ إذ جعلته مما يريده الله، وهو غير مفصل في لفظ التكبير، ومجمل في وقت التكبير؛ وعدده، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال. فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر، والمشهور في السنة أنه يكرر (الله أكبر) ثلاثاً، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والشافعي: إذا شاء المرء زاد على التكبير تهليلاً وتحميداً، فهو حسن، ولا يترك (الله أكبر)، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين، ثم قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. وقال أحمد: هو واسع. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ غير ثلاث تكبيرات. 

التاسعة: قوله سبحانه: (على ما هداكم) قيل: لِمَا ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلاً عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب والأنساب، وتعديد المناقب. وقيل: لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع، فهو عام.

العاشرة: قوله عز وجل: (ولعلكم تشكرون) تعليل آخر، وهو أعم من مضمون جملة (ولتكبروا الله على ما هداكم )، فإن التكبير تعظيم، يتضمن شكراً، والشكر أعم؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى، ويكون بفعل القُرَب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر.

135295 وقفات مع الصائمات

المقال

يُقْبِل علينا شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر الصيام والقيام والقرآن، شهر مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، يُقْبِل ومعه نفحات الأجر والمثوبة، وفرص الخير المتنوعة، يُقْبِل ليروض النفوس، ويحررها من رق الشهوات، وأسر العادات، فتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وينادي المنادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

أختي الصائمة

اقدري نعمة الله وعظيم فضله عليك، حيث مَدَّ في عمرك، وبلَّغك هذا الشهر لتتزودي فيه من العمل قبل حلول الأجل، وأنت تعرفين من أخواتك اللاتي سبقوك إلى الدار الآخرة، وحال الموت بينهن وبين بلوغ هذا الشهر؟! فليكن في ذلك أعظم واعظ لك للتزود من الطاعات والقربات، وتجديد العزم وإخلاص القصد، قبل أن يحال بينك وبينه.

أختي الصائمة

تذكري أن الغاية الكبرى من الصوم تحقيق تقوى الله عز وجل، التقوى التي توقظ القلوب وتحيي الضمائر، وتصون النفوس من دنس الآثام، وما لم يكن الصوم طريقاً لتحصيل هذه التقوى، فإنه يفقد ثمرته وغايته، فالصائم حقيقة هو من صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش والغيبة وقول الزور، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب) متفق عليه، وقال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري، فاجعلي من صيامك وسيلة لتحقيق هذه التقوى، وتجنبي مجالس الفارغات العاطلات، وتخلقي بأخلاق الصائمات الحافظات لألسنتهن وأبصارهن وجوارحهن عن كل مخالفة تخدش الصوم، وألزمي نفسك الكلام الطيب الجميل، وليكن لسانك رطباً بذكر الله، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.

أختي الصائمة

احذري لصوصَ رمضان، الذين ينتظرون هذا الشهر بفارغ الصبر لكي يسطوا على أخلاق الناس، ويسلبوا عقولهم واهتماماتهم، ويفسدوا عليهم روحانيته وعبق أيامه ولياليه، ويحيلوا حياتهم إلى اللهو والهزل، وهدر الوقت والعمر، في أرجى مواسم التوبة، والسمو بالروح والنفس، ففي الوقت الذي صفدت فيه شياطين الجن ومردتها، يأبى هؤلاء إلا أن يقوموا بالدور نفسه، وينوبوا عنهم في أداء هذه المهمة، وما أن يقترب شهر الصيام حتى يحتدم التنافس الفضائي، والعروض الرمضانية التي لا علاقة لها إطلاقاً بالعبادة والطاعة، بل هي على النقيض من ذلك تماماً، حتى تحول شهر الصبر والمصابرة والجهد والمثابرة، والتنافس في الخيرات، والمسارعة إلى الصالحات عند بعض من لا خلاق لهم إلى شهر اللهو والعبث ومعاقرة الشهوات والإسراف فيما أحلَّ الله وحرَّم.
فهل ستحفظين شهرك، وتصونين عمرك، من عدوان المعتدين، وإفك الظالمين، واللصوص المحترفين، أو ستمنحينهم الفرصة للعبث بك، وتخلين بينهم وبين وقتك وعبادتك وأخلاقك؟!

أختي الصائمة

تجنبي ارتياد الأسواق في هذا الشهر الكريم وخاصة في العشر الأواخر، واحرصي على عدم الخروج من البيت إلا لضرورة، أو طاعة، أو حاجة لا بد منها، وإياك والإسراف والتبذير في المآكل والمشارب، ولا تجعلي من هذا الشهر موسماً للكسل والخمول، وقضاء النهار في النوم، والليل في السهر، وليكن همك الأكبر هو مضاعفة الجهد والاستكثار من الطاعات المتنوعة من بر وإحسان وقراءة للقرآن، وصلاة وذكر واستغفار.

أختي الصائمة

اجعلي دائماً نصب عينيك الجائزة الكبرى التي وضعت لمن يفوز في هذا السباق، جائزة تتقاصر دونها كل الجوائز، وتتضاءل أمامها كل الحوافز، من حرمها فهو المحروم، ومن ضيعها أو فرط فيها فهو الملوم، كيف والثمن الجنة، والجزاء مغفرة تجعل المرء في حل فيما سبق في حياته؟! (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. و(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. و(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

فهل ستقبلين المنافسة والتحدي ما دام السوق قائماً، والسباق جارياً، وتكونين من الفائزين بهذه الجائزة الربانية، والمنحة الإلهية؟ اعقدي العزم، واصدقي النية، وتوجهي إلى الله بالدعاء، فمن صدق الله صدقه.

231031 الاستقامة على الطاعة بعد رمضان

المقال

جاء رمضان... وبسرعة ذهب رمضان.

وكان ولابد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا؟

ماذا بعد الصيام والقيام والذِكْر والطاعات والدعوات والصدقات وقراءة القرآن وفعل الخيرات؟

ثم استقاموا

إنها الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}(فصلت:30).

أن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه.

قال أبو بكر رضي الله عنه: "استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً".

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لم يروغوا روغان الثعالب".

فيحاول العبد أن يستقيم على طاعاته بعد رمضان، وألا ينقطع عنها كليا.

أسباب معينة

فالاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.. منها:

أولا: الاستعانة بالله

أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة. أما الناظر إلى عمله المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا) رواه أبو داود.

ثانيا: المجاهدة

أن تعلم أن الاستقامة لا تتحصل بالهجوع في المضاجع، ولا بالاستمتاع بكل ما لذَّ وطاب من الشهوات والملذات، بل تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة.. مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، حتى تأتي بأمر الله على تمامه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت:69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}(السجدة:24).

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله. 

إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.

ثالثا: رفقة أهلها 

وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: "كنتُ إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوع".. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة تركب الواحد وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

علامات القبول 

إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه.. وإذا كان رمضان قد انقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض.. ومَنْ كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومَنْ كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء عالِم بني إسرائيل الذي أذاقة الله حلاوة الإيمان وآتاه أياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ}(الأعراف:175).

وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلاً قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}(النحل:92).

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: (يا عبْد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل). وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان عمله ديمة) متفق عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) رواه مسلم.

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثا.

وعلى الذين كانوا يحافظون على الصلاة فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات.

وعلى الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات فلما غاب رمضان عادوا إليها.

وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن.

وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الرد وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة .. نعوذ بالله من الخذلان.

عبادة حتى الموت

لقد علمنا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها.. فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسما آخر .. فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}(البقرة:197) .. وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال.

وسنَّ لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر). وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}(الحجر:99).

اللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين، كما مننتَ علينا بالطاعة في رمضان، أن تمن علينا بها بعد رمضان.. وكما وفقتنا للقرآن في رمضان أن توفقنا له بعد رمضان. وكما وفقتنا للقيام في رمضان، أن توفقنا له بعد رمضان. آمين.

135297 إلى الزوجين في رمضان

المقال

يطل شهر رمضان بعبقه وأريجه وما يحمله من معانٍ جميلة، ليضفي على الحياة الزوجية مزيداً من البريق والإشراق، ويمسح عنها غبار الخلاف والشقاق، ويخفف عن الزوجين هموم الحياة ومتاعبها، عندما تتقارب القلوب، وتسمو الأرواح، ويخرج الزوجان من هذا الشهر أكثر محبة ومودة ووئاماً.

ولكي يتحقق ذلك لا بد من بعض الأمور التي ينبغي أن يراعيها الزوجان في هذا الشهر الكريم، فمع دخول شهر رمضان يتغير نمط الحياة المعتاد، ويحدث انقلاب في مواعيد النوم والطعام والعمل، وقد تتغير تبعاً لذلك شخصية المرء وطباعه، ما يفرض على الزوجين التكيف مع الوضع الجديد، وترويض الطباع والعادات، والتعاون لتوفير الوقت والراحة النفسية للطرف الآخر حتى يؤدي عبادتهبدون أي منغصات أو مكدرات.

وشهر رمضان يعطينا أعظم الدروس في سعة الصدر، والصبر والحلم، والتسامح والتغافر، والمقصود من الصوم في الحقيقة تهذيب النفس، وصقل الروح وترويض العادات؛ ولذا فإن على الزوجين أن يحافظا على هدوئهما في هذا الشهر الكريم، ويضبطا انفعالاتهما، ويتحكما في أخلاقهما، وعليهما أن يضيِّقا فرص الخلاف والمشاكل ما أمكن، وأن يسعيا جهدهما لإزالة أي سوء تفاهم، وليعلما أن ذلك سيكون على حساب عبادتهما، وأن الشيطان أحرص ما يكون في هذا الشهر على أن يستثمر أي موقف يفسد عليهما لذة هذا الشهر وروحانيته وأجره.. وليكن شعارهما قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم).

ومن الأمور التي لها أعظم الأثر في زيادة المودة والمحبة بين الزوجين أن يجتمعا على طاعة الله وعبادته في هذا الشهر الكريم، وقد يكون الزوجان أو أحدهما مقصراً في هذا الجانب في بقية السنة، فيأتي شهر رمضان بما يوفره من أجواء إيمانية وأعمال تعبدية يجتمع عليها الزوجان، ليمنحهما أعظم فرص المودة والمحبة حين ترفرف على منزلهما ظلال العبادة وبركات الطاعة، من خلال صلاة التراويح والقيام والتهجد وقراءة القرآن، وعمارة البيت بذكر الله وغير ذلك من الأعمال.

ولذا فإن على كل من الزوجين أن يشجع الآخر على العبادة ويعينه عليها، وإذا قصر أحدهما لقي من رفيق دربه ما يجدد له عزمه، ويعيد إليه نشاطه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات) رواه أبو داود، وقال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أبو داود، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر أيقظ أهله وأحيى ليله.

رمضان أيضاً فرصة مهمة لتقوية الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية مع أهل الزوج والزوجة، ومع الجيران، من خلال الزيارة والمهاتفة والدعوة إلى الإفطار وما أشبه ذلك؛ لأنه قد تمر فترات يكون التواصل فيها بين أفراد الأسرة ليس كما يتمنى الزوجان، فيأتي شهر رمضان ليسد هذا الخلل، ويجبر ذلك النقص.

في شهر رمضان تجتمع العائلة كلها على الإفطار ثلاثين مرة ما يجعل للزوجين فرص استثمار هذا اللقاء في تقوية العلاقة فيما بينهما وبين أبنائهما من خلال الحوار وتبادل الحديث، ومناقشة المشاكل وحلها.

ومن الأمور التي ينبغي أن تراعيها الزوجة ضبط ميزانية شهر رمضان، ومراعاة إمكانات الزوج وظروفه المادية؛ لأن بعض النساء قد تضع قائمة طلبات طويلة، تثقل كاهل الزوج، وتضيع عليه وعليها الوقت، وتصرفهما عن المقصد الأسمى لهذا الشهر.

وينبغي على الزوج أن يساعد زوجته في القيام بشؤون البيت والعناية بالأطفال، وأن تُوزَّع المهام بصورة معتدلة، تضمن توفير الوقت للزوجة، وإعانتها على العبادة والطاعة، ولا يلحق الرجل بذلك أدنى عيب أو شين، بل هو من محاسن الأخلاق وشيم الرجال، وقد قال أفضل الخلق وأكمل الأزواج صلوات الله وسلامه عليه: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام فصلى) رواه الترمذي.
فلا يسوغ أبداً أن تُلقى مسؤولية البيت والأولاد كاملة على الزوجة، فهي التي تطبخ، وهي التي تنظف، وهي التي تهتم بالصغار، وهي التي ترتب البيت، وهي وهي...، والزوج هو الذي يتفرغ لقراءة القرآن والصلاة والذكر والتعبد.

وأخيراً، لا بد من التضحية والتنازل من كل طرف عن بعض الأمور، واحتساب كل قول وعمل، لكي نجعل من هذا الشهر شهر تجديد للحياة الزوجية، وشهر عبادة وقربة ومحبة ومودة..

230704 من حكمة المنان في فريضة الصيام

المقال

دين الإسلام مصلحة كله، وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.. والإسلام كله مبني على الحكمة وإرادة المنفعة للناس؛ قال الإمام البيضاوي في كتاب المنهاج: "إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد"(ص:233)، والفقه الحقيقي هو معرفة هذه الحكم والتضلع بهذه المقاصد؛ قال ابن تيمية رحمه الله: "من فهم حكمة الشارع كان هو الفقيه حقا"، وقال أيضا: "خاصة الفقه في الدين معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها" (الفتاوى:11/354).

وإدراك مقاصد العبادات وحِكَمها يهون العبادة على ملتزميها؛ كما أنهم يعيشون روحها ومعانيها، فلا تؤدى على أنها عادات وتقاليد موروثة لا يشعرون بلذتها وحلاوتها ولا يستفيدون مراد الشارع فيها.
قال الشيخ مصطفى السباعي عن ذلك: "ليكون أوقع في النفس وأعمق في الأثر، وليكون المؤمن أكثر اطمئنانا للعبادة حين يؤديها وللتشريع حيث ينفذه".

والصيام أحد شعائر هذه الشريعة المباركة، وقد تكلم العلماء في حكمة فرض الله له فذكروا من مقاصد الصوم وحكمه بعض ما بدى لهم وظهر، وإلا فإن العقول عاجزة عن الإحاطة بحكمة الحكيم ولطف اللطيف الخبير سبحانه جل في علاه.. فكان مما ذكره العلماء من الحكم:

أولا: مواساة المحرومين والتكافل بين المؤمنين:
ذكر الإمام ابن رجب في كتابه لطائف المعارف ص 314 عن بعض السلف أنَّه سئل: "لِمَ شُرِع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع".
وحينما سئل يوسف عليه السلام: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع". فإنما يعرف ذوق التعب من نازله، ويعرف قدر الألم من كابده:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده .. .. ولا الصبابة إلا من يعانيها.

ولهذا كان من مقاصد الصيام الجليلة أنَّ فيه تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، وغرس الرحمة بطريق عملي في قلوب أغنياء المسلمين نحو فقرائهم، فيتذكُّر الموسرون إخوانهم الفقراء الذين يقاسون الحرمان أبد الدهر، ويقفون على حقيقة معاناتهم وآلامهم، فتسارع الرقة إلى قلوبهم، وتتهيأ أنفسهم لمواساة الفقراء بالمال والإطعام والتصدق والبذل والجود والإحسان، وهذا من أعظم التكافل الاجتماعي الذي يسبب التآلف بين المسلمين، وتوثيق الروابط بين الأبناء المجتمع.

ثانيا : إدخال العزاء والسلوى على قلوب الفقراء
بما يرون من مشاركة الأغنياء والأثرياء في الحبس عن الطعام والشراب والامتناع عن الملذات، وليس أدخل للسلوى على قلب المعدم البائس من وقوفه مع الغني موقف المساواة ولو ساعة من نهار.

ثالثا: القبض على زمام الشهوة من الوقوع في الآثام
فإن المرء ربما تاقت نفسه إلى النساء ولا يجد طولا، ويخشى العنت، فيكسر حدة شهوته بالصوم، ولذلك قال النبي صلى لله عليه وسلم للشباب: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أعف للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي قاطع للشهوة.

رابعا: الشعور بفقر العبودية وحاجتها
فإن تألم النفس لحبسها عن الطعام يشعرها بضعفها وذلتها وحاجتها فتسكن إلى ربها خاشعة، وتقف على مقدار ضعفها وعجزها، وترى كيف ضعفت قواها ووهنت للقمة من طعام فاتتها وشربة من ماء تأخرت عنها، والعبد إذا لم ير ذل نفسه استحال أن يرى عظمة مولاه، فإن "من عرف نفسه عرف ربه".. أي من عرف نفسه بالضعف والفقر والحاجة عرف ربه سبحانه بالقوة والغنى والعزة.

خامسا: إضعاف تأثير الشيطان على الصائم:

فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا صام المسلم ضيق علىه مجاريه؛ فلم يستطع أن يؤثر عليه أو يوسوس إليه كما كان في فطره وشبعه.. وفي هذا إعانة للعبد على أن يملك زمام نفسه، والسعادة كلها في ذلك، كما أن الشقاوة كل الشقاوة أن تملكه نفسه.
قال ابن القيم : "الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات". (زاد المعاد2/29).
ويقول الإمام الكمال بن الهمام في فتح القدير: "الصوم يسكن النفس الأمَّارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلُّها".

سادسا: تعود الصبر على المكاره والثبات عند الشدائد
فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن كل ما تشتهي مما منعه منه الصيام ـ وإن كان حلالا في غيره ـ فهو يزود المسلم بعزم قوي وصبر حسن، خصوصا عند آخر اليوم وشدة الجوع والعطش ووجود الماء والطعام، ومع ذلك لا يميل إليه ولا تحدثه نفسه بتناوله مهما تاقت له تصبرا واحتمالا وطلبا لثواب الله رب العالمين. ولذلك قيل "إن الصوم نصف الصبر".

سابعا: تذكير العبد بالفارق بين ذل العبودية وعز الربوبية
لأن الصيام يذكر الإنسان بحاجته للطعام والشراب وعدم استغنائه عن ذلك؛ فيرفع عنه رداء الكِبْر والفخر والخيلاء، ويصيره خاضعا لخالفه ورازقه، فلا يطمع أحد بعد ذلك في التبجح بألوهية أو ادعاء ربوبية كما قال فرعون والنمرود وأشباههم، ولذلك احتج الله على من اتخذ عيسى وأمه إلهين فقال: {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}(المائدة:75) فهما محتاجان إليه ذليلان به، ولا يكون الإله محتاجا ذليلا. وإنما أحد فرد صمد غني عن كل من سواه، وكل من سواه فقير محتاج إليه كما قال سبحانه {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز}(فاطر:15).

ثامنا: تحصيل التقوى:
وهذا هو المقصد الأسمى والأعلى من حكمة مشروعية الصيام.. وهو الوصول بالصائمين إلى مرتبة المتقين.. والصيام من أعظم العبادات التي يتدرب بها على الوصول لهذه المرتبة العظيمة.. وكل ما في الصيام يوصل إليها، إذا صام الإنسان حق الصيام..

وإذا كانت التقوى هي: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل" كما قال عليّ رضي الله عنه.. فإن الصائم قد جمع له ذلك كله، فصام خوفا من الله، ولولا هذا الخوف لأفطر وما صام.. والصوم عمل بكتاب الله وطاعة لأمره وإذعان لشرعه  .. وكل هذا من الاستعداد ليوم القيامة و(من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا).. ولا شيء يصل ثوابه لثواب الصوم كما في الحديث (والصوم لي وأنا أجزي به).. فلا يستعد ليوم المعاد بمثل عبادة الصوم.

وإذا كانت التقوى هي: "العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله" كما قال طلق بن حبيب رحمه الله.. فإن الصائم قد توفَّر له ذلك أيضا: فالصوم طاعة لله، والالتزام بوقت الصوم الذي حدده الشارع هو الضابط، وإنما ذلك كله رجاء ثواب الله.. وفي الصوم ترك لكل ما يغضب الله ويفسد الصيام ويجرحه، خوفا من ضياع الصوم وخشية من عقاب الرب.

وأعظم دلالات التقوى في الصيام أن العبد لا يفطر بلا عذر وإن تعرض للعقوبة أو الضرب تعظيما لأمر الله. وأعظم من ذلك دلالة ما ذكره ابن رجب وغيره أن من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه وتهواه نفسه من طعام وشراب وشهوة، لأنه يعلم أن الله يكرهه في هذا الوقت، ثم يحبه ويقبل عليه في الوقت الذي أباحه الله له فيه. فليس شيء أدل على التقوى من هذا، ولا أكبر منه إلا ترك كل هذه المشتهيات عند الاختفاء عن أعين الناس مراقبة لعين الله سبحانه.. وهذا هو مقام الإحسان.. أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وباب الحكمة من الصيام ومقاصده باب واسع جدا.. وهو متسع لكل من يلج..
فاللهم علمنا وفهمنا وتقبل منا يا أرحم الراحمين.
 

42148 فضائل القيام

المقال

قيام الليل من أفضل الطاعات، وأجَلِّ القربات، وهو سُنة في سائر أوقات العام، ويتأكد في شهر رمضان المبارك، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالحث عليه، والترغيب فيه، وبيان عظيم شأنه وثوابه عند الله عز وجل.

فقد مدح الله أهل الإيمان بجملة من الخصال والأعمال، وكان من أخص هذه الأعمال قيامهم الليل، قال تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة:15-17). ووصف الله عباده بقوله: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} (الفرقان:64). ووصف المتقين بكثرة صلاتهم بالليل، واستغفارهم بالأسحار، فقال سبحانه: {إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} (الذاريات:15).. ولِما لصلاة الليل من شأن عظيم في تثبيت الإيمان، والقيام بالأعمال الجليلة، وتحمل أعباء الدعوة وتكاليفها، فقد أمر الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام، فقال: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلا} إلى أن قال: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً} (المزمل:1-6).

وجاءت في السُنة النبوية أحاديث كثيرة تبين فضائل قيام الليل، من ذلك أن قيام الليل عادة الصالحين في جميع الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقُربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم) أخرجه الحاكم.

وهي أفضل صلاة بعد الفريضة، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل)، وقال أيضاً: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) رواه الترمذي.

وهي من أعظم أسباب إجابة الدعاء، والفوز بالمطلوب، ومغفرة الذنوب، فقد روى أبوداود عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: (جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة)، وقال كما في "صحيح مسلم": (إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه).

وصلاة الليل من موجبات دخول الجنة، وبلوغ الدرجات العالية فيها، فقد روى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابَع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام).

فاحرص -أخي المسلم- على أن يكون لك ورد من صلاة الليل، ولو قليلاً بالقدر الذي ينفي عنك صفة الغفلة، فقد قال صلى الله عليه وسلم، كما عند أبي داود: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين) واحرص على صلاة التراويح في هذا الشهر الكريم، ولا تنصرف حتى ينصرف الإمام، ليحصل لك أجر قيام الليل كله، قال صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة) رواه الترمذي.

43691 أركان الصوم وشروطه

المقال

رَكَنَ إلى الأمر: مال إليه وسكن، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (هود:113) أي: لا تميلوا وتسكنوا إلى الظالمين، ورُكْنُ الشيء: جانبه الأقوى، قال تعالى على لسانه نبيه لوط: (لو أَن لي بكم قوة أَو آوي إلى ركن شديد) (هود:80).

و(الركن) في اصطلاح الأصوليين: ما يتوقف عليه وجود الشيء وعدمه، ويعبرون عن ذلك بقولهم: ما يتوقف على وجوده الوجود، وعلى عدمه العدم؛ وكثيرًا ما يعبر الفقهاء عن الركن بالشرط، ويريدون منه، ما لا بد منه.

ركني الصوم:

والصيام في حقيقته مركب من ركنين أساسيين، لا يُتصور حصوله بدونهما: 

- الركن الأول: النية، ومعناها القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء، وعزمه عليه من غير تردد، والمراد بها هنا قصد الصوم، والدليل على أن النية ركن لصحة الصيام، قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم، وهو يعم كل عمل ، وقوله في حديث حفصة رضي الله عنها: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أحمد وأصحاب السنن.

ومحل النية القلب، ولا يُشرع التلفظ بها، وهو خلاف السُّنَّة؛ لأنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، وحقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لأمر الله تعالى، وطلباً لثوابه، ويُشترط في النية لصوم رمضان التبْييت، وهو: إيقاع النية ليلاً، لحديث حفصة المتقدم، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل، وينبغي على العبد أن يبتعد عن وسواس الشيطان في النية، فإن النية لا تحتاج إلى تكلف، فمن عقد قلبه ليلاً أنه صائم غداً فقد نوى، ومثله ما لو تسحَّر بنية الصوم غداً.

وبعض الفقهاء يعد النية شرطاً لصحة الصيام لا ركناً من أركانه، والمقصود أنه لا بد منها لصحة الصوم سواء عددْناها ركناً أم شرطاً.

- الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات من طعام، وشراب، وجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ودليل ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187)، والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، بياض النهار وسواد الليل، وذلك يحصل بطلوع الفجر الثاني أو الفجر الصادق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق) رواه الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) رواه البخاري ومسلم، وقد أجمع أهل العلم على أن من فعل شيئاً من ذلك متعمداً فقد بطل صومه.

شروط الصوم:

وهناك شروط ذكرها أهل العلم لا بد من توفرها للحكم بوجوب الصوم، وهي: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً مقيماً قادراً خالياً من الموانع الشرعية.

فلا يصح الصوم من الكافر، فإن أسلم في أثناء الشهر، صام الباقي, ولا يلزمه قضاء ما سبق حال الكفر، ويقضي اليوم الذي أسلم فيه إن أسلم أثناء النهار، نص عليه الإمام مالك، والإمام أحمد وغيرهما. 

ولا يجب الصوم على الصغير غير البالغ لعدم التكليف، ولكنه يصح منه، ويكون في حقه نافلة، ولو أفطر في أثناء النهار فلا شيء عليه، ولكن يستحب لوليه تدريبه على الصوم ليعتاد عليه، ولئلا يجد صعوبة فيه حال البلوغ، فقد ثبت في الصحيح من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها أنها قالت في صيام عاشوراء لما فُرض: (كنا نُصَوِّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار) رواه البخاري ومسلم.

ولا يجب الصوم على مجنون، ولو صام حال جنونه لم يصح منه؛ لأن الصوم عبادة مفتقرة إلى النية، والمجنون لا يتصور منه النية، وفي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: (رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود وغيره.

ولا يجب الصوم على غير القادر لمرض دائم، أو كِبَر، وعليه إطعام مسكين عن كل يوم. ولا يجب على المسافر، والمريض مرضاً عارضاً، ولكنهما يقضيانه حال زوال عذر المرض أو السفر؛ لقوله جل وعلا: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (البقرة:184).

ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء، بل يحرم عليهما، ولا يصح منهما؛ لوجود المانع الشرعي، ولو جاءها الحيض أو النفاس أثناء الصوم، بطل صوم ذلك اليوم، ويجب عليها أن تقضي الأيام التي أفطرتها بعد رمضان.

والطهارة ليست شرطاً لصحة الصوم، فإذا تسحر الجنب، وشرع في الصوم، ولم يغتسل، صح صومه، وكذلك لو طهرت المرأة من الحيض في الليل ولم تغتسل، وصامت يومها التالي صح الصوم منها. 

هذه هي أهم أركان الصوم وشروطه، وللعلماء مزيد تفصيل وبيان فيها، يمكن الرجوع إليها في مظانها، والله أعلم.

45418 أخطاء في قراءة القرآن

المقال

القرآن الكريم كتاب الله المنـزل على سيد المرسلين، يستمد عظمته من عظمة المتكلم به، ومن مكانة المنزَّل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فلما كان القرآن بهذه العظمة لزم على من يقرأه أن يكون معظِّماً له في هيئته وحاله. ومعلوم أن الإقبال على قراءة القرآن يزداد في رمضان، بل إن بعض الناس لا يقرأ القرآن إلا في رمضان، وقد يقع بعض قارئي القرآن بأخطاء تتنافى مع آداب تلاوة القرآن، ومن هذه الأخطاء ما يلي:

أولاً: ظنُّ بعض الناس أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيسرع في قراءة القرآن بهدف إكمال أكبر عدد من الأجزاء والسور، دون مراعاة التدبر وأحكام التلاوة والترتيل، مع أن المقصود من قراءة القرآن إنما هو التدبر والوقوف عند معاني الآيات، وتحريك القلب بها، وقد قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال له ابن مسعود: "أهذًّا كهذِّ الشعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه نفع" رواه مسلم.

ثانياً: التفريط من بعض الناس في ختم القرآن خلال شهر رمضان، فربما مرَّ عليه الشهر دون أن يختم فيه القرآن مرة واحدة، وهذا بلا شك من التفريط في شهر القرآن، وهذا النوع مقابل للصنف الأول. 

ثالثاً: اجتماع بعض الناس على قراءة القرآن بطريقة معينة فيما يعرف بعادة "المساهر"، حيث يستأجرون قارئاً لهم، يقرأ عليهم من كتاب الله، ويجلس الناس من بعد صلاة التراويح إلى السحور في أحد البيوت، ويرفعون أصواتهم بعد قراءة القارئ لكل آية مرددين بعض عبارات الاستحسان والإعجاب، وهذا الاجتماع بهذه الطريقة بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه كذلك رفعاً للأصوات وتشويشاً ينافي الأدب مع كلام الله، ويفوت الخشوع والتدبر، ولأن يقرأ الإنسان وحده بتدبر وخشوع خير له من الاجتماع على الصياح الذي يفوت عليه ذلك. 

رابعاً: رفع الصوت بالتلاوة في المسجد بحيث يشوش على المصلين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: (ألا إن كلّكم مناجٍ ربَّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصّلاة) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأمور التي قد يتساهل فيها بعض من يجتمعون للتلاوة وتدارس القرآن، الضحك واللغط، وقطع القراءة للانشغال بأحاديث جانبية، والذي ينبغي الاستماع والإنصات، وتجنب كل ما يشغل ويقطع عن التّلاوة.

سادساً: عدم الالتزام بآداب التّلاوة من طهارة، وسواك، واستعاذة، وتحسين صوت، وغيرها من آداب التّلاوة المعروفة التي ينبغي أن يكون القارئ منها على بيّنة من أمره، وهو يتلو كلام الله جلّ وعلا.

135241 رمضان شهر الجود

المقال

 

شهر رمضان شهر الجود والعطاء، والبذل والإحسان، شهر التواصل والتكافل، شهر تغمر فيه الرحمة قلوب المؤمنين، وتجود فيه بالعطاء أيدي المحسنين.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع أمثلة البذل والعطاء في هذا الشهر المبارك، حتى وصفه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه: (كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُبالخير من الريح المرسلة) متفق عليه.

وما أحوجنا إلى أن نتلمس هديه وأخلاقه في كل وقت وفي هذا الشهر على وجه الخصوص، فقد كان الجود أعظم أخلاقه، وكان صلى الله عليه وسلم متصفاً بجميع أنواعه، من الجود بالعلم، والجود بالمال، والجود بالنفس في سبيل الله تعالى، يقول أنس رضي الله عنه: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: (يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) رواه مسلم. وكان الرجل يُسْلِم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، قال صفوان بن أمية: "لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليّ، وقد أعطاه يوم حنين مائة من النَّعم، ثم مائة ثم مائة ونَعَماً، حتى قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي".

ولما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة حنين تزاحم عليه الناس يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العِضَاه نَعَماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً، ولا جباناً) متفق عليه. و(العِضَاه: كل شجر له شوك، صَغُرَ أو كَبُرَ. الواحدة: عِضاهة).

حتى إنه ربما سأله رجل ثوبه الذي عليه، فيدخل بيته ويخرج وقد خلع الثوب، فيعطيه السائل, وربما اشترى الشيء ودفع ثمنه ثم رده على بائعه.

وكان صلى الله عليه وسلم يفرح بأن يعطي أكثر من فرح الآخذ بما يأخذ، حتى إنه ليصدق عليه وحده قول القائل:

                                      تَعَوّدَ بسط الكف حتى لو أنه               ثناها لقبض لم تجبه أنامله
 
                                      تراه إذا مـا جئتـه متهللاً                  كأنك تعطيه الذي أنت سائله
  
                                      هو البحر من أي النواحي أتيته        فلُجَّتُه المعروف والجود ساحله
 
                                       ولو لم يكن في كفه غير               روحه لجاد بها فليتق الله سائله

هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا غيض من فيض من فنون جوده وألوان كرمه عليه الصلاة والسلام.

والصدقة في هذا الشهر شأنها أعظم وآكد، ولها مزية على غيرها؛ لشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه؛ ولأن فيها إعانة للصائمين المحتاجين على طاعاتهم، فاستحق المعين لهم مثل أجرهم، فمن فطَّر صائماً كان له مثل أجره.

ولأن الله عز وجل يجود على عباده في هذا الشهر بالرحمة والمغفرة، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.

والصوم لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، والصدقة تجبر النقص والخلل؛ ولهذا أوجب الله في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طُهْرَة للصائم من اللغو والرفث.

ولأن هناك علاقة خاصة بين الصيام والصدقة؛ فالجمع بينهما من موجبات الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً يُرَى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها) قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) رواه أحمد.

قال بعض السلف: "الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك".

من أجل ذلك حرص السلف -رحمهم الله- على زيادة البذل والإنفاق في هذا الشهر الكريم، خصوصاً إفطار الصائمين، وكان كثير منهم يواسون الفقراء بإفطارهم، وربما آثروهم به على أنفسهم، فكان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم، ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم، لم يتعشَ تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً، ولم يأكل شيئاً، وكان يتصدق بالسُكر، ويقول: "سمعت الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران:92)، والله يعلم أني أحب السُكَر"، وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه الإمام رغيفين كان يعدهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائماً.

فاغتنم -أخي الصائم- هذه الفرصة، وأنفق ينفق عليك، وتذكر إخوة لك في مشارق الأرض ومغاربها، يئنُّون تحت وطأة الجوع والفقر والحاجة، واعلم أن من تمام شكر النعمة الإنفاق منها، وأن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم، فقد أعطاك الله الكثير، وطلب منك القليل {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} (البقرة:245).

تسجيل الخروج

هل أنت متأكد أنك تريد تسجيل الخروج من حسابك؟

سجّل دخولك للاستفادة من المميزات

تنويه حول الإجابات المختصرة

تم إنشاء هذا الملخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لأغراض إرشادية فقط. يُرجى الرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة واكتمال التفاصيل.

شارك الفتوى عبر مواقع التواصل الإجتماعي