مقالات رمضان

135236 من معاني الصيام

المقال

غير خاف على أحد أن الله عز وجل لم يشرع العبادة ويوجبها على عباده لحاجته إليها، فهو الغني سبحانه، وإنما شرعها لحكم ومعان عظيمة، ومقاصد جليلة، تعود على العبد نفسه بالنفع في دينه ودنياه.

وإذا كان المقصود الأول من العبادة هو الاستسلام والانقياد والعبودية والإذعان، وقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على ظهر الاستسلام لله سبحانه، فلا يعني ذلك خلو هذه العبادات عن الحكمة، وأن لا يبحث المسلم عن المعاني والأسرار الكامنة وراء الأوامر والنواهي.

والصوم شأنه شأن سائر العبادات والقربات، له معانٍ وأسرار عظيمة، يمكن تلمسها والوقوف عندها لمعرفة الحكمة من مشروعية هذه العبادة الجليلة.

أول هذه المعاني والتي تشترك فيها جميع العبادات، أن الصوم فيه تربية على العبودية والاستسلام لله جل وعلا، فعندما تغرب الشمس يأكل الصائم ويشرب؛ امتثالاً لأمر الله، وإذا طلع الفجر يمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، فهو يتعبد الله عز وجل في صيامه وفطره، فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية إذن ليست قضية ذوق ومزاج، وإنما هي قضية طاعة واستسلام وانقياد لأمر الله.

والصوم كذلك يربي في النفس مراقبة الله عز وجل، وإخلاص العمل له، والبعد عن الرياء والسمعة، فهو عبادة بين العبد وربه جل وعلا، ولهذا جاء أن الصوم عبادة السر، فإن بإمكان الإنسان ألا يصوم، وأن يتناول أي مفطر من المفطرات من غير أن يشعر به أحد من الناس، بل إنه بمجرد تغيير النية وقطعها يفطر، ولو لم يتناول شيئاً من المفطرات طوال يومه، فامتناعه عن ذلك كله على الرغم من أنه يستطيع الوصول إليه خفية، دليل على استشعاره اطلاع الله على سرائره وخفاياه، ومراقبته له، ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات، ولم يجعل لها جزاء محدداً، قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) أخرجه مسلم. فقوله جل وعلا: (من أجلي) تأكيد لهذا المعنى العظيم.

والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، وانتظار ما عند الله عز وجل، حيث يتخلى الصائم عن بعض شهوات النفس ومحبوباتها؛ تطلعاً إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وفي ذلك توطين للنفس على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.

والصوم يربي النفس على الصبر، وقوة الإرادة والعزيمة، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، والمقصود من الصوم إنما هو حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، والله تعالى يقول: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10).

وفي الصوم كذلك تربية للمجتمع، وتنمية للشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين، فالصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم، فإنه يشعر بالترابط والتلاحم مع هذا المجتمع، فالكل صائم، والكل يتذوق لذة بالجوع في سبيل الله، والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز، لا يُستثنى من ذلك أحد لغناه أو لجاهه أو منصبه، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وأفضلهم أزكاهم.

فما أعظمها من صورة معبرة عن وحدة المجتمع في ظل العبودية لله جل وعلا.

والصوم يضيّق مجاري الدم، ويخمد نيران الشهوات، ويقلل فرص إغواء الشيطان لابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (الصوم جُنَّة) أي: وقاية يتقي به العبد الشهوات والمعاصي؛ ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح مع عدم قدرته عليه بالصيام، وجعله وجاءً لهذه الشهوة ومخففاً من حدتها.

ومن معاني الصوم أن يتذكر الصائم بصومه الجائعين والمحتاجين، فيتألم لآلامهم، ويشعر بمعاناتهم، فالذي لا يحس بالجوع والعطش قد لا يشعر بمعاناة غيره من أهل الفقر والحاجة، وإذا كان أحدنا يجد ما يفطر عليه من الطعام والشراب، فغيرنا قد لا يجد شيئاً من ذلك.

تلك هي بعض معاني هذه العبادة العظيمة، وقد جمعها الله عز وجل في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183) فالحكمة التي شُرِع الصوم من أجلها هي تحقيق تقوى الله عز وجل، وهي ثمرة الصوم الشرعي ونتيجته، وما لم يكن الصوم طريقاً لتحصيل هذه التقوى، فقدْ فَقَدَ الغاية والمعنى الذي شُرِع لأجله، فليس المقصود من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فحسب، دون أي أثر لهذا الصوم على حياة الإنسان وسلوكه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم -كما عند البخاري-: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وقال: (ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وسنده صحيح. قال جابر رضي الله عنه: "إذا صمتِ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم, ودع أذى الجار, وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك, ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
 
فينبغي للمسلم أن يستحضر هذه المعاني وهو يؤدي عباد ة الصوم، حتى لا تخرج العبادة عن مقصودها، وحتى لا تتحول إلى عادة يؤديها مسايرة للبيئة والمجتمع.

217483 من منافع رمضان والصيام

المقال

رمضان هبة مِنَ الله لمن أدركه مِنْ خلقه، ولمن وفقه فيه لطاعته، ولمن أعانه لعبادته وتقبل منه قربته.

رمضان عطاء رباني يغمر حياة المسلمين، يهتف بهم هلموا إلى رب كريم، لا شقاء في رحابه ولا خيبة في جنابه.

رمضان شهر تسمو فيه النفوس، وتصفوا فيه القلوب، وترقى فيه الأرواح، وتهذب فيه الأخلاق.

رمضان شهر تقال فيه العثرات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، وتبذل فيه الصدقات وتتلى فيه الآيات وتتغير فيه العادات، وتنزجر النفوس عن خواطر المعاصي والمخالفات وتسعى فيه الجوارح لشكر عالم الخفيات ورب الأرض والسموات.

رمضان شهر يتنزل فيه العطاء، ويتحقق فيه الرجاء، ويرفع فيه الدعاء، وتفتح فيه أبواب السماء، وهو شهر عظيم الهبات كريم النفحات.

رمضان شهر سباق للقلوب إلى الله، ليس أقصر منه وقتا، ولا أعظم منه أجرا، فهو كما قال الله عنه {أياما معدودات}(البقرة:184) ليس فيه مجال لتضييع الأوقات، ولا تقليب القنوات، ولا إطالة السهرات والجلسات، ولا القبوع أمام الشاشات.

إنني أحمد الله تعالى إليكم ـ واحمدوه معي ـ أن اصطفانا واجتبانا من بين خلقه وجعلنا من أتباع هذا الدين العظيم، دين الإسلام الذي جعله الله روحا تحيا به النفوس، ونورا تهتدي به القلوب، وتستنير به العقول، وتستقيم به الجوارح على صراط الله المستقيم {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الشورى:52).

إن من جمال هذا الدين وكماله في تشريعاته وعباداته أنه نوَّع بين هذه العبادات في النوع والشكل وفي الزمن والوقت.
نوع في الوقت ما بين عبادات يومية كالصلوات الخمس، أو أسبوعية كالجمعات، أو سنوية كالصوم والزكاة، أو عمرية كالحج.
ونوع بينها في الأشكال والهيئات ما بين عبادة بدنية أو مالية أو بدنية مالية معا كما في الحج والجهاد.
وإنما كان كل ذلك ليكون للإيمان القلبي مظاهر شتى تدل عليه وتثبته وتقويه.

والمقصود أن يكون لدينا منهج عبادي رباني فذ يهذب النفس تهذيبا شاملا كاملا من جميع جوانبها، ويصوغ الصفوة الطاهرة الصالحة من البشر الذين هم أهل لأن يباهي الله تعالى بهم الملأ الأعلى من الملائكة الأبرار.

ومنافع هذه العبادات تتعدد وحكمها تتنوع لتخدم هذا المقصد الشريف في صياغة هذا المؤمن المراد:
فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. والزكاة طهرة للمال، وطهارة وزكاة للمال والنفس، وإحسان للفقراء ومواساة بين أبناء الدين. والحج مؤتمر سلام، واجتماع وتعاون ووحدة ، وشهود لمعالم الخير {ليشهدوا منافع لهم}(الحج:28).

وأما الصيام: ففيه من المنافع والحكم والمقاصد ما يجل عن الوصف ويند عن الحد والعد.. ولا نجد وصفا أجمع من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: (الصوم جُنة).
والجنة هي السترة.. وكل ما يقي من السلاح وغيره. والمعنى أنه ستر وحماية ووقاية.
فهو ستر وحماية ووقاية من الشهوات المردية والغرائز المؤذية:
فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء، خصوصا عند الشباب والعُزّاب؛ فإن الأز على الشهوة من فعل إبليس، ويزداد كلما شبع المرء وامتلأت معدته، فيدعوه إلى فعل الحرام أو رؤيته أو التفكير فيه، قال القرطبي: "كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي".
فالصيام يضيق على الشيطان مجاريه، ويحمي الشاب ويحفظه ويقيه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.

والصوم حماية من الأخلاط الرديئة والأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الترمذي.

والصوم صحة: وقد قيل: إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
ثلاث مهلــكات للأنـــام .. .. ومدعاة الصحيح إلى السقام
دوام مدامة ودوام وطء .. .. وإدخــال الطعام على طعام.

والصوم حماية من الغضب والسفه والطيش: فهو يضبط النفس، ويعود صاحبه على التحكم في انفعالاتها وغرائزها، ولا يسترسل مع أهوائها وعوائدها، فيملك نفسه ولا تملكه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ليس الشديد بالصُرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه. وقال: (والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) رواه البخاري ومسلم.
فالصوم يحفظ صاحبه من مجاراة السفهاء، ومخاصمة الجهلاء، والوقوع فيما لا يقبله العقلاء.

والصوم جُنة من كل خُلق رذيل أو كل فعل مشين:
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الصوم من الطعام والشراب وإنما الصوم من اللغو والرفث)، وفي البخاري عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

فالصوم يهذب أخلاق الصائمين، ويحفظ على العبد لسانه وجميع جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الخادم والجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

الصيام وقاية من غضب الجبار:
روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة وحصن حصين من النار).
وذلك أنه من أكبر المعينات على تقوى الله، كما يقول ابن القيم رحمه الله: "والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات؛ فهو من أكبر العون على التقوى".

بل إن التقوى هي العلة المنصوص عليها في كتاب الله عز وجل فكأنها هي المقصود الأعظم وهي كذلك؛ قال تعالى: {يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة:183). 

مظاهر التقوى في الصيام:
إعداد نفوس الصائمين لتقوى الله يظهر من وجوه كثيره:
أعظمها شأنا، وأظهرها أثرا، وأعلاها شرفا، أن الصيام موكول إلى نفس الصائم وضميره، لا رقيب عليه فيه إلا الله، فهو سر بين العبد وبين الله.. ولولا تقوى الله ومراقبته وخشيته والحياء منه لم يلتزم الأمانة في حفظ الصيام؛ فإذا استمر هذا شهرا كاملا كان تدريبا للنفس على التزام هذا الحال الغالي والمرتقى العالي فتتعوده النفس ويصبح لها خلقا وعادة تستمر معها زمانا بعد رمضان وربما التزمته إلى آخر العمر.

والصوم تربية للنفس، وتقوية العزائم، وتهذيب للغرائز، وتتميم للأخلاق، واطمئنان للنفس، وانشراح للصدر، وتعظيم لشعائر الله.

وللصوم حكم باهرة وآثار بديعة باطنة وظاهرة، ودروس لا تنقضي، وعبر لا تنتهي، وآثار عظيمة على الفرد والجماعة.
فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين.

230593 رمضان عند السلف

المقال

من نعم الله على عباده أن جعل لهم مواسم يفتح لهم فيها خزائن رحمته وبحار جوده التي لا تغيض، ينثر عليهم فيها من الفضل العميم والخير الجزيل ما لا يطاله حصر، ولا ريب أن سلف هذه الأمة الصالح كانوا أحظى الناس باستغلال هذه الأوقات الفضلى ذلكم الاستغلال الأمثل الذي يبلغ مداه مع مراعاته لجوانب الشرعية واتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وبعده عن المغالات والتنطع والابتداع، وسنحاول من خلال سطور هذا المقال تتبع الخطوط والملامح العامة لفصول ذلكم النهج السديد الذي سار عليه سلفنا الصالح في استغلال لحظات وأوقات هذا الشهر الفضيل وأولهم في ذلك مثلنا الأعلى إمامهم وإمامنا وإمام الأمة جمعاء رسول الرحمة المسداة صلوات ربي وسلامه عليه، على أنه لا بد من التنبيه إلى أن تتبع التفاصيل الدقيقة لملامح هذا النهج السديد متعذر وذلك لأمرين اثنين:

الأول: أن معظم أعيان السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يعتبرون هذا البرنامج عملا خاصا بينهم وبين ربهم وبالتالي فقد كانوا يجتهدون لإخفائه عن أعين الخلق طلبا للإخلاص؛ حتى كان محمد بن أسلم يقول: " لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفاً من الرياء "، ويقول الحسن البصري واصفا حال السلف: " إن كان الرجل جمع القرآن وما يشعر به الناس .. وإن كان الرجل قد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس .. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به .. ولقد أدركت أقواماً ما كانوا على عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً " .

الثاني: أن هذا البرنامج متفاوت، فأبواب الخير لا حصر لها وقد كان السلف رحمهم الله ذوو همم عالية يضربون في كل غنيمة بسهم، ولا يفوتهم باب من أبواب الخير، ولا مسلك من مسالك البر إلا وحازوا منه النصيب الأوفر .. وعموما فقد حفظ لنا التاريخ بعض النماذج البارزة التي تمثل الملامح العامة لمنهج السلف في استغلال هذه اللحظات الفاضلة؛ كما يتضح من الأمثلة التالية:

• كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتكف في كل عام في رمضان العشر الأخيرة منه ويعرض القرآن على جِبريل مرة واعتكف في عام الوداع الذي انتقل فيه للرفيق الأعلى عشرين يوما وعرض القرآن على جبريل مرتين.
• روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدَارسُه القرآن فلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).

• روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر)، وفي رواية لمسلم: (كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها)..
• وعن تفصيل هذا القيام يروي ابن مسعود رضي اللَّه عنه كما في صحيح البخاري - أنه صلى مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ليلة من ليالي العشر، فافتتح بسورة البقرة واستمر فيها حتى هَمَّ ابن مسعود أن يجلس ويدعه لإطالته فيها، وصلى ليلة أيضًا ومعه حذيفة، فقرأ سورة البقرة كلها، ثم سورة النساء، ثم سورة آل عمران، يقرأ مترسلاً .

• عن زر بن حبيش قال: سألت أُبي بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: رحمه الله! أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر.
• وقد سار سلف الأمة الصالح على هدي نبيهم صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا أقبل رمضان تركوا سائر الأعمال واعتكفوا على قراءة القرآن وتدبره:
ـ فقد كان الإمام مالك إذا أقبل عليه رمضان هجر جميع المجالس حتى مجالس الحديث؛ ليعكف على كتاب الله.
ـ وكان الإمام الشافعي عليه رحمة الله يختم القرآن في رمضان ستين ختمة لا يحسب منها ما يقرأ في الصلاة.
ـ وكان الإمام أحمد إذا أقبل رمضان جلس في بيت الله واعتكف على قراءة القرآن وترك فتاواه ومسائله ومجالس العلم ليعكف على كتاب الله.

• يقول الإمام الزهري: شهر رمضان شهر قرآن وإطعام طعام لا ثالث.
• وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث.
• وعن إبراهيم قال كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين وكان ينام بين المغرب والعشاء وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال .
 

• وقد كان الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين يطيلون قيام الليل في رمضان حتى يقترب الفجر، وما يكاد أحدهم ينتهي من السحور حتى يؤذَّن للفجر، فعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: سمعت أبي يقول: " كنا ننصرف في رمضان من القيام، فيستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر".
ورغم هذا الاهتمام الزائد بالعبادة في هذا الشهر الفضيل فإن السلف لم يكونوا فيه سلبيين أو منكفئين على ذواتهم ولا كانوا يقصرون في أداء واجباتهم الأخرى بل ربما كانوا أنشط فيه وأقوى على العمل منهم في غيره ولا أدل على ذلك من أن معظم المعارك والملاحم الفاصلة في التاريخ الإسلامي إنما كانت في شهر رمضان؛ فغزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها الإيمان وجنده وخذل الشرك وأهله وكانت يوما فاصلا من أيام التاريخ لم تكن إلا في رمضان، وفتح مكة الذي سمي الفتح الأكبر لم يحدث إلا في رمضان، ومعركة القادسية التي قادها سعد بن أبي وقاص واقتحم بجيشه لجة نهر الفرات وقد علا فيضانها وتلاطم موجها وهي ترمي بالزبد فهربت من أمامهم جيوش كسرى التي كانت تفوقهم عددا وعدة بأضعاف، هذه المعركة إنما كانت في رمضان سنة خمسة عشر للهجرة ... إلى غير ذلك من المعارك.

والخلاصة أن شهر رمضان لم يكن شهرا عاديا مثل بقية الشهور في اعتبارات السلف بل هو عندهم سياحة ربانية في محاريب العبادة وخصال البر يضعون لها برنامجا خاصا يتميز بالإكثار من أنواع العبادة بشكل عام؛ ويختص بميزات أربع:
الأولى: أنه كان شهرا قرآنيا بامتياز يخصصون جل أوقاته للسياحة في بحور القرآن فهما وتدبرا وقراءة وتعلما.
الثانية: أنهم كانوا يكثرون فيه من نوافل الصلاة وقيام الليل والاعتكاف ويتضاعف العمل والجهد مع تقدم أيام الشهر حيث يبلغ ذروته في العشر الأواخر وفي السبع الأواخر وفي الأيام الفردية من العشر الأواخر تحسبا لليلة القدر التي جعل الله ثواب العبادة فيها أفضل من ثواب العبادة لمدة 83 سنة وثلاثة أشهر.
الثالثة: الإنفاق والتصدق على المحتاجين وهو باب عظيم من الأبواب التي حرص السلف على الإكثار منها خصوصا في هذا الشهر المعظم .

الرابعة: باب الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، ورغم ما تحتاجه هذه الفريضة من مجهود بدني وعضلي شاق فقد بورك للأمة جهادها في أيام هذا الشهر وحققت فيه من النتائج والإنجازات ما لم تحققه في أي شهر آخر، والحق أن شعائر هذا الشهر كلها ترجع إلى مفهوم الجهاد ومغالبة شهوات النفس وكسر سلطان الهوى والانقياد والإذعان لمنهج الحق سبحانه وتعالى وتغليبه على كل الدوافع والدواعي والحظوظ الأخرى، نسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا على صيامه وقيامه وأداء حقه على الوجه الأتم والحال الأكمل وأن يتقبله منا إنه سميع مجيب.

45733 أخطاء في صدقة الفطر

المقال

صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة، صغير وكبير، غنيٍّ ومن يملك قوت يومه. ومع أن المسلمين يحرصون كل الحرص على أداء هذه الفريضة، إلا أن بعضهم يقع في بعض الأخطاء عند أدائها، الأمر الذي يستدعي التنبيه إليها، وهي:

أولاً: تأخير صدقة الفطر إلى أن يخرج وقتها، كمن يُخرجها بعد صلاة العيد، والواجب إخراجها قبل الصلاة، وقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).

ثانياً: أن بعض الناس ربما وُلِد له مولود قبل غروب شمس ليلة العيد، ولكنه لا يُخرج عنه زكاة الفطر، مع وجوب الزكاة عليه، فإن زكاة الفطر تجب بغروب شمس ليلة العيد، بخلاف ما لو وُلِد بعد الغروب فلا يجب الإخراج عنه، وقد ورد عن بعض الصحابة أنه كان يخرجها عن الحمل الذي في بطن أمه، وهذا مستحب وليس بواجب.

ثالثاً: ومن الأخطاء أيضاً تكليف الناس فوق القَدْر الواجب عليهم، والقَدْر الواجب صاع من غالب قوت البلد، والمقصود بالصاع هو الصاع النبوي، ومقداره بالوزن كيلوان وأربعون جراماً من البُّرِّ الجيد، أما وزن غير البُّر فبحسبه. 

رابعاً: ظن البعض أنه إذا فاته إخراج الصدقة في وقتها المشروع، لأمر خارج عن إرادته، أنها تسقط عنه، والصواب أنه يُخْرجها ولو فات وقتها. 

خامساً: ظَنُّ البعض أن صدقة الفطر لا تجوز إلا بالبُّر، أو التمر، أو الشعير، مع أن بعض أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين أجاز إخراجها مالاً نقديًّا؛ وذلك بتقويم تلك الأصناف مالاً، وربما كان هذا أنفع للفقير.
 
سادسا: إخراجها بطريقة تشعر برغبته في التخلص منها لا الإخلاص فيها، فربما يَخرج ومعه قيمة صدقة الفطر فيوزعها على من لقي دون تحري المحتاجين والمتعففين، والمقصود بها إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، وسد حاجتهم ليشاركوا الموسرين فرحة العيد.

45687 أخطاء في العيد

المقال

العيد فرحة المؤمنين، بعد أن أتموا مناسك عبادتهم، والقلوب عندما يدخلها الفرح، تغفل عن هدي ربها، وتنسى سُنَّة نبيها، وقد يصل بها الأمر إلى ارتكاب ما لا يجوز شرعاً، ومن ثَمَّ كان العيد مَظِنَّة لارتكاب بعض المخالفات الشرعية، نشير إلى بعضها فيما يلي:

أولاً: أن بعض ضعاف الإيمان يفرحون بالعيد لانتهاء شهر رمضان والتخلص من العبادة فيه، وكأنها حِمْل ثقيل على ظهورهم، وهؤلاء على خطر عظيم، فإن العيد إنما يفرح به المؤمنون؛ لأن الله تعالى وفقهم لإكمال عدة الشهر، وإتمام الصيام، فيشكرون الله على هذه النعمة.

ثانياً: تهاون بعض الناس في أداء صلاة العيد، بسبب السهر طوال الليل، فيَحْرم نفسه من الأجر المترتب على شهود الصلاة ودعاء المسلمين.

ثالثاً: ترك سنة التكبير في ليلة العيد ويومه قبل الصلاة مع الأمر به في القرآن، يقول سبحانه: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} (البقرة:185).

رابعاً: تفريط بعض الآباء في إخراج أهله وأولاده لصلاة العيد مع ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء على حضور هذه الصلاة حتى الحُيَّض وذوات الخدور، ليشهدن الخير ودعوة المسلمين. 

خامساً: التكبير الجماعي بصوت واحد، أو الترديد خلف شخص، وإحداث صيغ للتكبير غير مشروعة.

سادساً: اعتقاد البعض مشروعية إحياء ليلة العيد بالقيام، ويتناقلون في ذلك حديثاً لا يصح، وهو أن (من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)، والصحيح أنه لا يُشرع تخصيص ليلة العيد بالقيام من بين سائر الليالي، وأما من كانت عادته القيام في سائر الليالي فلا حرج أن يقوم ليلة العيد.

سابعاً: تخصيص يوم العيد لزيارة المقابر والسلام على الأموات.

ثامناً: اختلاط الرجال بالنساء في بعض المصليات والشوارع، ما قد يجر إلى الفتنة ووقوع المحظور، والذي ينبغي في صلاة العيد أن تخصص أبواب ومسارات خاصة للنساء، وأن يتأخّر خروج الرجال حتى ينصرف النساء.

تاسعاً: التوسع في المباحات من لبس وأكل وشرب حتى يتجاوز الأمر إلى الإسراف في ذلك، والله جل وعلا يقول: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (الأعراف:31).

عاشراً: خروج بعض النساء إلى الصلاة متجملات متعطرات، مظهرات لبعض الزينة، وفي ذلك من الإثم والفتنة والخطر العظيم ما لا يخفى، فهن وإن كن أمرن بالخروج إلى المصلى، إلا أنهن أمرن أن يخرجن تفلات -أي: غير متطيبات-. ويلحق بالطيب سائر ما يدعو إلى الفتنة، كالزينة الظاهرة والتكسر في المشي، وغير ذلك.

حادي عشر: وقوع كثير من الناس في أيام الأعياد في بعض المخالفات الشرعية كسماع الغناء، ومشاهدة المناظر المحرمة، وتبرج النساء، وغير ذلك، بحجة أن هذا اليوم يوم فرح وسرور، والواجب أن يفرح المسلم في هذه الأيام بما أحل الله من المباحات والطيبات، وأن يشكر الله على إتمامه نعمة الصيام بطاعته والتزام أمره ونهيه.

135299 وقتك في رمضان

المقال

الوقت هو الحياة والعمر، وعمر الإنسان ليس إلا هذه الثواني والدقائق التي يعيشها لحظة بلحظة، وكل ساعة تمضي من العمر تقربنا من الدار الآخرة. 

                                                  أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً            ويوم له يوم الترحل خامس

والوقت مع أنه أثمن ما عني الإنسان بحفظه، فهو في المقابل أسهل ما يضيع عليه، ونحن وإن كنا لا نسمح لغيرنا أن يسرق أموالنا، لكننا -ومع الأسف الشديد- قد نسمح وربما نبارك لهم سرقة أوقاتنا وأعمارنا وهذه هي المصيبة الكبرى؛ لأن المال قد يعوض، أما الوقت فلا يمكن تعويض لحظة منه بكل ذهب الدنيا، ومن ثم كان المغبون والخاسر حقيقة هو من فرط في أوقاته وضيعها، يقول صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري

وإذا كان الوقت بهذه القيمة والأهمية، فإن قيمته تعظم وأهميته تكبر في مواسم الخير، والأزمنة الفاضلة، وأوقات النفحات والبركات، ومن أعظمها شهر رمضان المبارك، حيث السوق قائمة، والأرباح متوافرة، والأجور مضاعفة، فحريٌ بمن كان يضيع وقته في غيره أن يعيد النظر في استغلاله، وحريٌ بمن كان يحرص على وقته في غيره أن يضاعف حرصه فيه. 

ومما يؤسف له ما نجده في هذا الشهر الكريم من مظاهر تضييع الأوقات وقَتْل لها من قِبَلِ كثير من النساء؛ وذلك بقضاء الليالي في اللهو والسهر والجلوس أمام الشاشات، والخروج إلى الأسواق والمجالس والمنتديات، وقضاء النهار في النوم والطبخ، وكأن رمضان أضحى عندهن شهر النوم والطبخ نهاراً، والسهر واللهو ليلاً، وربما مر على المرأة رمضان تلو رمضان دون أن يحدث أي أثر على سلوكها، وزيادة الأعمال التي تقربها إلى الله، وتدارك أخطائها وتقصيرها في حق ربها، ما يحتم على الأخت المسلمة -التي ترجو الله واليوم الآخر- أن تراجع نفسها وتقف منها موقف الجد والحزم لتستثمر كل دقيقة، بل كل لحظة من لحظات هذا الموسم فيما يقربها من ربها ومولاها، فإن أيام الشهر قصيرة وساعاته محدودة سرعان ما تنقضي، وسراعاً ما تذهب.

والبعض منا قد يدرك أهمية الوقت وقيمته ولكن هذا الإدراك -مع الأسف في كثير من الأحيان- لا يعدو أن يكون إدراكاً معرفيًّا ذهنيًّا، لا يتجاوز أثره إلى تصرفاته وسلوكه وتعامله، ومن ثم فإننا بحاجة إلى أن نتجاوز هذه المعرفة النظرية إلى خطوات عملية نعيشها في حياتنا اليومية، تدفعنا إلى حسن التعامل مع أوقاتنا.

وإليك أيتها الأخت المسلمة بعض الخطوات العملية، التي تفيد في اغتنام الوقت في هذا الشهر الكريم: 

- أول خطوة هي التخطيط المسبق لكل ما تريدين إنجازه في هذا الشهر المبارك، وذلك بوضع أهداف واضحة ومحددة، وعمل جدول للأعمال وأوقاتها، والقدر المطلوب لإنجازها، وتنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ والراحة، والعمل والفراغ، وليكن فيما تسعين إلى تحقيقه من الأهداف في هذا الشهر المحافظة على الصلاة في أول وقتها، وختم القرآن أكثر من مرة، وصلاة التراويح، والقيام بجزء من القرآن، وتخصيص جزء من المال للصدقة، وتفطير الصائمين، وما لم تكن هناك أهداف واضحة ومحددة، فلن تستطيعي اغتنام الوقت على الوجه الأمثل، وسترين أن جزءاً كبيراً من وقتك يضيع سدى؛ لأنك لم تضعي هدفاً لشغل هذا الوقت. 

- ومن الأمور المهمة أيضاً تحديد الأولويات، وما هي الأعمال التي ينبغي أن تقدَّم؟ والأعمال التي يمكن أن تؤخر، فليس القصد أن تقضي المرأة وقتها في ما هو مفيد، بل عليها أن تقضيه فيما هو أولى أن يقضى به. وقد ذكر أئمتنا أن من مكائد الشيطان أن يُشْغَل الإنسان بالعمل المفضول عن العمل الفاضل.

- وعلى الأخت المسلمة أن تتخلص -ما أمكنها ذلك- من مضيعات الأوقات، كالاسترسال في الحديث عبر الهاتف لغير حاجة، والخروج المتكرر للأسواق والمجمعات، والقيام بالزيارات التي لا داعي لها، والجلوس أمام التلفاز الساعات الطوال، ولا بد من تعويد الآخرين على احترام أوقاتنا ومواعيدنا، فالاتصال قبل الزيارة، والزيارة لها وقت مخصص ومحدد. 

- كما ينبغي أن تتعامل الأخت مع الوقت بواقعية، فستفيد من الوقت المتاح؛ لأن بعض الأخوات ربما جنح بها الحماس إلى المثالية والخيال الزائد من غير تقدير صحيح لما يمكن فعله، لتفاجأ بعد ذلك بعدم وجود الوقت الكافي لإنجاز ما خططت له وفكرت فيه، فتصاب بردة فعل عكسية وإحباط، والذي ينبغي أن نقدر الأوقات المتاحة التي نملك أن نستفيد منها بشكل واقعي. 

- ومن الأمور المفيدة في هذا الصدد اختيار الوقت المناسب للعمل الذي تنوين القيام به، بأن تجعلي لكل عمل الوقتَ الذي يلائمه، فالأعمال التي لا تحتاج إلى مزيد تركيز واهتمام، يمكن للمرأة أن تؤديها في أي وقت، فأوقات الطبخ مثلاً يكون من المفيد الاشتغال فيها بالذكر والتسبيح والتهليل، وسماع بعض المواد الجيدة الإذاعية أو المسجلة مثلاً، والأعمال التي تحتاج إلى تفريغ القلب وإعمال الفكر وهدوء البال من صلاة وقراءة ومراجعة وحفظ، وما أشبه ذلك، تخصص لها أوقات تناسبها، وهكذا. 

- وعليك أختي الفاضلة أن تحرصي على المبادرة بإنجاز العمل قبل أن يحال بينك وبينه، ولتحذري التسويف والتأجيل فإنه من أعظم الآفات، قال بعضهم: احذروا (سوف) فإنها من جند إبليس، وقيل لعمر بن عبد العزيز وقد أعياه الإرهاق من كثرة العمل، أخر هذا العمل، فقال: أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين؟ 

واستعيني في ذلك كله بالله ولا تعجزي، وعليك بصحبة أهل الهمم العالية، وعضي بالنواجذ على الذين يقدرون قيمة الوقت، ويعرفون كيف يستثمرونه الاستثمار المرجو والمشروع، وتذكري أن الوقت إذا لم يُقضَ بالخير قُضي بضده ولا بد، وأن كل وقتٍ جديد له واجب جديد. 

فاستغلي وقتك، وبادري عمرك بما يعود عليك بالنفع في الدنيا والآخرة، وتملئين به سجل حسناتك وصحيفة أعمالك، قبل أن يطوى الشهر، وينتهي موسم البذر، فتندمين حين لا ينفع الندم، ولات ساعة مندم. 

197509 النظام القرآني للصيام

المقال

ذكر الله تعالى قبل ذكر آيات الصيام آيات تتعلق بمجالين من المجالات الحياتية العامة في سورة البقرة هما مجال حفظ الحياة {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} (البقرة:178) ومجال الترابط المجتمعي للأجيال بالوصية {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية} (البقرة:180) وهما يعتمدان على ضبط النفس وتقواها، وهنا ذكر الله تعالى عبادة تعين على التهذيب والتأديب والتقوى وضبط النفس، ويقبل عليها الناس بصورة لا توجد في غيرها من العبادات، وهي عبادة الصيام. 

أسلوب القرآن في هذا الموضع:

جاء أسلوب القرآن على هيئة مواد قانونية، دون أن تخلو من مزجها التربوي التزكوي الرائع الفريد بنور الموعظة، وجمال التأثير العاطفي، ولنلق نظرة واعية على سلاسل النور القرآنية في هذا الموضع:

أولاً: الأسس العامة لنظام الصيام: تكون من ست مواد:

المادة الأولى: فرض الله الصيام، وهو توحيد عبادي كما فُرِض على من قبلنا {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (البقرة:183).

المادة الثانية: الغاية الكبرى للصيام وأعظم أهدافه: التقوى {لعلكم تتقون} (البقرة:183) فتستنير قلوبكم وعقولكم بما به تؤمنون، وتقومون بحقوق الخالق وحقوق الخلق، وأنتم محسنون.

والصيام يعلم التقوى؛ لأن أساس التقوى الصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى الأقدار، والصيام يعلم ذلك كله، وعند أحمد والترمذي وحسنه عن رجل من بنى سليم قال: عدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده: (التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان) ولذا جعله الله يقي من الشهوات كالجُنَّة وهو الدرع الذي يحمي في الحرب، فعند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قَال: (يقول الله عز وجل: الصوم لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جُنَّة). 

المادة الثالثة: المدى الزمني للصيام {أياما معدودات} (البقرة:184) فليس كثيراً.

المادة الرابعة: الصيام لنفع العباد لا لتعذيبهم، ولذا يُعذر أصحاب الأعذار

وهم ثلاثة أصناف:

الصنف الأول والثاني: المستطيعون للصيام لاحقاً، فهؤلاء يفطرون ويقضونه، وهم صنفان: المرضى مرضاً مؤقتاً، والمسافرون {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:184).

الصنف الثالث: من أطاق الصيام بمشقةٍ عظيمةٍ: وهم كبار السن، والمرضى مرضاً لا يُرجى برؤه، فهؤلاء يفدون عن كل يوم طعام مسكين {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} (البقرة:184). 

المادة الخامسة: تطوع الصيام أو تطوع الإطعام خيرٌ للمتطوعين في الدنيا والآخرة {فمن تطوع خيرا فهو خير له} (البقرة:184). 

المادة السادسة: نظام الصيام ليس للتعذيب، بل للتدريب والتهذيب، فهو نظام لصالح العباد صحياً ونفسياً وإيمانياً {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} (البقرة:184) وهذه خاتمة لبيان سبب عام لتشريع الصيام، وعند أحمد عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه  سلم، فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة، قال: (عليك بالصوم، فإنه لا عِدْل له)، و{خير} في الآية ليس للتفضيل، بل للاستبداد، بمعنى أن الصوم يحمل كل خيرٍ لكم، وتركه، أو التلاعب به بعدم تأديته على ما أمر الله يذهب بهذه الخيرية. 

ثانياً: النظام التفصيلي للصيام: تكون من عشر مواد:

المادة الأولى: وقت الصيام المفروض: {شهر رمضان} (البقرة:185).

المناسبة والاتصال:

1) بعد أن ذكر الله تعالى أن الصيام {أياما معدودات} أراد أن يبين موعده، وهو شهر رمضان، والحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن.

2) قال ربنا عز وجل أولاً: {كتب عليكم الصيام} (البقرة:183) وهذا محتملٌ ليوم ويومين وأيام، ثم بينه بقوله تعالى: (أياما معدودات) فزال بعض الاحتمال، ثم بينه بقوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، والحكمة في ذكر (الأيام) مبهمة أولاً، وتعيينها بعد ذلك: أن ذلك الإبهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس.

المادة الثانية: سبب تخصيص رمضان بالصيام: القرآن {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185) فالصيام والقرآن هما الشفيعان القرينان، والقرآن نزل في شهر رمضان، فأمر الله بصيامه، فعن عبد الله بن عمرو -فيما رواه أحمد والطبراني- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان له).

ولشدة الحفاوة بالقرآن في شهر الصيام، وصف الله القرآن هنا بثلاث صفات:

الصفة الأولى: {هدى للناس} رَشاداً للناس إلى سبيل الحقّ والسعادة في الحياة.

الصفة الثانية: {وبينات من الهدى} واضحات من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.

الصفة الثالثة: {والفرقان} والفصل بين الحق والباطل.

وسبب الاستطراد بذكر صفات القرآن قبل الأمر بصوم الشهر؛ أن الله تعالى ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه، ووصف القرآن بما وصفه به، حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم، ثم ثنى بالأمر بالصيام، فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قَدم العلةَ على المعلول.

المادة الثالثة: صوم رمضان فرض لمن شهد الشهر: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (البقرة:185). 

المادة الرابعة: يقضيه أصحاب الأعذار وفق ما سبق: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:185). 

وأعاد ذكرهم: 

1) لأن ما سبق كان كلاماً عن الأسس العامة للصيام، وهنا كلام عن رمضان وأهميته.

2) قيل: لما كان النسخ للتخيير بين الصيام والفداء خاصةً، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يُتوهم أن الرخصة أيضاً منسوخة، أو أنها لا تحمد فيه "ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه". 

المادة الخامسة: أهم أهداف الصيام سبعة:

1) الصيام يعد لمرتبة التقوى: {لعلكم تتقون} (البقرة:183) وقدمه على بقية الأهداف؛ لأنه هدف الأهداف وغايتها.

2) الصيام يبرز اليسر في الحياة والدين: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة:185) و{اليسر} في الصيام ذاته كتشريع؛ لأنه يقوِّم النفس ويهذبها ويزكيها، ويبين لها سبيلاً لازماً في المجاهدة، كما يبين لها سبيلاً لصحة الجسم، وصفاء الروح، وهذا عند من يقوم برمضان حق القيام، و(اليسر) أيضاً في التشريعات التفصيلية له كما في عذر أصحاب الأعذار.

3) اعتياد الانضباط بإكمال العدة: {ولتكملوا العدة} (البقرة:185).

4) تعظيم أرحم الراحمين: {ولتكبروا الله على ما هداكم} (البقرة:185).

5) شكر الله الذي يسعد الدنيا بالدين: {ولعلكم تشكرون} (البقرة:185).

6) القرب المباشر من رب العالمين، ودعاؤه {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (البقرة:186).

7) الوصول إلى الرشد الفردي والجماعي {لعلهم يرشدون} (البقرة:186) ما يترتب عليه صلاح الفرد والجماعة، وصواب القرارات الشخصية والعامة، ضمن ميدان الابتلاء في هذه الحياة.

إعجاز وبيان: لماذا وسَّط ذكر الأهداف، وبثها بين مواد الصيام وأحكامه؟

1) لتُذكر وتُستحضر، فلا تطغى عليها الأحكام التي هي وسيلة إليها.

2) لئلا يهمل الناس الغاية مشتغلين بالوسيلة.

من أسرار الترتيب القرآني لآيات الصيام في فهم القفال الشاشي رحمه الله:

قال القفال رحمه اللّه: "انظروا إلى عجيب ما نبه اللّه عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.

ثم ثانياً: بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف.

ثم ثالثاً: بين أنه مختص بأيام معدودة، فإنه لو جعله أبداً، أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة.

ثم بين رابعاً: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن؛ لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة.

ثم بين خامساً: إزالة المشقة في إلزامه، فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه كثيراً".

135238 رمضان والتوبة

المقال

 

من أعظم نعم الله على عباده أن فتح لهم باب التوبة والإنابة، وجعل لهم فيه ملاذاً آميناً، وملجأً حصيناً، يلِجْه المذنب، معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، ليجد في قربه من ربه ما يزيل عنه وحشة الذنب، وينير له ظلام القلب، وتتحول حياته من شقاء المعصية وشؤمها، إلى نور الطاعة وبركتها.

فقد دعا الله عباده إلى التوبة مهما عظمت ذنوبهم وجلَّت سيئاتهم، وأمرهم بها ورغبهم فيها، ووعدهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات رحمة ولطفاً منه بالعباد.

ومنزلة التوبة هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، لا يفارقها العبد ولا ينفك عنها حتى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه، فهي بداية العبد ونهايته، ولذا خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه، وأمرهم أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وجهادهم، وعلق الفلاح بها، فقال سبحانه: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور:31). وقسَّم العباد إلى تائب وظالم، قال سبحانه: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (الحجرات: 11)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.

وإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم، فكيف بغيره من المذنبين والمقصرين.

والتوبة الصادقة تمحو الخطايا والسيئات مهما عظمت، حتى الكفر والشرك، فإن الله تبارك وتعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، قال سبحانه: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} (الأنفال:38)، بل حتى الذين قتلوا الأنبياء، و{قالوا إن الله ثالث ثلاثة)(المائدة:73)، و{قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة:17)، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- دعاهم للتوبة، وفتح لهم أبواب المغفرة فقال سبحانه: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} (المائدة 74)، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم، وفي حديث آخر: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.

ورمضان من أعظم مواسم التوبة والمغفرة وتكفير السيئات، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) كيف وقد جعل الله صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر على وجه الخصوص إيماناً واحتساباً مكفراً لما تقدم من الذنوب؟! والعبد يجد فيه من العون ما لا يجده في غيره، ففرص الطاعة متوفرة، والقلوب على ربها مقبلة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، ودواعي الشر مضيقة، والشياطين مصفدة، وكل ذلك مما يعين المرء على التوبة والرجوع إلى الله.

فلذلك، كان المحروم من ضيع هذه الفرصة، وأدرك هذا الشهر ولم يُغفر له، فاستحق الذل والإبعاد بدعاء جبريل عليه السلام وتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال جبريل: (يا مُحمد! من أدرك شهر رمضان فمات، ولم يُغفر له، فأُدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقال: آمين) رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: (رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفر له) رواه الترمذي.

وإذا كان الله عز وجل قد دعا عباده إلى التوبة الصادقة النصوح في كل زمان، فإن التوبة في رمضان أولى وآكد، لأنه شهر تُسْكَبُ فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وتُعتق فيه الرقاب من النار، ومن لم يتب في رمضان فمتى يتوب؟!

وللتوبة شروط ستة لابد من توفرها لكي تكون صحيحة مقبولة:

أولها: أن تكون خالصة لله تعالى.

ثانيها: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تنفع معها التوبة، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} (الأنعام:158)، وقبل أن تبلغ الروح الحُلقوم، فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثها: الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدَّعي العبدُ التوبة، وهو مقيم على المعصية.

رابعها: الندم على ما كان منه، والندم ركن التوبة الأعظم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الندم توبة) أخرجه ابن ماجه.

خامسها: العزم على عدم العودة إلى الذنب في المستقبل.

سادسها: رد الحقوق إلى أصحابها والتحلل منهم، إن كان الذنب مما يتعلق بحقوق المخلوقين.

فحري بنا -أخي الصائم- ونحن في هذا الشهر الكريم أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة، وأن نجعل من رمضان موسماً لتقويم أعمالنا، وتصحيح مسيرتنا، ومحاسبة نفوسنا، فإن وجدنا خيراً حمدنا الله وازددنا منه، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرنا منه، وأكثرنا من عمل الصالحات.

135308 أصناف الناس في رمضان

المقال

جعل الله سبحانه وتعالى شهر رمضان مضماراً لخلقه، يتسابقون فيه لطاعته، امتثالاً لقوله: {فاستبقوا الخيرات} (البقرة:148).
فسَبَق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، وقد أخبر سبحانه عن ثلاثة مواقف لعباده في تلقي أوامره وشرعه، فقال سبحانه: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} (فاطر:32) فأصناف الناس في تلقي شرعه سبحانه ثلاثة، منهم مقصر في حق خالقه، وبعضهم آخذ بظاهر العبادة دون حقيقتها، وثالث عالم وعامل بحقيقتها وحكمتها.

ومواقف الناس في صيام شهر رمضان ينطبق عليها ما تقرر سابقاً، وقد بينها الإمام الغزالي عندما اعتبر أن الناس في صوم رمضان على ثلاث درجات: صوم العامة، وصوم الخاصة، وصوم خاصة الخاصة.

أما صيام الصنف الأول -وهو صوم العامة- فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة فحسب، وليس وراء ذلك شيء. وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن هذا الصنف من الناس بقوله: (رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني

وأما صوم الخاصة فهو كف الجوارح عن الآثام، كغض البصر عما حرم الله، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وكف السمع عن الإصغاء إلى الحرام، وكف باقي الجوارح عن ارتكاب الآثام، وهذا الصنف ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يَصْخَب، فإن سابَّه أحد أو قاتله أحد فَلْيَقُلْ إني صائم) متفق عليه.
ثم إن من صفات هذا الصنف أنك تجد قلبه معلقاً بين الخوف والرجاء، مستحضراً قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون:60)، إذ ليس يدري أيُقبل صومه، فيكون من أصحاب اليمين المقربين، أم يرد فيكون من أصحاب الشمال المبعدين المحرومين.

أما صوم خاصة الخاصة، فهو صوم القلب عن الأفعال الدنيئة، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله سبحانه بالكلية، وقد وصف الغزالي صاحب هذه الرتبة بأنه مقبل بكامل الهمة على الله، منصرف عما سواه، متمثلاً -في كل ذلك- قوله تعالى: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (الأنعام:91)، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين من عباده المخلَصين.

فحقيق بالمسلم أن يربأ بنفسه عن صوم العوام -وهو صوم البطن والفرج- وأن يأخذ بنفسه إلى مراتب صوم الخواص، ليكون من المقربين عند رب العالمين، وَلِيَصْدُقَ عليه قوله تعالى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} (الأحقاف:16)، والله الموفق.

135244 الاعتكاف وتربية النفس

المقال

ما أحوج العبد إلى أن يخلو بنفسه في بعض الأوقات، ويركن إلى زاوية الفِكْر والذِكْر يتأمل حاله فيصلحه، ويتأمل نعمة الله عليه فيحمده ويشكره، في عالم ملأه الضجيج والاضطراب والفتن.

ما أحوجه إلى أن يخلد إلى محراب الإيمان ليعتكف فيه لا هربا من الحياة ومشكلاتها، ولكن تجديداً لقوة النفس وثقتها وإيمانها بربها.

وما أجمل أن يكون هذا الاعتكاف في شهر مبارك امتلأ بمعاني الإيمان، وفاحت منه أريج الطاعات، فالناس بين ذاكر وقارئ ومُصل، في هذا الجو الإيماني الفريد يخلو العبد بربه ذاكراً شاكراً متفكراً في نعم الله عليه، فيجلس الأيام والليالي وهو على هذه الحال، ليشعر بلحظات من السعادة تغمر قلبه وتملأ جوانحه، لحظاتٍ لم يشعرها في عالم الصخب والضجيج بكل ما فيه من زخارف الحياة المادية الجافة.

قدوته في ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان حريصاً على الاعتكاف وما تركه حتى قبض -كما قال الزهري رحمه الله-، فكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في مسجده في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوماً كما روى ذلك أبو داود، وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف مرة فقضاه في شوال، وكان في ابتداء أمره يعتكف في العشر الأول من رمضان ثم الوسطى ثم العشر الأخيرة يلتمس ليلة القدر، فلما تبين له أنها فيها داوم على اعتكافه فيها حتى لحق بربه عز وجل، وكان صلى الله عليه وسلم يتخذ لنفسه خباءً في المسجد، لمزيد من التفرغ للعبادة والخلوة، وتفريغ القلب من الصوارف والشواغل.

لهذا أصبح الاعتكاف سُنة لسائر المسلمين يعيشون فيه حياة ملؤها الإيمان واليقين، مما يعينهم على الاستمرار في عمل الصالحات، والثبات في مسيرة الحياة، ويصبح الاعتكاف للمسلم بمثابة بوصلة التصحيح التي تصوب له سيره تجاه هدفه، فلا يغيب عنه ولا يضل.

وللاعتكاف فوائد كثيرة أهمها: زيادة الصلة الإيمانية بالله، وإخلاص العمل له، والتفرغ لعبادته وطاعته، وتربية النفس وجهاد الهوى، والبعد عن الصوارف والشواغل، والإكثار من أنواع العبادات التي تزكي النفس، وتجعل المرء أكثر قدرة على مواجهة فتن الحياة، ولهذا كان مقصود الاعتكاف وروحه كما يقول ابن القيم رحمه الله: "عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخَلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم".

ولذا، ينبغي للمعتكف أن يراعي في اعتكافه تحصيل هذه الغايات العظيمة، وألا يخرج من معتكفه خالي الوفاض، كحال من يجعل المساجد مهجعاً للنوم، وعنواناً للتزاور وتجاذب أطراف الحديث والضحك وفضول الكلام!!

كما ينبغي له أن يعتني بأمور منها: المحافظة على ذِكْر الله، وخاصة المأثور منها كأذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، والأكل والشرب، والدخول والخروج، ومن أعظم الذِكْر قراءة القرآن، فليحرص المعتكف على أن يتفرغ لقراءته بتدبر وخشوع وفهم، في الصلاة وفي غيرها، وأن يجعل له ورداً لا يفرط فيه مع مضاعفة الجهد.

وعليه أن يتجنب فضول الأكل؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس، كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول، قال عمر رضي الله عنه: "من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة"، والاعتكاف فرصة للمرء ليُربي نفسه على التقلل والتزهد، ويجاهدها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته. 

وعليه أن يحرص كذلك على تجنب فضول المخالطة، فإن كثرة الخلطة تقصر همة العبد، وتفقده لذة المناجاة، وتفوت المقصود من الخلوة والاعتكاف، وهي مَظِنَّة كثرة المزاح والتقليل من هيبة المكان والزمان، وقد تجر إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب وغير ذلك. 

فاحرص أخي الصائم على إحياء هذه السُنة العظيمة، والاقتداء فيها بسيد الخَلْق صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة الصالحين، وتوجه بقلبك وجوارحك إلى الله عز وجل في ذل وخضوع وانكسار، حتى تخرج منها، وقد ازددت إيماناً وتقوى وقرباً من ربك جل وعلا، لتلحق بركب المقبولين الفائزين، قبل أن تطوى الصحف وتوضع الموازين.

135243 رمضان شهر الجهاد

المقال

الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وبه تنال العزة في الدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال وأجلِّ القربات، وما ذلَّ المسلمون إلا عندما تركوا الجهاد، وركنوا إلى الدنيا، فتكالب عليهم الأعداء، وتداعت عليهم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، والتذكير بالجهاد في هذا الشهر المبارك، تذكير بماض مشرق، نحن أحوج ما نكون إلى الاسترشاد به، لنخرج من أزمة طال أمدها، وبعد زمنها، حتى صرنا في مؤخرة الأمم، وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، فنـزع الله المهابة من قلوب أعدائنا لنا، وقذف في قلوبنا الوهن -حب الدنيا وكراهية الموت-، فالتذكير بالماضي ينبغي أن يساق للعبرة، وللإفادة منه في صنع حاضرنا، ورسم صورة مشرقة لمستقبلنا.

أمر الله عز وجل بالجهاد وحث عليه، ورغب فيه حتى وصف من يبذل نفسه في سبيله بمن يبيع نفسه لله، ونعم البيع ذلك البيع فقال عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} (التوبة:111)، وسمى سبحانه الجهاد تجارة، ولكنها تجارة مع الله، وليس المثمن دراهم ودنانير، ولكنه النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}(الصف:11).

ووردت في فضل الجهاد أحاديث كثيرة، من ذلك ما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه، وقال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) رواه البخاري.

وليست الغاية من الجهاد في الإسلام إزهاق النفوس وتدمير الممتلكات، وترميل النساء، ولكن الغاية هي نشر دين الله في الأرض، وإزاحة المعوقات والعقبات التي تحول بين الناس وبين وصول دعوة الله إليهم، حتى يُقْبِلوا على الإسلام، لا يعوقهم عنه جور جائر، ولا تسلط باغٍ.

وشهر رمضان المبارك هو شهر الجهاد، وفيه وقعت أعظم معركتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: الأولى: معركة بدر الكبرى، التي كانت فرقاناً فرَّق الله به بين الحق والباطل، وأصبح للمسلمين بعدها العزة والمنعة.

الثانية: فتح مكة، وبها زالت غربة الإسلام الأولى، وسقطت رايات الوثنية في البلد الحرام، وأصبح الإسلام عزيزاً في أرجاء الجزيرة العربية.

وكذلك كان هذا الشهر عند سلف الأمة، فكثير من الأحداث والفتوحات التي كان لها أعظم الأثر في حياة المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم.

ومما يؤسف له أن هذا المفهوم قد انقلب في نفوس كثير من المسلمين اليوم، فبعد أن كان رمضان شهر الجهاد والعمل والتضحية، أصبح شهراً للكسل والبطالة وفضول النوم والطعام، وهو انتكاس خطير في المفاهيم، يجب تصحيحه، حتى تعيش الأمة رمضان كما عاشه نبينا صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة من بعده جهاداً وعبادة وعملاً وتضحية، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود.

233041 الأسرة المسلمة في رمضان

المقال

شهر رمضان مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين، فهو شهر الصيام والقيام، شهر العِتق والغفران، شهر تُفتح فيه أبواب الجنات، وتُضاعف فيه الحسنات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه السيئات.. شهر أُنْزِل فيه أنزل القُرآن الكريم، فيه ليلة (ليلة القدر) خير من ألف شهر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُبَشِّرُ أصحابه رضوان الله عليهم بقدومه، لِمَا فيهِ مِنَ الخيرِ العميم، والفضائل والبركات الوافرة، فكان يقول لهم: (أتاكم شهرُ رمضان، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ (تُشَدُّ الأغلالُ والسَّلاسِل) فيه مَرَدَة الشياطين (رُؤساءُ الشَياطين)، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقد وردت الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبيّن فضل شهر رمضان وما فيه من خيرات ورحمات، وفضائل وبركات.. ومن ثم فالأسرة المسلمة ترى شهر رمضان ليس ضيفًا عاديًّا يمكن أن تستقبله دون إعداد واستعداد، بل هي تفرح وتستبشر به، وتُحْسِن استقباله والاستعداد له، والعمل والعبادة فيه، حتى يَعُمَّ عليها خيره وفضله..

الأسرة: 

الأسرة هي اللبنة الأساسيّة في بناء المجتمع، وللأسرة أهمية عظيمة في الإسلام، وذلك لأنَّها المسؤول الأول في تنشئة الأجيال، وهي المحضن الأول لنشأة الصغار، وسعادتهم مقصد كل أب وأم، وأطفالنا هم الأمانة التي استرعانا الله إياها، وما نربيهم عليه ونبثه فيهم مِنْ قيم ومبادئ، يساهم بشكل كبير في تكوين شخصياتهم وتشكيل سلوكهم خاصة في شهر رمضان المبارك.. ولا شك أننا محاسبون على أولادنا، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع فمسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بَعْلِها (زوجها) وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) رواه البخاري. والراعي هو الحافظ المؤتمَن، الملتزم بمصالح ما قام عليه في أموره الدينية والدنيوية، والذي سيُسْأل أمام الله عن رعيته: ضيَّع أم حفِظ؟!. وعلى الوالدين أن يتذكرا دائما أن نعمة الأولاد مسؤولية وأمانة، سيُسْألان عنها يوم القيامة.. ومن هذه المسئولية للآباء والأمهات تجاه أبنائهم: تربيتهم وتنشئتهم من صغرهم على طاعة الله وعبادته، وعلى حُسْن الأخلاق والمعاملات. قال ابن القيم: "فمَنْ أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهمال الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارا، فلم ينتفعوا بهم كبارا".

استعداد واستقبال الأسرة المسلمة لرمضان:

استعداد الأسرة المسلمة لشهر رمضان يكون من ناحيتين: الاستعداد الإيماني والاستعداد المادي. ومِنْ أهم ما يجب أن تعتني به الأسرة وهي بصدد الاستعداد الإيماني: المحافظة على الصلاة، وتعريف الأبناء فضل وعِظم وبركة هذا الشهر الكريم، مع شحذ همة واستحضار النية لأفراد الأسرة جميعا للخروج بأقصى زاد من تقوى الله عز وجل من هذا الشهر الفضيل، ويكون أفرادها جميعا ممن غفر الله عز وجل لهم، وجعلهم من عباده الفائزين المقبولين.
والمقصود بالاستعداد المادي هو أن توفر الأسرة ما قد تحتاجه من مستلزمات البيت خلال شهر رمضان بدون إسراف ولا تقتير، حتى يتسنى لها الحفاظ على أوقاتها في هذا الشهر الكريم. وقد قال الله تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ}(الأعراف:31). ومما يلاحظ على بعض الأُسَر أنهم يجعلون من شهر رمضان موسماً سنوياً للإسراف في الطعام والشراب، ويسرفون في ذلك إسرافا كبيرا، والنتيجة من وراء ذلك إضاعة الأوقات والمال، وإرهاق الأسرة بدنيا وماديا، قال ابن تيمية: "فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإنّ أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يبصرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها". وقال ابن القيم: "فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحسبك بهذين شرا، فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام! وكم من طاعة حال دونها! فمن وُقِيَ شر بطنه، فقد وقيَ شرا عظيما". ومن ثم فالأسرة المسلمة في رمضان وغيره توطن نفسها وأفرادها على الاعتدال والوسطية في المآكل والمشارب، ولا تعرف الإسراف أو التقتير.

ولا تنسى الأسرة المسلمة في استقبالها لشهر رمضان من باب صلة الأرحام وحُسْن الجِيرة: تهنئة الأقارب والجيران ولو بالهاتف إن لم يتيسر أكثر من ذلك. وكذلك إظهار السعادة والسرور، وتعليق بعض الأنوار أو الزهور، مع تعريف الأبناء والأطفال فضل وعِظم هذا الشهر المبارك، ليُغْرَس في نفوسهم حب هذا الشهر الكريم والتطلع والشوق إليه كل عام.

وصايا للأسرة المسلمة في رمضان:

مما ينبغي على الآباء والأمهات خاصة في شهر رمضان: التكاتف والتعاون على الطاعة والعبادة، والبر والخير، وإرشاد أولادهم والأخذ بأيديهم للوصول إلى أن يكونوا من الفائزين المقبولين في رمضان، ومن السعداء في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الوصايا والوسائل للأسرة المسلمة لتكون ـ بفضل الله تعالى ـ من الفائزين الرابحين في رمضان وفي حياتها كلها:

1 ـ ينبغي على الأسرة ـ الأب والأم والأبناء ـ في آخر يوم من شهر شعبان التطلع بشوق وفرح لمعرفة رؤية هلال رمضان، وإظهار البِشْر والسعادة بتحقق رؤية هلاله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأى الهلال الذي يَبْدَأُ به الشَّهْر القَمَريّ: (اللهمَّ أهلَّه علينا باليُمنِ والإيمانِ، والسلامةِ والإسلامِ، ربِّي وربُّكَ اللَّه) رواه الترمذي وصححه الألباني.

2 ـ استحضار النية والإخلاص لله عز وجل مِنْ كل فرد من أفراد الأسرة، فالنيَّة هي الفعل القلبيُّ الذي لا يراه أحد إلاَّ الله سبحانه وتعالى، وبمقتضاها يكون الجزاء: إمَّا ثواب، وإمَّا عقاب، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والأسرة المسلمة في رمضان وغيره ترجو بعبادتها وجميع أعمالها ثوابَ الله تعالى. ومع اسحتضار الأسرة النية فإنها كذلك ـ بجميع أفرادها ـ تنوي وتعزم على التوبة من كل الذنوب، ما كان منها في حق الله، وما كان منها في حق العباد، فرمضان فرصة ـ للكبير والصغير ـ للتوبة، وللمصالحة وصلة الرحم، والعفو والتسامح.

3 ـ على أفراد الأسرة جميعا الجلوس في الليلة الأولى من رمضان (آخر يوم من شعبان) للتذكير بشهر رمضان وفضله، وأجر الصيام والقيام، وتعريف الأبناء بحقيقة الصيام، وأنه ليس فقط ترك الطعام والشراب، ف (ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوع، وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهر) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فشهر رمضان والصيام هو طريق لتحصيل التقوى وحُسْن الأخلاق، وينغي كذلك على الوالدين حث أبناءهم وتشجيعهم على استثماره والاجتهاد فيه في عبادة الله وطاعته، إذ هو سبيل وطريق عظيم لمغفرة الذنوب وتكثير الحسنات.

4 ـ على الآباء والأمهات الاهتمام ـ وخاصة في رمضان ـ بالتربية الإيمانية للأبناء، وغرس فيهم الحرص على المحافظة على الصلاة، وتعويد الصغار على الصيام، ومتابعتهم وشحذ همة المقصر منهم.. والحرص كل الحرص على ختم القرآن في رمضان، فرمضان هو شهر القرآن، ولكثرة القراءة فيه مزية خاصة، وكان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدًا وتبيينًا. وكان السلف يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غيرها. كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام". وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.

5 ـ قد يوجد في البيت أولاد صغار بحاجة للتشجيع على الصيام، فعلى الوالدين حثهم على السحور، وتشجيعهم ماديا ومعنوياً على الصيام، والتدرج معهم في الصوم عدة ساعات من النهار، أو صيام اليوم كله على حسب استطاعتهم وقدرتهم. عن الرُبَيِّع بنت مُعَوذ رضي الله عنها قالت: "كنا نُصَوِّم صبياننا الصغار ونذهب بهم إلى المساجد، ونجعل لهم اللعبة من العِهْن (القطن)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". قال النووي: "وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات، وتعويدهم العبادات، ولكنهم ليسوا مكلفين". مع تعويد الأبناء مشاركة الأسرة نظامها في هذا الشهر الطيب، والجلوس على مائدة الإفطار مع الكبار ليشاركوهم فرحتهم وطعامهم.

6 ـ التعاون بين أفراد الأسرة في أعباء ومسئوليات البيت، ومن ذلك إعانة الأم في إعداد المائدة وتجهيزها، وكذا في رفع الباقي من الطعام عن المائدة، وحفظ الطعام الصالح للأكل. وعلى الزوج أن يساعد زوجته، وألا يكلِّفها بما لا طاقة لها به من حيث إعداد الطعام. تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، وأكرم الناس، كان رجلاً من رجالكم إلاّ أنه كان ضحّاكاً بسّاماً، وما كان إلاّ بشراً مِن البشر، كان يكون في مهنة أهله (خدمتهم ومساعدتهم)...ولا رأيتُه ضرب بيده امرأة ولا خادما".

7 ـ على الوالدين تذكير الأبناء بفضل المحافظة على صلاة الفرائض في المسجد، والمواظبة على صلاة التراويح، وما أعدّه الله عز وجل من الأجر والثواب لمن حافظ عليها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصَّلَوَات الخَمْس، وَالْجُمْعَة إلى الجُمْعَة، ورمضان إلى رمضان، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائر) رواه مسلم. وقال: (مَن قام رمضان إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه) رواه البخاري. قال الكرماني: "اتفقوا على أن المراد بقيامه صلاة التراويح". مع الاهتمام الكبير من الوالدين والأبناء بالاجتهاد في العبادة والمحافظة على صلاة التراويح في العشر الأواخر من رمضان لإدراك ليلة القدر التي قال الله تعالى عنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر:3). والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: (وفيه (في رمضان) ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم) رواه النسائي وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: (ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

8 ـ على الوالدين الاهتمام بأعمال الخير المتنوعة، وحث أبناءهم على الشعور بالفقراء والمحتاجين، وإدخال السرور إلى قلوبهم، وتشجيعهم على الجُود والتصدق، وتفقد أحوال الجيران، فقد كان الجود والإنفاق من هدْي النبي صلى الله عليه وسلم. عن عبد الله عباس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل".

9 - بالنسبة للسحور يُذكِّر الأبوان أبناءهما ببركة السحور، وأنه يقوي الإنسان على الصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحَّروا فإن في السَّحور بركة) رواه البخاري. والبَركةُ في السُّحورِ تَحصُلُ بجِهاتٍ مُتعدِّدة، وهي: اتِّباعُ السُّنة، ومُخالَفة أهْلِ الكتاب لأنَّهم لا يَتسحَّرون، والتَّقوِّي على العبادة.

10 ـ إن تيَسَّر للأب والأم الذهاب بالأسرة إلى العمرة في رمضان فخيرٌ وفضل كبير يقدمونه لأنفسهم ولأسرتهم، فالعمرة في رمضان لها أجر وثواب حجة كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: "معنى ذلك في الأجر والثواب، لا في الإجزاء عن الفريضة بغير خلاف".

11 ـ الأسرة المسلمة في رمضان وغير رمضان لا تُقبِل إلا على الطيب من البرامج الإعلامية، ولا تشغل أوقاتها إلا بالنافع والمفيد من البرامج التي ترشدها إلى ما ينفعها في أمر دينها ودنياها، وعلى الآباء والأمهات ـ بجانب محافظة الأبناء الصغار على الصلاة وورد من القرآن ـ إشغال أولادهم وتسليتهم ببعض المهارات الفنية والمسلية، وجلب لهم كراسات التلوين التي تنمي مهاراتهم وقدراتهم، وفتح لهم جهاز الحاسب الآلي في وقت محدد لمشاهدة بعض البرامج التعليمية والترفيهية...وكذلك على الوالدين الاهتمام بالمرح والدعابة مع الأبناء، وقد اعتبر الكثير من التربويين اللعب والمرح وسيلة من وسائل التربية، والأسرة محتاجة إلى اللعب والترويح ـ بالضوابط الشرعية ـ كحاجتها للطعام والشراب...مع تعريف الأبناء أن الأصل في هذا الشهر المبارك هو الاجتهاد والإقبال على القرآن الكريم تلاوةً وتدبرّاً وسماعاً.

12 ـ أيام شهر رمضان فرصة للوالدين لتعليم أولادهما شيئا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليستفيدوا من دروسها وعبرها، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقدرون للسيرة النبوية قدرها، ويتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم، فكان علي بن الحسين رضي الله عنه يقول: "كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نُعلم السورة من القرآن". ومن فوائد وثمرات تعلم أولادنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يجدون فيها القدوة، فهي تقدم إليهم نماذج سامية للشاب المستقيم في سلوكه، الأمين مع قومه وأصحابه، كما تقدم النموذج المثالي للمسلم في حسن معاملته لأهله، وللأب في حنو عاطفته، والصاحب في حبه وحسن معاملته لأصحابه، والمسلم الجامع بين واجباته وعبادته لربه.. وكل من يبحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه سيجد ذلك نموذجاً ماثلاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} (الأحزاب21).

مِنْ أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن يبلغهم شهر رمضان، فهو شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُغْفَر فيه الذنوب والسيئات، وتُضاعف فيه الأجور والدرجات، وتُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، ويعتق الله فيه عباده من النيران، فحريٌّ بالأسرة المسلمة أن تستغل هذا الشهر بما يعود عليها بالخير.


نسأل الله تعالى أن يجعل شهر رمضان عوناً لنا على طاعته، وأن يعيننا على حُسْن صيامه وقيامه، ويجعلنا فيه من الفائزين الرابحين، ومِنْ عتقائه مِنَ النار ومن المقبولين.

239776 مدارسة القرآن في رمضان

المقال

جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه. قال ابن رجب في "لطائف المعارف": "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له".

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. فالحديث قَرَنَ بين التلاوة والمدارسة، ورتب عليهما السكينة والرحمة، وحفظَ الملائكة، وذِكْرَ الله لقارئي كتابه، ويشهد لهذا قوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).  

وأصل (الدراسة): التعهد للشيء. والفعل (درس) يُطلق على عدة معان، ومن جملة ما يطلق عليه معنى: القراءة؛ يقال: درس الكتاب درساً ودراسة: إذا قرأه، وأقبل عليه ليحفظه ويفهمه؛ ودارس الكتاب مدارسة ودراساً: درسه؛ ودارس فلاناً: قارَأه وذاكره؛ وتدارس الكتاب: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه؛ والمِدْراس: الموضع يُدرس فيه كتاب الله؛ والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس.

و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ تقول: خاصم زيد عمراً؛ وشارك الطلاب في المهرجان، وضارب الفقراء الأغنياء، كل ذلك يدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها، وبحسب هذه الصيغة جاء لفظ (المدارسة) بمعنى المقارأة: أي يقرأ كل واحد على الآخر؛ والتدارس على وزن التفاعل: يعني المشاركة الجماعية في القراءة وتحصيل العلم، فيقال: تدارس القوم القرآن: إذا قرؤوه وتدبروا معانيه.

و(المدارسة) سُنَّة نبوية، غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة.

ودلَّت لمشروعية مدارسة القرآن واستحبابها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة؛ أما من القرآن فقوله سبحانه في وصف الربانيين من أهل العلم: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (آل عمران:79). ودلَّ عليها من السنة فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان، وقد تقدم في حديث مسلم آنفاً.

ويشهد لمشروعية المدارسة وأهميتها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها) متفق عليه. فـ (التعاهد) في الحديث بمعنى المدارسة؛ لأن المدارسة معناها: تعهد القرآن بالقراءة حتى لا يُنسى، وجاء اللفظ أيضاً على صيغة المفاعلة.

ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، بل هي أعظم. فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده، مستنيراً بالتفاسير الأثرية المعتبرة. 

ومما لا ريب فيه أن شهر رمضان فرصة عظيمة لتفعيل منهج المدارسة القرآنية، فهو شهر كريم ومبارك، تصفَّد فيه مردة الشياطين، وتتنزل فيه الرحمات، وفيه يتفرغ المؤمن لعبادة ربه، والتقرب إليه، ويبتعد عن مشاغل الدنيا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبداً) رواه الطبراني، فاغتنام شهر رمضان في مدارسة القرآن سبيل ناجح لتفعيل منهج المدارسة، واستثمار القرآن الكريم، وتنزيله على واقع الحياة.

قاعدتا المدراسة القرآنية

منهج المدارسة القرآنية يقوم على قاعدتين:

القاعدة الأولى: القراءة والتدبر والتبصر؛ وتتحصل هذه القاعدة بأمرين متكاملين:

الأول: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقال سبحانه: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ:46)؛ لأن الفهم والإدراك والعلم طريق العمل، والسبيل الهادي إليه.

الثاني: التخلق بالقرآن، وهذا يعني العمل به وتطبيقه على أرض الواقع وفي شؤون الحياة كلها، كبيرها وصغيرها، بدءاً بتطبيقه على النفس وانتهاء بتطبيقه في المجتمع، قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} (هود:112).

القاعدة الثانية: أخذ القرآن بمنهج التلقي، وتعني هذا القاعدة قراءة القرآن وكأنه يتنـزل عليك، قال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (سورة المزمل:19)، فالقارئ للقرآن والدارس له، ينبغي عليه أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، كيفية المتلقي للوحي والمسْتَقْبِلِ له، المنصاع لأوامره وتوجيهاته.

* فوائد المدارسة القرآنية

لا شك، أن لمدارسة القرآن فوائد كثيرة، ومنافع عديدة، يمكن إجمالها في ما يلي: 

- مدارسة القرآن سبيل العلم والتعلم، فالعلم عموماً وعلم القرآن خصوصاً لا يمكن للمرء أن يحصله إلا بالتعاون والمشاركة مع الآخرين؛ إذ ما يحصلُّه المرء بنفسه لا يُقارَن مع ما يحصله المرء مع غيره، وخاصة إذا كان هذا الغير من أهل العلم بالقرآن، قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، فصفة (الربانية) إنما حصلت بالتعلم والتعليم المشترك للكتاب ومدارسته.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان له نصيب من ذلك بالتدارس مع جبريل عليه السلام؛ والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تعلموا القرآن وفقهوه بطريق المدارسة مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمجالسة له، وقل الشيء نفسه فيمن جاء بعدهم.

- مدارسة القرآن عون لحافظ القرآن على المراجعة والاستذكار والاستيعاب والتدبر، قال عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها) متفق عليه، فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام المؤمنين على تعاهد القرآن ومدارسته، مخافة أن ينسى، و(التفلت) ليس المقصود منه التفلت من الذاكرة والحافظة فحسب، وإنما أيضاً يدخل فيه (التفلت) من تطبيقه والعمل به، فإن الإنسان ضعيف بنفسه قد تعتريه عوارض الفتور والكسل والتراخي .

- مدارسة القرآن طريق لتحقيق معنى الترابط والتآلف بين المسلمين، وهو مقصد أساس حرص عليه الإسلام لتربية العقلية الجماعية والسلوك الجماعي، وهذا المقصد ملحوظ في أكثر العبادات الإسلامية، فالمعنى الجماعي فيها حاضر وبارز.

- مدارسة القرآن طريق لتزكية النفس بفضائل الخير، وتحليتها بقيم الصلاح، وهدايتها سبل الرشاد، قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164)، فمن خلال (المدارسة) تزكو النفوس الطيبة، وتعرف طريق الخير من الشر، وتحصِّل كثيراً من الهدايات والمعاني القرآنية .

- مدارسة القرآن مدعاة لتنـزل الرحمة والسكينة على المؤمنين، وسبب لإحفاف الملائكة لهم حفظاً وعناية وتوفيقاً، وهذا ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.

- مدارسة القرآن أمر مهم لضبط تلاوته وحُسن ترتيله، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4)؛ فقارئ القرآن مطالب بتلاوته حق التلاوة، وترتيله حق الترتيل، والمدارسة طريق متعين لذلك؛ إذ من المقرر عند أهل العلم، أن القرآن لا يُتلقى بالقراءة الأحادية، بل لا بد فيه من المشافهة، والتلقي على أهل الضبط والإتقان وقراءته عليهم.

ومما يعين على تحصيل هذا المقصود:

أولاً: أن يتخذ للتلاوة مصحفاً على حاشيته بيان لمعاني المفردات.

ثانياً: أن يطالع في تفسير متوسط؛ ليس بالطويل الذي ينقطع القارئ دونه، ولا بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى. كتفسير "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للشيخ السعدي، و"زبدة التفسير من فتح القدير" لـ محمد بن سليمان الأشقر.

ثالثاً: أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلسَ قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن مثل كتاب: "القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن" للشيخ السعدي.

رابعاً: أن يقيد ما يُشْكِلُ عليه فهمه أثناء تلاوته، أو يطرأ على باله من معنى، ثم يسعى في بحثه، والسؤال عنه. 

وعلى الجملة، فإن الغاية الأساس من المدارسة القرآنية استخلاص واستخراج المنهج القرآني، وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر العلمية والتعليمية، التربوية والدعوية، النظرية والعملية، التي يجب العمل على تحقيقها في مجالات الحياة كافة، وهذا الشهر الكريم فيه عون كبير على تحصيل هذه المنافع {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4).

43691 أركان الصوم وشروطه

المقال

رَكَنَ إلى الأمر: مال إليه وسكن، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (هود:113) أي: لا تميلوا وتسكنوا إلى الظالمين، ورُكْنُ الشيء: جانبه الأقوى، قال تعالى على لسانه نبيه لوط: (لو أَن لي بكم قوة أَو آوي إلى ركن شديد) (هود:80).

و(الركن) في اصطلاح الأصوليين: ما يتوقف عليه وجود الشيء وعدمه، ويعبرون عن ذلك بقولهم: ما يتوقف على وجوده الوجود، وعلى عدمه العدم؛ وكثيرًا ما يعبر الفقهاء عن الركن بالشرط، ويريدون منه، ما لا بد منه.

ركني الصوم:

والصيام في حقيقته مركب من ركنين أساسيين، لا يُتصور حصوله بدونهما: 

- الركن الأول: النية، ومعناها القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء، وعزمه عليه من غير تردد، والمراد بها هنا قصد الصوم، والدليل على أن النية ركن لصحة الصيام، قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم، وهو يعم كل عمل ، وقوله في حديث حفصة رضي الله عنها: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أحمد وأصحاب السنن.

ومحل النية القلب، ولا يُشرع التلفظ بها، وهو خلاف السُّنَّة؛ لأنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، وحقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لأمر الله تعالى، وطلباً لثوابه، ويُشترط في النية لصوم رمضان التبْييت، وهو: إيقاع النية ليلاً، لحديث حفصة المتقدم، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل، وينبغي على العبد أن يبتعد عن وسواس الشيطان في النية، فإن النية لا تحتاج إلى تكلف، فمن عقد قلبه ليلاً أنه صائم غداً فقد نوى، ومثله ما لو تسحَّر بنية الصوم غداً.

وبعض الفقهاء يعد النية شرطاً لصحة الصيام لا ركناً من أركانه، والمقصود أنه لا بد منها لصحة الصوم سواء عددْناها ركناً أم شرطاً.

- الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات من طعام، وشراب، وجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ودليل ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187)، والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، بياض النهار وسواد الليل، وذلك يحصل بطلوع الفجر الثاني أو الفجر الصادق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق) رواه الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) رواه البخاري ومسلم، وقد أجمع أهل العلم على أن من فعل شيئاً من ذلك متعمداً فقد بطل صومه.

شروط الصوم:

وهناك شروط ذكرها أهل العلم لا بد من توفرها للحكم بوجوب الصوم، وهي: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً مقيماً قادراً خالياً من الموانع الشرعية.

فلا يصح الصوم من الكافر، فإن أسلم في أثناء الشهر، صام الباقي, ولا يلزمه قضاء ما سبق حال الكفر، ويقضي اليوم الذي أسلم فيه إن أسلم أثناء النهار، نص عليه الإمام مالك، والإمام أحمد وغيرهما. 

ولا يجب الصوم على الصغير غير البالغ لعدم التكليف، ولكنه يصح منه، ويكون في حقه نافلة، ولو أفطر في أثناء النهار فلا شيء عليه، ولكن يستحب لوليه تدريبه على الصوم ليعتاد عليه، ولئلا يجد صعوبة فيه حال البلوغ، فقد ثبت في الصحيح من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها أنها قالت في صيام عاشوراء لما فُرض: (كنا نُصَوِّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار) رواه البخاري ومسلم.

ولا يجب الصوم على مجنون، ولو صام حال جنونه لم يصح منه؛ لأن الصوم عبادة مفتقرة إلى النية، والمجنون لا يتصور منه النية، وفي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: (رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود وغيره.

ولا يجب الصوم على غير القادر لمرض دائم، أو كِبَر، وعليه إطعام مسكين عن كل يوم. ولا يجب على المسافر، والمريض مرضاً عارضاً، ولكنهما يقضيانه حال زوال عذر المرض أو السفر؛ لقوله جل وعلا: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (البقرة:184).

ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء، بل يحرم عليهما، ولا يصح منهما؛ لوجود المانع الشرعي، ولو جاءها الحيض أو النفاس أثناء الصوم، بطل صوم ذلك اليوم، ويجب عليها أن تقضي الأيام التي أفطرتها بعد رمضان.

والطهارة ليست شرطاً لصحة الصوم، فإذا تسحر الجنب، وشرع في الصوم، ولم يغتسل، صح صومه، وكذلك لو طهرت المرأة من الحيض في الليل ولم تغتسل، وصامت يومها التالي صح الصوم منها. 

هذه هي أهم أركان الصوم وشروطه، وللعلماء مزيد تفصيل وبيان فيها، يمكن الرجوع إليها في مظانها، والله أعلم.

135246 لماذا الفتور بعد رمضان؟

المقال

ماذا بعد رمضان؟ سؤال يردده الدعاة كثيراً بعد انقضاء هذا الموسم المبارك، وذلك لما يرونه من انقلاب حال كثير من المسلمين عما كانوا عليه في شهر رمضان من الصيام والقيام والذِكْر وتلاوة القرآن إلى هجر ذلك كله، والعودة إلى الغفلة واللهو، حتى غدا هذا الأمر ظاهرة بارزة، فبينا ترى المساجد في رمضان مكتظة بالمصلين والقارئين والذاكرين، إذا بها بعد رمضان تئن من الهجر، وتشكو الفراق والبعاد إلا من النزر اليسير، وهي ظاهرة تقتضي من المصلحين وقفة مراجعة، لتقويم العوج ومعالجة الخلل.

ولو رجعنا إلى الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الظاهرة، لوجدنا أن من أهم الأسباب تحول رمضان -في نظر كثير من المسلمين- من إطار العبادة إلى إطار العادة، فكثير من الناس لا ينظر إلى رمضان إلا على أنه شهر تُمَارَس فيه عادات معينة، ينبغي ألا يخالف الناس في أدائها، فتجد البعض مثلاً يصوم رمضان في حين أنه لا يصلي، وربما صلى التراويح من غير أن يقوم بالفريضة...وهكذا، ما يؤكد أن هؤلاء لم يتعبدوا في رمضان إلا بمنطق العادة لا العبادة، وبالتالي لم يُحْدِث هذا الشهر التغيير المطلوب في حياتهم؛ ولذا فما أن يخرج الشهر حتى يعود كل واحد إلى ما كان عليه.

وهناك سبب آخر، وهو ما يشعر به المسلم -ولو كان عاصياً- من أجواء إيمانية في هذا الشهر المبارك، نتيجة ما ميزه الله به من تصفيد الشياطين، وإقبال النفوس على الطاعة، وفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، كل هذه الأجواء تساعد المسلم على التقرب إلى ربه، والبعد عن المعاصي والسيئات، فإذا انتهى رمضان، واختفت تلك الأجواء، عاد العاصي إلى معصيته، واللاهي إلى لهوه. 

ومن الأسباب كذلك ما يتسرب إلى النفوس الضعيفة من ملل وفتور بعد الحماس والنشاط، ولعل المتابع يلحظ ذلك في تناقص المصلين في التراويح في آخر الشهر خلافاً لبدايته، فالعبادة وإن كان لها أثر عظيم في طمأنينة النفس وسكونها، إلا أنها تحتاج إلى مجاهدة ومغالبة للنفس وأهوائها؛ لأن النفس مطبوعة على حب الدَّعَة والقعود والإخلاد إلى العاجلة، والغفلة عن الآجلة.

ولعلاج هذه الظاهرة ينبغي تعريف المسلم بعبوديته لربه، وأن هذه العبودية عبودية دائمة غير مقيدة بزمان ولا بمكان، وعمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ قوله عز وجل: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99).

وينبغي تعريف المسلم كذلك أن شهر رمضان فضيلة تفضل الله بها على عباده، ليزدادوا إليه تقرباً، ويسارعوا في فعل الخيرات، فإذا وقر ذلك في نفس المسلم كان أحرص على عبادة ربه طيلة عمره، فلا يقطعه عنها انقضاء شهر أو دخوله.

وفيما يتعلق بالملل والفتور ينبغي أن يعلم المسلم أن العبادة كثيراً ما تأتي على خلاف هوى العبد ورغباته، ما يتطلب قدراً من المجاهدة والمشقة في بداية الأمر، حتى تألف النفس الطاعة، ثم تستقيم على أمر الله، قال سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت:69) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات) رواه مسلم.

وحصول الفتور والتراخي بعد الجد والنشاط أمر وارد لأي عامل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل عمل شِرَّةً، وإن لكل شرة فترة، فمن كانت شِرَّته إلى سنتي، فقد أفلح، ومن كانت شِرَّتُه إلى غير ذلك فقد هلك) رواه أحمد، ولكن المحذور أن يخرجه الفتور إلى التفريط في الفرائض والواجبات وانتهاك المحرمات والمنهيات، قال ابن القيم رحمه الله: "تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في مُحرم، رُجِي له أن يعود خيراً مما كان"، وقال علي رضي الله عنه: "إن النفس لها إقبال وإدبار، فإذا أقبلت فخذها بالعزيمة والعبادة، وإذا أدبرت فأقصرها على الفرائض والواجبات".

فينبغي للمسلم إذا شعر من نفسه الملل والفتور أن لا يستجيب لها فيترك العمل بالكلية، ولكن ليعالج نفسه بشيء من الحكمة، فلا يمنعها الترويح واللهو المباح، كما أنه لا يقطعها عن العمل، ولكن لا بد من الموازنة، حتى لا تنفر النفس من الطاعة إذا أرغمها عليها العبد، ولا يطلق لها العِنان لتسبح في بحار اللهو والمعاصي دون حسيب أو رقيب، والقصد القصد تبلغوا.

إن من استفاد من رمضان استفادة حقيقية، لا بد وأن يكون حاله بعده خيراً من حاله قبله؛ لأن من علامات قبول الحسنةِ الحسنة بعدها، ومن علامات ردها العودة إلى المعاصي بعد الطاعات.

فاحرص -أخي الصائم- على المداومة على الأعمال الصالحة التي تعودتها في هذا الشهر الكريم، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها -كما في البخاري- عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان عمله ديمة)، أي: دائماً مستمراً، كالمطر الدائم الذي لا ينقطع. 

وإذا كنا قد ودعنا شهر رمضان، فإن المؤمن لن يودّع الطاعة والعبادة، ما دام في صدره نَفَس يتردد، أما أولئك الذين يهجرون المساجد والطاعات مع مطلع العيد، فبئس القوم هم، لا يعرفون الله إلا في رمضان، والله جل وعلا يقول: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت} (الأنعام:162) فالحياة كلها يجب أن تكون لله في جميع الأحوال والأوقات والظروف.

فاجعل -أخي الصائم- من نسمات رمضان المشرقة مفتاح خير لسائر العام، واستقم على طاعة ربك، وداوم ولو على القليل من العمل الصالح، واسأله الثبات حتى الممات.

45732 أخطاء في أداء العمرة

المقال

العمرة في رمضان لها مزية على غيرها من الشهور، فقد خصت بمزيد الفضل وزيادة الأجر، يقول عليه الصلاة والسلام: (عمرة في رمضان تقضي حجة معي) رواه البخاري، ولذا يتنافس كثير من المسلمين لأداء العمرة في هذا الشهر أكثر من غيره، وربما أداها بعضهم دون علم بأحكامها، وما يجوز فيها وما لا يجوز، فتقع منه الأخطاء والمخالفات التي يحسن التنبيه عليها، فمن هذه الأخطاء:

أولاً: أخطاء في الإحرام

1- تجاوز الميقات دون إحرام، والواجب على من قصد مكة للحج أو العمرة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يتجاوزه دون إحرام.

2- الاعتقاد بأن الإحرام هو ارتداء ملابس الإحرام التي هي الرداء والإزار، وهذا غير صحيح، بل لا بد للإحرام من نية الدخول في النسك. 

3- اعتقاد أن أداء ركعتين قبل الإحرام شرط لصحة الإحرام، والصواب أنهما سنة، وليستا شرطاً لصحة الإحرام.

4- وضع الطِّيب على الرداء أو الإزار قبل الإحرام، والسنة وضع الطِّيب على البدن قبل الإحرام، أما ملابس الإحرام فلا يطيِّبها، وإذا طيبها لم يلبسها حتى يغسلها أو يغَيِّرها.

5- اعتقاد أن الغسل أو الوضوء عند الإحرام واجب، وإنما هو مستحب، فلو أحرم من غير وضوء ولا غسل، فإحرامه صحيح.

6- الجهل بمواقيت الإحرام التي حددها الشرع، وعدم مراعاة تلك المواقيت وخاصة من الحجاج القادمين عن طريق الجو؛ لأن الواجب على الحاج أو المعتمر أن يُحرم من الميقات أو ما يُحاذيه، فإن اشتبه عليه الأمر أحرم قبل الميقات احتياطاً، ولا يجاوز الميقات دون إحرام كما سبق. 

7- كشف المحرم كتفه الأيمن دائماً من حين إحرامه من الميقات، وهو ما يسمى بـ"الاضطباع" وهو خلاف السنة، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في طواف القدوم وطواف العمرة، فإذا انتهى المحرم من طوافه أعاد رداءه على كتفيه في بقية المناسك.

8- التحرج من تغيير لباس الإحرام أو غسله مع أنه لا حرج في ذلك.

9- اعتقاد أن كل ما كان مخيطاً لا يجوز لبسه، فيتحرج البعض من لبس الساعة أو النعلين، أو الحزام ونحو ذلك، بينما المراد بالمخيط ما خِيط أو نُسِج على قدر البدن، كالسراويل والثياب.

10- اعتقاد أن المرأة الحائض لا يجوز لها الإحرام، وأن لها أن تتجاوز الميقات دون إحرام، والصحيح أن الحيض والنفاس لا يمنعان المرأة من الإحرام، فيجب عليها أن تحرم، ولكنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر.

11- اعتقاد بعض النساء أن للإحرام ثياباً خاصة، والصحيح أن المرأة يجوز لها أن تُحرم بثيابها المعتادة، لكنها تجتنب لبس النقاب والقفازين.

12- الدخول في النسك، ثم تركه دون إتمامه، والله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (البقرة:196)، فمن أحرم بالحج أو العمرة، فليس له الرجوع عن نسكه حتى يتمه.

ثانياً: أخطاء في الطواف

1- التلفظ بالنية عند الشروع في الطواف، والصواب أن النية محلها القلب.

2- اعتقاد أن الطواف لا يصح دون استلام الحجر الأسود، مع أن تقبيل الحجر سنة، وليس شرطاً لصحة الطواف، وإذا لم يتمكن الطائف من الوصول إليه إلا بالمزاحمة الشديدة وإيذاء الناس، فالأولى له ترك الاستلام والتقبيل، ويكتفي بالإشارة إليه.

3- استلام أركان الكعبة الأربعة، والثابت في السنة إنما هو استلام الحجر الأسود والركن اليماني من البيت دون غيرهما من الأركان.

4- تقبيل الركن اليماني، أو الإشارة إليه من بُعد، والسنة استلامه باليد دون تقبيل، أو إشارة.

5- الرَّمَلُ -وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى- في جميع الأشواط، والمشروع أن يكون الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم، وطواف العمرة دون غيره من الطواف، ودون الأشواط الأخرى.

6- تخصيص كل شوط من الطواف بدعاء معين، ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف دعاء مخصص لكل شوط إلا قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201) بين الركن اليماني والحجر الأسود، وما عدا ذلك فيدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وله أن يذكر الله، وأن يقرأ القرآن.

7- رفع الصوت بالدعاء رفعاً يُذهب الخشوع ويشوش على الطائفين.

8- اجتماع الطائفة من الناس على قائد يلقنهم الدعاء.

9- الوقوف عند الحجر الأسود أو ما يحاذيه مدة طويلة، وفي ذلك تضييق على غيره من الطائفين، والسنة أن يستلم الحجر، أو يشير إليه، ويمضي دون توقف.

10- التمسح بالكعبة وأستارها.

ثالثاً: الأخطاء في ركعتي الطواف

1- اعتقاد لزوم أداء الركعتين خلف المقام أو قريباً منه، والمزاحمة للصلاة عنده، مع أن ركعتي الطواف يجوز أن تصلَّى في أي موضع من المسجد، إن لم تتيسر خلف المقام. 

2- إطالة الركعتين بعد الطواف، والسنة التخفيف، فقد صلاهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ في الركعة الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الركعة الثانية: (قل هو الله أحد).

3- ومن الأخطاء ما يفعله البعض بعد ركعتي الطواف، حيث يقوم عند المقام، فيدعو بدعاء خاص يسمَّى "دعاء المقام"، وهذا من البدع التي ليس لها أصل في الدين.

رابعاً: أخطاء في السعي

1- رفع اليدين عند صعود الصفا والمروة كرفعهما في الصلاة، والسنة أن يرفع يديه كهيئة الداعي، ويحمد الله ويكبره، ويدعو مستقبلاً القبلة.

2- الإسراع في السعي بين الصفا والمروة في جميع الشوط، وهو خطأ، والسنة الإسراع بين العلمين الأخضرين، والمشي في بقية الشوط.

3- إسراع النساء في السعي بين العلمين وهو خلاف السنة، والإسراع إنما هو خاص بالرجال دون النساء.

4- قراءة قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158) في كل شوط كلما أقبل على الصفا والمروة، والسنة قراءتها عند بداية السعي فقط إذا دنا من الصفا.

5- اعتقاد البعض أن الشوط هو السعي من الصفا إلى المروة، ثم الرجوع مرة أخرى إلى الصفا، والصواب أن السعي من الصفا إلى المروة يعتبر شوطاً، ومن المروة إلى الصفا يعتبر شوطاً آخر.

6- تخصيص دعاء معين لكل شوط، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء خاص بكل شوط، إلا ما كان يدعو به على الصفا وعلى المروة. 

7- التطوع بالسعي بين الصفا والمروة من غير أن يكون في حج أو عمرة، والسنة جاءت باستحباب التطوع بالطواف بالبيت فحسب.

ومما يتعلق بالحلق أو التقصير: يعتقد البعض أن من السنة استقبال القبلة عند الحلق، وهذا لا دليل عليه.

205225 ذهب الظمأ وابتلت العروق

المقال

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله) رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن، وروى الطبراني بإسناد فيه ضعف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (بسم الله، اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت)، وله طريق مرسل عند أبي داود في سننه.

في رحاب الحديث

كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (إذا أفطر) أي من صومه، (قال) أي بعد الإفطار، (ذهب الظَّمَأ) وهو العطش، (وابتلت العروق) أي بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، ولم يقل: وذهب الجوع؛ لأن أرض الحجاز حارة، فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا العطش، وكانوا يمتدحون بقلة الأكل لا بقلة الشرب، (وثبت الأجر) أي زال التعب وحصل الثواب، (إن شاء الله) علق الأجر بالمشيئة هنا لعدم وجوب الأجر عليه تعالى وإنما هو محض تفضل وإنعام منه سبحانه وتعالى.

في هذا الدعاء العظيم حثٌّ على العبادة والطاعة، لزوال التعب وبقاء الأجر، فإن التعب يسيرٌ لذهابه وزواله، والأجر كثيرٌ لثباته وبقائه، وهذا أعظم محفِّز، وأقوى مرغِّب.

قال الإمام الطيبي: "ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور}(فاطر:34)..، وقوله (ثبت الأجر) بعد قوله (ذهب الظمأ) استبشار منه؛ لأنه من فاز ببغيته ونال مطلوبه بعد التعب والنصب، وأراد اللذة بما أدركه، ذكر له تلك المشقة، ومن ثم حمد أهل الجنة في الجنة".

وثبوت الأجر إن شاء الله بأن يقبل الله تعالى الصوم من عباده، ويتولى جزاءه بنفسه، كما وعد سبحانه: {إن الله لا يخلف الميعاد}(آل عمران:9).

وقد صح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوة الصائم لا ترد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي وصححه الألباني.

والمراد بدعوة الصائم هنا دعاؤه حال صيامه أو عند إفطاره، قال الإمام المناوي في فيض القدير: "ومراده كامل الصوم الذي صان جميع جوارحه عن المخالفات، فيجاب دعاؤه لطهارة جسده بمخالفة هواه" والله أعلم.

43828 صلاة التراويح

المقال

من السنن التي سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة في شهر رمضان، صلاة التراويح، التي اتفق أهل العلم على أنها سنة مؤكدة في هذا الشهر الكريم، وشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام؛ وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغِّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة ثم ترك الاجتماع عليها؛ مخافة أن تُفْرَض على أمته، كما ذكرت ذلك عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري

ثم استمر المسلمون بعد ذلك يصلون صلاة التراويح كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجَمْع، وذاك يصلي بمفرده، حتى جمعهم عمر رضي الله عنه على إمام واحد يصلي بهم التراويح، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان.

روى البخاري في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع - أي جماعات متفرقة - يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط - الجماعة من الرجال - فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعْم البدعة هذه، والتي ينامون عنها، أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل -، وكان الناس يقومون أوله.

وروى سعيد بن منصور في "سننه": أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أُبيِّ بن كعب، فكان يُصلي بالرجال، وكان تميم الداري يُصلي بالنساء.

أما عن عدد ركعاتها، فلم يثبت في تحديدها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه صلاها إحدى عشرة ركعة كما بينت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فقالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" متفق عليه، ولكن هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة عليه، وإن كانت المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل.

وثبت عن بعض السلف أنهم كانوا يزيدون على هذا العدد، مما يدل على أن الأمر في ذلك واسع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا وثلاثين، كما هو مذهب مالك, وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة...والصواب أن ذلك جميعه حسن كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله عنه، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره".

وأما وقتها فيمتد من بعد صلاة العشاء إلى قبيل الفجر، والوتر منها، وله أن يوتر في أول الليل أو في آخره، والأفضل أن يجعله آخر صلاته لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) متفق عليه، فإن أوتر في أوله ثم تيسر له القيام آخر الليل، فلا يعيد الوتر مرة أخرى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) رواه الترمذي وغيره.

ويجوز للنساء حضور التراويح، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) رواه البخاري ومسلم، ولكن بشرط أمن الفتنة، فتأتي متسترة متحجبة من غير طيب ولا زينة ولا خضوع بالقول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) رواه مسلم.

فاحرص أخي الصائم على المحافظة على هذه السُّنَّة المباركة، وأدائها مع الجماعة، ولا تنصرف منها حتى يسلم الإمام ليكتب لك أجر قيام ليلة.

43117 سنن الصوم وآدابه

المقال

الأدب عنوان فلاح المرء وسعادته في الدنيا والآخرة، وأكمل الأدب وأعظمه الأدب مع الله سبحانه، ولذلك شُرعت لكل عبادة في الإسلام آداب ينبغي على المسلم الحفاظ عليها ومراعاتها؛ فالصلاة لها آداب, والحج له آداب، والصوم كذلك له آداب عظيمة، لا يتم على الوجه الأوفق إلا بها، ولا يكمل إيمان العبد إلا بتحقيقها.

والعبادات وإن كانت تصح من غير الإتيان بآدابها وسننها إلا أنها تبقى ناقصة الأجر، قليلة الأثر، ولأجل هذا الملحظ شُرعت السنن والآداب لتكميل النقص الذي يطرأ على الفرائض والواجبات.

وقد جاءت الشريعة بكف اللسان عن المحرمات من غيبة ونميمة وكذب وسَفَه وعدوان في كل وقت وحين، إلا أن الكف عن هذه الأمور يتأكد في رمضان، لمنافاتها لحقيقة الصوم والغاية منه، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذٍ ولا يجهل، فان سابَّه أحد أو قاتله أحد، فليقل: إني امرؤ صائم) رواه البخاري ومسلم، و(الرفث) هو: الكلام الفاحش، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، قال: وكانوا إذا صاموا - يقصد السلف الصالح - قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب أحداً. 

وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

فعلى الصائم أن يحفظ بصره عن النظر إلى المحرمات، ويحفظ أذنه عن الاستماع للغناء وآلات اللهو، ويحفظ بطنه عن كل مكسب خبيث محرم،  فليس من العقل والحكمة أن يتقرب العبد إلى ربه بترك المباحات من الطعام والشراب والجماع، وهو لم يتقرب إليه بترك ما حُرِّم عليه في كل حال، من الكذب والظلم والعدوان، وارتكاب المحرمات، ومن فعل ذلك كان كمن يضيِّع الفرائض، ويتقرب بالنوافل. 

كما يُسْتَحب للصائم بذل الصدقة للمحتاجين من الفقراء والمساكين، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم: (كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.

ومن السنن المشروعة في الصيام، تناول السحور وتأخيره، لما في ذلك من عون على صيام النهار، قال صلى الله عليه وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم، وقال في الحديث الآخر: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلَة السَّحَر) رواه مسلم.

يقول زيد بن ثابت: "تسحّرْنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة"، متفق عليه، وهو يدل على استحباب تأخير السحور.

كما يُستحب للصائم تعجيل الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس بخير ما عجّلوا الفطر) متفق عليه. وأن يفطر على رطبات إن تيسر؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه الترمذي

ومن الأمور المسنونة للصائم الدعاء عند فطره، وفي الحديث: (ثلاثة لا ترد دعوتهم -وذكر منهم- والصائم حين يفطر) رواه الترمذي، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام عند الإفطار قوله: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى) رواه أبو داود.

وبهذا يتبين أن حقيقة الصيام ليست مجرد الإمساك عن المفطرات الحِسِّيَة فحسْب، فإن ذلك يقدر عليه كل أحد، كما قال بعضهم: "أهون الصيام ترك الشراب والطعام"، ولكن حقيقة الصيام ما أخبر عنه جابر رضي الله عنه بقوله: "إذا صمتَ، فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء". 

فاحرص - أخي الصائم - على الالتزام بهذه الآداب والمسنونات، واجتنب المحرَّمات والمكروهات، ففي ذلك حفظ لصومك، ومرضاة لربك، وزيادة في أجرك.

45178 أخطاء في الصوم

المقال

شرع الله الصوم لغاية عظيمة، هي تحصيل تقوى الله جل وعلا، وتزكية النفوس، وتهذيب الأخلاق، فليست الغاية من الصوم إدخال الضرر أو المشقة على العباد، وكلما كان الصوم موافقاً للأحكام الشرعية والآداب المرعية كلما كان أكثر ثمرة وأعظم أجراً، ومع الأسف الشديد فإن بعض الصائمين لا يلتزمون هذه الأحكام والآداب فتصدر منهم الأخطاء والمخالفات التي تؤثر على صومهم أو تنقص أجره وثوابه، وهناك بعض الأخطاء الشائعة التي ينبغي للصائم التنبه لها والحذر منها: 

أولاً: عدم إدراك البعض لفضائل هذا الشهر الكريم، فيستقبلونه كغيره من شهور العام، وقصارى اهتمام بعضهم أن يستقبله بشراء الأطعمة والمشروبات بدلاً من الاستعداد للطاعة والاقتصاد ومشاركة الفقراء والمحتاجين.

ثانياً: التأفف من دخول شهر رمضان، وتمني ذهابه وسرعة زواله، وذلك لما يشعر به من ثقل الطاعة على نفسه والحدِّ من شهواتها، فلا يستشعر معنى التعبد وحلاوة الطاعة، وربما صام مجاراةً للناس وتقليداً وتبعية، فيكون بذلك قد حرم نفسه الاستفادة المثلى من هذا الشهر الكريم.

ثالثاً: عدم التفقه في أحكام الصيام وعدم السؤال عنها، فإن صوم رمضان فريضة وعبادة يجب على المسلم أن يعرف كيف يؤديها على الوجه الصحيح المقبول، فيعرف الأركان والواجبات والسنن والمكروهات والمفطرات. 

رابعاً: عدم تجنب المعاصي أثناء صيامهم، فتجد الصائم يتحرز من المفطرات الحسية كالأكل والشرب والجماع لكنه لا يتحرز من الغيبة والنميمة واللعن والسباب والنظر إلى المحرمات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.

خامساً: ترك بعض السنن ظنًّا بعدم شرعيتها حال الصيام، كترك المضمضة والاستنشاق؛ خوفاً من وصول الماء إلى الحلق، مع أن المنهيَّ عنه إنما هو المبالغة التي يخشى معها وصول الماء إلى الجوف، فعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) رواه الترمذي وغيره، ومثل ذلك ترك السواك بعد الزوال؛ تحرجاً من الإثم، مع أن الصحيح أن السواك مشروع للصائم قبل الزوال وبعده. 

سادساً: ومن هذا القبيل تحرج البعض من بلع الريق في نهار رمضان لظنه أنه إذا بلع بصاقه فقد فسد صومه، وهذا ليس بصحيح، إذ لم يثبت في الشرع أن بلع البصاق من المفطرات التي يبطل الصوم بها.

سابعاً: عدم تبييت النية لصيام الفرض من الليل أو قبل طلوع الفجر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) رواه النسائي، وفي رواية: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له). والمشروع من ذلك أن يبيت النية في نفسه من غير تلفظٍ بها. 

ثامناً: تعمد الأكل والشرب مع أذان الصبح أو بعده، والذي ينبغي على المسلم أن يحتاط لصومه، فيمسك بمجرد أن يسمع الأذان.

تاسعاً: تخصيص هذا الشهر بالطاعة والاستقامة دون غيره، فما أن ينقضي الشهر حتى يعود بعض الناس إلى ما كانوا قد اعتادوه من المعصية والمخالفات، وهو خطأ عظيم يدل على عدم إدراكهم لحقيقة شهر رمضان، وضعف تأثيره في نفوسهم، فإن رب الشهور واحد، والله جل وعلا حذر من معصيته ومخالفة أوامره ونواهيه في كل وقت، ولا يزال المرء يتقلب في منازل العبودية ومدارجها حتى يأتيه اليقين من ربه.

عاشراً: اتخاذ هذا الشهر فرصة للنوم والكسل في النهار وما يترتب عليه من إضاعة الصلوات أو تأخيرها عن وقتها، والسّهر في الليل على ما يسخط الله ويغضبه من لهو ولعب ومشاهدة القنوات، فتضيع بذلك على الإنسان أشرف الأوقات فيما لا فائدة فيه بل فيما يعود عليه بالضرر في العاجل والآجل.

حادي عشر: تحرج بعض الصائمين من أن يصبح جنباً وهو صائم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. 

ثاني عشر: سوء الخلق وسرعة الغضب والطيش في نهار رمضان بسبب الجوع وخلاء البطن، مع أن المفترض أن يهذب الصوم أخلاق الصّائم، ويضبط مشاعره وانفعالاته متمثلاً قول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (الصّوم جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ، أو شاتمه، فليقل: إني صائم) رواه البخاري ومسلم

ثالث عشر: ما يلاحظ في أول الشهر من كثرة المصلين والمقبلين على العبادة وقراءة القرآن، ثم لا يلبث أن يتسلل الفتور إليهم فيخبو هذا الحماس في آخر الشهر الذي يفترض أن يضاعف فيه الجهد لما للعشر الأواخر من مزية على غيرها، وقد كان صلى الله عليه وسلّم (إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضات شدَّ المئزر، وأحيا الليل، وأيقظ أهله) رواه ابن خزيمة في صحيحه.

45418 أخطاء في قراءة القرآن

المقال

القرآن الكريم كتاب الله المنـزل على سيد المرسلين، يستمد عظمته من عظمة المتكلم به، ومن مكانة المنزَّل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فلما كان القرآن بهذه العظمة لزم على من يقرأه أن يكون معظِّماً له في هيئته وحاله. ومعلوم أن الإقبال على قراءة القرآن يزداد في رمضان، بل إن بعض الناس لا يقرأ القرآن إلا في رمضان، وقد يقع بعض قارئي القرآن بأخطاء تتنافى مع آداب تلاوة القرآن، ومن هذه الأخطاء ما يلي:

أولاً: ظنُّ بعض الناس أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيسرع في قراءة القرآن بهدف إكمال أكبر عدد من الأجزاء والسور، دون مراعاة التدبر وأحكام التلاوة والترتيل، مع أن المقصود من قراءة القرآن إنما هو التدبر والوقوف عند معاني الآيات، وتحريك القلب بها، وقد قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال له ابن مسعود: "أهذًّا كهذِّ الشعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه نفع" رواه مسلم.

ثانياً: التفريط من بعض الناس في ختم القرآن خلال شهر رمضان، فربما مرَّ عليه الشهر دون أن يختم فيه القرآن مرة واحدة، وهذا بلا شك من التفريط في شهر القرآن، وهذا النوع مقابل للصنف الأول. 

ثالثاً: اجتماع بعض الناس على قراءة القرآن بطريقة معينة فيما يعرف بعادة "المساهر"، حيث يستأجرون قارئاً لهم، يقرأ عليهم من كتاب الله، ويجلس الناس من بعد صلاة التراويح إلى السحور في أحد البيوت، ويرفعون أصواتهم بعد قراءة القارئ لكل آية مرددين بعض عبارات الاستحسان والإعجاب، وهذا الاجتماع بهذه الطريقة بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه كذلك رفعاً للأصوات وتشويشاً ينافي الأدب مع كلام الله، ويفوت الخشوع والتدبر، ولأن يقرأ الإنسان وحده بتدبر وخشوع خير له من الاجتماع على الصياح الذي يفوت عليه ذلك. 

رابعاً: رفع الصوت بالتلاوة في المسجد بحيث يشوش على المصلين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: (ألا إن كلّكم مناجٍ ربَّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصّلاة) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأمور التي قد يتساهل فيها بعض من يجتمعون للتلاوة وتدارس القرآن، الضحك واللغط، وقطع القراءة للانشغال بأحاديث جانبية، والذي ينبغي الاستماع والإنصات، وتجنب كل ما يشغل ويقطع عن التّلاوة.

سادساً: عدم الالتزام بآداب التّلاوة من طهارة، وسواك، واستعاذة، وتحسين صوت، وغيرها من آداب التّلاوة المعروفة التي ينبغي أن يكون القارئ منها على بيّنة من أمره، وهو يتلو كلام الله جلّ وعلا.

43692 الأعذار المبيحة للفطر

المقال

رَفْعُ الحرج وعدم إلحاق الضرر والمشقة بالمُكَلَّف من المقاصد الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية، وتظافرت عليها أدلة الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (البقرة:185)، ويقول سبحانه: (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:28)، ويقول عز وجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج:78)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد، وفي رواية: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه البيهقي وغيره.

وقد قرر أهل العلم استناداً إلى هذه النصوص عدداً من القواعد الفقهية، التي تفيد رفع الحرج وإزالة الضرر والمشقة عن المكلف؛ من ذلك قولهم: "المشقة تجلب التيسير"، وقولهم: "الضرر مدفوع شرعاً"، وقولهم: "الأمر إذا ضاق اتسع"، ونحو ذلك مما أصَّله الفقهاء في قواعدهم الفقهية.  

وصيام رمضان وإنْ كان فرضاً على كل مُكَلَّف عاقل بالغ، إلا أن هناك بعض العوارض والأعذار التي قد تطرأ على المكلف، فتصرف عنه حكم الوجوب، ويباح له الفطر حينئذ، وربما وجب في حقه كما في حالات معينة، وهذه العوارض هي ما يُعرف بـ "رُخَص الفطر" أو "الأعذار المبيحة للفطر" ومنها:

أولاً: المرض
والمرض تغيُّر يطرأ على الإنسان يُخرجه عن طبيعته السوِّية، وهو من الأعذار المبيحة للفطر؛ لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، وضابط المرض المبيح للفطر هو المرض الذي يخاف معه الضرر والهلاك، أو يلحقه به مشقة شديدة تزيد في مرضه، أو تؤخر بُرْءه وشفاءه، فهذا هو الذي يجوز الفطر معه، ويقضي ما أفطره عند زوال عذره، أما المرض الذي لا يلحق الصائم معه ضرر أو مشقة، فلا يرخص له في الفطر.

ثانياً: الكِبَر 
الشيخ الكبير والمرأة العجوز يُرَخَّص لهما في الفطر، لعدم القدرة على الصيام، ولا قضاء عليهما إذا كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السنة، وعليهم أن يُطعموا عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)(البقرة:184)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا"، ومثلهما المريض مرضاً لا يرجى بُرْؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

ثالثاً: الحمل والرضاعة
اتفق الفقهاء على أنه يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على نفسيهما، أو ولديهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) رواه النسائي وغيره، ويجب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أُخَر، حين يتيسر لهما ذلك، ويجب التنبه هنا أن مجرد الحمل والرضاعة لا يبيحان الفطر في رمضان، وإنما الذي يبيح الفطر هو خوف الحامل والمرضع على نفسها أو ولدها.

رابعاً: السفر
المسافر إذا لم يقصد بسفره التحَيُّل على الفطر، فإنه يرخص له فيه، لقول الله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم)، والسفر المبيح للفطر هو السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة الرباعية، ويجب عليه القضاء بعد ذلك، وهو مُخَيَّر في سفره بين الصوم والفطر، لقول أنس رضي الله عنه كما في "الصحيحين": (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فلم يعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، وأن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسن).

خامساً: دفع ضرورة
يرخص الفطر - وربما يجب - لدفع ضرورة نازلة، كإنقاذ غريق، أو إخماد حريق، ونحو ذلك، إذا لم يستطع الصائم دَفْع ذلك إلا بالفطر، ويلزمه قضاء ما أفطره، ودليل ذلك عموم الأدلة التي تفيد رفع الحرج، ودفع الضرر، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومثله ما لو احتاج إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله، وقتال العدو، فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العدو، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "سافَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ ونحنْ صيام، فنَزلْنا منْزلاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم) فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: (إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا) وكانت عَزَمَة، فأفطرنا".

هذه هي أهم الأعذار المبيحة للفطر شرعها الرؤوف الرحيم بعباده؛ رفعاً للحرج والعنت عن العِباد، ودفعاً للضرر والمشقة عنهم، منها ما يُلْزم صاحبها بقضاء الأيام التي أفطرها كما في حق المسافر، والمرضع، والحامل، والمريض مرضاً يُرجى شفاؤه، ومنها ما لا يلزمه قضاء تلك الأيام كما في حق الكبير، والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه، وإنما تلزمهم الفدية فحسب، وهي إطعام مسكين عن كل يوم أفطروه، وأما الفطر في رمضان من غير عذر، فهو من كبائر الذنوب، التي ورد الوعيد الشديد تجاه مرتكبها.  

197866 رمضان وتجديد الذات

المقال

رمضان محطة سنوية تؤثر في النفس تأثيرا بالغا، حيث تنتعش بدواخلنا القوى الروحية، وتنقمع القوى الشهوانية، فضلا عن التحكم الفريد في رغبات الفرد بتأثير الصوم الذي يقوي العزائم ويجمح المثالب.

وفي رمضان يكون القرب أكثر من الله تعالى ويحلو الصيام والقيام والدعاء والتضرع والخشية والاستكانة وإطعام الطعام والصدقة .. والكثير مما يطول ذكره ويصعب حصره من معالم البر والخير.

ورمضان شهر التضامن الاجتماعي باقتدار حيث يستشعر الغني فقر الفقير، وتملأ جنبات نفسه السعادة وهو يمد يد العون لأخيه المحتاج: صدقة وزكاة وعطفا وصلة .. فتتصالح النفوس مع ذواتها ومع بعضها البعض في منظومة إيمانية بديعة لا تجد لها مثيلا إلا في روضة الإسلام الغناء.

وفي رمضان يجد المسلم نفسه ملازما جادة الإيمان، مندفعا مع الوفود الإيمانيه نحو نفحات الله تعالى ورحماته ومنحه التي لا تحصى ولا تعد، فهو بين منح المغفرة للصائم والدعوات المستجابة عند إفطاره وليلة القدر التي تجمع له طاعة 83 عاما أو يزيد، فضلا عن غل الشياطين وغلق أبواب الجحيم وزلفى الجنة من الطائعين، وكفى المؤمن شرفا أن خلوف فمه وهو صائم أطيب عند الله من ريح المسك.. إن المسلم في رمضان بالفعل يتغير، وتأخذ حياته صبغة نورانية جميلة، وتعزف نفسه عن المعصية عزوف الملائكة عنها.

يقول ابن عاشور: "حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردا فردا؛ إذ منها يتكون المجتمع. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].

لعلكم تتقون
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183).
أي ليعدكم به "للتقوى" التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لما في الصيام من مراقبة الله تعالى. أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم.

والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجبا لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان: قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية. وفي الحديث الصحيح: (الصوم جُنة) رواه النسائي. أي وقاية، ولما ترك ذكر متعلق جنة تعين حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم، ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات.

الخطة الرمضانية
- خير بداية لرمضان تكون بتطهير المحل، ونقصد به نقاوة القلوب لإقبالها على علام الغيوب، بتقديم التوبة الصادقة والتقلل من أدران الذنوب، فعائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: إنك لن تلقى الله بشيء خير من قلة الذنوب، فمن سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف نفسه عن كثرة الذنوب.

- أيام رمضان شأن سائر الأيام تمر سراعا، بل ربما هي أسرع من غيرها، وهذا يتطلب عزيمة صادقة وهمة عالية في ترتيب الأوقات واغتنام النفحات -وما أكثرها في شهر البركات- وترتيب الوقت في هذا الشهر الكريم من أهم مفاتيح جني الثمرات، وذلك برصد أوقات محددة لكل عبادة حسب ما تسمح به الأحوال، والحذر من لصوص الوقت من الرفقاء والثقلاء والطفيليين، قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}(الأنعام:70)، مع الحذر أيضا من آفات الكسل والتسويف، وشغل النفس بأمور يمكن تداركها بعد فوات الشهر الكريم، والانشغال بالمهم عن الأهم.
قال أبو بكر الوراق: استعن على سيرك إلى الله بترك من شغلك عن الله عز وجل، وليس بشاغل يشغلك عن الله عز وجل كنفسك التي هي بين جنبيك.
وقال الحسن: من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.

- مما ينبغي الاهتمام به في شهر الخير هو تجميل العبادة وتزينها واستشعار أنها ستهدى لله عز وجل فلابد أن تكون على أحسن حال وأجمله وأطيبه، وهذا لا يتأتى إلا بمزيج من الإخلاص والبعد عن شوائب الرياء، والإكثار من قربات السر فإنها تقع من الله بمكان، مع معايشة وتدبر كل آية تمر عليها بين دفتي المصحف، وإدمان الذكر على كل حال، وتحري أوقات الدعاء المستجابة (أثناء الصوم، عند الفطر، بين الأذان والإقامة، وقت السحر، ليلة القدر ... ).

- تفطن لدقيق العبادات التي لا يلحظها إلا الراسخون في العلم وأصحاب الهمم العالية، ومنها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة) رواه أهل السنن. ومنها تكرار ختمات القرآن اقتداء بالحبيب -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة الكرام، فقد كان أبو رجاء العطاردي يختم في كل عشر، وكان قتادة يختم في كل سبع دوماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر كل ليلة. وكان الأسود النخعي يختم في كل ليلتين.
قال ابن رجب: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، على المداومة على ذلك. فأما في الأوقات الفاضلة، كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة شرفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناماً للزمان والمكان".

ومنها أيضا التبكير للصلوات، والجلوس بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة) رواه الترمذي.

- رمضان شهر تربوي، حيوي، تفاعلي، تلاحمي .. فما أجمل أن تتعدى القربات إلى من حولك، صدقة على المحتاج وصلة للأقرباء وإعانة للضعفاء .. وسائر وجوه البر والتكافل الاجتماعي، ففي كل هذا تآلف لأواصر المحبة وتناغم المجتمع في بوتقة الإيمان حيث تزول بيننا أدران الحقد والغل والحسد وسائر المهلكات.
قال مالك بن دينار: إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار لتغلي قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله.

وهذا الإيمان العملي من شأنه أن يجسد المنهج الإسلامي واقعا فعليا بيننا، ولا يكون نصيبا منه إلا شعارات وخطب رنانة ليس لها من أرض الواقع نصيب، ونصير -بحسن سلوكنا- رسل دعوة نحبب الناس في الدين، فيمد الغني يد العون للفقير، ويساعد القوي الضعيف، ولا يضيع بيننا يتيم ولا أرملة ولا مسكين، وهذا عين رضا رب العالمين، وإذا رضي الرب على قوم فانتظر الخير الجزيل.

- يا حبذا رمضان بإنسان مختلف وهمة متميزة، لتجنيد الطاقات، وتعبئة الإرادات، وتقوية العزائم، وشحذ الهمم، وإذكاء البواعث، ومن أهم الأفكار العملية في هذا الصدد: 
* تكوين فرق عمل في الحي لجمع البيانات عن محتاجي التبرعات والزكوات في المنطقة القاطنة، ومن ثم التشارك في جمع التبرعات وإعداد الحقيبة الرمضانية العامرة بشتى المأكولات وتوزيعها في بداية الشهر الكريم على مستحقيها من فقراء الحي، ومن فطر صائما فله مثل أجره، وفي نهاية الشهر نتشارك في لجان جمع زكاة الفطر وتوزيعها على أصحابها.

* التشارك في عمل لوحات رمضانية جذابة عن فضائل الصوم تشمل الآيات والأحاديث النبوية المرغبة فيه وتعليقها على قارعة الطرق وفي مداخل العمارات. أيضا شراء الكتيبات والمطويات الرمضانية وتوزيعها على الأقارب والأحباب والجيران.

* كن رسول خيرٍ اقتداء بالحبيب -صلى الله عليه وسلم- ولا تدع المناشط الدعوية تفوتك، وما أجمل أن تصطحب صديقا لك رقيق الدين إلى درس العصر أو صلاة ترويح، مستغلا وجاهتك عنده وعلاقتك الطيبة به مع أسلوبك المقنع في جذبة إلى الرحاب الرمضانية، ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم، والدال على الخير كفاعله، وبذلك تنال الأجر مرتين، وما أروع أن يكون رمضانك رمضانين بل رمضانات عديدة..

 

198142 من مقاصد الصيام

المقال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فإن الله تعالى لم يفترض الصوم على عباده ليعذبهم به، ولا لنفع يعود عليه من جراء صومهم، فهو سبحانه الغني عن عباده وعن عبادتهم، وإنما افترض عليهم ذلك لنفعهم في معاشهم ومعادهم، وفي دنياهم وفي أخراهم، وفي نفوسهم وفي أبدانهم، وفي أخلاقهم وفي دينهم.. ومن تدبر مقاصد الصوم وجد من هذه المصالح ما يفوق الوصف ويتخطى العد والحصر..

فالصيام (كما يقول ابن القيم): "هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من سائر الأعمال، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه.. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوار الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من صحتها. والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى".

ويمكن جمع فوائد الصيام في خمس فوائد رئيسية تحمل بين طياتها ما هو أعظم من مجرد عناوينها.. فمن ذلك:
أولا: تحصين الصائم من الأخلاط الرديئة:
فالصوم يحفظ على العبد قوته، ويحميه من ورود الأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)(صحيح الجامع 5674).
وقد قيل: إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
ثلاث مهلكات للأنام .... ... ومدعاة الصحيح إلى السقام
دوام مدامة ودوام وطء .. .. وإدخال الطعام على طعام.

ثانيا: يصون من الأخلاق الرذيلة:
فإن الإنسان إذا شبع تحركت شهوته، وسع للشيطان مجاريه، فتحكم فيه وقاده إلى المعاصي والأشر والبطر والمفاسد، فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء، ولنا في أبينا آدم عبرة. قال القرطبي: "كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي".
فإذا شبعت النفس استأسدت على صاحبها وعصت وعتت وطغت، وإذا صامت جاعت فضعفت وسكنت وصفت ورقت وهدأت. فمن صام فهو في جنة من كل سوء، وحفظ من كل فحش، ووقاية من كل مهلك.. كما في الصحيحين: (الصوم جنة)، وفيهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.

فالصوم يحفظ على العبد جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
إذا لم يكن في السمع مني تصاون .. .. وفي نظر غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صوم الجوع والظما .. .. وإن قلت إني صمت يوما فما صمت
وفي المسند وصحيح البخاري عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

ثالثا: ضبط الإرادة والتحكم في النفس:
فلا يقود الصائم طمع، ولا يستفزه غضب، ولا شبهة تضله ولا شهوة تذله، ومن بلغ هذا فهو الرجل حقا كما في الصحيحين: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
وفي صحيح مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم).
فالصائم إذا ثارت شهوته ضبطها، وإن تحرك هواه أسكنه وألجمه بلجام التقوى والورع، أما غير الصائم فهو منقاد لشهوته خادم لهواه.
رب مفتون سبته شهــوته .. .. فتعرى ستره فانهتكا
صاحب بالشهوة عبد فإذا .. .. ملك الشهوة أضحى ملكا.

رابعا: تحصيل التقوى:
وهي مقصود العبادة وثمرة الطاعة عامة؛ كما قال جل ذكره {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:21)
وهي أيضا من أعظم مقاصد الصوم خاصة، فالصيام من أكبر أسباب تحصيلها، بل إن من صام الصيام الحق على الوجه الذي بينه رسول الصدق لا بد وأن يحصل التقوى لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)
ألا إنما التقوى هي العز والكرم .. .. وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة .. .. إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

خامسا : الوصول إلى درجة الإحسان:
وهي أعلى مراتب الدين كما في حديث جبريل الشهير: قال: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) متفق عليه..
فالصائم صومه كله مراقبة، وإلا فما بال الإنسان يمر على الطعام وهو في أشد حالات الجوع، ويمر على الماء وهو يكاد يهلك من العطش ولا يراه أحد من الناس، فما يمنعه من الأكل أو الشرب إلا أنه يعلم أن الله مطلع عليه ويراه، فهو يعيش مع الله ويتعامل معه بالمشاهدة.. فهل هناك مراقبة أو إحسان أعلى من هذا؟

الإخلاص.. الصوم لي:
ومن أجل هذا كله كان الصوم عبادة الله الخالصة فنسبه إلى نفسه من دون سواه، وإن كانت الأعمال كلها في الأصل له، لكن للصوم خصيصة في الإخلاص لا تكون في غيره كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
قال الإمام ابن حجر في الفتح والإمام النووي في شرح صحيح مسلم ما معناه: "لأنه أبعد من الرياء فيكون بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه".

فهذه بعض مقاصد الصيام وفوائده ومنافعه، تجمع تحتها الكثير مما لم أذكره، وفوائد الصيام أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.. فاللهم انفعنا بالصيام والقيام، وحقق فينا مقاصده ومنافعه، وتقبل منا صالح الأعمال، واغفر ذنوبنا، وأعتق رقابنا من النار.. آمين.

135235 هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

المقال

لم يكن حال النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان كحاله في غيره من الشهور، فقد كان برنامجه صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر مليئاً بالطاعات والقربات، وذلك لعلمه بما لهذه الأيام والليالي من فضيلة خصها الله بها وميزها عن سائر أيام العام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه، إلا أنه أشد الأمة اجتهادا في عبادة ربه وقيامه بحقه.

وسنقف في هذه السطور مع شيء من هديه عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان المبارك حتى يكون دافعاً للهمم، ومحفزاً للعزائم أن تقتدي بنبيها عليه الصلاة والسلام، وتلتمس هديه.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر في هذا الشهر من أنواع العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان عليه الصلاة والسلام -إذا لقيه جبْريل- أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن، والصلاة والذكر والاعتكاف.

وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما لا يخص غيره من الشهور، حتى إنه ربما واصل الصيام يومين أو ثلاثة ليتفرغ للعبادة، وينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: إنك تواصل، فيقول: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) أخرجاه في "الصحيحين".

وكان عليه الصلاة والسلام يحث على السحور، وصح عنه أنه قال: (تسحروا، فإن في السحور بركة) متفق عليه، وكان من هديه تعجيل الفطر، وتأخير السحور، فأما الفطر فقد ثبت عنه من قوله ومن فعله أنه كان يعجل الإفطار بعد غروب الشمس وقبل أن يصلي المغرب، وكان يقول كما في الصحيح: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) وكان يفطر على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء، وأما السحور فكان يؤخره حتى ما يكون بين سَحوره وبين صلاة الفجر إلا وقت يسير، قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.

وكان يدعو عند فطره بخيري الدنيا والآخرة.

وكان صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل أزواجه وهو صائم، ولا يمتنع من مباشرتهن من غير جماع، وربما جامع أهله بالليل فأدركه الفجر وهو جُنب، فيغتسل ويصوم ذلك اليوم.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يدَع الجهاد في رمضان، بل إن المعارك الكبرى قادها صلى الله عليه وسلم في رمضان، ومنها بدر، وفتح مكة، حتى سمي رمضان شهر الجهاد.

وكان يصوم في سفره تارة، ويفطر أخرى، وربما خيَّر أصحابه بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم؛ ليتقووا على قتاله، وفي "صحيح مسلم" عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: كنا في سفر في يوم شديد الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. وخرج عام الفتح إلى مكة في شهر رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) رواه مسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ليجتمع قلبه على ربه عز وجل، وليتفرغ لذكره ومناجاته، وفي العام الذي قُبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوماً.

وكان إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد مئزره مجتهداً ومثابراً على العبادة والذكر.

هذا هو هديه صلى الله عليه وسلم، وتلك هي طريقته وسنته، فما أحوجنا -أخي الصائم- إلى الاقتداء بنبينا، والتأسي به في عبادته وتقربه، والعبد وإن لم يبلغ مبلغه، فليقارب وليسدد، وليعلم أن النجاة في اتباعه والاقتداء به، والفلاح في السير على طريقه وهديه.

227635 رمضان.. ولزوم التوبة

المقال

رمَضانُ أقبلَ قُم بنا يا صاحِ هذا أوانُ تبتُّلٍ وصلاحِ
واغنَمْ ثوابَ صيامه وقيامِه تَسعَدْ بخيرٍ دائم وفَلاحِ

ها هي الشهور قد توالت متتابعات، وها هي الأيام قد انفرطت مسرعات تؤذننا بقرب دخول شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والبركات.

وقد اتفقت كلمة الأمة على أن رمضان أعظم موسم خير وأكبر نفحة يهبها الله للمسلمين، فإذا كان الأمر كذلك.. وجب على كل مسلم ألا يتعامل مع رمضان كتعامله مع بقية الشهور، ولا مع أيامه تعامله مع بقية الأيام، لأن التعامل مع الأمور المتفاوتة نفس التعامل دليل قلة عقل وعدم فهم، وسوء تقدير للأمور، ووضع لها في غير موضعها.

إن بلوغ رمضان نعمة كبرى وإنما يقدرها حق قدرها الصالحون المشمرون، فإذا كان الله قد من عليك ببلوغه ومد في عمرك للوصول إليه، فالواجب استشعار هذه النعمة واغتنام هذه الفرصة فإنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، وخسارة ما بعدها خسارة.

شهر المغفرة
وأعظم الحسرات على الإطلاق أن يخرج الإنسان من رمضان دون أن يُغفر له، فإن من أعظم ما وُصف به رمضان أنه شهر التوبة وشهر المغفرة، وكأن الله اختاره لهذه الأمة ليغفر لها ويتوب عليها؛ فكل ما فيه من أسباب المغفرة:
كما جاء عن المعصوم عليه الصلاة والسلام:
ـ (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
ـ (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)..
ثم إذا كانت آخر ليلة من رمضان أعتق الله بعدد ما أعتق في رمضان كله.

فإذا حُرِم العبد المغفرة بعد كل هذا فمتى يرتجي حصولها، وفي أي وقت يصبح من أهلها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. ففي أي وقت يستنير ويزهر؟
قَالَ عليه الصلاة والسلام: (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ).
وكيف لا يبعده الله وكل شيء في رمضان مهيأ لتوبته وأوبته، وتسهيل عودته وعبادته، وليس موسم في السنة أجدر بالتوبة منه؟!

غير أن من أراد تحصيل التوبة في رمضان فعليه السعي في طلبها، وبذل الوسع في تحصيلها، وإعطاء المجهود من نفسه ليرى الله منه رغبة في الطلب وسعيا فيمن عليه.

وأول طريق تحصيل العفو والمغفرة في رمضان هو التوبة قبل رمضان؛ وذلك أن رمضان مضمار سباق كما قال الحسن البصري: "إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا".
وكل مسلم مندوب للدخول في المضمار، والاشتراك في هذا السباق، وإنما يتخلف عنه كل مخذول غير موفق. غير أن من أراد أن يكون من أهل السبق وأصحاب المنافسة على المراكز الأولى، ونيل مغفرة الله وعفوه، وأن يكون من الفائزين؛ فلابد له من تخفيف حمله بتوبة صادقة، إذ لا يمكن أن يفوز أحد في سباق وقد حمل على ظهره حملا ثقيلا وحجرا كبيرا، لأن هذا الثقل يمنعه من الخفة، ويحرمه من المنافسة. وإن أثقل الأحمال حمل الذنوب والمعاصي؛ فإنها والله تنهك البدن وتتعبه، وتنقض الظهر حتى تكاد تكسره، قال تعالى: {ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك}(الشرح:2، 3).
فالذنوب تمنع صاحبها من الخفة إلى الطاعات ويحرم من المسارعة إلى الخيرات.

والذنوب حجاب بين العبد وبين الله: فهي توجب الحرمان، وتعقب الخذلان، وتمنع صاحبها عن السير إلى طاعة الرحمن. فالقلب المتلطخ بالأقذار، الممتلئ بالأوزار، لا يصلح للقرب من ساحة الطهر ساحة العزيز الغفار، فإنها ساحة الطيب والنقاء ولا يصلح لها إلا قلب طيب تقي نقي (فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).
قال بعض الصالحين: "حُرِمْتُ قيام الليل سنة بذنبٍ عملته".
وعندما قيل للحسن لا نستطيع قيام الليل، قال: "قيدتكم خطاياكم".
وقال الفضيل: "إذا كنت لا تستطيع قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محبوس قد قيدتك ذنوبك".

والذنوب تفسد القلب وتظلمه: قال عليه الصلاة والسلام: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرً، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) رواه مسلم.
فبين أن الذنوب تذهب ببصيرة العبد، فلا يرى الحق حقا، ولا الباطل باطلا، ولا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه.

والذنوب قسوة للقلب: ففي الحديث: (وإن أبعد الناس من الله صاحب القلب القاسي)، وكلما قسى القلب جفا العبادة واستثقل القرب، وألف الغفلة والبعد، فإن تكلف العبادة لم يجد لها لذة ولا بهجة، ولا حلاوة ولا أنس ولا صفوة، وإنما بكد يحمل على سرعة الفرار وعدم الاستمرار.

والذنوب تسبب الوحشة فيما بين العبد وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله، وهذا الأخير يمنع العبد من كثير من الأعمال الطيبة. فكلما أراد أن يرفع يديه ويدعو ربه، حالت تلك الوحشة بينه وبين الدعاء، وإذا خلا فأراد أن يقوم يصلي حجبته الوحشة عن القيام للصلاة، وإذا تفرد بنفسه عن الناس وأراد أن يذكر ربه ويستغفر لذنبه، حالت بينه وبين ذلك تلك الوحشة؛ فيقوم يبحث عن إنسان يأنس به ليهرب من هذه الوحشة إذ أنسه بالناس لا بالله.
فلا علاج لكل ذلك إلا بالتوبة النصوح المستلزمة لشروطها، المصحوبة برد الحقوق إلى أهلها، والمصاحبة للافتقار وإظهار الفاقة والحاجة إلى العزيز الغفار، ولابد من إظهار الرغبة بحسن الدعاء، ودوام الاستغفار، وكثرة الإلحاح، والتضرع إلى الله بالقبول، وأن يجعلك ممن تقبل توبتهم قبل رمضان، وأن يكتبك في آخره في ديوان العتقاء من النار..

وعلامة الصدق: كثرة الإلحاح، ودوام الطلب، وكثرة الاستغفار.
فارفع يديك إليه وناجه وتوسل إليه.
يا من يرى ما في الضمير ويسمع .. أنت المعـــد لكـل مـا يتوقـع
يا مـــن يرجّـــى للشــدائد كـــلها .. يا من إليه المشتكى والمفـزع
يا من خزائن فضـله في قول كن .. امنن فإن الخير عندك أجـمع
مالي ســـوى فقـري إليك وســيلة .. فبالافتــقــار إليك فقـري أدفع
مالي ــسوى قرعـي لبابك حــيلة .. فـإذا رددت فــأي باب أقــرع
ومن الذي أرجو وأهتف باسمه.. إن كان جودك عن فقيرك يمنع
حاشـا لفضلك أن تقنـط راجيا .. الجود أجـزل والمـواهب أوســع

فـ {فسارعوا إلى مغفرة من ربكم}(آل عمران:133)، {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31).

اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا فيه توبة نصوحا تغفر لنا بها ما فات، وتصلح لنا بها ما هو آت، وتكتبنا بها من أهل الجنات.. آمين.

44348 عمرة في رمضان تعدل حجّة!

المقال

دعا الله عباده إلى الاستباق في الخيرات، والمسارعة إلى القربات طلبًا لثوابه ومغفرته، فقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا) (المائدة:48)، وقال جلّ وعلا: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)(آل عمران:133). 

ومن أعظم ميادين المنافسة والمسابقة إلى الخيرات قَصْدُ بيت الله الحرام لأداء العمرة، لما في ذلك من الأجر العظيم، وتكفير الخطايا والسّيئات، قال صلّى الله عليه وسلّم: (العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما) متفق عليه، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (تابعوا بين الحج والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب, كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه أحمد وغيره.

والعمرة في رمضان لها مزية ليست في غيره، فقد جاء الترغيب فيها، وبيان فضلها وثوابها، وأنها تعدل حجة في الأجر والثواب، ففي "الصحيحين" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية حين لم يكتب لها الحج معه: (فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي). وفي رواية عند أحمد والترمذي: (عمرة في رمضان تعدل حجة).

وعلى هذا درج السلف الصالح فكان من هديهم الاعتمار في رمضان كما ثبت عن سعيد بن جبير ومجاهد "أنهما كانا يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة"، وروي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: "خرجت أنا وعطاء في رمضان، فأحرمنا من الجعرانة". 

وهو ما يفسر لنا سر تنافس المسلمين في هذا الشهر الكريم في هذه الطاعة، وتسابقهم إلى بيت الله الحرام لأداء هذه الشعيرة، وكأنك بهذا المشهد العظيم في موسم حج كبير.

لذا كان لا بد من التذكير بشيء من أحكام العمرة، وبيان صفتها وأعمالها، وهي على وجه الإجمال: إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير.

فإذا أراد المسلم العمرة فإنه يسُنَّ له أن يغتسل ويتطيب، ثم يلبس ملابس الإحرام، بعد أن يتجرد من لبس المخيط، كالسراويل ونحوه.

ويسنُّ للرّجل أن يلبس إزارًا ورداء، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب، بشرط أن تكون ساترة لا زينة فيها؛ ويحرم عليها لبس النقاب، لكن إذا مر بها الرجال، أسدلت على وجهها ما تستره به، كما يحرم عليها لبس القفازين.

ثم يصلّي المعتمر ركعتين استحباباً، ينوي بهما سنة الوضوء، وليس هناك صلاة خاصة للإحرام ؛ فإذا فرغ من الصلاة أحرم ملبيًا، فيقول: لبيك عمرة، ثم يشرع في التلبية، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

وينبغي للمحرم الإكثار من التلبية، لأنها الشعار القولي لهذا النسك، خاصة عند تغير الأحوال والأزمان، كأن يعلو مرتفعاً أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل ويدبر النهار، ونحو ذلك ؛ ويستمر في التلبية إلى أن يشرع في الطواف.

فإذا وصل إلى المسجد الحرام قدم رجله اليمنى قائلاً: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مستحضراً نعمة الله عليه وفضله بتيسير الوصول إلى بيته الحرام.

ثم يتقدم نحو الحجر الأسود مبتدئا طوافه منه، فيستلمه ويقبله إن استطاع، وإلا أشار إليه من بعيد بيده اليمنى قائلاً: "بسم الله، الله أكبر"، ولا يزاحم غيره للوصول إليه، ويطوف سبعة أشواط بطهارة، مبتدئًا بالحجر الأسود ومنتهيًا إليه، مكبراً مع بداية كل شوط، ويُسن استلام الركن اليماني في كل شوط -وهو الركن الذي يسبق الحجر الأسود- إن تيسر له ذلك، ولا يشرع تقبيله، ولا الإشارة إليه عند تعذر استلامه؛ ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201).

ويقول في طوافه ما تيسر من ذكر ودعاء وقراءة قرآن، وليس هناك دعاء أو ذكر مخصص لكل شوط.

والسُّنَّة في هذا الطواف أن يضطبع في جميع الأشواط، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه؛ والاضطباع: أن يبرز كتفه الأيمن، فيجعل وسط ردائه تحت إبطه، وطرفيه على كتفه الأيسر، والرَّمَل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا؛ فإذا تمت الأشواط السبعة تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (البقرة:125)، ثم يصلى ركعتين خلف المقام، إن تيسر، وإلا ففي أي مكان من المسجد.

ثم يتوجه بعد ذلك إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا، قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158)، ثم يصعد على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه ويدعو بما شاء ؛ وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، يكرر ذلك ثلاث مرات، ويدعو بينها.

ثم ينزل من الصفا متجهاً إلى المروة، ويسرع بين الميلين الأخضرين، من غير أن يزاحم غيره، فإذا وصل إلى المروة صعد واستقبل القبلة ورفع يديه، وقال ما قاله على الصفا، غير أنه لا يقرأ (إن الصّفا والمروة) مرة أخرى. 


وبذلك يكون قد أنهى شوطًا من أشواط السعي السبعة. 

ثم ينزل عائداً إلى الصفا، ماشياً في موضع المشي، مسرعاً في موضع الإسراع وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، مبتدأً بالصفا منتهياً بالمروة.

فإذا أتم السعي حلق رأسه أو قصره، والحلق أفضل، وهذا في حق الرجل، أما المرأة فتقصر ولا تحلق، وتقصيرها يكون بأخذ قدر أٌنملة من أطراف شعرها.

وبالحلق أو التقصير، تكون قد تمت أعمال العمرة، ويكون المعتمر قد تحلل من إحرامه، وحلَّ له ما كان محرمًا عليه من قبل من محظورات الإحرام.

وختاماً: ينبغي على المسلم أن لا يضيع هذه الفرصة، وأن يغتنم شرف الزمان والمكان، فيكثر من نوافل العبادات والطاعات، وخصوصاً في هذا الشهر المبارك، وفي هذا المكان المبارك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه) رواه أحمد، وليحذر كل الحذر من أي مخالفة أو معصية قد تذهب بأجره، ويعود معها محملاً بالأوزار والآثام، فكما أن الحسنة تضاعف في هذا المكان، فإن السّيئة فيه ليست كالسّيئة في غيره، وقد قال سبحانه: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (الحج:25)، وفي الحديث: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة...وذكر منهم: ملحد في الحرم) رواه البخاري.

205450 من عادات الصالحين وعباداتهم في رمضان

المقال

لم يزل رمضان ذلكم الضيف الكريم الذي يُنتظر على مدى العام تستشرف النفوس للقائه، وتعم الأكوان مظاهر البهجة والفرح بقدومه، وتتنوع مظاهر هذا الاحتفاء وهاتيكم البهجة إلى ما شاء الله لها أن تبلغ من التعداد والتنوع؛ مما يعبر عن الانفعال النفسي الجياش في الذائقة الإسلامية بقدوم هذا الشهر الميمون، ولا غرو فهو من مواسم الخير التي يفتح الله فيها أبواب رحماته لتتنزل خيراته تترى على عباده، وليغمرهم بفضائل جوده وسبائك إنعامه، ومن خلال هذه السياحة السريعة سنقف عند محطات بارزة من خط سير الصالحين، ودأبهم في هذا الشهر الكريم، مما اتخذوه عادة من خصال الخير وأفعال البر يداومون على فعله كلما أعاد الله عليهم أيام هذا الشهر وأوقاته، نستقري تلك المواقف من مصادر تاريخنا المعتمدة لنتأسى ببعض ما كانوا عليه من استثمار لحظات هذا الشهر الكريم وأوقاته في التصدي لنفحات الله والتعرض لمواسم جوده .

من صور تلك المواقف التي حفظ لنا التاريخ اللقطات التالية:
• كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولي عثمان رضي الله عنه أقر ذلك وزاده، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، والمعتكفين، وأبناء السبيل، والفقراء، والمساكين.
• كان الأسود النخعي صوَّاما قوَّاما حجاجا وكان يختم القرآن في كل ست ليال فإذا كان رمضان ختَمَهُ ختمةً في كل ليلتين.
• كان ثابت البنانى يختم القرآن فى كل يوم وليلة من شهر رمضان.

• تواتر عن الإمام الشافعي أنه كان يخْتم القرآن فِي كل يَوْم ختمة فَإِذا كَانَ رَمَضَان قَرَأَ بِالنَّهَارِ ختمة وبالليل أُخْرَى.
• روي عن أبي بكر بن الحداد المعروف بالفضل والدين والاجتهاد في العبادة أنه قال: أخذت نفسي بما رواه الربيع، عن الشافعي، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة.
• كان حماد بن أبي سليمان يُفطِّر في كل ليلة من شهر رمضان خمسين إنسانا، فإذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا.

• كان السلطان ألْب أرسلان فِي أواخر أيام دولته من أعدل الناس، وأحسنهم سيرة، وأرغبهم فِي الجهاد وَفِي نصرة الدين، وكان يتصدَّق فِي كل رمضان بأربعة آلاف دينار ببلْخ، ومرْو، وهَراة، ونَيْسابور، ويتصدق بحضرته بعشرة آلاف دينار .
• الشَّيْخ المفتي الفقيه، الإِمَام كمال الدّين المَغَربيّ، الشّافعيّ، أحد كبار فُقهاء الشام كان فِي كلّ رمضان ينسخ ختْمة كاملة من القرآن ثم يُوقِفُها احتسابا وطلبا للأجر.
• كان الصاحب بن عباد جوادا كريما لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائنا من كان فيخرج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها وكانت هداياه وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة.

• كان العلامة المفسر قاضي حلب والقسطنطينية عصام الدين أبو الخير المعروف بطاشكبرى زاده ذا خط مليح وضبط صحيح، وكان مدرسا بمدارس الدولة العثمانية، فكان من عادته أن يدعو طلبته للإفطار عنده في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، وكان يقول: إني منذ توليت التدريس جعلت لنفسي عادة وهي أن أكتب في كل سنة نسخة من تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وأبيعها بثلاثة آلاف درهم وأنفق ذلك المبلغ على طعام الطلبة في ليالي رمضان.
• القائد سرور الزبيدي وزير دولة آل نجاح باليمن كانت نفقاته وصدقاته تتسع في رمضان اتساعا يجاوز الحد والوصف؛ بحيث كانت وظيفة مطبخه في كل يوم من رمضان تبلغ ألف دينار؛ بمعنى أنه ينفق في كل رمضان أكثر من 30000 دينار على إطعام الصائمين، علما بأن مجموع رواتب موظفي قصره وعماله وأعيان دولته في كل سنة لم يكن يتخطى 20000 دينار.

هذه بعض الأمثلة لما كان عليه أسلافنا من اهتمام بهذا الشهر الفضيل واغتنام لساعاته ولحظاته، وتتبع هذا النوع من الأمثلة والنماذج يطول، لكن لعل القاريء يلحظ أن جميع ما تقدم ـ من زيادة بذل الخير في هذا الشهر المعظم أو الاجتهاد في زيادة الحصة  اليومية  من قراءة القرآن فيه - قدوتهم فيه النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حيث يلقاه جبريل عليه السلام في كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه القرآن فإذا لقيه جِبريل عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.
قال ابن الجوزي: "وإنما كثر جوده عليه السلام في رمضان لخمسة أشياء: أحدها: أنه شهر فاضل، وثواب الصدقة يتضاعف فيه، وكذلك العبادات، قال الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره. والثاني: أنه شهر الصوم، فإعطاء الناس إعانة لهم على الفطر والسحور، والثالث: أن إنعام الحق يكثر فيه، فقد جاء في الحديث: أنه يزاد فيه رزق المؤمن، وأنه يعتق فيه كل يوم ألف عتيق من النار، فأحب الرسول أن يوافق ربه عز وجل في الكرم، والرابع: أن كثرة الجود كالشكر لترداد جبريل إليه في كل ليلة. والخامس: أنه لما كان يدارسه القرآن في كل ليلة من رمضان زادت معاينته الآخرة، فأخرج ما في يديه من الدنيا"..

وإذا ما ختمنا بنظرة تحليلية عن الأمثلة التي ذكرنا فسنجد أن فيها نقطتين هامتين:
الأولى: أن المسلمين على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم وأشغالهم يستثمرون أوقات الشهر المبارك ويستفيدون من لحظاته؛ فالعلماء ينصرفون لقراءة القرآن وتدبر معانيه ولاجتهاد في زيادة الحصة اليومية من قراءته، وأهل المال والإمارة يوظفون إمكاناتهم لخدمة الصائمين وإفطارهم والرعاية بهم..

الثانية: أن أصفياء هذه الأمة وصالحيها كانوا يعدون لهذا الموسم عدته، فلم يكونوا يقبلوا بأن تكون نوافلهم وطاعاتهم في رمضان مساوية لما تكون عليه في سائر الشهور، بل إننا لنلحظ في أعمالهم أن هممهم تطمح لأن تكون عباداتهم في هذا الشهر مساوية أو تزيد على الأحد عشر شهرا الباقية من العام.

وهكذا كان دأب  الصالحين من أمتنا وديدن الأخيار من عباد شريعتنا، فلنقتد بهم حين عزت القدوة الصالحة، ولنسلك طريقهم علنا نرد الحوض على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير مغيرين ولا مبدلين ... اللهم آمين.

178055 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

المقال

قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة:185). 

القول في هذه الآية تنظمه عشر مسائل:

الأولى: (الشهر) مشتق من الشُّهرة؛ لأن الهلال يظهر لملتمسيه، فيشهرونه؛ ليراه الناس، فيثبت الشهر عندهم، و(رمضان) عَلَم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج. و(رمضان) ممنوع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون؛ لأنه مشتق من الرمضاء، وهي الحرارة؛ لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب. 

قال ابن عاشور: "وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يقتضي عدم ذكره؛ إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم؛ وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال: رمضان لكان ظاهراً لا نصاً، لا سيما مع تقدم قوله {أياما} فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان". والمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية، هو الذي جُعِلَ ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين، فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان، فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه. 

الثانية: المراد بإنزال القرآن في (شهر رمضان) ابتداء إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه ابتداء النزول، فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأن ذلك القدر المنزل مقدر إلحاق تكملته به، كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله سبحانه: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) (الأنعام:92)، وذلك قبل إكمال نزوله، فيشمل كل ما يلحق به من بعد. 

قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوُضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجماً نجماً في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوماً -يعني الآية والآيتين- في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة". 

واختير شهر رمضان من بين الأشهر؛ لأنه قد شَرُفَ بنزول القرآن فيه، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها، ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعاً فيه.

الثالثة: قوله تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) إشارة إلى وجه تفضيل شهر رمضان بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان، والمراد بـ(الهدى) الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي، الذي ينكره كثير من الناس، مثل أدلة التوحيد، وصدق الرسول، وغير ذلك من الحجج القرآنية.

و(الفرقان) مصدر (فَرَقَ)، وقد شاع في الفرق بين الحق والباطل، أي: إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله، وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام.

الرابعة: و(شهد) يجوز أن يكون بمعنى (حضر) كما يقال: إن فلاناً شهد بدراً، وشهد أحداً، أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: حضرها، والمعنى على هذا: حضر في الشهر، أي لم يكن مسافراً، وهو المناسب لقوله بعده: (ومن كان مريضا أو على سفر)، أي: فمن حضر في الشهر، فليصمه كله. 

ويجوز أن يكون (شهد) بمعنى (علم)، كقوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) (آل عمران:18)، ويكون المعنى: علم بحلول الشهر، وليس (شهد) بمعنى (رأى)؛ لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال: شاهد، ومن فهم قوله سبحانه: (شهد) بمعنى (رأى) فقد أخطأ خطأ بيِّناً، وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان، فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم، وهذا باطل. 

قال جمهور الأمة: "من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيماً، فإن سافر أفطر"، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة، وقد ترجم البخاري لهذا، فقال: "باب: إذا صام أياماً من رمضان، ثم سافر"..عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس.

ثم قال الحنفية: مَن (شهد) الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جنَّ أول الشهر وآخره، فإنه يقضي أيام جنونه. قالوا: وإذا أسلم الكافر، أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الإمساك، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر، ولا اليوم الذي بلغ فيه الصبي، أو أسلم الكافر.

وقال جمهور أهل العلم: ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. قال مالك: وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه. قال القرطبي: "الصحيح لا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم، ولا قضاء ما مضى".

الخامسة: قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا) قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا): إنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي (كتب عليكم الصيام)، وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها، فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله: (شهر رمضان)، وصار الصوم واجباً على التعيين، خيف أن يظن الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نُسخ، فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر، فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة؛ تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهذا بناء على كون هذه الآية ناسخة للتي قبلها. 

فإن قلنا: إنهما نزلتا في وقت واحد، كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: (ومن كان مريضا)؛ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة؛ رفقاً بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إذا كان {شهد} بمعنى (تحقق) و(علم)، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة؛ ولزيادة بيان معنى قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). 

ثم إن للمريض حالتين: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يُستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر؛ قياساً على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدعُ إلى الفطر ضرورة. وقال جمهور أهل العلم: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيُّده صح له الفطر. قال القرطبي: "قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب، إن شاء الله تعالى".

السادسة: قوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) تعليل لقوله سبحانه: (ومن كان مريضا أو على سفر)، وبيان للحكمة من الرخصة، أي: شرع لكم القضاء؛ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة، ولا يريد بكم العسر في التكاليف. وجوز ابن عاشور أن يكون تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: (كتب عليكم الصيام) إلى هنا، فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام -وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر- فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر، أي: تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. 

السابعة: قوله سبحانه: (ولتكملوا العدة) المعنى: يريد الله أن تكملوا العدة، و(إكمال العدة) يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم؛ ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع، وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف. وقد يراد بـ (إكمال العدة) إكمال عدة الهلال، سواء كانت تسعاً وعشرين يوماً أو ثلاثين. قال العلماء: ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهاراً، بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً صُبْحَ ثلاثين يوماً، فرأى هلال شوال نهاراً، فلم يفطر حتى أمسى). أخرجه الدار قطني.

الثامنة: قوله سبحانه: (ولتكبروا الله) تعليل لحكمة متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى، وهو أن يكبروه. والمراد بـ (التكبير) النسبة والتوصيف، أي: أن تنسبوا الله إلى الكِبَر، و(الكبر) هنا كبر معنوي لا جسمي، فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها، أي: لتصفوا الله بالعظمة، وذلك بأن تقولوا: الله أكبر، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الواقع، كالحكماء، والملوك، والسادة، والقادة، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية؛ لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه، والناقص غير مستحق للإلهية. 

وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون، قال الشافعي: وتُشَبَّه ليلة النحر بها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك والشافعي. وروى الدار قطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى. 

قال القرطبي: "وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر". وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى، وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. 

قال ابن عاشور: "وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة؛ وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر، إشارة إلى أن الله يُعْبَدُ بالصوم، وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام".

وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير؛ إذ جعلته مما يريده الله، وهو غير مفصل في لفظ التكبير، ومجمل في وقت التكبير؛ وعدده، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال. فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر، والمشهور في السنة أنه يكرر (الله أكبر) ثلاثاً، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والشافعي: إذا شاء المرء زاد على التكبير تهليلاً وتحميداً، فهو حسن، ولا يترك (الله أكبر)، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين، ثم قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. وقال أحمد: هو واسع. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ غير ثلاث تكبيرات. 

التاسعة: قوله سبحانه: (على ما هداكم) قيل: لِمَا ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلاً عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب والأنساب، وتعديد المناقب. وقيل: لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع، فهو عام.

العاشرة: قوله عز وجل: (ولعلكم تشكرون) تعليل آخر، وهو أعم من مضمون جملة (ولتكبروا الله على ما هداكم )، فإن التكبير تعظيم، يتضمن شكراً، والشكر أعم؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى، ويكون بفعل القُرَب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر.

44349 أحكام قضاء رمضان

المقال

من رحمة الله بعباده أن شرع لهم من الأحكام ما يُكفِّرون به عن ذنوبهم، ويستدركون به ما فاتهم، وفي التنزيل يقول سبحانه: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} (آل عمران:135-136).

وإذا كان الأصل في العبادات أن تؤدى في أوقاتها المحددة شرعاً، فإن أداء العبادة قد يتخلف عن وقتها لعذر شرعي، ولأجل ذلك شرع الله قضاء بعض العبادات ليستدرك العبد ما فاته منها، وهو ما يُعْرَفُ بالقضاء، الذي يقابل أداء العبادة في وقتها المحدد، وصيام رمضان لا يخرج عن القاعدة السابقة، فالصوم له وقت محدد وهو شهر رمضان، فمن تركه بعذر فإنه يقضيه، ليستدرك ما فاته من صيام، وسنتاول في هذا الموضوع جملة من أحكام القضاء والكفارة والفِدْيَة في الصوم.

وجوب القضاء

اتفق أهل العلم على وجوب القضاء على كل مَنْ أفطر يوماً أو أكثر من رمضان، لعذر شرعي، كالسفر، والمرض المؤقت، والحيض، والنفاس، ودليل ذلك قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:184)، وقول عائشة رضي الله عنها: (كان يُصيبنا ذلك -أي الحيض- فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) رواه مسلم.

وكل من لزمه القضاء فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطرها، فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، سواء أكانت ثلاثين أم تسعة وعشرين يوماً.

ويستحب المبادرة بالقضاء بعد زوال العذر المانع من الصوم؛ لأنه أبرأ للذمة وأسبق إلى الخير، وله أن يؤخره، بشرط أن يقضيه قبل حلول رمضان القادم، لقول عائشة رضي الله عنها: (كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) رواه البخاري.

ولا يلزم التتابع في قضاء رمضان ولكنه يُستحب؛ لأن القضاء يحاكي الأداء، كما قال أهل العلم.

ومن استمر به العذر حتى مات قبل أن يتمكن من قضاء ما عليه من أيام رمضان، فلا شيء عليه؛ لأن الله أوجب عليه عدةً من أيام أخر، ولم يتمكن منها، فسقطت عنه، وأما من تمكن من القضاء، ولكنه فرط حتى أدركه الموت، فلوليه أن يصوم عنه الأيام التي تمكن من قضائها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه) متفق عليه.

وجوب القضاء والكفارة

اتفق أهل العلم على وجوب القضاء مع الكفارة المغلظة في حالة الجماع المتعمَّد في نهار رمضان؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (هلكتُ يا رسول الله! قال: وما شأنك؟ قال: وقعتُ على أهلي في رمضان، قال: تجد رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا، قال: لا ...) متفق عليه.

فالحديث يدل على وجوب الكفارة على من جامع متعمداً في نهار رمضان على الترتيب الوارد في الحديث، وبما أن العتق غير ممكن اليوم، فيجب صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكيناً، ولا يجوز الانتقال من حالة إلى أخرى إلا إذا عجز عنها.

ومما يتعلق بالكفارة، عدم جواز صرف كفارة الإطعام إلى الأهل الموسرين، بل الواجب صرفها إلى الفقراء والمساكين، ومما يتعلق بها أيضاً وجوب التتابع في صيام الشهرين، فلو قطع التتابع لعذر، فإنه يبني على ما سبق بعد زوال العذر، وأما إن قطعه بغير عذر، فعليه أن يعيد الصيام من البداية، ولا يعتبر ما صامه قبل الانقطاع.

الفدية

الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان لا قدرة لهما على الصيام، أو كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السَنة، يُرَخَّص لهما في الفطر، ولا قضاء عليهما، وعليهما أن يُطعما عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} (البقرة:184). قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً"، ومثلهما المريض مرضاً لا يُرجى برؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً. أما إذا بلغ الشيخ الكبير أو المرأة العجوز حدَّ الهذيان وعدم التمييز، فلا يجب عليهما الصيام ولا الإطعام؛ لسقوط التكليف عنهما.

هذه أهم الأحكام المتعلقة بقضاء رمضان، فاحرص أخي المسلم على المسارعة والمبادرة في أداء ما عليك، واغتنم فرصة هذا الشهر الكريم، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً، وإن فاتك شيء منه لعذر أو تقصير، فبادر إلى قضائه واستدراكه.

135402 السلف الصالح والقرآن

المقال

عن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: "أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعملوا مما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم".

عن إبراهيم قال: "كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال.

عن ابن شذوب قال: كان عروة بن الزبير يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظراً، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، وكان وقع فيها الآكله فنُشرت.

قال سلام بن أبي مطيع: "كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة.

وروى إسحاق المسيبي عن نافع قال: "لما غُسِّل أبو جعفر القارئ، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن.

قال يحيى الحماني: "لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة".

وقال أحمد بن ثعلبة: سمعت سلم بن ميمون الخواص يقول: "قلت لنفسي: يا نفس، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلّم به، فجاءت الحلاوة".

عن الأعمش قال: "كان يحيى بن وثّاب من أحسن الناس قراءة، ربما اشتهيت أن أقبل رأسه من حسن قراءته، وكان إذا قرأ لا تسمع في المسجد حركة، كأن ليس في المسجد أحد".

قال أبو بكر بن الحداد: "أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة".

135309 العمل في رمضان

المقال

ليس المقصود بعنوان هذا المقال الحديث عن الطاعات والقربات المشروعة في رمضان -كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة- وإنما نرمي منه الحديث عن العمل اليومي -المهني- خلال شهر رمضان، وبيان موقف الناس منه. 

فقد يرى بعض الناس -بل هناك من ذهب حقيقة- أن صيام رمضان يسبب تعطيل الأعمال والمصالح الدنيوية العامة، وأنه يخفض نسبة الإنتاج الوطني، بل إن بعض من لا خلاق له دعا العمال إلى الإفطار في رمضان، بحجة الحفاظ على مستوى الإنتاج.

والسؤال الذي يقدمه مقالنا هذا، ونود الإجابة عنه هو: هل الصيام حقاً يتعارض مع مصلحة الإنتاج والنهوض الاقتصادي الوطني؟ أو أن الأمر على غير ذلك.

نسارع إلى القول بداية فنقول: إن كان هناك ضعف في مستوى الإنتاج -حقيقة- خلال شهر رمضان، فليس مرد ذلك إلى الصيام، بل إن مرد ذلك -في واقع الأمر- إلى العادات والممارسات الخاطئة التي يمارسها كثير من الناس خلال هذا الشهر الكريم، إذن فليست المشكلة في الصيام، وإنما في سلوك بعض الصائمين، هذا أولاً.

ثم من ناحية أخرى نقول: إن في الصوم -عند التحقيق- فائدة -أي فائدة- في تنمية ورفع مستوى الإنتاج، دليلنا على هذا، أن الصوم مثلاً يلغي وجبة غذائية -على الأقل- تقع في وقت العمل، وهذا يوفر وقتاً يمكن الإفادة منه لصالح الإنتاج، فضلاً عما يوفره من حجم الاستهلاك، ومما يؤسف له هنا، أننا نرى كثيراً من العمال -في غير رمضان- يضيعون من الأوقات في تناول طعامهم وشرابهم ما لا يخفي على أحد، فكيف يمكن القول حينئذ إن الصوم يخُفض نسبة الإنتاج، إن هذا لشيء عجاب.

ونقول أيضاً: إن من فوائد الصوم الاقتصادية أنه يمنع المدخنين من التدخين، ومعلوم لكل منصف أن ممارسة التدخين أثناء العمل وفي غيره، فيه من ضياع الوقت ما فيه، فضلاً عما يسببه من ضعف جسدي ونفسي للمدخنين، أو ما يسببه من إتلاف صحي واقتصادي وبيئي، فالصوم في الواقع يجنبنا كل هذه الأمور التي تعود بالنتائج السلبية على الفرد والمجتمع في آنٍ معاً.

ثم إن علينا أن ننظر إلى هذه المسألة من منظار المصالح والمفاسد والموازنة بينها، وانطلاقاً من هذا نقول: إذا كان الصوم في رمضان يسبب -جدلاً- انخفاضاً في مستوى الإنتاج، فإننا -بالمقابل- يجب علينا أن ننظر إلى الآثار الإيجابية التي يحققها الصوم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وعند النظر الفاحص والموازنة العادلة في هذه المسألة، نرى أن نتائج الصوم الإيجابية أكبر وأعظم من نتائجه السلبية -هذا على فرض أن يكون للصوم نتائج سلبية- وسواء في ذلك النتائج المادية المعنوية، أو النتائج العاجلة أو الآجلة.

ومقالنا هذا لا يسمح بتفصيل القول في تلك النتائج، إلا أننا نكتفي بذكر نتيجة واحدة يلمسها كل واحد منا، وهي أن الصوم -إذا تم على حقيقته- فإنه يدفع صاحبه إلى الإخلاص والإتقان في العمل، والتخلي عن تضييع الأوقات، وكل هذا في صالح الإنتاج دون ريب.

ومن طريف ما يُذكر في هذا السياق، أن أحد رجال الأعمال الإسبان كان يفتخر بعماله المغاربة، الذين كانوا يصومون ويصلون، وكان يشجعهم على الصيام، ويعتني بنفسه بتهيئة فطورهم وسحورهم، لما كان يجده فيهم من الجدية والأمانة، ما لا يجده عند غيرهم.

وعلاوة على ما تقدم، نقول أيضاً: إن أمور الآخرة مقدمة على أمور الدنيا، كما هو مقرر في أصول الشريعة، قال تعالى: {وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون} (القصص:60) وقال أيضاً: {وما عند الله خير وأبقى للذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون} (الشورى:36) وعلى هذا، إذا قلنا -جدلاً- إن الصوم يؤدي إلى خفض مستوى الإنتاج، فإن مما ينبغي على المسلم -على فرض صحة ذلك- أن يقدم أمر الدين على أمر الدنيا، هذا إذا كان ثمة تعارض بين فريضة الصوم، ومستوى الإنتاج، فكيف إذا كانت الحقيقة خلاف ذلك، قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم} (الحجرات:14)، أي: لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً.

ثم أليس في صيام هذا الشهر الكريم، ما يُنمِّي الإحساس بالفقراء ومعاناتهم، ما يدفع الصائم الحق إلى التكافل معهم، والأخذ بيدهم للرفع من مستواهم الاقتصادي، وهذا بدوره يؤدي إلى قيام نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع.

ففي كل ما ذكرنا وغيره، دليل على أن الصوم في رمضان ليس فيه ما يؤثر سلباً على مستوى الإنتاج، بل العكس هو الصحيح، لأنه ليس من الوارد -عقلاً ولا شرعاً- أن يكون فيما شرع الله مفسدة للإنسان، بل الخير كل الخير فيما شرعه الله سبحانه، فهو الخالق لعباده، وهو أعلم بما يصلحهم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}(الملك:14).

222745 العشر الأواخر.. زمن الجد والتشمير

المقال

الحمد لله الذي لم يزل عليما قدريا، و{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان:62:61)

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ‏أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، واقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بما كانوا يَعْمَلون}(السجدة:17)) متفق عليه.

الجنة أيها الأحبة هي بلاد الأفراح التي اشتاق إليها الصالحون، وسعى إليها السالكون، وعمل لها العاملون، وتزود لها المخلصون، وشمَّر من أجل تحصيلها المشمرون.
أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن أبوابها تفتح كلها في رمضان فلا يغلق منها باب، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ من شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بَابٌ)، وكأنها تنادي على الطالبين والراغبين والمشتاقين، وكأنها دعوة أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم للسعى في تحصيلها، كما قال في آخر الحديث (وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل).. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ـ وجميع أمته ـ على التشمير في طلب الجِنان، والبذل والجد من أجل الفوز بمقعد فيها..

أيها الصائمون رمضان، الصادقون في طلب الجنان، أيها الساعون في فكاك رقابكم من النيران: هذا أوان البذل، وزمان دفع المهر، أيها المشمرون هذا وقت الجد والتشمير.
من لم يبذر في زمان الغرس ندم وقت الحصاد.
من لم يطلب الجنة في رمضان فمتى يطلبها؟
ومن لم يسع في عتق رقبته في رمضان ففي أي زمان يعتقها؟
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه .. .. ففي أي وقت يستنير ويزهر

أقول رمضان وأستغفر الله.. وأين رمضان؟
لقد شمَّر عن ساق، وأذِن بوداع وانطلاق، تقوضت خيامه، وتصرمت أزمانه، ومرت أيامه المعدودات كأنها غمضة عين أو ومضة برق.
أدركوا رمضان.. فقد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل..

أيها الصائمون:
لئن كان قد مضى من رمضان أكثره، غير أنه ربما كان ما بقي منه هو التاج الأجمل والثمرة الأينع.
والعبد الموفق من أدرك أن حسن النهايات يمحو تقصير البدايات، فمن لم يحسن الاستقبال فليحسن الوداع، فإن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وما يدريك لعل بركة عملك مخبأة في آخره؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.

أيها المسلمون
لقد خبأ الله بركة رمضان ـ وكله بركة ـ في آخره، فهذه العشر الأخيرة هي خلاصة الشهر وزينة الدهر، وأفضل الأيام، ولياليلها أفضل ليالي العام، وفيها ليلة القدر التي هي ليلة العمر، فيها أنزل القرآن، وفيها تكتب مقادير العام، من حرم خيرها فقد حرم، ومن وفق لها فقام ليلها غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أدركها وأصابها كانت له خيرا من ألف شهر، وكان كمن عبد الله أكثر من ثلاثة وثمانين عاما.

هَدي النبي واجتهاده
وكان من هدي رسولكم صلى الله عليه وسلم الاجتهاد الشديد في هذه العشر؛ ويخصها بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.
وعنها أيضا رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر) متفق عليه. ومعنى شد المئزر أي كان يعتزل النساء اشتغالاً بالعبادة.

وقد بلغ من شدة اجتهاده في هذه الليالي المباركة أنه كان يجافي فيها النوم فلا يكاد ينام، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة وصوم ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر) رواه أحمد.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه يعتكف في مسجده هذه الأيام، فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً).

وكان من شديد حرصه على الوقت أنه كان يواصل الصيام، ولما أراد الصحابة أن يواصلوا نهاهم وقال: (إنكم لستم كمثلي، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني).. أي يفتح علي من أبواب الفتوحات والقرب ونعيم الطاعة ولذائذ العبادة والأنس به ما يغنيني به عن الطعام والشراب الحسي.

وإنما كان يفعل صلى الله عليه وسلم كل ذلك تفريغا للوقت طلبا لرضا الرب وسعيا لتحصيل ليلة القدر، وقد دعا أمته لطلبها والسعي في تحصيلها فقال: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي) متفق عليه.

فاجتهدوا يا عباد الله في التماس ليلة القدر، وأكثروا من سؤال العفو؛ كما علم رسول الله أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها حين قالت: (أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: 0قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني) رواه الترمذي.

فيا طالب الجِنان، وخاطب الحور الحِسان، وراغبا في سلعة الرحمن، هذا أوان البذل ووقت الجد، وأوان التشمير، فأظهر لله الرغبة وصدق الطلب؛ فإن سلعة الله غالية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي.

يا سلعةَ الرحمن لست رخيصةً .. .. بـل أنتِ غاليةٌ على الكسلان 
يَا سِلْعَةَ الرحمن أَيــنَ المُشْتَرِي .. .. فَلَقَدْ عُرِضْتِ بَأيْسرِ الأَثْمانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمن هَلْ مِنْ خَاطِبٍ .. ..فَالمَهْرُ قَبْلَ الموتِ ذُو إِمْكَانِ
يَا سِلْعَةَ الرحمن كَيْفَ تَصبُّر ال .. ..خُطَّابُ عَنْكَ وَهم ذَوُو إِيْمَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحمنِ لَــــولا أَنَّهــَــــا .. ..حُجِبَتْ بِكُل مَكَـــارِهِ الإِنْسَـانِ
مَا كَانَ عَنْـــهَا قَــطْ مِنْ مُتَخِلفٍ .. .. وَتَعَطَّـــلتْ دَارُ الجَزاءِ الثَّانِي
لَكِـــنَّهَا حُجِــبَتْ بِكُـــلِّ كَــرِيْهَـةٍ .. .. لِيَصُــدُّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوانِي
وَتَنَالُهَا الهِــمَمُ التِّي تَسْمُــوا إِلى .. .. رَبّ العُـــلَى بِمَشِيْئَةِ الرَّحـمنِ
فاتْعَـبْ ليوْم معادِك الأدنى تَجِدْ .. .. راحــاتهِ يومَ المعــادِ الثـــاني

197626 ما أحلى الدعاء في رمضان

المقال

شهر رمضان شهر الدعاء والتضرع بامتياز لاسيما وأبواب الجنان مفتحة وأبواب النيران موصدة والشياطين مصفدة ومنح الرحمن تتنزل على الصائمين، والأجواء عامرة بالطائعين والخاشعين، والقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وأيادي أهل الخير تعم المساكين والمحتاجين.
قال الربيع: إنّ اللّه تعالى قضى على نفسه أنّ من آمن به هداهُ، ومن توكل عليه كفاهُ، ومن أقرضهُ جازاهُ، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاهُ أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب اللّه تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق:3)، {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} (التغابن:17)، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران: 101)، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة:186)..

وإذا سألك عبادي عني
قال الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة:186) وهذه الآية  في وسط آيات الصيام إشارة إلى أن الدعاء في هذا الشهر من أجل العبادات، وأن الصائمين المتضرعين أرجى للقبول والحظوة عند الرب الغفور.
قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما تضمن قوله: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185) طلب تكبيره وشكره، بيَّن أنه مطلع على ذكر من ذكره وشكر من شكره، يسمع نداءه ويجيب دعاءه أو رغبته، تنبيهاً على أن يكون ولابد مسبوقاً بالثناء الجميل. [البحر المحيط: 2/221]. والمقصود أنه تعالى ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: "إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء".
وقال البيضاوي: "اعلم أنه تعالى، لما أمرهم بصوم الشهر، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقَّبه بهذه الآية الدالّة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم، تأكيداً وحثّاً عليه" [تفسير البيضاوي: 1/221]..
وقال ابن عاشور: نظم الآية مؤذنا بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم علي فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجعل هذا الخير مرتبا على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟ وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك أدبا مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ..}.
ثم قال رحمه الله: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عبادة غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربطا للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم. [التحرير والتنوير، ابن عاشور].
«إنها آية عجيبة .. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضى المطمئن، والثقة واليقين .. ويعيش منها المؤمن في جناب رضيّ، وقربى ندية، وملاذ أمين وقرار مكين.
وفي ظل هذا الأنس الحبيب، وهذا القرب الودود، وهذه الاستجابة الموحية .. يوجه الله عباده إلى الاستجابة له، والإيمان به، لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186)..

يوم بدر والدعاء

كانت غزوة بدر في شهر رمضان يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة، حيث أُعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- النصر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة يصلي طوال الليل، كما يروي علي رضي الله عنه قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله عز وجل).
ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعا، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك).
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ ردائه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (الأنفال:9)، فأمده الله بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: (أقدم حيزوم) إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.

دعاء المتضرعين
- التغني هو تحسين الصوت بالقراءة، وقد جاء الأمر به عند تلاوة القرآن في أحاديث عديدة، منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن) رواه البخاري. وعلة ذلك أن التغني وتحسين الصوت والترنم في القراءة من أسباب الإقبال عليها والإنصات لها. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع". 
وأما التغني بالقراءة في غير تلاوة القرآن الكريم كدعاء القنوت ونحو ذلك، فرأى كثير من أهل العلم أنه لا بأس به؛ إذ مقصود التحسين حضور القلب وتأثره، ولكن ينبغي أن يكون ذلك التغني والتحسين بدون مبالغة مفرطة، أو جعله مما يشتبه بالقرآن، حتى يلتبس على السامع، هل هو قرآن أو غيره؟، كتعمد التجويد من إدغام وإخفاء ومدود حتى يظن الظان أن الداعي يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب .

- يتأكد على الإمام عدم المبالغة في رفع صوته في الدعاء، حتى يصل ـ أحياناً - إلى حد الصياح والصراخ المذهب للخشوع والمجلب للرياء، وربما رافقه بكاء ونحيب لتهيج مشاعر الناس. قال تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (الأعراف: 55)، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء اعتداء، وفي الحديث: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً) رواه البخاري ومسلم.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل [أي كغلي القدر]، قال ابن القيم: "وأما بكاؤه -صلى الله عليه وسلم- فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت"، ولم يشعر ابن مسعود -رضي الله عنه- ببكائه -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ عليه بعضا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.

- من التكلف في الدعاء: الإطالة المفرطة والمبالغة في السَجع، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب".
أيضا ورد النهي عن التفصيل المخل، روى أبو داود من حديث أبي نعامة عن ابن لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه قال: (سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) فإياك أن تكون منهم، إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر) حسنه الحافظ ابن حجر ..
وعن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة وعذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يكون قوم يعتدون في الدعاء) فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
وبالجملة فقد قال التوربشتي: الاعتداء في الدعاء يكون في وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى حد شقي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له وعليه.
 

45417 أخطاء في القيام

المقال

رمضان شهر الطاعات والقربات، وفرصة لزيادة المبرَّات وفعل الخيرات، ومن السنن المشروعة في هذا الشهر المبارك قيام لياليه بالعبادة لله سبحانه، وقد يتخلل ذلك بعض الممارسات التي تخلُّ بأخلاق المتعبدين والقائمين، من ذلك:

أولاً: التهاون في أداء صلاة التراويح، بحجة أنها سنة وليست واجبة، فترى الرجل ربما أضاع وقته في المجالس أو الأسواق أو أمام الشاشة أو غير ذلك مما ضرره أكثر من نفعه، ويفرِّط في هذه السُنَّة العظيمة مع علمه بما ورد في فضل قيام رمضان إيماناً واحتساباً، ولا شك أن ذلك من الغبن والحرمان، والذي ينبغي على المسلم أن يصلي التراويح كاملة مع الإمام حتى ينصرف ليُكتب له أجر قيام ليلة.

ثانياً: ومن الأخطاء أن بعض الناس إذا بلغه أن هذه الليلة هي أول ليلة في رمضان، لا يصلي صلاة التراويح ظناً منه أن هذه الليلة ليست من ليالي رمضان، وهو خطأ فبمجرد رؤية هلال رمضان يكون الإنسان قد دخل في أول ليلة من رمضان، ولذا فإن من السنة أن تصلى التراويح جماعة في المسجد في هذه الليلة. 

ثالثاً: الإسراع من بعض الأئمة في صلاة التراويح إسراعاً يخل بالصلاة والمقصود منها، فيسرع في التلاوة إسراعاً شديداً، ولا يراعي الطمأنينة والخشوع، وكل همه إنهاء تلك الرُّكيعات لينصرف الناس بعدها لأعمالهم، وأشغالهم، ومسامراتهم، ومساهراتهم...، والواجب أن يطمئن الإمام في صلاته، وإذا لم يتيسر له ختم القرآن، أو قراءة قدر كبير منه في صلاة القيام تخفيفاً على الناس، فلا أقل من أن يحسن صلاته، فيطمئن فيها، ويتم ركوعها وسجودها.

رابعاً: مسابقة كثير من المأمومين لإمامهم في صلاة التراويح في الركوع والسجود والرفع منهما، والمشروع في حق المأموم إنما هو متابعة الإمام في أفعال الصلاة، فيأتي بها بعده مباشرة، لا يسبقه ولا يتخلف عنه، وقد ورد الوعيد الشديد في مسابقة الإمام، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار).

خامساً: حَمْلُ بعض المأمومين المصحف أثناء صلاة القيام، وذلك من أجل متابعة قراءة الإمام، وهذا الأمر بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه شُغلاً للمصلي عن الخشوع وتدبر الآيات؛ وبالتالي فلا ينبغي أن يُفعل ذلك، إلا لمن كان يتابع الإمام من أجل تصويبه إذا أخطأ.

سادساً: تطويل دعاء القنوت، والتكلف فيه، والإتيان بأدعية غير مأثورة، ما يسبب الملل والسآمة، وربما حول بعضهم القنوت إلى موعظة يذكر فيها أشياء تتعلق بالقبر وعذابه، والصراط والبعث والجزاء، وكل هذا من الاعتداء المنهي عنه في الدعاء، والذي ينبغي الاقتصار على الأدعية المأثورة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة: (يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك) رواه أبوداود.

سابعاً: ومن الأخطاء رفع الصوت بدعاء القنوت أكثر مما ينبغي، وهو مناف لأدب الدعاء، فقد قال الله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) (الأعراف:55)، ولما رفع الصحابة رضي الله عنهم أصواتهم بالتكبير نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم -أي اخفضوا أصواتكم- فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائباً) متفق عليه، والذي ينبغي على الإمام أن يرفع صوته بالقدر الذي يُسْمِع مَن خلفه من المأمومين.

ثامناً: رفع الصوت بالبكاء والصراخ بحيث يتسبب في إشغال المصلين من حوله، فإن البكاء وإن كان مطلوباً عند قراءة القرآن وسماعه إلا أنه ينبغي على العبد أن يحرص على خفض صوته وإخفائه ما أمكن، حتى يكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وبعض الناس ربما اشتد بكاؤه وتأثره إذا جاء وقت الدعاء والقنوت، ولا شك أن الأولى أن يكون البكاء والتأثر عند سماع كلام الله. 

تاسعاً: تَرْكُ التهجد في العشر الأواخر من رمضان، والانشغال بالتجوال في الأسواق وشراء الأغراض وحاجيات العيد، فتضيع على العبد -رجلاً كان أو امرأة- هذه الليالي المباركة، وتضيع عليه ليلة القدر، التي من حُرِمَ خيرها، فقد حُرِمَ الخير كله، وهو أمر -مع الأسف الشديد- يقع فيه كثير من المسلمين في أواخر هذا الشهر المبارك، مخالفين بذلك سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا دخلت ليالي العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر.

عاشراً: من الأخطاء التي يقع فيها البعض في ليالي القيام، إنشاء جماعة ثانية أثناء قيام الجماعة في المسجد، ويفعل ذلك من فاتته صلاة العشاء مع الجماعة الأولى، وهذا لا يجوز؛ لأن فيها تشويشاً على المصلين، وفيها أيضاً إقامة لجماعتين في وقت واحد ومكان واحد. والواجب على من فاتته صلاة العشاء مع الجماعة، أن يصلي مع الجماعة التي تصلي صلاة التراويح، وينوي فرض العشاء، وبعد أن ينتهي الإمام من أداء ركعتي التراويح، يأتي بما فاته من ركعات صلاة العشاء. 

211444 وصايا لقارئي القرآن في رمضان

المقال

الحمد لله القائل في كتابه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى}(البقرة:185)، والصلاة والسلام على رسوله الكريم الذي خصَّه الله بوحيه، وأنْزل عليه خير كتبه، القائل: (خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه)، أما بعد:

فلقد خصَّ الله هذا الشهر الكريم بخصائص؛ منها: أنه أفضل شهور السنة، وفيه ليلة القدر، وفيه نزل القرآن. فأنزله الله كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، وأنزل أول آياته في ليلة الوحي ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما تبعا للوقائع على مدار ثلاث وعشرين سنة، فَشَرُفَ الشهر بنُزول القرآن فيه، لذا صار يُسمى: شهر القرآن. وعليه فالتلازم بين القرآن وشهر رمضان ظاهر.

أحوال الناس في قراءة القرآن:
في رمضان كثيرا ما يتساءل بعض الناس عن أيهما أفضل، قراءة القرآن بتدبر، أو قراءته على وجه الحدر، والاستزادة من بكثرة ختمه إدراكًا لأجر القراءة؟

وهاتان العبادتان غير متناقضتين ولا متشاحَّتين في الوقت حتى يُطلب السؤال عن الأفضل، والأمر في هذا يرجع إلى حال القارئ، وهم أصناف:
- الصنف الأول: العامة الذين لا يستطيعون التدبر، بل قد لا يفهمون جملة كبيرة من آياته، وهؤلاء لاشكَّ أن الأفضل في حقِّهم كثرة القراءة. وهذا النوع من القراءة مطلوب لذاته لتكثير الحسنات في القراءة على ما جاء في الحديث: (لا أقول " ألم " حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

-الصنف الثاني: العلماء وطلبة العلم، وهؤلاء لهم طريقان في القرآن:
الأول: كطريقة العامة؛ طلبًا لتكثير الحسنات بكثرة القراءة والخَتْمَاتِ.
الثاني: قراءته قصد مدارسة معانيه والتَّدبر والاستنباط منه، وكلٌّ بحسب تخصصه سيبرز له من الاستنباط ما لا يبرز للآخَر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وهما مطلوبان معًا، وليس بينهما مناقضة، كما سبق، بل كلُّ نوعٍ له وقته، وهو مرتبط بحال صاحبه فيه. ولا شكَّ أنَّ الفهم أكمل من عدم الفهم، لذا شبَّه بعض العلماء من قرأ سورة من القرآن بتدبر كان كمن قدَّم جوهرة، ومن قرأ كل القرآن بغير تدبر كان كمن قدَّم دراهم كثيرة، وهي لا تصلُ إلى حدِّ ما قدَّمه الأول.

تنبيهات تتعلق بالتلاوة
ومما يحسن التنبيه على أمور تتعلق بتلاوة القرآن في رمضان:

الأمر الأول: الملاحظ أنَّ كثيرًا من الناس ينشطون في أول الشهر في أعمال الخير، ومنها تلاوة القرآن، لكن سرعان ما يفترون بعد أيام منه، وترى فيهم الكسل عن هذه الأعمال باديًا. ومن أعظم الخسارة أن يمرَّ على المسلم رمضان ولم يختم فيه القرآن ولو مرة.

ولأجل هذا فمن اعتاد من نفسه هذا الأسلوب فإن الأَولى له أن يرتِّب قراءته، ويخصِّص لكل يومٍ جزءًا، فإنه بهذا سيختم القرآن مرَّة في هذا الشهر، ولو استمرَّ على هذا الأسلوب في كل شهور السنة لاستطاع ذلك، والأمر يرجع إلى العزيمة والإصرار. وبهذه الطريقة يكون مداومًا على عملٍ من أعمال الخير غير منقطع عنه، و(أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ) كما قال صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثاني: يحسن بمن يقرأ القرآن عمومًا، وبمن يقرأه في رمضان على وجه الخصوص أن يكون معه تفسير مختصرٌ يقرأ فيه ليعلم معاني ما يقرأ، وذلك أدعى إلى تذوُّق القراءة والإحساس بطعم قراءة القرآن، وليس من يدرك المعاني ويعلمها كمن لا يدركها. ومما يمكن أن يعين في هذا الباب كتاب "التفسير الميسر"، أو تفسير "كلمات القرآن" فهو نافع لمن يريد أن يعرف المعنى الإجمالي للآيات فينبغي أن يحرص المسلم على أن يكون له تفسير من هذه المختصرات يقرأ فيه ويداوم عليه كما يقرأ القرآن ليجتمع له في قراءته الأداء وفهم المعنى.

الأمر الثالث: في حال قراءة القرآن تظهر بعض الفوائد أو بعض المشكلات، ولابدَّ من التقييد لهذه الفوائد أو المشكلات؛ لئلا تضيع.

الأمر الرابع: إن القراءة بالليل من أنفع العبادات، وكم من عبادة لا تخرج لذتها للعابدين إلا في وقت الظلمة، لذا كان أهم أوقات اليوم الثلث الأخير من الليل، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان ثلث الليل الآخر ينْزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطية؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ …).

وللأسف كثيرًا ما نغفل عن عبادة الليل خصوصًا في رمضان ـ مع ما يحصل منا من السهر ـ وتلك غفلة كبيرة لمن حُرِم لذة عبادة الليل.
فَشَمِّرْ عن ساعد الجِدِّ، وأدركْ فقد سبق المشمرون قبلك، ولا تكن في هذه الأمور ذيلاً بل كن رأسًا، والله يوفقني وإياك لكما يحب ويرضى.

الأمر الخامس: إن من فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن ويؤثِّرون بقراءتهم على القلوب، فتراك تجد بقراءتهم أثرًا في قلبك، فاحرص على من يتَّصف بهذه الأوصاف، واعلم أن الناس في قبول الأصوات ذوو أذواق، فلا تَعِبْ قارئًا لأنه لا يُعجِبك؛ فإن ذلك من الغيبة بمكان، لكن احرص على من تنتفع بقراءته، وهذا مطلب يُحرصُ عليه، ومقصد يُتوجَّه إليه.

الأمر السادس: يسأل كثيرون عن كيفية التأثر بالقرآن، ولماذا لا نخشع في صلواتنا حين سماع كلام ربِّنا؟
ولا شكَّ أن ذلك عائدٌ لأمور من أبرزها أوزارنا وذنوبنا التي نحملها على ظهورنا، لكن مع ذلك فلا بدَّ من وجود قدرٍ من التأثر بالقرآن، ولو كان يسيرًا، فهل من طريق إلى ذلك؟

إنَّ البعد عن المعاصي، وإصلاح القلب، وتحليته بالطاعات هو السبيل الأول للتأثر بهذا القرآن، وعلى قدر ما يكون من الإصلاح يبرز التأثُّر بالقرآن.

والتأثر بالقرآن حال تلاوته يكون لأسباب متعددة، فقد يكون حال الشخص في ذلك الوقت مهيَّئًا، وقلبه مستعدًا لتلقي فيوض الربِّ - سبحانه وتعالى -.
فمن بكَّر للصلاة، وصلى ما شاء الله، ثمَّ ذكر الله، وقرأ كتاب ربِّه، ثمَّ استمع إلى الذكر فإنَّ قلبه يتعلق بكلام الله أكثر من رجلٍ جاء متأخِّرًا مسرعًا خشية أن تفوته الصلاة، فأنَّى له أن تهدأ نفسه ويسكن قلبه حتى يدرك كلام ربِّه، ويستشعر معانيه؟!

ومن قرأ تفسير الآيات التي سيتلوها الإمام واستحضر معانيها، فإنَّ تأثره سيكون أقرب ممن لا يعرف معانيها.

ومن قدَّم جملة من الطاعات بين يدي صلاته، فإنَّ خشوعه وقرب قلبه من التأثر بكلام ربِّه أولَى ممن لم يفعل ذلك.
وإنك لتجد بعض المسرفين على أنفسهم ممن هداهم الله قريبًا يستمتعون ويتلذذون بقراءة كلام ربه، وتجدهم يخشعون ويبكون، وما ذاك إلا لتغيُّر حال قلوبهم من الفساد إلى الصلاح، فإذا كان هذا يحصل من هؤلاء فحريٌّ بمن سبقهم إلى الخير أن يُعزِّز هذا الجانب في نفسه، وأن يبحث عما يعينه على خشوعه وتأثره بكلام ربِّه.

الأمر السابع: يسأل كثير من المسلمين، كيف أحافظ على طاعاتي التي منَّ الله عليَّ بها في رمضان، فإنني سرعان ما ينقضي الشهر أبدأ بالتراجع عن هذه الطاعات التي كنت أجد لذة وحلاوةً في أدائها؟

إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رسم لنا منهجًا واضحًا في كل الأعمال، وقد بيَّنه بقوله: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ)، ولو عملنا بهذا الحديث في جميع عباداتنا لحافظنا على الكثير منها، ولما صرنا كالمنبتِّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.

فلو اعتمد المسلم في كل عبادة عملا يوميًّا قليلاً يزيد عليه في وقت نشاطه، ويرجع إليه في وقت فتوره؛ لكان ذلك نافعًا له، فالمداومة على العبادة ـ ولو كانت قليلة ـ أفضل من إتيانها في مرات متباعدة أو هجرانها بالكلية.

فمن أدَّى فرائضه، والتزم بالسنن الرواتب، ثمَّ زاد عليها من أعمال العبادة ما شاء، فإنه يدخل في محبوبية الله التي قال فيها ـ في الحديث القدسي ـ: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه).

ففي صلاة الليل يحرص أن لا ينام حتى يصلي ثلاث ركعات، ولو كانت خفيفات، فإن أحسَّ بنشاط زاد، وإلا بقي على هذه الثلاث.
وفي قراءة القرآن يعتمد قراءة جزءٍ كل يوم، حتى إذا بلغ تمام الشهر، فإذا به قد ختم القرآن.
وفي الصيام يعتمد ثلاثة أيام من كل شهر، وإن استطاع الزيادة زاد، لكن لا ينقص عن الأيام الثلاثة.
وفي النفقة يعتمد مبلغًا ـ ولو يسيرًا ـ بحيث لا يمرُّ عليه الشهر إلا وقد أنفقه.

وهكذا غيرها من العبادات، يعتمدُ القليل أصلاً، ويزيد عليه في أوقات النشاط، فإذا قصرت همته رجع إلى قَلِيلِه، فيبقى في عباداته من غير كلفة ولا مشقة ولا نسيان وإهمال، أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبُّ ويرضى، ويجعلنا من أهل القول والعمل.

إن رمضان أشبه بمحطةٍ يتزوَّد منها الناس وقودهم، وهو محطة الصالحين الذين يفرحون ببلوغه فيتزودون منه لعباداتهم في الدنيا، ولجنتهم في الأخرى، وهو محضن تربوي فريد يدخله كل المسلمين: مصلحوهم وصالحوهم وعصاتهم، فهلاَّ استطعنا اغتنام هذا الشهر؟.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

45181 أخطاء في الإفطار

المقال

وقت الإفطار في رمضان هو الوقت الذي يكون فيه الصائم قد استنفد الكثير من طاقته الجسمية، والفكرية، والعاطفية، ما يدفع البعض إلى القيام ببعض الأخطاء التي لا تليق بأخلاق الصائم وآداب الصيام، وإليك بعضها:

أولاً: تأخير الإفطار بعد دخول وقته، وهو  خلاف السنَّة التي جاءت بتعجيل الفطر إذا دخل الوقت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) متفق عليه. 

ثانياً: ومن ذلك أن بعض الصائمين لا يفطر إلا بعد أن ينتهي المؤذن من أذانه احتياطاً، وهو من التنطع والتكلف الذي لم يُطَالَب به العبد.

ثالثاً: ومن الأخطاء انشغال بعض الصائمين بالإفطار عن إجابة المؤذن، والسنة للصائم وغيره أن يتابع المؤذن عند سماعه ويقول مثل قوله، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم النّداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) متفق عليه.

ولا يلزم الصائم أن يقطع أكله أو شربه من أجل المتابعة، بل يتابعه مع مواصلة الإفطار، حيث لم يرد نهي عن الأكل حال متابعة المؤذن وترديد الأذان. 

رابعاً: ومن الأخطاء غفلة بعض الصائمين عن الدعاء عند الإفطار، مع أن هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، ومن الغبن والحرمان أن يضيع العبد على نفسه هذه الفرصة العظيمة يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه أحمد وصححه الألباني، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأخطاء الإسراف في الطعام والشراب حال الإفطار، كما أن الإكثار من الأكل والشرب يثقل الإنسان عن العبادة وأداء الصلاة بخشوع وحضور قلب، وهو خلاف ما شُرِعَ له الصوم.

سادساً: ما يفعله بعض الصائمين من الفطر على ما حرم الله، كالسجائر، وغيرها من الخبائث، ولا شك أن الصوم فرصة عظيمة للتخلص من هذه العادات السيئة، وتدريب للإنسان على ترك المألوفات التي تعودها، فمن استطاع أن يتركها نهاراً كاملاً، لا يعجزه -بالصبر والعزيمة- الإقلاع عن هذه الخبائث في ليله أيضاً، حتى إذا انتهى رمضان كان قد تعود على تركها، فيسهل عليه المداومة والاستمرار على ذلك.

239899 السلف والقرآن في رمضان

المقال

كان تعامل السلف مع القرآن عموماً وفي رمضان خصوصاً تعاملاً فريداً، بل عجيباً، فكان إذا هلَّ عليهم شهر رمضان، لم يكن لهم شُغُلٌ سوى القرآن، تلاوة وفهماً وتدبراً وتنزيلاً، ولم يلفتوا إلى ما سواه، وما نُقل عنهم وما نقلته كتب السير من أعمالهم يبيِّن حرصهم الشديد، وعِظَمَ إقبالهم عليه، ولا غرو في ذلك فالقرآن الكريم فيه حياة المؤمن، ورمضان الفضيل فيه الخير الجزيل.

وقد كان السلف الصالح -كما قال ابن رجب في لطائف المعارف- يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غير الصلاة، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان الأسود النخعي يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وقد رويَ عن أبي حنيفة والشافعي أكثر من ذلك، وليس هذا بمستغرب على سلفنا الكرام، فقد بارك الله لهم في أوقاتهم، وبارك لهم في أعمالهم، وبارك لهم في كل شؤون حياتهم الدينية والدنيوية.

وأسوتهم في كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة رضي الله عنه ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة. رواه أحمد وغيره. 

وأمر عمر رضي الله عنه أُبيَّ بن كعب، وتميماً الداري رضي الله عنهما، أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمئتين في ركعة، أو (بالمئين) حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.

وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. ورويَ عن الإمام أبي حنيفة أنه كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وفي رمضان في كل يوم مرتين، مرة في النهار ومرة في الليل. ورويَ عن الإمام مالك أنه كان إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف، والتلاوة. والشافعي قال عنه ربيع بن سليمان: "كان يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلَّا في صلاة". وكان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وروى عبد الرزاق أن سفيان الثوري كان إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على تلاوة القرآن. وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن المأمون بن هارون الرشيد "تلا في رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمة". والحافظ أبو بكر بن محمد البلاطُنُسِي كان يختم في رمضان في كل ليلة ختمتين، وأكبَّ في آخر عمره على التلاوة، فكان لا يأتيه الطلبة لقراءة الدرس إلا وجدوه يقرأ القرآن. وأبو عبد الله الحلفاوي التونسي نزيل غرناطة يعرف بـ ابن المؤذن، كان يختم في رمضان مئة ختمة. وكان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه. وعن محمد بن مسعر قال: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن.

ولم يكن مقصود السلف الإكثار من قراءة القرآن فحسب، بل كان مقصودهم الأساس التدبر والفهم والعمل، وكانوا يتخذون من شهر رمضان فرصة لمدارسة القرآن ومعرفة أخلاقه وتدبر أحكامه؛ روى عبد الرزاق في "المصنف" عن سفيان الثوري عن سعيد الطائي، قال: رأيت سعيد بن جبير، وهو يؤمهم في رمضان، يردِّد هذه الآية: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} (غافر:71) {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك} (الانفطار: 6-7) يرددها مرتين ثلاثاً. والحافظ ابن عساكر كان يختم القرآن كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحاسب نفسه على كل لحظة تذهب في غير طاعة.

قال الحافظ ابن رجب: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي تُطْلَبُ فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكة شرفها الله، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب فيها الإكثار من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان".

وعن كعب قال: "ينادي يوم القيامة منادٍ بأن كل حارث يُعطى بحرثه ويزاد، غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضاً عند الله عز وجل"، كما في "المسند" عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالنهار، فشفعني فيه، فيشفعان) رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

فما أحوجنا لاغتنام هذا الشهر الكريم في التعامل مع القرآن الكريم؛ تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً، فهو الكتاب الذي تصلح به أمور الناس، وتستقيم به أحوالهم في الدنيا والآخرة؛ ولذلك بشر سبحانه به الناس عامة، فهو رحمة وهدى وشفاء قال جل وعلا: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} (الإسراء:82) وإنما خصَّ سبحانه المؤمنين بهذا؛ لكونهم المنتفعين من هذا القرآن، وإلا فإن القرآن رحمة لكل أحد، ففيه الهدى والنور، وفيه ترتيب شؤون حياة الناس وإقامة معادهم وإصلاح دنياهم وآخرتهم. والله ولي التوفيق والتسديد. 

231031 الاستقامة على الطاعة بعد رمضان

المقال

جاء رمضان... وبسرعة ذهب رمضان.

وكان ولابد أن يأتي هذا السؤال، وهو ماذا يجب علينا بعد رمضان، بل وبعد كل موسم من مواسم الطاعة؟

ماذا بعد شهر الجد والاجتهاد والتشمير، بعد أن كان القرآن حياتنا، والصلاة والوقوف بين يدي الله لذتنا، وذكر الله غذاءنا؟

ماذا بعد الصيام والقيام والذِكْر والطاعات والدعوات والصدقات وقراءة القرآن وفعل الخيرات؟

ثم استقاموا

إنها الاستقامة.. إنها العلاج، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}(فصلت:30).

أن تعتصم بالسير على الطريق، وأن لا تحيد عنه.

قال أبو بكر رضي الله عنه: "استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً".

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لم يروغوا روغان الثعالب".

فيحاول العبد أن يستقيم على طاعاته بعد رمضان، وألا ينقطع عنها كليا.

أسباب معينة

فالاستقامة هي الحل وهي السبيل، وهذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.. منها:

أولا: الاستعانة بالله

أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرارية فليست الاستقامة قوة منك ولا قدرة فيك، ولا فتوة في جنابك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة. أما الناظر إلى عمله المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا) رواه أبو داود.

ثانيا: المجاهدة

أن تعلم أن الاستقامة لا تتحصل بالهجوع في المضاجع، ولا بالاستمتاع بكل ما لذَّ وطاب من الشهوات والملذات، بل تتأتى بالمجاهدة والمثابرة والمصابرة.. مجاهدة للنفس، والهوى، والشيطان، ومثابرة على فعل المأمورات والإكثار من الطاعات، ومصابرة عن الشهوات والمنهيات، حتى تأتي بأمر الله على تمامه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت:69)، {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}(السجدة:24).

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله. 

إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.

ثالثا: رفقة أهلها 

وهذا من أكبر العون عليها، ومن أعظم أسباب الثبات عليها، وقد قال جعفر بن محمد: "كنتُ إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوع".. وإنما سهلت الطاعة في رمضان لكثرة الطائعين، ووجود القدوات ييسر الأعمال، وإنما الوحشة في التفرد والغفلة تركب الواحد وهي من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

علامات القبول 

إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعة بعدها، فعلينا مواصلة الطاعات ومتابعة القربات، ولا يكن آخر العهد بالقرآن ختمة رمضان، ولا بالقيام آخر ليلة من لياليه، ولا بالبر والجود آخر يوم فيه.. وإذا كان رمضان قد انقضى فإن الصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة والطاعة لم تنقض.. ومَنْ كان يعبد رمضان فإنه ينقضي ويفوت، ومَنْ كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. وبئس العبد عبد لا يعرف ربه إلا في رمضان.

ولقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء عالِم بني إسرائيل الذي أذاقة الله حلاوة الإيمان وآتاه أياته، ثم انقلب على عقبيه واشترى الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، وانسلخ من آيات الله كما تنسلخ الحية من جلدها: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ}(الأعراف:175).

وحذَّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" امرأة مجنونة كانت بمكة، كانت تغزل طول يومها غزلاً قويًا محكما ثم آخر النهار تنقضه أنكاثا، أي: تفسده بعد إحكامه، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا}(النحل:92).

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الطاعة بعد التعود عليها فقال لعبد الله بن عمرو: (يا عبْد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل). وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان عمله ديمة) متفق عليه.. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل) رواه مسلم.

وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهر المبارك انسلخ من آيات الله، ونقض غزله من بعد قوة أنكاثا.

وعلى الذين كانوا يحافظون على الصلاة فلما انقضى رمضان أضاعوها واتبعوا الشهوات.

وعلى الذين كانوا يجتنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغنيات فلما غاب رمضان عادوا إليها.

وعلى الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن فلما مضى رمضان هجروا المساجد وهجروا القرآن.

وقد قال أهل العلم إن من أعظم علامات الرد وعدم القبول عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمان الطاعة .. نعوذ بالله من الخذلان.

عبادة حتى الموت

لقد علمنا ديننا أن العبادة لا تنقطع ولا تنقضي بانتهاء مواسمها.. فما يكاد ينتهي موسم إلا فتح الله لنا موسما آخر .. فبمجرد انتهاء آخر ليلة من رمضان بدأت بشائر موسم الحج، وهو الأشهر المعلومات في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات}(البقرة:197) .. وأولها باتفاق أهل العلم هو بداية شهر شوال.

وسنَّ لنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم بعد رمضان صيام ستة أيام من شوال كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فذلك صيام الدهر). وليس لانقضاء العبادة غاية إلى الموت كما قال تعالى لنبيه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}(الحجر:99).

اللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين، كما مننتَ علينا بالطاعة في رمضان، أن تمن علينا بها بعد رمضان.. وكما وفقتنا للقرآن في رمضان أن توفقنا له بعد رمضان. وكما وفقتنا للقيام في رمضان، أن توفقنا له بعد رمضان. آمين.

135297 إلى الزوجين في رمضان

المقال

يطل شهر رمضان بعبقه وأريجه وما يحمله من معانٍ جميلة، ليضفي على الحياة الزوجية مزيداً من البريق والإشراق، ويمسح عنها غبار الخلاف والشقاق، ويخفف عن الزوجين هموم الحياة ومتاعبها، عندما تتقارب القلوب، وتسمو الأرواح، ويخرج الزوجان من هذا الشهر أكثر محبة ومودة ووئاماً.

ولكي يتحقق ذلك لا بد من بعض الأمور التي ينبغي أن يراعيها الزوجان في هذا الشهر الكريم، فمع دخول شهر رمضان يتغير نمط الحياة المعتاد، ويحدث انقلاب في مواعيد النوم والطعام والعمل، وقد تتغير تبعاً لذلك شخصية المرء وطباعه، ما يفرض على الزوجين التكيف مع الوضع الجديد، وترويض الطباع والعادات، والتعاون لتوفير الوقت والراحة النفسية للطرف الآخر حتى يؤدي عبادتهبدون أي منغصات أو مكدرات.

وشهر رمضان يعطينا أعظم الدروس في سعة الصدر، والصبر والحلم، والتسامح والتغافر، والمقصود من الصوم في الحقيقة تهذيب النفس، وصقل الروح وترويض العادات؛ ولذا فإن على الزوجين أن يحافظا على هدوئهما في هذا الشهر الكريم، ويضبطا انفعالاتهما، ويتحكما في أخلاقهما، وعليهما أن يضيِّقا فرص الخلاف والمشاكل ما أمكن، وأن يسعيا جهدهما لإزالة أي سوء تفاهم، وليعلما أن ذلك سيكون على حساب عبادتهما، وأن الشيطان أحرص ما يكون في هذا الشهر على أن يستثمر أي موقف يفسد عليهما لذة هذا الشهر وروحانيته وأجره.. وليكن شعارهما قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم).

ومن الأمور التي لها أعظم الأثر في زيادة المودة والمحبة بين الزوجين أن يجتمعا على طاعة الله وعبادته في هذا الشهر الكريم، وقد يكون الزوجان أو أحدهما مقصراً في هذا الجانب في بقية السنة، فيأتي شهر رمضان بما يوفره من أجواء إيمانية وأعمال تعبدية يجتمع عليها الزوجان، ليمنحهما أعظم فرص المودة والمحبة حين ترفرف على منزلهما ظلال العبادة وبركات الطاعة، من خلال صلاة التراويح والقيام والتهجد وقراءة القرآن، وعمارة البيت بذكر الله وغير ذلك من الأعمال.

ولذا فإن على كل من الزوجين أن يشجع الآخر على العبادة ويعينه عليها، وإذا قصر أحدهما لقي من رفيق دربه ما يجدد له عزمه، ويعيد إليه نشاطه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات) رواه أبو داود، وقال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أبو داود، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر أيقظ أهله وأحيى ليله.

رمضان أيضاً فرصة مهمة لتقوية الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية مع أهل الزوج والزوجة، ومع الجيران، من خلال الزيارة والمهاتفة والدعوة إلى الإفطار وما أشبه ذلك؛ لأنه قد تمر فترات يكون التواصل فيها بين أفراد الأسرة ليس كما يتمنى الزوجان، فيأتي شهر رمضان ليسد هذا الخلل، ويجبر ذلك النقص.

في شهر رمضان تجتمع العائلة كلها على الإفطار ثلاثين مرة ما يجعل للزوجين فرص استثمار هذا اللقاء في تقوية العلاقة فيما بينهما وبين أبنائهما من خلال الحوار وتبادل الحديث، ومناقشة المشاكل وحلها.

ومن الأمور التي ينبغي أن تراعيها الزوجة ضبط ميزانية شهر رمضان، ومراعاة إمكانات الزوج وظروفه المادية؛ لأن بعض النساء قد تضع قائمة طلبات طويلة، تثقل كاهل الزوج، وتضيع عليه وعليها الوقت، وتصرفهما عن المقصد الأسمى لهذا الشهر.

وينبغي على الزوج أن يساعد زوجته في القيام بشؤون البيت والعناية بالأطفال، وأن تُوزَّع المهام بصورة معتدلة، تضمن توفير الوقت للزوجة، وإعانتها على العبادة والطاعة، ولا يلحق الرجل بذلك أدنى عيب أو شين، بل هو من محاسن الأخلاق وشيم الرجال، وقد قال أفضل الخلق وأكمل الأزواج صلوات الله وسلامه عليه: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام فصلى) رواه الترمذي.
فلا يسوغ أبداً أن تُلقى مسؤولية البيت والأولاد كاملة على الزوجة، فهي التي تطبخ، وهي التي تنظف، وهي التي تهتم بالصغار، وهي التي ترتب البيت، وهي وهي...، والزوج هو الذي يتفرغ لقراءة القرآن والصلاة والذكر والتعبد.

وأخيراً، لا بد من التضحية والتنازل من كل طرف عن بعض الأمور، واحتساب كل قول وعمل، لكي نجعل من هذا الشهر شهر تجديد للحياة الزوجية، وشهر عبادة وقربة ومحبة ومودة..

239998 علاقة القرآن بشهر رمضان

المقال

من حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده أن هيأ لهم مواسم للطاعات، تنشرح فيها صدورهم لعمل الخيرات، واغتنام الأوقات، ووعدهم على ذلك جزيل الجزاء {وربك يخلق ما يشاء ويختار} (القصص:68)؛ فاختار من الناس محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن البقاع مكة والمدينة شرَّفهما الله، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومن الأشهر شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، وأودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقاً دفيناً لهذا الشهر الكريم، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمه، وتتشوف لاستقباله، كما يستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه، وكأن المؤمن قد ناء بحمل الأثقال من الخطايا والغفلات، فما أن يهلَّ الشهر ويحلَّ إلا وقد ألقاها عن كاهله، ووقف بين يدي ربه يتوب إليه ويستغفره، ثم يقبل على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود صقيلاً مضيئاً، مثل السراج المنير. 

روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ) .

وغير خافٍ أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين رمضان الكريم والقرآن العظيم؛ فرمضان هو الشهر الذي فضله الله عز وجل على سائر الشهور، واختصه بنزول أعظم المعجزات فيه، فشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) رواه أحمد.

فشهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله، ومن يوم ذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان، وأصبح شهر رمضان الكريم هو شهر القرآن العظيم. 

وقد اجتمعت في هذا الشهر الكريم أمهات العبادات؛ وإن من أخص العبادات بشهر رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً. كيف لا! وهو شهر القرآن الذي ابتدأ تنزله فيه، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185). وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (القدر:1). وقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) فرمضان أخص الشهور بالقرآن.

وكأنه سبحانه كتب علينا الصيام في هذا الشهر شكراً له تعالى على إنزال القرآن الكريم، فالصيام من أجلِّ العبادات التي يرتقي فيها المسلم بروحه إلى السموات العلى، وكأنها معراجه الخاص ليتلقى القرآن بطريقة تختلف عن تلقيه إياه في سائر الشهور والأيام؛ لذا نجد الصائمين يجدون في مدارسة القرآن في رمضان ما لا يجدونه في غيره.

وشهر رمضان موسم عظيم لتصويب وتفعيل العلاقة مع القرآن؛ فرمضان شهر الخيرات والبركات، يُضاعف سبحانه فيه الحسنات، ويبارك فيه في الأوقات والأعمال، وتُصفَّد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلَّق فيه أبواب النيران، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه قال: " فيشفعان) رواه أحمد.

وإذا تأمل المرء في سر العلاقة بين رمضان والقرآن، تبيَّن له أن الصيام يهذب النفس البشرية، فتتهيأ لاستقبال القرآن؛ ففي أيام الصيام تكون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام، وذلك أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التقلل من الفضول؛ فضولِ الطعام والشراب، وفضول النكاح، وفضولِ مخالطة الناس، وفضولِ النظر، وفضولِ السماع، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول السهر، وفضولِ تصفح المواقع والشبكات، فكلما زالت حواجز الفضول تهاوت الحجب بين القلب والقرآن؛ ولذلك كان شهر رمضان الذي تقلُّ فيه أنواع الفضول كافة، هو شهر القرآن. 

ومن المعلوم أن القرآن الكريم له تأثير عظيم على القلوب، كما قال عز شأنه: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} (الزمر:23) ومفاد هذا أننا لا نستطيع أن نصل إلى ما نسعى إليه من غير القرآن، وأعظم وأهم وقت يستفاد فيه من القرآن هو رمضان، فهو موسم القرآن الخاص؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يكون القرآن حاضراً معه كل يوم؛ في تلاوته في الصلاة، وفي تلاوته خارج الصلاة، وفي مدارسته لبعض سوره وآياته، وفي استماعه في صلاة التراويح والتهجد، مع ملاحظة أن لا يكون همه كم ختمة سنختم في هذا الشهر، بل ينبغي أن يكون همنا الأساس كم مرة تأثر القلب، وذرفت العين، وصلح العمل، واستقام السلوك، وهذا يستلزم منا قراءة متأنية بترتيل وتدبر، وأن نُعمل العقل في فهم ما نتلو من آيات ترشدنا طريق الصواب، وتهدينا سُبل الرشاد.

وإذا تقرر أن شهر رمضان هو شهر الصيام والقرآن معاً، فليس المقصود من هذا التقرير أن قراءة القرآن وتدبره لا تكونان إلا في شهر رمضان، وإنما القصد أن الداعي إلى قراءته وتدبره تزداد وتقوى في هذا الشهر المبارك.

وإذا تساءل المسلم عن حال المسلمين مع القرآن عموماً، وفي رمضان خصوصاً، لوجد أحوالاً متفاوتة، لكنها في الأعم الأغلب تكشف عن نوع هجر وانصراف، لا يليق بمنزلة القرآن في الأمة، ومحله في قلوب المؤمنين. وإذا قارن المرء حال المسلمين اليوم مع حال السلف الصالح لوجد فارقاً كبيراً، وبوناً شاسعاً، يكشف عن سر تخلفنا وضعفنا، وتداعي الأمم علينا، جراء هذا الهجر والإعراض، ويرسم لنا في الوقت نفسه المخرج الآمن من هذه الفتن المدلهمة؛ ففي حديث علي رضي الله عنه: (ألا إنها ستكون فتنة! فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يَخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً} (الجن:1) من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم) رواه الترمذي والدارمي.

وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، روى الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان، فقام يصلي، فلما كبر قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها، ثم ركع يقول: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: رب اغفر لي مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة) رواه أحمد.

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن) قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان". وقال أيضاً: "وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً، يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} (المزمل:6). وسار السلف الصالح رحمهم الله على هديه صلى الله عليه وسلم، فكان لهم اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان، فلم يكونوا يشتغلون فيه بغيره. 

ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح؛ فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شُرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا ًمرتلاً، ولذلك اُستحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة. ومن فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن الكريم من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن، فتلين بقراءتهم قلوب العباد، وتقشعر بها جلودهم، وتأخذ بأيديهم لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى سبحانه عنه.

ثم إن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن وُفِّق للجمع بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما، نال أجره بغير حساب، {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10).

ولقد وصف الله سبحانه شهر الصوم بقوله: {أياما معدودات} (البقرة:184) إنها لحظة من الزمن تحتاج إلى جهد متواصل، لا مجال فيها للمسامرات غير النافعة، فمن استطاع أن يحقق انتصاراً لنفسه في هذه الأيام المعدودات، فسوف يحقق انتصاراً على لحظات عمره، فما هذه الدنيا سوى لحظات عابرة، كما قال الشاعر:

                                                  نسير إلى الآجال في كل لحظة * * * وأيامنا تطوى وهنَّ مراحل

                                                  ولم أر مثل المـــوت حقاً كأنه * * * إذا ما تخطته الأماني بـاطل

                                               وما أقبح التفريط في زمن الصبا * * * فكيف به والشيب في الرأس شامل

                                                ترحَّل عن الدنيا بزاد من التقى  * * *     فعمرك أيام وهنَّ قلائل

قال ابن رجب رحمه الله: "يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟". 

فليحرص المسلم في هذا الشهر الفضيل على أن يجدد العلاقة مع القرآن الكريم، تلاوة وحفظاً وتدبراً وعملاً، وأن يتعرض لنفحات الرحمن في هذا الشهر المبارك، ويغتنم أيامه ولياله في قراءة كتاب ربه وتدبره، والتزود من خيراته، فهو خير كتاب يُتلى، وهو خير صديق يُتخذ، وعليه أن يشجع أبناءه على حفظه وتلاوته، وأن يجعل من رمضان فرصة لتصحيح العلاقة مع القرآن الكريم طلباً لشفاعته يوم الدين. 

178239 أحل لكم ليلة الصيام..

المقال

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (البقرة:187).

الحديث حول هذه الآية تنظمه اثنا عشرة مسألة، هي وفق التالي:

الأولى: قوله سبحانه: (أحل لكم) رويت هنا أخبار تتعلق بصدر هذه الآية؛ من ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غُشِيَ عليه؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم) ففرحوا فرحاً شديداً.

وروى الطبري أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سَمَرَ عنده ليلة، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت له: قد نمت؛ فقال لها: ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله؛ فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعتذر إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيَّنت لي، فواقعتُ أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: (لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر!)، فلما بلغ بيته، أرسل إليه، فأنبأه بعذره في آية من القرآن. 

الثانية: (الرفث) كناية عن الجماع؛ لأن الله عز وجل كريم يكني؛ قاله ابن عباس رضي الله عنه، وقال بعضهم: {الرفث} كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وقيل: (الرفث) أصله قول الفحش؛ يقال: رفث، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح.

الثالثة: قوله سبحانه: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد من الزوجين ستراً لصاحبه عما لا يحل، قال أبو عبيد: يقال للمرأة: هي لباسك، وفراشك، وإزارك، وقال مجاهد: أي: سكن لكم؛ أي: يسكن بعضكم إلى بعض.

الرابعة: قوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) روى البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) يقال: خان واختان بمعنى: من الخيانة، أي: تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم، والمعنى: يستأمر بعضكم بعضاً في إتيان المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه، بأنه يخونها؛ وسماه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه. 


الخامسة: قوله سبحانه: (فتاب عليكم) يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة؛ كقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (المزمل:20)، يعني: خفف عنكم. وكذلك قوله عز وجل: (وعفا عنكم) يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) رواه الدار قطني، يعني: تسهيله وتوسعته.

السادسة: قوله سبحانه: (فالآن باشروهن) كناية عن الجماع، أي: قد أحل لكم ما حرم عليكم، وسمي الوقاع مباشرة؛ لتلاصق البشرتين فيه، وصيغة (الأمر) هنا للإباحة، قال ابن العربي: "وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه، لا جوع قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به؛ لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله".

السابعة: قوله سبحانه: (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: وابتغوا الولد؛ يدل عليه أنه عقيب قوله: (فالآن باشروهن)، وروي عنه أيضاً قوله: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقال قتادة: اطلبوا الرخصة والتوسعة. قال ابن عطية: "وهو قول حسن".

الثامنة: روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) عَمَدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار). 

وروى الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، قال: نزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد (من الفجر)، فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار. 

وروى البخاري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا) إن أبصرت الخيطين، ثم قال: (لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار). وسمي (الفجر) خيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يُرَى ممتداً كالخيط. و(الخيط) في كلامهم عبارة عن اللون، و(الفجر) مصدر فَجَرْتُ الماء أفجره فجراً: إذا جرى وانبعث، وأصله الشق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً؛ لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض. 


التاسعة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بد من تبيت نية الصيام قبل طلوع الفجر، واستدلوا لذلك بما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له). 

العاشرة: قوله عز وجل: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) بينت الآية أن الصيام الواجب هو من طلوع الفجر إلى دخول الليل، وهو وقت الغروب، ومن ثَمَّ ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر عامداً في نهار رمضان بأكل، أو شرب، أو نكاح، فعليه القضاء والكفارة؛ لما رواه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً.

وقد قال الشافعي: إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع؛ لحديث أبي هريرة أيضاً في "الصحيحين"، قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان..) الحديث، وفيه ذكر الكفارة على الترتيب. 

وأكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن المرأة الموطوءة في نهار رمضان عليها القضاء والكفارة أيضاً، سواء أكان الوطء طواعية، أو كراهية، وقال أبو حنيفة: إن كانت مكرهة فعليها القضاء فحسب، وإن كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة، وقال الشافعي عليها القضاء فحسب، سواء طاوعت الزوج، أو أكرهها.

والذي عليه أكثر أهل العلم أن من جامع ناسياً لصومه، فلا قضاء عليه ولا كفارة، كمن أكل، أو شرب ناسياً. وقال مالك: عليه القضاء فحسب. وقال أحمد: عليه القضاء والكفارة معاً. وقد قال جمهور أهل العلم: إذا أكل ناسياً، فظن أن ذلك قد فطره، فجامع عامداً، أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.

وإذا أفطر الصائم -لغيم أو ضباب- ظناً منه أن الشمس قد غربت، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. ففي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لـ هشام -أحد رواة الحديث-: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء). ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمَّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، فأكل، ثم بان أنه من رمضان.

وفي قوله سبحانه: (إلى الليل) ما يقتضي النهي عن الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام؛ وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من ها هنا، فقد أفطر الصائم) رواه مسلم.

ثم قال العلماء: تكره مباشرة النساء لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها؛ لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم، وقد روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ مخافة ما يحدث عنهما، فإن قَبَّل الصائم، وسَلِمَ فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر.
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ ويباشر، وهو صائم.
قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً رخص فيها -القُبلة- لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه".
فإن قبَّل فأمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: "ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة". وإن كرر النظر فأمنى فيجب عليه القضاء عند بعض أهل العلم؛ لتسببه في إفساد صومه، مع إمكان التحرز عن استدامة النظر.

وأكثر أهل العلم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جُنب؛ لما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل، ويصوم). قال ابن العربي: "وذلك جائز إجماعاً، وقد استقر الأمر على أن من أصبح جنباً، فإن صومه صحيح".

وأكثر أهل العلم على أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل أن عليها الصوم، ويجزئها، سواء تركت الغسل عمداً، أو سهواً، وأما إذا شكت فلم تدرِ أكان طهرها قبل الفجر أو بعده فإنها تصوم، وتقضي ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارة عليها.

الحادية عشرة: قوله سبحانه: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (الاعتكاف) في اللغة: الملازمة؛ يقال: عكف على الشيء: إذا لازمه مقبلاً عليه، ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه، لزمه هذا الاسم، وهو في عُرف الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة، في وقت مخصوص، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، بل قُربة من القُرَب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه، وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، وقيل في صفة المسجد: لا بد من المسجد الجامع، وقيل: مطلق مسجد، وهو مذهب جمهور العلماء، واختلفوا في مدته، فقال الشافعي: "أقله لحظة، ولا حد لأكثره".  

والآية تنهى عن الجماع زمن الاعتكاف، ومن ثَمَّ ذهب العلماء إلى أن الجماع يفسد الاعتكاف. 

الثانية عشرة: قوله عز وجل: (تلك حدود الله فلا تقربوها) (الحدود) الحواجز ونهايات الأشياء، التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشُبِّهت الأحكام بالحدود؛ لأن تجاوزها يُخْرِج من حِلٍّ إلى منع، وفي الحديث: (وحَدَّ لكم حدوداً، فلا تعتدوها)، رواه الدار قطني

وقوله سبحانه: (فلا تقربوها) نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية؛ لأن القرب من (الحد) يستلزم قصد الخروج غالباً، كما قال تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (الأنعام:152)؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (البقرة:229).

الثالثة عشرة: قوله سبحانه: (كذلك يبين الله آياته للناس) أي: كما بيَّن الله أحكام الصيام، يبين جميع آياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه؛ لئلا يلتبس شيء منها على الناس؛ وليتقوا مجاوزتها، و(الآيات) العلامات الهادية إلى الحق. 

وقوله عز وجل: (لعلهم يتقون) أي: يريد الله -ببيان أحكامه- وقاية الناس من الوقوع في مخالفة ما شرعه لهم؛ لأنه لو لم يبين لهم الأحكام، لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يمتثلون لهذه الأحكام على وجهها المبين، فتحصل لهم صفة التقوى؛ إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان، وغير مؤاخذين بإثم التقصير، إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى.

230704 من حكمة المنان في فريضة الصيام

المقال

دين الإسلام مصلحة كله، وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.. والإسلام كله مبني على الحكمة وإرادة المنفعة للناس؛ قال الإمام البيضاوي في كتاب المنهاج: "إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد"(ص:233)، والفقه الحقيقي هو معرفة هذه الحكم والتضلع بهذه المقاصد؛ قال ابن تيمية رحمه الله: "من فهم حكمة الشارع كان هو الفقيه حقا"، وقال أيضا: "خاصة الفقه في الدين معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها" (الفتاوى:11/354).

وإدراك مقاصد العبادات وحِكَمها يهون العبادة على ملتزميها؛ كما أنهم يعيشون روحها ومعانيها، فلا تؤدى على أنها عادات وتقاليد موروثة لا يشعرون بلذتها وحلاوتها ولا يستفيدون مراد الشارع فيها.
قال الشيخ مصطفى السباعي عن ذلك: "ليكون أوقع في النفس وأعمق في الأثر، وليكون المؤمن أكثر اطمئنانا للعبادة حين يؤديها وللتشريع حيث ينفذه".

والصيام أحد شعائر هذه الشريعة المباركة، وقد تكلم العلماء في حكمة فرض الله له فذكروا من مقاصد الصوم وحكمه بعض ما بدى لهم وظهر، وإلا فإن العقول عاجزة عن الإحاطة بحكمة الحكيم ولطف اللطيف الخبير سبحانه جل في علاه.. فكان مما ذكره العلماء من الحكم:

أولا: مواساة المحرومين والتكافل بين المؤمنين:
ذكر الإمام ابن رجب في كتابه لطائف المعارف ص 314 عن بعض السلف أنَّه سئل: "لِمَ شُرِع الصيام؟ فقال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع".
وحينما سئل يوسف عليه السلام: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع". فإنما يعرف ذوق التعب من نازله، ويعرف قدر الألم من كابده:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده .. .. ولا الصبابة إلا من يعانيها.

ولهذا كان من مقاصد الصيام الجليلة أنَّ فيه تجربة لمقاساة الحرمان والجوع، وغرس الرحمة بطريق عملي في قلوب أغنياء المسلمين نحو فقرائهم، فيتذكُّر الموسرون إخوانهم الفقراء الذين يقاسون الحرمان أبد الدهر، ويقفون على حقيقة معاناتهم وآلامهم، فتسارع الرقة إلى قلوبهم، وتتهيأ أنفسهم لمواساة الفقراء بالمال والإطعام والتصدق والبذل والجود والإحسان، وهذا من أعظم التكافل الاجتماعي الذي يسبب التآلف بين المسلمين، وتوثيق الروابط بين الأبناء المجتمع.

ثانيا : إدخال العزاء والسلوى على قلوب الفقراء
بما يرون من مشاركة الأغنياء والأثرياء في الحبس عن الطعام والشراب والامتناع عن الملذات، وليس أدخل للسلوى على قلب المعدم البائس من وقوفه مع الغني موقف المساواة ولو ساعة من نهار.

ثالثا: القبض على زمام الشهوة من الوقوع في الآثام
فإن المرء ربما تاقت نفسه إلى النساء ولا يجد طولا، ويخشى العنت، فيكسر حدة شهوته بالصوم، ولذلك قال النبي صلى لله عليه وسلم للشباب: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أعف للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي قاطع للشهوة.

رابعا: الشعور بفقر العبودية وحاجتها
فإن تألم النفس لحبسها عن الطعام يشعرها بضعفها وذلتها وحاجتها فتسكن إلى ربها خاشعة، وتقف على مقدار ضعفها وعجزها، وترى كيف ضعفت قواها ووهنت للقمة من طعام فاتتها وشربة من ماء تأخرت عنها، والعبد إذا لم ير ذل نفسه استحال أن يرى عظمة مولاه، فإن "من عرف نفسه عرف ربه".. أي من عرف نفسه بالضعف والفقر والحاجة عرف ربه سبحانه بالقوة والغنى والعزة.

خامسا: إضعاف تأثير الشيطان على الصائم:

فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا صام المسلم ضيق علىه مجاريه؛ فلم يستطع أن يؤثر عليه أو يوسوس إليه كما كان في فطره وشبعه.. وفي هذا إعانة للعبد على أن يملك زمام نفسه، والسعادة كلها في ذلك، كما أن الشقاوة كل الشقاوة أن تملكه نفسه.
قال ابن القيم : "الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات". (زاد المعاد2/29).
ويقول الإمام الكمال بن الهمام في فتح القدير: "الصوم يسكن النفس الأمَّارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلُّها".

سادسا: تعود الصبر على المكاره والثبات عند الشدائد
فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن كل ما تشتهي مما منعه منه الصيام ـ وإن كان حلالا في غيره ـ فهو يزود المسلم بعزم قوي وصبر حسن، خصوصا عند آخر اليوم وشدة الجوع والعطش ووجود الماء والطعام، ومع ذلك لا يميل إليه ولا تحدثه نفسه بتناوله مهما تاقت له تصبرا واحتمالا وطلبا لثواب الله رب العالمين. ولذلك قيل "إن الصوم نصف الصبر".

سابعا: تذكير العبد بالفارق بين ذل العبودية وعز الربوبية
لأن الصيام يذكر الإنسان بحاجته للطعام والشراب وعدم استغنائه عن ذلك؛ فيرفع عنه رداء الكِبْر والفخر والخيلاء، ويصيره خاضعا لخالفه ورازقه، فلا يطمع أحد بعد ذلك في التبجح بألوهية أو ادعاء ربوبية كما قال فرعون والنمرود وأشباههم، ولذلك احتج الله على من اتخذ عيسى وأمه إلهين فقال: {ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}(المائدة:75) فهما محتاجان إليه ذليلان به، ولا يكون الإله محتاجا ذليلا. وإنما أحد فرد صمد غني عن كل من سواه، وكل من سواه فقير محتاج إليه كما قال سبحانه {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز}(فاطر:15).

ثامنا: تحصيل التقوى:
وهذا هو المقصد الأسمى والأعلى من حكمة مشروعية الصيام.. وهو الوصول بالصائمين إلى مرتبة المتقين.. والصيام من أعظم العبادات التي يتدرب بها على الوصول لهذه المرتبة العظيمة.. وكل ما في الصيام يوصل إليها، إذا صام الإنسان حق الصيام..

وإذا كانت التقوى هي: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل" كما قال عليّ رضي الله عنه.. فإن الصائم قد جمع له ذلك كله، فصام خوفا من الله، ولولا هذا الخوف لأفطر وما صام.. والصوم عمل بكتاب الله وطاعة لأمره وإذعان لشرعه  .. وكل هذا من الاستعداد ليوم القيامة و(من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا).. ولا شيء يصل ثوابه لثواب الصوم كما في الحديث (والصوم لي وأنا أجزي به).. فلا يستعد ليوم المعاد بمثل عبادة الصوم.

وإذا كانت التقوى هي: "العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله" كما قال طلق بن حبيب رحمه الله.. فإن الصائم قد توفَّر له ذلك أيضا: فالصوم طاعة لله، والالتزام بوقت الصوم الذي حدده الشارع هو الضابط، وإنما ذلك كله رجاء ثواب الله.. وفي الصوم ترك لكل ما يغضب الله ويفسد الصيام ويجرحه، خوفا من ضياع الصوم وخشية من عقاب الرب.

وأعظم دلالات التقوى في الصيام أن العبد لا يفطر بلا عذر وإن تعرض للعقوبة أو الضرب تعظيما لأمر الله. وأعظم من ذلك دلالة ما ذكره ابن رجب وغيره أن من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه وتهواه نفسه من طعام وشراب وشهوة، لأنه يعلم أن الله يكرهه في هذا الوقت، ثم يحبه ويقبل عليه في الوقت الذي أباحه الله له فيه. فليس شيء أدل على التقوى من هذا، ولا أكبر منه إلا ترك كل هذه المشتهيات عند الاختفاء عن أعين الناس مراقبة لعين الله سبحانه.. وهذا هو مقام الإحسان.. أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وباب الحكمة من الصيام ومقاصده باب واسع جدا.. وهو متسع لكل من يلج..
فاللهم علمنا وفهمنا وتقبل منا يا أرحم الراحمين.
 

176729 العشر الأواخر من رمضان

المقال

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

فمنذ أيام قريبة مضت كنا نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان، وأن يمد في أعمارنا وينسأ في آجالنا حتى ندركه، وعاهدنا الله عهودًا كثيرة إن هو أبقانا إلى رمضان، عهودا على الطاعة وبذل الجهد واستفراغ الوسع في العبادة وعمل الصالحات، واستجاب الله دعاءنا بمنه، وبلغنا رمضان بفضله وكرمه، وجاء رمضان وكما هي عادة الأيام المباركات مر مسرعًا، حتى انقضى منه ثلثاه وزيادة، ولم يبق إلا الثلث أو أقل.. وما هو إلا القليل حتى نُعزي أنفسنا بانتهاء رمضان.

فينبغي على كل منا ـ قبل انقضاء رمضان ـ أن يقف وقفة يحاسب فيها نفسه؛ ماذا قدم فيما مضى؟ وماذا يرجو مما بقي؟ حتى لا يخرج من رمضان كما دخل فيه، فما يدرينا هل ندرك رمضان آخر، أم تسبق إلينا الآجال وتنقطع منا الأعمال.

كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ ... من بين أهــل وجـيرانٍ وإخـوانِ
أفنــاهم الموت واستـبـقـاك بعــدهُمُ ... حيًّا فما أقرب القاصي من الداني

فلابد من هذه الوقفة للمحاسبة لتعرف أين أنت، وماذا استفدت من صيامك وقيامك، وهل تحقق مقصود الله فيك من فرض الصيام؟ وهل حققت أهدافك، وتيسرت لك أمنياتك ورغباتك، فغفرت ذنوبك، وتقبلت طاعاتك، واعتقت رقبتك من النار؟؟

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صائمين ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وذكر عليه الصلاة والسلام قائمين ليس لهم من قيامهم إلا طول السهر. ذاك أنهم لم يعرفوا من الصيام إلا الإمساك عن الطعام والشراب، ولم يدركوا مقاصد شهر رمضان.

فإذا رأيت بعد هذه الوقفة أنك قد أحسنت فيما مضى فاحمد لله تعالى على فضله، واشكر الله على نعمة التوفيق بالاستقامة والاستزادة.. وإن كانت الأخرى فرأيتَ تقصيرا أو تفريطا، فاعلم أنه ما زال فيما بقي من رمضان مُسْتعتَب، وأن الفضل المخزون في هذه العشر يحيل القنوط ويمنع اليأس ويبعث على الأمل والعمل، عسى أن يكون آخر الشهر خيرا لك من أوله.
قال بعض العلماء: العبد الموفق مَن أدرك أن حُسن النهاية يطمس تقصير البداية، وما يدريك لعل بركة عملك في رمضان مخبأة في آخره، فإنما الأعمال بالخواتيم.

فضائل العشر الأواخر

اعلم أن الليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل ليالي العمر على الإطلاق، أجمعها للخير، وأعظمها للأجر، وأكثرها للفضل.. فيها عطاء جزيل، وأجر وافر جليل، اقترن فيها الفضل بالفضل: فضل الزمان مع فضل العبادة مع فضل الجزاء؛ ففيها النفحات والبركات، وفيها إقالة العثرات واستجابة الدعوات، وفيها عتق الرقاب الموبَقات..

واعلم أيها الحبيب أن هذه العشر وهذا الثلث الأخير كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد له استعدادًا خاصًا، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره).

وفي الصحيحين عنها أيضًا: (كان إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله). وشد المئزر كناية عن الاجتهاد في العبادة واعتزال النساء.

الاعتكاف والتفرغ للعبادة

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان في مسجده صلى الله عليه وسلم، فكان يعتزل النساء، ويلتزم المسجد، ويحيي الليل بالصلاة والعبادة، ولا يشغل نفسه في هذه العشر إلا بالعبادة، العبادة فحسب، بل كان يقتطع من الوقت ما استطاع ويفرغ منه ما أمكن، فلا يضيع منه شيئا ولو حتى في تناول الطعام، فقد كان يواصل الصيام إما للسحر وإما لأيام متتالية تفريغًا للوقت في الطاعة؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال: وأيكم مثلي! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)..

قال ابن رجب الحنبلي: ومعلوم أنه لا يطعمه الطعام والشراب الحِسي؛ لأن ذلك منافٍ لحقيقة الصيام، وإنما هو إشارة إلى ما كان يفتحه الله عليه من مواد أُنسه ونفحات قدسه، فكان يرد على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب كما قيل:

لها أحاديث من ذاكراك تشغلها.. ... ..عن الطعام وتلهيها عن الزاد

والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أشد ما يكون اجتهادًا في هذه العشر الأواخر، وهكذا ينبغي على المسلم أن يتخفف من المباحات ويقلل من أوقات الأكل والنوم ليفسح للطاعات مكانًا، ويواصل عبادته بالليل والنهار تقربًا إلى الله وتشبثًا بأسباب المغفرة.

ليلة القدر

وفي العشر الأواخر ليلة القدر، ومن رحمة الله أن خبأها في هذه العشر، وجعلها أرجى وجودًا في ليالي الوتر منها؛ حتى نكثر من التعبد، وهي ليلة العمر كما قال سبحانه: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر:3).
ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه).

وروى أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر، مَنْ حُرِم خيرها فقد حُرِم).

ثم أخبر أنها في العشر الأواخر فقال: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) متفق عليه. وعند البخاري: (في الوتر من العشر الأواخر).

ولك أن تتخيل عبدًا قام لله ليلة واحدة كانت له كعبادة ألف شهر، أو ما يعادل ثلاثة وثمانين سنة، أي فضل هذا وأي نعمة تلك؟!

فمن حُرِم خيرها فهو المحروم، ومن أعرض عنها فهو المغبون، وقد خاب وخسر من أدرك هذا الفضل ولم يغفر له.

دعاء ليلة القدر

واعلم أن ما يدعو به المؤمن ربه في هذه الليالي هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم زوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حين سألته فقالت: (أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني).

فأكثر أخي من الدعاء عامة، ومن الدعاء بالعفو خاصة؛ عسى أن يعفو الله عنا، إنه هو العفو الكريم.

اللهم إن ذنوبنا عظيمة ولكنها صغيرة في جنب عفوك، فاعف عنَّا.. اللهم أدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوك يا كريم.. اللهم ارض عنا فإن لم ترضَ عنَّا فاعف عنا.. آمين.

135300 يوم رمضاني

المقال

إليك أختي المسلمة هذا البرنامج اليومي الذي يمكنك الاستعانة به لاستغلال ساعات هذا الشهر العظيم وأيامه فيما يقربك من ربك جل وعلا.

يبدأ البرنامج قبيل الفجر في ساعات الليل الأخيرة، حيث تستيقظ الأخت، ثم تتوضأ وتصلي ما كتب الله لها، لتقوم بجزء من القرآن في هذا الوقت الشريف، وقت تهجد المتهجدين، واستغفار المستغفرين، ودعاء الملحين، وليس هناك من حرج في أن تصلي في هذا الوقت، ولو كانت قد أوترت عقب صلاة التراويح، المهم أن لا توتر مرة أخرى.

فإذا صلت ما كتب الله لها ودخل وقت السحر، تكون المرأة قد أعدت ما تيسر من الطعام للسحور، ولو بضع تمرات لقوله صلى الله عليه وسلم: (نِعْمَ سحور المؤمن التمر) رواه الطبراني، فإن لم تجد التمر شربت قليلاً من الماء, لتحصل لها بركة السحور.

فإذا تسحرت جلست تذكر الله وتسبحه وتستغفره حتى يؤذن الفجر، فإن الله جل وعلا أثنى على المستغفرين بالأسحار، وكان ابن عمر رضي الله عنه يحيي الليل بالصلاة، ثم يقول لمولاه: يا نافع! أسحرنا -يعني هل دخل وقت السحر؟- فيقول: لا، فيعاود، فإذا قال: نعم، قعد يستغفر الله حتى يصبح.

فإذا أذن المؤذن لصلاة الفجر رددت معه ألفاظ الأذان، ثم تدعو بما ورد، ثم تصلي راتبة الفجر (سنة الفجر) التي هي خير من الدنيا وما فيها، وكان صلى الله عليه وسلم لا يدعها في حضر ولا سفر، ثم تجلس تدعو الله بعد الأذان حتى تقيم الصلاة، ثم تصلي الفريضة، وبعدها الأذكار، ثم تقرأ أوراد الصباح لتكون في حرز من الشيطان يومها ذاك، ويمكنها الاستعانة بكتب الأذكار الصحيحة، إن لم تكن تحفظها.

وبعدها تشرع في قراءة قدر من القرآن لا تفرط فيه، وليكن جزءاً أو جزأين أو أكثر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، ثم تصلي ركعتين ليكتب لها أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم.

ثم تأخذ قسطاً من النوم والراحة حتى تستعيد نشاطها، إن لم تكن مرتبطة بعمل أو دراسة، وتستيقظ قبل الظهر لتصلي سنة الضحى، فإذا دخل وقت صلاة الظهر تحرص على أن تصلي السنة القبلية، وهي أربع ركعات ثم الفريضة، ثم السنة البعدية ركعتين أو أربع، ثم تستكمل قراءة وردها اليومي من القرآن قبل أن تشتغل بأمور البيت والأولاد والإعداد للإفطار.

وينبغي للصائمة أن تجعل لها حزباً يومياً من كتاب الله، تقرؤه في نهارها وليلها، وأوقات فراغها، ولا أقل من أن تختم القرآن مرة في هذا الشهر، الذي هو شهر القرآن، ولو قرأت الأخت جزءاً من القرآن بالليل، وجزأين بعد صلاة الفجر وجزءاً بعد صلاة الظهر، وجزءاً بعد صلاة العصر والتراويح، لاستطاعت أن تقرأ خمسة أجزاء في يومها وليلتها، وبذلك تختم القرآن في رمضان خمس مرات بفضل الله ومنته، إذا رتبت وقتها وحرصت عليه، والأخت التي لا تستطيع القراءة من المصحف، بإمكانها تعويض ذلك عن طريق سماعه بواسطة الإذاعة أو جهاز التسجيل، فيحصل لها الأجر والثواب، ويعمر البيت بتلاوة كلام الله وذكره.

ويمكن في هذا الوقت أيضاً أن يكون هناك مجلس ذِكْر عائلي يجتمع فيه أفراد الأسرة يتدارسون فيه القرآن، وبعض الأحاديث من رياض الصالحين، أو الأربعين النووية، ويشجع الأولاد على ذلك عن طريق إقامة المسابقات والجوائز.

ثم تصلي صلاة العصر، وبعدها تبدأ في إعداد ما تحتاجه الأسرة من إفطار دون مبالغة أو إسراف، مستغِلة هذا الوقت الذي تقضيه في المطبخ في الذكر والتسبيح والتهليل، وسماع القرآن وبعض الأشرطة والمواد النافعة، محتسبة في ذلك الأجر والنية الخالصة.

وعليها ألا تنسى في غمرة الانشغال أن تخصص وقتاً قبيل المغرب -ولو بثلث ساعة على الأقل- لتغتنم هذه اللحظات المباركة، وتتفرغ لقراءة الأذكار، ودعاء الله في هذه الساعة التي هي من أوقات الإجابة.

فإذا أذن المؤذن استحب تعجيل الفطر، ولا تنسى الأذكار بعد الإفطار، ثم أداء صلاة المغرب في أول وقتها وركعتين بعدها، وبعد الصلاة يكمل أفراد الأسرة عشاءهم، وينبغي أن لا يثقلوا على أنفسهم في تناول الطعام، كي يستطيعوا أن يؤدوا التراويح بخشوع وراحة. 

وقبيل صلاة العشاء تقوم متطهرة لتستعد لصلاة العشاء والتراويح إما في بيتها، أو في مسجد حيها مع مراعاة الضوابط الشرعية، ولا تنصرف من الصلاة حتى ينصرف الإمام من آخر ركعة، ليكتب لها قيام ليلة كاملة.

بعد الانتهاء من صلاة العشاء والتراويح يمكن أن تخصص جزءاً من الوقت تستكمل فيه وردها من القرآن، وبعده تتوجه إلى شؤونها الخاصة وشؤون أولادها من صلة رحم، أو زيارة قريب أو جار، أو حضور درس أو محاضرة، أو الجلوس مع الأولاد لتعليمهم وتحفيظهم بعض الآيات والأذكار والقصص، ولتحذر الأخت من إضاعة الوقت أمام القنوات أو في الأسواق والسهر الطويل، فقد كان صلى الله عليه وسلم يكره السمر والحديث بعد العشاء إلا لحاجة.

وبعد ذلك تأخذ قسطاً من النوم في الليل؛ لأن نوم النهار لا يغني عن نوم الليل، مع عدم نسيان الأذكار الواردة عند النوم، والحرص على أن تنام على طهارة، فإذا جاء ثلث الليل الأخير استيقظت لتستأنف يوماً جديداً مليئاً بالطاعات والقربات.

135242 رمضان شهر الدعاء

المقال

في سياق آيات الصيام جاءت لفتة عجيبة تخاطب أعماق النفس، وتلامس شغاف القلب، وتسرِّي عن الصائم ما يجده من مشقة، وتجعله يتطلع إلى العوض الكامل والجزاء المُعَجّل، هذا العوض وذلك الجزاء الذي يجده في القرب من المولى جل وعلا، والتلذذ بمناجاته، والوعد بإجابة دعائه وتضرعه، حين ختم الله آيات فرضية الصيام بقوله سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة:186)، فهذه الآية تسكب في نفس الصائم أعظم معاني الرضا والقرب، والثقة واليقين، ليعيش معها في جنبات هذا الملاذ الأمين والركن الركين.

كما أنها تدل دلالة واضحة على ارتباط عبادة الصوم بعبادة الدعاء، وتبين أن من أعظم الأوقات التي يُرجى فيها الإجابة والقبول شهر رمضان المبارك الذي هو شهر الدعاء.

وقد جاءت النصوص الشرعية مبينة عظم شأن الدعاء وفضله، فالدعاء هو العبادة، وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر وتفريج الهم وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين وملجأ المستضعفين، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء. 

                                                 وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيقٌ          علــيَّ فــمـا ينفـــك أن يتفرّجا
   
                                                 وربَّ فتى ضاقت عليه وجوهُهُ       أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا

وللدعاء شروط وآداب ينبغي مراعاتها والأخذ بها حتى يكون الدعاء مقبولاً مستجاباً:

يأتي في مقدمتها إخلاص الدعاء لله، وإفراده سبحانه بالقصد والتوجه، فلا يدعو إلا الله ولا يسأل أحداً سواه.

ولا بد من قوة الرجاء وحضور القلب وعدم الغفلة عند الدعاء لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه) رواه الترمذي.

وعلى الداعي أن يجزم في المسألة ولا يتردد، ولا يستعجل الإجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء لا مكره له)، وقوله: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ، فلم يستجب لي) رواه البخاري.

وليتحرَ الأوقات والأحوال التي تكون الإجابة فيها أرجى، كليلة القدر، وجوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وحال السجود، والصيام، والسفر، وغيرها من أوقات الإجابة.

وليقدم بين يدي دعائه الثناء على الله جل وعلا، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والإقرار والاعتراف بالذنب والخطيئة، فعن فضالة بن عبيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً، إذ دخل رجل فصلى، فقال: "اللهم اغفر لي وارحمني"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله وصل علي، ثم ادعه) رواه الترمذي.

وعليه أن يلح في دعائه وتضرعه، ويعظم المسألة، ويظهر الفاقة والمسكنة، ويدعو في جميع الأحوال من شدة ورخاء ومنشط ومكره، ويكرر دعاءه ثلاثاً، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) رواه الطبراني، وقال: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب، فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي.

ويستحب أن يتطهر ويستقبل القِبلة، ويرفع يديه حال الدعاء، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله حي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين) رواه الترمذي.

وعلى الداعي أن يخفض صوته بين المخافتة والجهر؛ لقوله جل وعلا: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين} (الأعراف:55) وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! اربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم ) رواه البخاري. ومعنى (اربعوا) أي: ارفقوا.

وليتخيّر جوامع الدعاء، والأدعية المأثورة التي جاءت النصوص بأنها أرجى للقبول والإجابة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء:87) فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله) رواه الترمذي.

وليبتعد عن السجع المتكلَّف، ومراعاة تنميق العبارات، وتزويق الألفاظ، فإن العبرة بما في القلب من صدق التوجه والإقبال على الله، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك.

وعلى الداعي أن يطيب مطعمه ومشربه حتى يكون مجاب الدعوة، وألا يدعو إلا بخير، وأن يتجنب الاعتداء في دعائه، ولا يدعو على نفسه وماله وأهله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم)، وقوله: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم) رواه مسلم.

هذه بعض آداب الدعاء وشروطه على سبيل الإجمال، فاحرص أخي الصائم على استغلال الأوقات والأحوال الشريفة في هذا الشهر المبارك، وأكثر من الدعاء لنفسك ووالديك وأولادك، وإخوانك من المؤمنين والمؤمنات، وتعرض لنفحات الله، لعله أن تصيبك نفحة لا تشقى بعدها أبداً.

135296 أولادنا في رمضان

المقال

الأطفال بهجة العمر وزينة الحياة الدنيا، والرصيد الباقي للمرء بعد موته إن أحسن تربيتهم وتنشئتهم (أو ولد صالح يدعو له)، ورمضان فرصة عظيمة لها آثارها على نفوس أطفالنا، إن أحسنا استغلالها والإفادة منها بما ينعكس على سلوكهم في شؤون الحياة كلها.

فالصوم مسؤولية جسيمة تتطلب قدراً من الجهد والمشقة والصبر وقوة الإرادة، إضافة إلى أنه فريضة رتب الشارع الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، مما يحتم على الأبوين ضرورة تعويد الأبناء على أداء هذه الفريضة، وتحبيبهم فيها، واستثمار هذه الفرصة الاستثمار الأمثل لغرس القيم والسلوكيات الجميلة في نفوسهم، وإضافة عدد من المهارات والتجارب لديهم.

فكيف نجعل من لحظات الصيام سعادة في قلوب أولادنا، وكيف يصبح رمضان فرحة ينتظرونها بفارغ الصبر، وكيف نستثمر هذا الشهر في غرس المعاني التربوية والإيمانية في نفوسهم؟!

من المهم جداً أن يرى الطفل ويسمع من حوله مظاهر الحفاوة والابتهاج بهذا الشهر الكريم، فينشأ ويكبر وهو يشاهد هذه السعادة الغامرة والفرحة الكبيرة من والديه وإخوانه كلما هبت نسائم شهر رمضان، وتظل هذه الذكريات السارة محفورة في ذاكرته، لا تبليها مرور الليالي والأيام، ولا يمحوها كَرُّ الشهور والأعوام، ولو رجع أحدنا بذاكرته إلى الوراء عدة سنوات ليتذكر البدايات الأولى التي عاش فيها تجربة الصوم لوجدها من أكثر سني عمره متعة وإثارة.

ولعل من المناسب أن يُحْضِر الوالدان للأطفال بعض الهدايا واللعب في بداية الشهر، لتحمل معها معنى عظيماً، وهو أن هذا الشهر يأتي، ويأتي معه الخير، فيحبونه ويترقبونه بكل شوق وشغف.

ومن الأمور المهمة أيضاً تعويد الطفل على الصوم والتدرج معه في ذلك، فلا ينبغي أن ندع أطفالنا يكبرون، ثم نباغتهم بالأمر بالصوم من غير أن يستعدوا له، فيشق ذلك عليهم، بل لا بد من إعدادهم نفسيًّا، وتهيئتهم فكريًّا.

وطاقة الطفل وتحمله تزداد يوماً بعد يوم، فقد يكون في هذا العام غير قادر على الصيام، ولا حرج في ذلك ولا إثم، فهو لم يبلغ سن التكليف بعدُ، كما أنه ليس بالضرورة أن يصوم الطفل الشهر كله في البداية، أو يصوم اليوم كاملاً إلى نهايته، بل يمكن أن نبدأ معه بشكل متدرج، كأن يصوم للظهر ثم للعصر، ولا حرج إن كان بمقدوره تحمل الجوع مع تناول بعض الماء، وهكذا حتى يعتاد الصيام.

ولا بد مع ذلك من التلطف مع الطفل، وتنمية جانب الاحتساب عنده، عن طريق بيان ما أعده الله للصائمين، وألا يفهم أن القضية جوع وعطش، بل هي عبادة وطاعة، وفوق ذلك ثواب عظيم، وجزاء كبير.

ومن المهم أيضاً أن تقترن هذه التجربة بالمكافآت والجوائز التشجيعية في نهاية يوم الصوم، أو في نهاية الشهر الكريم، ويمكن أن يفتح باب المنافسة بين الأطفال كأن يقال لهم: "من يصوم أكثر له جائزة أكبر"، و"من يصلي التراويح إلى نهايتها له كذا وكذا"، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطفل عادة يحب المكافأة السريعة، وهو ما يدفعه ويجعله يستمر فيما يقوم به من تكاليف، إلى أن تصبح تلك التكاليف سلوكاً من حياته، وجزءاً من شخصيته، ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كانوا يُعوِّدون أبناءهم منذ نعومة أظفارهم على الصيام، وكانوا في المقابل يقدمون لهم الألعاب والدمى، يتلهَّون بها عن الجوع والعطش.

إن إقبال الأطفال على مشاركة والديهم في الصيام يحمل معنى تربوياً هاماً، فهو يغرس الثقة في نفس الطفل، وينمي لديه الشعور بإثبات الذات، والإحساس بالمسؤولية، عندما يحس بأنه يقوم بأعمال لا يمارسها إلا الكبار، ولعل هذا الشعور هو ما يفسر لنا الإصرار والحماس الذي يدفع بعض الأطفال لأن يصوم هذا الشهر كاملاً مع صغر سنه، وهو أمر له أثره الإيجابي على سلوكيات أبناءنا وعباداتهم ومعاملاتهم، لأنه يجعل من شهر الصوم نقطة بداية لتحملهم المسؤولية في بقية الشهور والعبادات والمعاملات.

رمضان أيضاً فرصة عظيمة لغرس المعاني الإيمانية في نفوس أطفالنا، كالصبر، وتحمل الجوع والعطش، ومراقبة الله تعالى عندما يمسكون عن الأكل والشرب مع إمكانهم أن يفعلوا ذلك بعيداً عن أعين الناس، والتعلق بالمساجد والتراويح وحب القرآن عن طريق إقامة المسابقات في ختمه، وحفظ جزء منه، والإقبال على تلاوته، والجود والكرم حين يعطي الوالدان صغيرهما مبلغاً من المال ليضعه في يد سائل أو محتاج.

يجب أن يشعر الأطفال أنه لا مكان للكسل والخمول في هذا الشهر، وأن الأوقات فيه غالية ثمينة لا ينبغي أن تضيع فيما لا فائدة فيه، فضلاً عما يعود بالضرر عليه، ولذا فإن من الجريمة في حق أطفالنا أن نتركهم ضحية للمحطات الفضائية والقنوات التي تغرس فيهم القيم والسلوكيات المنحرفة عن طريق ما تبثه من برامج وأفلام وترفيه غير برئ، تحت مبرر أنها قنوات موجهة للأطفال، وقد لا تدرك المرأة أن المخاطر التي تتهدد الطفل وأخلاقه من جراء عكوفه على هذه القنوات قد لا تقل -إن لم تكن أعظم- عن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها فيما لو أخلي سبيله، وذهب إلى خارج البيت.

رمضان أيضاً فرصة لتنمية الذوق الغذائي السليم لدى أولادنا، والابتعاد عن العادات السيئة التي جلبتها لنا الحضارة المعاصرة، وفيها من الضرر ما يفوق النفع، ولذا ينبغي أن نكون قدوة لأطفالنا في أكلنا وشربنا؛ لأن عاداتنا وممارساتنا الغذائية ستنعكس على الطفل بلا شك.

وأخيراً وليس آخراً، فإن رمضان فرصة عظيمة ينبغي أن نستفيد منها في تربية أبنائنا وبناتنا، ولن يتأتى ذلك إلا بوضع الخطط، وإعداد البرامج لكي يخرج الطفل من هذا الشهر الكريم وقد اكتسب شيئاً جديداً وخلقاً حميداً، والله الموفق، وهو يهدي السبيل.

135310 على مائدة الإفطار

المقال

اجتمع أفراد الأسرة المسلمة لتناول الإفطار، اجتمعوا حول الطعام الشهي، والشراب البارد النقي، الكل ينتظر صوت المؤذن، مشعراً بغروب شمس ذلك اليوم ودخول الليل، ومُؤْذِناً بانتهاء وقت الصيام وبدء تناول الطعام.

إنه مشهد من المشاهد التي تهتز لها النفوس، وتلتفت لها الأنظار، ما الذي منع ذلك الجائع من أكل شيء يعالج جوعته، أو تناول شراب يسد ظمأته، ما الذي جعل الشاب الصغير يصبر دون مد يديه، يترقب وينتظر مثل والديه، إنها مراقبة الله عز وجل وطلب رضاه، الأمر الذي جعله يضحي بشهواته من أجل مولاه.

مشهد رائع جميل عند سماع الأذان "الله أكبر، الله أكبر"، حيث تتحرك أيدي الجميع نحو رطبات، أو تمرات، أو حسوات من ماء، اقتداءً بخير الصائمين، وأفضل العابدين، روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

يأكل الصائم باسم الله، حامداً له على نعمه، قائلاً: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة)، فهو سبحانه وتعالى المتفضل على عباده بنعمه الكثيرة، وآلائه المديدة، والعبد ضعيف مسكين، لا حول له ولا قوة إلا به، فكيف لو فقد الإنسان نعمة السمع الذي يسمع به، أو نعمة اليد التي يتناول بها، أو نعمة الذوق الذي يميز به بين الأطعمة، أو نعمة اللسان الذي يتكلم به، ويحرك به الطعام، أو نعمة اللعاب الذي يساعد في المضغ والبلع، أو نعمة الطعام والشراب، يا لها من نعم شتى يستشعرها الصائم لحظة فطوره.

وكم هي فرحة عظيمة تغمر نفس الصائم، وقد أتم صيام يومه، آملاً ثواب ربه، إنها فرحة الطاعة، ولذة العبادة، والقرب من المولى سبحانه، وكسب محبته، تلك الفرحة تزيد على فَرَحه بالطعام بعد الانقطاع عنه، ولذلك جاء الوصف النبوي لتلك الحالة وصفاً دقيقاً رائعاً، حين قال: (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) متفق عليه.

على مائدة الإفطار يتذكر الصائم أولئك الفقراء والمساكين الذين يستمر صومهم ساعات طوال وأياماً معدودات، فهم دائماً في صراع مع الجوع والعطش، لا يهنؤون بالطعام وأنواعه، بل قد لا يجدون ما يفطرون عليه، ولذلك جاء الترغيب النبوي بتفطير الصائم، حيث قال صلى الله عليه وسلم : (من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً) رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني.

أضف إلى ما سبق استشعار وحدة الأمة الإسلامية، وهي تفطر في وقت واحد، فكم من الملايين اجتمعوا على موائد الإفطار يترقبون الأذان، لا أحد يتقدمه ولا يتأخر بعده، فهل يوجد دين وحَّد بين أتباعه كدين الإسلام، إنها النعمة العظمى، قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة:3). فهيّا بنا -أخي القارئ الكريم- نستشعر تلك المعاني العظيمة، والقيم النبيلة التي جاء بها الإسلام العظيم، والدين الحنيف، فلا سعادة بدونه، ولا عز بغيره، ولا وحدة إلا عليه، والله الموفق.

230872 اغتنام العشر الأواخر من رمضان

المقال

أسرعت أيام رمضان ولياليه انقضاء، ومر من رمضان عشره الأوائل ثم عشره الأواسط، ولم يبق من رمضاه الا الثلث الأخير والعشر الأواخر..  

وإذا كان العلماء قد اتفقوا على أن رمضان هو خير الشهور وأفضلها، فإنهم قد اتفقوا كذلك على أن العشر الأواخر منه هي أفضل ما فيه وأعظم لياليه؛ فهي فضل الفضل وخير الخير.. وأعظمها بالإجماع ليلة القدر فهي أفضل العشر بل أفضل ليلة في الوجود.

وإذا كان رمضان قد قارب الرحيل وأشرف على نهايته فإن "العبد المُوَفَق من أدرك أن حُسْن النهاية يطمس تقصير البداية، وما يدريك لعل بركة عملك في رمضان مخبأة في آخره، فإنما الأعمال بالخواتيم.

خصائص العشر وحال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: 
لقد خص الله تعالى العشر الأواخر من رمضان بمزايا لا توجد في غيرها، وبعطايا لا سبيل في سواها لتحصيلها، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال لم يكن يفعلها في غيرها.. فمن ذلك:

أولا: كثرة الاجتهاد: 
فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.

وكان يحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.

فكان عليه الصلاة والسلام يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذكر، حرصا على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، قال ابن رجب: "ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه". وشد المئزر هو كناية عن ترك الجماع واعتزال النساء، والجد والاجتهاد في العبادة.

ثانيا الاعتكاف:
ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قبض.

والاعتكاف معناه لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه. وشرعاً: "المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة". (الفتح 4/341).
والأصل أنه عزوف عن الدنيا وانقطاع للعبادة وتخلية للنفس عن التشاغل بغير الطاعات والقربات، فلا ينبغي أن يشتغل بشيء يفوت عليه قصده. ولا يجعلن معتكفه مقصداً للزوار الذين يفسدون عليه خلوته وجواره، وإن كان خرج من الدنيا وانقطع عنها فلا وجه لأن يأتي بالدنيا حتى يُدخلها معتكفه، ومما ينبغي للمعتكف أن يتقلل من الطعام والشراب حتى لا يثقل عن العبادة والطاعة.

ثالثا: اغتنام جميع الوقت
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: وأيكم مثلي! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) متفق عليه. 
ولا شك أن المقصود هنا الغذاء الروحي، والفتوحات الربانية، وليس الطعام والشراب الحِسي.. وإنما نهاهم عن الوصال حتى لا يضعفوا عن العبادة والاجتهاد في الطاعة، وإلا فإن كل ذلك كان منه اغتناما للوقت، وعدم تضييع شيء منه، ولو في طعام أو في منام فصلى الله عليه وسلم أعظم صلاة وأتم سلام.

رابعا: تحري ليلة القدر 
وما كان اجتهاده واعتكافه صلى الله عليه وسلم إلا تفرغاً للعبادة، وقطعاً للشواغل والصوارف، وتحرياً لليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: {ليلة القدر خير من ألف شهر}(القدر:3).

في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، والآجال والأرزاق، قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (الدخان:4).

فيها تفتح الأبواب، ويسمع الخطاب، ويرفع الحجاب، ويستجاب فيها الدعاء ويتحقق الرجاء، ليلة انطلاق الإسلام ونزول القران، ليلة سلام فالله يريد للعالم السلام والأمان، سلام المجتمع، وسلامة القلوب والنفوس، وسلامة العلاقات بين الناس {سلام هي حتى مطلع الفجر}(القدر:5).

وقد أخفى الله عز وجل علم تعييين يومها عن العباد، ليكثروا من العبادة، ويجتهدوا في العمل، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها، ومن كان عاجزاً مفرطاً، فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه.

هذه الليلة العظيمة يُستحب تحريها في العشر الأواخر من رمضان، وهي في الأوتار أرجى وآكد، فقد ثبت في "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)، وهي في السبع الأواخر أرجى من غيرها، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) رواه البخاري.

ثم هي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) رواه أبو داود.

فعلى الراغبين في تحصيل هذه الليلة المباركة الاجتهاد في هذه الليالي والأيام، وأن يتعرَّضوا لنفحات الرب الكريم المنان، عسى أن تصيبكم نفحة من نفحاته لا يشقى العبد بعدها أبداً.

وإذا كان دعاء ليلة القدر مقبولا مسموعا مستجابا فعلى العبد أن يكثر من الدعاء والتضرع وسؤال خير الدنيا والآخرة، وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه أحمد وغيره.

فاستدركوا في آخر شهركم ما فاتكم من أوله، وأحسنوا خاتمته فإنما الأعمال بالخواتيم، ومن أحسن فيما بقي غفر له ما قد مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. وأروا الله من أنفسكم الجد في تحري الخير في هذا الثلث الأخير، واغتنموا ما فيه من الخير الوفير، وتعرضوا لنفحات الغفور الحليم، الرحيم القدير.. فإن المغبون حقا من صرف عن طاعة الرب، والمحروم من حرم العفو، والمأسوف عليه من فاتته نفحات الشهر، ومن خاب رجاؤه في ليلة القدر.

اللهم بلغنا برحمتك رضاك، وبلغنا ليلة القدر، واجعلنا فيها من عتقائك من النار.

178085 فضل السحور

المقال

ليس هناك وصفٌ يصدق على شهرٍ من الشهور كمدح شهر رمضان بوصف البركة؛ فإن هذه الصفة تنطبق عليه من كلِّ وجه. وإذا كانت البركة في حقيقتها: الزيادة والنماء، فرمضان -وفق ذلك- بركةٌ في الأوقات، بركةٌ في الأعمال، بركةٌ في الأجور، وأحد أوجه هذه البركة ما تفضّل الله سبحانه وتعالى به من نعمة السحور.

يتمثّل أمام ناظرينا حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تسحّروا؛ فإن في السحور بركة) متفق عليه، فهذا الحديث إشارةٌ واضحةٌ إلى ما تمتّعتْ به أكلةُ السحور من البركات والفضائل، سواءٌ ما تعلّق بأمور الدنيا، أو توجّه إلى شؤون الآخرة.

إن أوّل بركات هذه العبادة أن المسلم يقوم بها اتباعاً للسنّة واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان مداوماً عليها، وهذا ما تُشير إليه الأحاديث فقد جاء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة" فقيل له: كم كان بين الأذان والسحور؟ فقال: "قدر خمسين آية" رواه البخاري.

قال ابن أبي جمرة: "كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتّبعوه فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشق أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر".

ومن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه العبادة كان كثيراً ما يُذكّر أصحابه بها، ويدعوهم إلى فعلها، ويشير عليهم بين الحين والآخر ببركاتها وفضلها حتى ترسخ في أذهانهم، فلا يدعونها، وهذا واضح في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، حيث قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان، فقال: (هلمّ إلى الغداء المبارك) رواه أبو داود والنسائي.

وعن عبد الله بن الحارث أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يتسحر، فقال: (إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه) رواه النسائي.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسَّحور) رواه الطبراني.

وجاء عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه مرفوعاً: (السَّحور بركة؛ فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم ماء) رواه أحمد.

وأما ثاني بركات السَّحور وفضائله: أنه مخالفةٌ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين حُرموا من هذه المنحة الإلهيّة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر) رواه مسلم، فالحديث يدلّ على أنهم لم يكونوا يأكلون تعبّداً في مثل هذه الأوقات.
يقول الإمام الخطّابي: "كان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام، ثم نسخ الله عز وجل ذلك، ورخّص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} (البقرة:187)".

وثالث بركاته: أنه تقويةٌ للعبد على العبادة وزيادةٌ في النشاط، لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك السَّحور لكان في ذلك مشقّة على البعض ممن لا يحتمل طول وقت الإمساك عن الطعام، فقد يُغشى عليه، وقد يفضي ذلك إلى الإفطار في رمضان، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه، وزاد الدار قطني: (ومن شاقّ شقَّ الله عليه).
ولعلّ هذا السبب الذي لأجله شُرع تأخير السَّحور؛ ليكون فرصةً للنفس كي تأخذ نشاطها كاملاً، فقد كان عبد الله بن مسعود يعجل الإفطار ويؤخر السحور، ويقول: "هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع" رواه النسائي، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "كنت أتسحّر في أهلي، ثم يكون سرعةٌ بي، أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، رواه البخاري، وهذا يدلّ على تأخير السَّحور، بحيث أن سهلاً رضي الله عنه كان يسرع بعد تسحّره إلى الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ مخافة أن يفوته شيءٌ منها.

ورابع بركات السحور: اليقظة في وقتٍ مباركٍ يتنزّل فيه الرّب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟) حتى يطلع الفجر، كما جاء في "صحيح مسلم"، ومثل هذا الوقت المبارك يملؤه الصالحون بالذكر والتسبيح والاستغفار: {والمستغفرين بالأسحار} (آل عمران:17)، ومثل هذه الأوقات المباركة تكون مظنّة للإجابة.

وخامس بركاته: أن يكون في التسحّر استحضارٌ لرحمة الله تعالى بعباده، ولو شاء لأمرهم بالوصال، فكان في ذلك مشقّة عظيمةٌ عليهم، ومظاهر الرحمة الإلهيّة تتجلّى في كلّ تشريعاته وأحكامه وأقداره.

وأما سادس بركاته: فهي صلاة الله تعالى وصلاة الملائكة على العبد، ويدلّ على هذا الفضل حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله وملائكتة يصلون على المتسحّرين) رواه أحمد.

ونذكر في الختام أن أفضل ما يتسحر به المؤمن هو التمر، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم المتسحرين بالتمر فقال: (نِعْمَ سحور المؤمن التمر) رواه أبو داود، وفضلاً عن الأجر الحاصل من امتثال هذه السنّة، فإن للتمر قيمة غذائيّة عالية، تقوّي البدن وتعينه على تحمّل أعباء الصيام طيلة اليوم كما يقول الأطباء.

تسجيل الخروج

هل أنت متأكد أنك تريد تسجيل الخروج من حسابك؟

سجّل دخولك للاستفادة من المميزات

تنويه حول الإجابات المختصرة

تم إنشاء هذا الملخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لأغراض إرشادية فقط. يُرجى الرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة واكتمال التفاصيل.

شارك الفتوى عبر مواقع التواصل الإجتماعي