مقالات رمضان

135238 رمضان والتوبة

المقال

 

من أعظم نعم الله على عباده أن فتح لهم باب التوبة والإنابة، وجعل لهم فيه ملاذاً آميناً، وملجأً حصيناً، يلِجْه المذنب، معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، ليجد في قربه من ربه ما يزيل عنه وحشة الذنب، وينير له ظلام القلب، وتتحول حياته من شقاء المعصية وشؤمها، إلى نور الطاعة وبركتها.

فقد دعا الله عباده إلى التوبة مهما عظمت ذنوبهم وجلَّت سيئاتهم، وأمرهم بها ورغبهم فيها، ووعدهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات رحمة ولطفاً منه بالعباد.

ومنزلة التوبة هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، لا يفارقها العبد ولا ينفك عنها حتى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه، فهي بداية العبد ونهايته، ولذا خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه، وأمرهم أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وجهادهم، وعلق الفلاح بها، فقال سبحانه: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور:31). وقسَّم العباد إلى تائب وظالم، قال سبحانه: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} (الحجرات: 11)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.

وإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم الذي غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم، فكيف بغيره من المذنبين والمقصرين.

والتوبة الصادقة تمحو الخطايا والسيئات مهما عظمت، حتى الكفر والشرك، فإن الله تبارك وتعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، قال سبحانه: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} (الأنفال:38)، بل حتى الذين قتلوا الأنبياء، و{قالوا إن الله ثالث ثلاثة)(المائدة:73)، و{قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة:17)، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- دعاهم للتوبة، وفتح لهم أبواب المغفرة فقال سبحانه: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} (المائدة 74)، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم، وفي حديث آخر: (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.

ورمضان من أعظم مواسم التوبة والمغفرة وتكفير السيئات، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) كيف وقد جعل الله صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر على وجه الخصوص إيماناً واحتساباً مكفراً لما تقدم من الذنوب؟! والعبد يجد فيه من العون ما لا يجده في غيره، ففرص الطاعة متوفرة، والقلوب على ربها مقبلة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، ودواعي الشر مضيقة، والشياطين مصفدة، وكل ذلك مما يعين المرء على التوبة والرجوع إلى الله.

فلذلك، كان المحروم من ضيع هذه الفرصة، وأدرك هذا الشهر ولم يُغفر له، فاستحق الذل والإبعاد بدعاء جبريل عليه السلام وتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال جبريل: (يا مُحمد! من أدرك شهر رمضان فمات، ولم يُغفر له، فأُدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقال: آمين) رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: (رغِم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يُغفر له) رواه الترمذي.

وإذا كان الله عز وجل قد دعا عباده إلى التوبة الصادقة النصوح في كل زمان، فإن التوبة في رمضان أولى وآكد، لأنه شهر تُسْكَبُ فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وتُعتق فيه الرقاب من النار، ومن لم يتب في رمضان فمتى يتوب؟!

وللتوبة شروط ستة لابد من توفرها لكي تكون صحيحة مقبولة:

أولها: أن تكون خالصة لله تعالى.

ثانيها: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها، لم تنفع معها التوبة، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} (الأنعام:158)، وقبل أن تبلغ الروح الحُلقوم، فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثالثها: الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدَّعي العبدُ التوبة، وهو مقيم على المعصية.

رابعها: الندم على ما كان منه، والندم ركن التوبة الأعظم، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الندم توبة) أخرجه ابن ماجه.

خامسها: العزم على عدم العودة إلى الذنب في المستقبل.

سادسها: رد الحقوق إلى أصحابها والتحلل منهم، إن كان الذنب مما يتعلق بحقوق المخلوقين.

فحري بنا -أخي الصائم- ونحن في هذا الشهر الكريم أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة، وأن نجعل من رمضان موسماً لتقويم أعمالنا، وتصحيح مسيرتنا، ومحاسبة نفوسنا، فإن وجدنا خيراً حمدنا الله وازددنا منه، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرنا منه، وأكثرنا من عمل الصالحات.

135295 وقفات مع الصائمات

المقال

يُقْبِل علينا شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر الصيام والقيام والقرآن، شهر مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، يُقْبِل ومعه نفحات الأجر والمثوبة، وفرص الخير المتنوعة، يُقْبِل ليروض النفوس، ويحررها من رق الشهوات، وأسر العادات، فتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وينادي المنادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

أختي الصائمة

اقدري نعمة الله وعظيم فضله عليك، حيث مَدَّ في عمرك، وبلَّغك هذا الشهر لتتزودي فيه من العمل قبل حلول الأجل، وأنت تعرفين من أخواتك اللاتي سبقوك إلى الدار الآخرة، وحال الموت بينهن وبين بلوغ هذا الشهر؟! فليكن في ذلك أعظم واعظ لك للتزود من الطاعات والقربات، وتجديد العزم وإخلاص القصد، قبل أن يحال بينك وبينه.

أختي الصائمة

تذكري أن الغاية الكبرى من الصوم تحقيق تقوى الله عز وجل، التقوى التي توقظ القلوب وتحيي الضمائر، وتصون النفوس من دنس الآثام، وما لم يكن الصوم طريقاً لتحصيل هذه التقوى، فإنه يفقد ثمرته وغايته، فالصائم حقيقة هو من صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش والغيبة وقول الزور، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب) متفق عليه، وقال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري، فاجعلي من صيامك وسيلة لتحقيق هذه التقوى، وتجنبي مجالس الفارغات العاطلات، وتخلقي بأخلاق الصائمات الحافظات لألسنتهن وأبصارهن وجوارحهن عن كل مخالفة تخدش الصوم، وألزمي نفسك الكلام الطيب الجميل، وليكن لسانك رطباً بذكر الله، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.

أختي الصائمة

احذري لصوصَ رمضان، الذين ينتظرون هذا الشهر بفارغ الصبر لكي يسطوا على أخلاق الناس، ويسلبوا عقولهم واهتماماتهم، ويفسدوا عليهم روحانيته وعبق أيامه ولياليه، ويحيلوا حياتهم إلى اللهو والهزل، وهدر الوقت والعمر، في أرجى مواسم التوبة، والسمو بالروح والنفس، ففي الوقت الذي صفدت فيه شياطين الجن ومردتها، يأبى هؤلاء إلا أن يقوموا بالدور نفسه، وينوبوا عنهم في أداء هذه المهمة، وما أن يقترب شهر الصيام حتى يحتدم التنافس الفضائي، والعروض الرمضانية التي لا علاقة لها إطلاقاً بالعبادة والطاعة، بل هي على النقيض من ذلك تماماً، حتى تحول شهر الصبر والمصابرة والجهد والمثابرة، والتنافس في الخيرات، والمسارعة إلى الصالحات عند بعض من لا خلاق لهم إلى شهر اللهو والعبث ومعاقرة الشهوات والإسراف فيما أحلَّ الله وحرَّم.
فهل ستحفظين شهرك، وتصونين عمرك، من عدوان المعتدين، وإفك الظالمين، واللصوص المحترفين، أو ستمنحينهم الفرصة للعبث بك، وتخلين بينهم وبين وقتك وعبادتك وأخلاقك؟!

أختي الصائمة

تجنبي ارتياد الأسواق في هذا الشهر الكريم وخاصة في العشر الأواخر، واحرصي على عدم الخروج من البيت إلا لضرورة، أو طاعة، أو حاجة لا بد منها، وإياك والإسراف والتبذير في المآكل والمشارب، ولا تجعلي من هذا الشهر موسماً للكسل والخمول، وقضاء النهار في النوم، والليل في السهر، وليكن همك الأكبر هو مضاعفة الجهد والاستكثار من الطاعات المتنوعة من بر وإحسان وقراءة للقرآن، وصلاة وذكر واستغفار.

أختي الصائمة

اجعلي دائماً نصب عينيك الجائزة الكبرى التي وضعت لمن يفوز في هذا السباق، جائزة تتقاصر دونها كل الجوائز، وتتضاءل أمامها كل الحوافز، من حرمها فهو المحروم، ومن ضيعها أو فرط فيها فهو الملوم، كيف والثمن الجنة، والجزاء مغفرة تجعل المرء في حل فيما سبق في حياته؟! (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. و(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. و(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

فهل ستقبلين المنافسة والتحدي ما دام السوق قائماً، والسباق جارياً، وتكونين من الفائزين بهذه الجائزة الربانية، والمنحة الإلهية؟ اعقدي العزم، واصدقي النية، وتوجهي إلى الله بالدعاء، فمن صدق الله صدقه.

135297 إلى الزوجين في رمضان

المقال

يطل شهر رمضان بعبقه وأريجه وما يحمله من معانٍ جميلة، ليضفي على الحياة الزوجية مزيداً من البريق والإشراق، ويمسح عنها غبار الخلاف والشقاق، ويخفف عن الزوجين هموم الحياة ومتاعبها، عندما تتقارب القلوب، وتسمو الأرواح، ويخرج الزوجان من هذا الشهر أكثر محبة ومودة ووئاماً.

ولكي يتحقق ذلك لا بد من بعض الأمور التي ينبغي أن يراعيها الزوجان في هذا الشهر الكريم، فمع دخول شهر رمضان يتغير نمط الحياة المعتاد، ويحدث انقلاب في مواعيد النوم والطعام والعمل، وقد تتغير تبعاً لذلك شخصية المرء وطباعه، ما يفرض على الزوجين التكيف مع الوضع الجديد، وترويض الطباع والعادات، والتعاون لتوفير الوقت والراحة النفسية للطرف الآخر حتى يؤدي عبادتهبدون أي منغصات أو مكدرات.

وشهر رمضان يعطينا أعظم الدروس في سعة الصدر، والصبر والحلم، والتسامح والتغافر، والمقصود من الصوم في الحقيقة تهذيب النفس، وصقل الروح وترويض العادات؛ ولذا فإن على الزوجين أن يحافظا على هدوئهما في هذا الشهر الكريم، ويضبطا انفعالاتهما، ويتحكما في أخلاقهما، وعليهما أن يضيِّقا فرص الخلاف والمشاكل ما أمكن، وأن يسعيا جهدهما لإزالة أي سوء تفاهم، وليعلما أن ذلك سيكون على حساب عبادتهما، وأن الشيطان أحرص ما يكون في هذا الشهر على أن يستثمر أي موقف يفسد عليهما لذة هذا الشهر وروحانيته وأجره.. وليكن شعارهما قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم).

ومن الأمور التي لها أعظم الأثر في زيادة المودة والمحبة بين الزوجين أن يجتمعا على طاعة الله وعبادته في هذا الشهر الكريم، وقد يكون الزوجان أو أحدهما مقصراً في هذا الجانب في بقية السنة، فيأتي شهر رمضان بما يوفره من أجواء إيمانية وأعمال تعبدية يجتمع عليها الزوجان، ليمنحهما أعظم فرص المودة والمحبة حين ترفرف على منزلهما ظلال العبادة وبركات الطاعة، من خلال صلاة التراويح والقيام والتهجد وقراءة القرآن، وعمارة البيت بذكر الله وغير ذلك من الأعمال.

ولذا فإن على كل من الزوجين أن يشجع الآخر على العبادة ويعينه عليها، وإذا قصر أحدهما لقي من رفيق دربه ما يجدد له عزمه، ويعيد إليه نشاطه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات) رواه أبو داود، وقال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أبو داود، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر أيقظ أهله وأحيى ليله.

رمضان أيضاً فرصة مهمة لتقوية الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية مع أهل الزوج والزوجة، ومع الجيران، من خلال الزيارة والمهاتفة والدعوة إلى الإفطار وما أشبه ذلك؛ لأنه قد تمر فترات يكون التواصل فيها بين أفراد الأسرة ليس كما يتمنى الزوجان، فيأتي شهر رمضان ليسد هذا الخلل، ويجبر ذلك النقص.

في شهر رمضان تجتمع العائلة كلها على الإفطار ثلاثين مرة ما يجعل للزوجين فرص استثمار هذا اللقاء في تقوية العلاقة فيما بينهما وبين أبنائهما من خلال الحوار وتبادل الحديث، ومناقشة المشاكل وحلها.

ومن الأمور التي ينبغي أن تراعيها الزوجة ضبط ميزانية شهر رمضان، ومراعاة إمكانات الزوج وظروفه المادية؛ لأن بعض النساء قد تضع قائمة طلبات طويلة، تثقل كاهل الزوج، وتضيع عليه وعليها الوقت، وتصرفهما عن المقصد الأسمى لهذا الشهر.

وينبغي على الزوج أن يساعد زوجته في القيام بشؤون البيت والعناية بالأطفال، وأن تُوزَّع المهام بصورة معتدلة، تضمن توفير الوقت للزوجة، وإعانتها على العبادة والطاعة، ولا يلحق الرجل بذلك أدنى عيب أو شين، بل هو من محاسن الأخلاق وشيم الرجال، وقد قال أفضل الخلق وأكمل الأزواج صلوات الله وسلامه عليه: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام فصلى) رواه الترمذي.
فلا يسوغ أبداً أن تُلقى مسؤولية البيت والأولاد كاملة على الزوجة، فهي التي تطبخ، وهي التي تنظف، وهي التي تهتم بالصغار، وهي التي ترتب البيت، وهي وهي...، والزوج هو الذي يتفرغ لقراءة القرآن والصلاة والذكر والتعبد.

وأخيراً، لا بد من التضحية والتنازل من كل طرف عن بعض الأمور، واحتساب كل قول وعمل، لكي نجعل من هذا الشهر شهر تجديد للحياة الزوجية، وشهر عبادة وقربة ومحبة ومودة..

43694 مفسدات الصوم

المقال

من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم دينًا قِيَمًا؛ يضبط سلوكهم ويزكي نفوسهم، فأنزل لهم كتابًا مبينًا، وأرسل رسولاً أمينًا، فبشَّر وأنذر، ووعد وحذر. وجاء بشريعة تضمنت الحلال والحرام، والواجبات والمحظورات، كل ذلك تحقيقًا لخير الفرد والمجتمع، في الآجل والعاجل: (أَلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك:14).

وكما أن للعبادات الشرعية شروطًا وأركانًا، لا تصح ولا تجزئ عن المكلف - مع القدرة - إلا بها، فإن لها كذلك مفسدات ومبطلات إذا طرأت عليها أفسدتها، وأبطلت أجرها وثوابها. 
ومفسدات الصوم ومبطلاته التي ينبغي أن يتجنبها الصائم؛ ليكون صومه صحيحاً مقبولاً إن شاء الله، هي سبعة أمور: 

أولاً: الجماع

والجماع في نهار رمضان أعظم مفسد للصوم، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكْتُ، قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعْتُ على امرأتي في رمضان..."، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، ما يدل على أن الجماع مفسد للصوم، وهو محل إجماع بين العلماء. 

والجماع المفسد للصوم هو إيلاج حشفة الذكر في الفرج، وأما مقدماته من القبلة ونحوها مع عدم الإنزال فإنها لا تفسده، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إِرْبه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إِرْبه) رواه مسلم، وعليه فلو علم الصائم من نفسه أن فعله سيؤدي به إلى الجماع أو الإنزال لعدم قدرته على كبح شهوته، فإنه يحرم عليه حينئذٍ سداً للذَّريعةِ، وصوناً لصيامه عن التعرض للفسادِ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً خوفاً من تسرب الماء إلى جوفه. 

ثانيًا: الأكل والشرب 

وهو إيصال الطعام والشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف أياً كان نوع المأكول أو المشروب، فمن فعل شيئًا من ذلك متعمدًا فقد فسد صومه لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187).

أما من أكل أو شرب ناسيا، فلا يؤثر ذلك على صيامه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، رواه البخاري ومسلم.

ثالثًا: ما كان في معنى الأكل والشرب 

كالإبر المغذية ونحوها مما يكتفى به عن الأكل والشرب، فإذا تناول الصائم مثل هذه الإبر فإنه يفطر، لأنها وإن لم تكن أكلاً وشرباً حقيقة إلا أنها بمعناهما، فيثبت لها حكم الأكل والشرب، وأما الإبر غير المغذية فإنها لا تفطر سواء تناولها عن طريق العضلات، أو عن طريق الوريد، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا بمعناهما، فلا يثبت لها حكمهما. 


رابعًا: التقيؤ عمْداً

وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، إذا تعمد الصائم فِعْل ذلك، وأما إن غلبه القيء وخرج من غير إرادته فلا قضاء عليه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض) رواه أحمد وأبو داود، ومعنى ذرعه: سبقه وغلبه في الخروج.

وسواء كان التعمد بالفعل كعصر بطنه وإدخال أصبعه في حلقه، أو بالشم كأن يشم شيئاً ليقيء به، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء ليقيء فإنه يفطر بذلك كله.

خامسًا: خروج دم الحيض والنفاس 

لقوله صلى الله عليه وسلم في المرأة: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) رواه البخاري. وقد أجمع أهل العلم على أن خروج دم الحيض أو النفاس مفسد للصوم.

فمتى رأت المرأة دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء كان ذلك في أول النهار أم في آخره، ولو قبل الغروب بلحظة، وأما إن أحسَّت بانتقال الدم، ولم يبرز إلا بعد الغروب، فصيامها صحيح، لأن مدار الأمر على خروج الدم.

سادسًا: إنزال المني باختياره

فمن قبَّل أو لمس، أو استمنى حتى أنزل فإن صومه يفسد، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه أحمد، وخروج المني من الشهوة التي لا يتحقق الصوم إلا باجتنابها، فإن قصد إليها بفعل ما، لم يكن تاركًا لشهوته، وبالتالي لم يحقق وصف الصائم الذي جاء في الحديث.

أما إن كان إنزال المني عن غير قصد، ولا استدعاء، كاحتلام، أو تفكير، أو نتيجة تعب وإرهاق، فلا يؤثر ذلك على الصوم.

سابعًا: الحجامة

وهي شق أو جرح عضو من الجسد كالرأس أو الظهر لمص الدم منه، وقد اختلف أهل العلم في عدِّ الحجامة من مفسدات الصوم، فذهب الجمهور من أهل العلم من الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلى أنها لا تفطر، وذهب أحمد إلى أن الحجامة تفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) رواه أبو داود وابن ماجه.

وكذلك ما كان في معنى الحجامة كسحب الدم الكثير للتبرع وما أشبه ذلك؛ لأنه يؤثر في البدن كتأثير الحجامة.

وأما خروج الدم بالرعاف أو الجرح أو قلع السن أو شق الجرح، أو أخذ دم قليل للتحليل، فلا يفطر به الصائم، لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها، فلا يؤثر في البدن كتأثيرها.

ومما ينبغي أن يُعْلم في هذا الباب أن هذه المفسدات - غير الحيض والنفاس - لا يفطر الصائم بشيء منها إلا إذا كان عالماً ذاكراً مختاراً، فإن كان جاهلا بالحكم فلا يفطر، ولا يفطر كذلك إذا كان جاهلا بالحال، كأن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل أو يشرب مع أنه قد طلع، وأما من غلب على ظنه دخول وقت المغرب فأفطر، ثم تبين بقاء النهار فجمهور العلماء على أنه يقضي بدل هذا اليوم.

وكذلك لا يفطر إن نسي أنه صائم لقوله عليـه الصـلاة والسلام: (من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) متفق عليه. 

لكن عليه أن يمسك حال التذكر، ويخرج ما في فمه من الطعام والشراب، وعلى من رآه يأكل أو يشرب أن يذكره وينبهه.

وكذلك لا يفطر إذا كان مُكْرَهاً على ارتكاب شيء من هذه المفطرات، ولا قضاء عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه) رواه ابن ماجه.

وهناك أحكام تتعلق بقضاء الصوم، وما يترتب على فساده، سيتم الحديث عنها في موضوع مستقل.

45178 أخطاء في الصوم

المقال

شرع الله الصوم لغاية عظيمة، هي تحصيل تقوى الله جل وعلا، وتزكية النفوس، وتهذيب الأخلاق، فليست الغاية من الصوم إدخال الضرر أو المشقة على العباد، وكلما كان الصوم موافقاً للأحكام الشرعية والآداب المرعية كلما كان أكثر ثمرة وأعظم أجراً، ومع الأسف الشديد فإن بعض الصائمين لا يلتزمون هذه الأحكام والآداب فتصدر منهم الأخطاء والمخالفات التي تؤثر على صومهم أو تنقص أجره وثوابه، وهناك بعض الأخطاء الشائعة التي ينبغي للصائم التنبه لها والحذر منها: 

أولاً: عدم إدراك البعض لفضائل هذا الشهر الكريم، فيستقبلونه كغيره من شهور العام، وقصارى اهتمام بعضهم أن يستقبله بشراء الأطعمة والمشروبات بدلاً من الاستعداد للطاعة والاقتصاد ومشاركة الفقراء والمحتاجين.

ثانياً: التأفف من دخول شهر رمضان، وتمني ذهابه وسرعة زواله، وذلك لما يشعر به من ثقل الطاعة على نفسه والحدِّ من شهواتها، فلا يستشعر معنى التعبد وحلاوة الطاعة، وربما صام مجاراةً للناس وتقليداً وتبعية، فيكون بذلك قد حرم نفسه الاستفادة المثلى من هذا الشهر الكريم.

ثالثاً: عدم التفقه في أحكام الصيام وعدم السؤال عنها، فإن صوم رمضان فريضة وعبادة يجب على المسلم أن يعرف كيف يؤديها على الوجه الصحيح المقبول، فيعرف الأركان والواجبات والسنن والمكروهات والمفطرات. 

رابعاً: عدم تجنب المعاصي أثناء صيامهم، فتجد الصائم يتحرز من المفطرات الحسية كالأكل والشرب والجماع لكنه لا يتحرز من الغيبة والنميمة واللعن والسباب والنظر إلى المحرمات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.

خامساً: ترك بعض السنن ظنًّا بعدم شرعيتها حال الصيام، كترك المضمضة والاستنشاق؛ خوفاً من وصول الماء إلى الحلق، مع أن المنهيَّ عنه إنما هو المبالغة التي يخشى معها وصول الماء إلى الجوف، فعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) رواه الترمذي وغيره، ومثل ذلك ترك السواك بعد الزوال؛ تحرجاً من الإثم، مع أن الصحيح أن السواك مشروع للصائم قبل الزوال وبعده. 

سادساً: ومن هذا القبيل تحرج البعض من بلع الريق في نهار رمضان لظنه أنه إذا بلع بصاقه فقد فسد صومه، وهذا ليس بصحيح، إذ لم يثبت في الشرع أن بلع البصاق من المفطرات التي يبطل الصوم بها.

سابعاً: عدم تبييت النية لصيام الفرض من الليل أو قبل طلوع الفجر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) رواه النسائي، وفي رواية: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له). والمشروع من ذلك أن يبيت النية في نفسه من غير تلفظٍ بها. 

ثامناً: تعمد الأكل والشرب مع أذان الصبح أو بعده، والذي ينبغي على المسلم أن يحتاط لصومه، فيمسك بمجرد أن يسمع الأذان.

تاسعاً: تخصيص هذا الشهر بالطاعة والاستقامة دون غيره، فما أن ينقضي الشهر حتى يعود بعض الناس إلى ما كانوا قد اعتادوه من المعصية والمخالفات، وهو خطأ عظيم يدل على عدم إدراكهم لحقيقة شهر رمضان، وضعف تأثيره في نفوسهم، فإن رب الشهور واحد، والله جل وعلا حذر من معصيته ومخالفة أوامره ونواهيه في كل وقت، ولا يزال المرء يتقلب في منازل العبودية ومدارجها حتى يأتيه اليقين من ربه.

عاشراً: اتخاذ هذا الشهر فرصة للنوم والكسل في النهار وما يترتب عليه من إضاعة الصلوات أو تأخيرها عن وقتها، والسّهر في الليل على ما يسخط الله ويغضبه من لهو ولعب ومشاهدة القنوات، فتضيع بذلك على الإنسان أشرف الأوقات فيما لا فائدة فيه بل فيما يعود عليه بالضرر في العاجل والآجل.

حادي عشر: تحرج بعض الصائمين من أن يصبح جنباً وهو صائم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. 

ثاني عشر: سوء الخلق وسرعة الغضب والطيش في نهار رمضان بسبب الجوع وخلاء البطن، مع أن المفترض أن يهذب الصوم أخلاق الصّائم، ويضبط مشاعره وانفعالاته متمثلاً قول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (الصّوم جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحدٌ، أو شاتمه، فليقل: إني صائم) رواه البخاري ومسلم

ثالث عشر: ما يلاحظ في أول الشهر من كثرة المصلين والمقبلين على العبادة وقراءة القرآن، ثم لا يلبث أن يتسلل الفتور إليهم فيخبو هذا الحماس في آخر الشهر الذي يفترض أن يضاعف فيه الجهد لما للعشر الأواخر من مزية على غيرها، وقد كان صلى الله عليه وسلّم (إذا دخل العشر الأواخر من شهر رمضات شدَّ المئزر، وأحيا الليل، وأيقظ أهله) رواه ابن خزيمة في صحيحه.

239719 رمضان وتدبر القرآن

المقال

العلاقة بين القرآن العظيم وشهر رمضان الكريم علاقة وطيدة وثيقة، يرشد لهذه العلاقة أن نزول القرآن كان في شهر رمضان، كما قال سبحانه: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) ولنزول القرآن في هذا الشهر الكريم دلالة عظيمة؛ فشهر رمضان أفضل الشهور والقرآن الكريم خاتم كتب المرسلين والمهيمين عليها أجمعين.

وليس خاف أن المقصود الأساس من القرآن العمل بما فيه، وتنزيله على واقع الحياة، فالقرآن قبل كل شيء وبعد كل شيء كتاب هداية ورشاد، قال تعالى: {يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} (الإسراء:9) فالمهمة الأساس لهذا القرآن هداية الخلق إلى الحق، وإرشاد العباد إلى سبيل الرشاد.

وطريق العمل بالقرآن وتفعيله في واقع الحياة تدبره والوقوف على مقاصده والعلم بمراميه، فلا بد لقارئ القرآن أن يجتهد وسعه ويبذل جهده ليفهم كلام ربه؛ إذ لا عملَ بلا فهم، ولا فهمَ من غير قراءة واعية للقرآن وتدبر لآياته البينات، وقد قال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (ص:29) ففي الآية دليل على وجوب معرفة معاني القرآن. قال الحسن البصري: "تدبر آيات الله اتباعها". وقال أيضاً: "والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل" رواه ابن أبي حاتم.

و(التدبر) التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبراً انكشفت له معان لم تكن بادية له بادئ النظر. قال الشيخ السعدي عند تفسيره لقوله تعالى:{ليدبروا آياته} : "هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحِكَمَها، فإنه بالتدبر فيه، والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود". فكلما ازداد العبد تأملاً في كتاب ربه، ازداد علماً وعملاً وبصيرة؛ لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن. 

قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته". وقال الشيخ السعدي: "على الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم كانوا إذا قرؤوا عشر آيات أو أقل أو أكثر لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل، فينزلونها على الأحوال الواقعة، يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار، وينقادون لأوامرها ونواهيها، ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم، ويحاسبون أنفسهم هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها، وكيف الطريق إلى الثبات على هذه الأمور النافعة وتدارك ما نقص منها، وكيف التخلص من الأمور الضارة فيهتدون بعلومه ويتخلقون بأخلاقه وآدابه، ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم مطالبون بمعرفة معانيه والعمل بما يقتضيه، فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه وجد واجتهد في تدبر كلام الله انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير وقويت معرفته واستنارت بصيرته".

والله جل وعلا قد وبَّخ المنافقين الذين أعرضوا عن القرآن ولم يتدبروا ما فيه من خير وبركة، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82) فلو تأمل المنافقون وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام.

وقال لأولئك الذين يعرضون عن تدبر القرآن، : {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24) أي: هلا تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في أمور لا تغني من الحق شيئاً. والمعنى: أن الله خلقهم بعقول غير منفعلة بمعاني الخير والصلاح، فلا يتدبرون القرآن مع فهمه، أو لا يفهمونه عند تلقيه وكلا الأمرين عجيب.و(الاستفهام) تعجيب من سوء علمهم بالقرآن، ومن إعراضهم عن تدبره، وفقه مراميه. وفحوى الآية الكريمة أَمْرٌ بتدبر القرآن، ونهيٌ عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، وإخبار أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق.

وشهر رمضان فرصة عظيمة للتفاعل مع هذا القرآن قراءة واستماعاً وتدبراً وعملاً؛ فوقت رمضان وقت مبارك، فالشياطين مصفَّدة فيه مقيدة، ومتاع الدنيا وزخرفها غائبة، وشواغل الحياة منصرفة، وأجواء الشهر الكريم روحانية ربانية، كل ذلك معينٌ على قراءة القرآن قراءة واعية، ومساعد على تدبر معانيه، وتأمل مراميه، والوقوف على كنوزه، مما لا يحصل لقارئ القرآن في غير هذا الشهر الكريم.

وثمة جملة من المعينات على تدبر القرآن الكريم، من المفيد الوقوف عليها، والعمل بها، وهي: 

- قراءة القرآن بالتأني، وذلك بالترتيل الذي يقدم قيمة التدبر على تحقيق الإنجاز، بمعنى تقديم الكيف على الكم، وقد وجَّه سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالقراءة المتأنية، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4) أي: لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مهل وبيان مع تدبر المعاني. ووجَّهه أيضاً بقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} (القيامة:16) فهذا توجيه واضح من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة من بعده بالتمهل وعدم التعجل. ومن التوجيهات في هذا السياق قوله عز وجل: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} (طه:114) وواضح هنا الربط بين التأني في قراءة القرآن وبين زيادة العلم؛ إذ العبرة من قراءة القرآن اكتساب العلم، وهذا لا يحصل إلا بالقراءة المتأنية والمتدبِّرة. ومثل ذلك يقال في قوله عز وجل: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} (الإسراء:106).

- تفعيل جهاز الوعي عند قارئ القرآن من سمع وبصر وقلب وعقل، ومعرفة العربية التي تنزَّل بها القرآن، فمعرفة العربية لها شأن كبير في إدراك مقاصد القرآن. ويدخل في باب تفعيل جهاز الوعي الاهتمام بالتعليم التدبري للقرآن، لا بالتلقين الاستظهاري، وهذا ما كان عليه شأن الصحابة رضي الله عنهم ومن اهتدى بهديهم، وقد كان ابن عباس رضي لله عنه -وهو من أصغر الصحابة سناً- عالماً متفقهاً، وقد سئل: بمَ نلت هذا العلم. فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول. 

-  حضور الخشوع القلبي والتفاعل الوجداني عند قراءة القرآن، وتهيئة القلب لاستنبات هدايات القرآن المختلفة على الوجه الأمثل؛ فالقلب إذا كان مليئاً بالشبهات والشهوات، يصير تأثير القرآن عكسيًّا، فمن الضروري تنظيف القلب من الران الذي تتركه الذنوب، والابتعاد عن الأسباب المؤدية إلى وقوع القلب في آفتي الطبع والختم، وأيضاً البعد عن الرياء وتصحيح القصد بتجديد الإخلاص، وتحلية القلب بالإخبات والخشوع، والتفاعل الوجداني مع معاني الآيات؛ فمن الضروري أن تجيش العواطف مع القرآن، وفي الوقت ذاته لا بد لهذا الجيشان من الانضباط بمقاصد وتوجيهات القرآن. والذي ينفخ في الإنسان هذه العواطف والمشاعر، ويشحذ همته ويدفعه لخوض صعاب الحياة، هو القرآن الكريم، وذلك عبر آليتي التدبر، وهما: التفهم والخشوع. والقلب يقوم عبر التفكر بدور الدفة التي تقود وتوجه الإنسان؛ فالقلب يدفع والعقل يقود، وكلاهما يحصل على طاقته وزاده من القرآن، ما يؤكد على ضرورة الجمع دوماً بين التدبر والخشوع. 

- الإيمان والتلقي المتجدد؛ فترسيخ الإيمان بكل أركانه في القلب، وتحقيقه في واقع الحياة هو الغاية من نزول القرآن، وهو وسيلة أساس لتحصيل هداياته في الوقت نفسه؛ فكل هدايات القرآن ورحماته وبصائره، وكل ثماره التشريعية والخلقية والتربوية، إنما هي ثمار الإيمان القلبي الراسخ، والاعتقاد القلبي الجازم، ومن غير الإيمان لا يمكن تحصيل شيء من هذه الفوائد والثمار. كما أن الإيمان بصدقية القرآن وعظمته، والسعي لتحصيل ثماره، يقتضي الشعور بأن القرآن أُنزل إليك اليوم، والشعور بأن القرآن أُنزل الآن، يجعل القرآن جديداً في حس المسلم، ويكون أقرب على التنزيل العملي.

ويدخل في هذا الباب تعظيم القرآن والتحلي بآداب التعامل معه، فتعظيم القرآن، والاحتفاء به من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها قارئ القرآن، حتى يستفيد من كنوزه الاستفادة المرجوة؛ لأنه سبحانه لا يفتح كنوزه إلا لمن يعظم كتابه، ويتأدب مع كلامه.

- تثوير القرآن ومدارسته أحد مفاتيح تدبر القرآن، التي يمكن من خلالها الولوج من بوابة التدبر إلى عالم الهداية القرآني، بشموله وعمومه وبركاته، وخيراته كلها، الفردية والاجتماعية والإنسانية. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد العلم فليثوِّر القرآن) وفي رواية أخرى: (أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين) قال في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح". قال ابن عطية: "و(تثوير القرآن) مناقشته ومدارسته والبحث فيه، وهو ما يعرف به". 

- مدارسة القرآن وتلاقح الأفكار طريق من الطرق الموصلة لتدبره وفهمه، وقد ذكر ابن عاشور أن (المدراسة) في القرآن هي: القراءة بتمهل للحفظ، أو للفهم. والمدارسة تعني المشاركة والتفاعل بين مجموعة من المسلمين في محاولة قراءة آيات القرآن والوقوف على موضوعاته، ومعرفة قضاياه وفق منهج التدبر، الذي يستهدف تحقيق مقاصده، واستنباط معانيه الخفية، والبحث عن علله وأسراره.

- القراءة الكلية الجامعة؛ فمن يقرأ القرآن بتمعن وتدبر يدرك بوضوح أن منهج الإسلام يحتم الجمع بين كتاب الله المسطور، وكتاب الله المنظور، مصداق ذلك قوله عز وجل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت:53) وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن أول متطلبات (التدبر) هو التعرف على أحوال البشر من خلال علمي التاريخ والاجتماع.

وقد دعا القرآن نفسه إلى مداومة القراءة الكلية؛ إذ إن القرآن الكريم قد صِيغ بطريقة تصريف الآيات، أي أنه تعالى أودع أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، وتبشيره وإنذاره، في مواضع شتى وبأساليب مختلفة، وهذا داع من دواعي الدعوة إلى القراءة الكلية للقرآن. كما أن (التصريف) يقتضي التدبر، فهو الكفيل بوضع كل معنى في مكانه وزمانه المناسبين؛ ولذلك علل سبحانه تصريف الآيات بأمور عقلية وقلبية مرتبطة بمنظومة التدبر، قال سبحانه: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} (الفرقان:50) وقال عز وجل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} (الإسراء:41). فالقراءة الكلية هي من مطلوبات الفهم، وهي ركن من أركان التدبر، حيث تعين الإنسان على تدبر كلام الله سبحانه، وتدفعه لاستيعاب معانيه، وتحصيل كمال الوعي بهدايته الشاملة له في دروب هذه الحياة. وكما أن القراءة الكلية تقوم على الجمع بين آيات الكتاب وآيات الآفاق الأنفس، فهي تقوم أيضاً على الجمع بين آيات الموضوع الواحد، والجمع بين التلقي والتنزيل.

- استثمار المعينات على التدبر؛ فثمة أمور عديدة يمكن لقارئ القرآن أن يستثمرها في تفعيل عملية التدبر لكتاب الله، تتمثل تلك الأمور في: الاستعاذة من الشيطان، قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل:98). ومن ذلك أيضاً الاستعانة بـ {الرحمن الرحيم}؛ فإذا كانت الاستعاذة تقوم بدور التخلية بين الشيطان والعبد، فإن الاستعانة بالرحمن تقوم بدور التحلية والربط بين العبد وخالقه، فالبسملة استعانة من العبد الضعيف بقوة مطلقة تعينه على استمداد هداية القرآن؛ ولأهمية الاستعانة بالله في أمور العبادة كلها، كان من الواجب على المسلم قراءة قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة:5) في كل صلاة.

- وثمة ظروف محددة، تتوافر فيها إمكانية التفاعل مع القرآن الكريم أكثر من غيرها، كظرف الصلاة: فقراءة القرآن في الصلاة لها طعم خاص، وقد أطلق سبحانه على صلاة الفجر مصطلح (قرآن الفجر) كما قال سبحانه: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} (الإسراء:78) وصلاة التراويح مع جماعة المسلمين، وخلف إمام متقن للقراءة وضابطٍ لأحكام التلاوة خير معين على تدبر كتاب الله والوقوف على معانيه ومراميه. وظرف الزمان أيضاً يسهم في تفعيل عملية التدبر لدى قارئ القرآن؛ فالقراءة في جوف الليل -وخاصة في ليالي رمضان، وبالأخص ليالي العشر الأخير منه- وشهود صلاة الفجر لها تأثير لا يتأتى في غيرها من الأوقات؛ فأثر القرآن عظيم في هذه الأوقات، لا يدركه إلا من عاشها، وقد قال سبحانه: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (الإسراء:79) وأمر سبحانه نبيه بقوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا} (المزمل:2). ويندرج في ظرف الزمان يوم الجمعة ويومي الاثنين والخميس، وأيام شهر رمضان، فكل هذه الأزمنة فيها من البركات القرآنية ما ليس في غيرها، وقد ورد في كل ذلك آثار تدل على فضلها وأثرها على العبد. 

ولا يقل ظرف المكان شأناً عن ظرف الزمان؛ فالمسجد أفضل الأماكن لقراءة القرآن وتدبره والتأثر بخطابه، لحرمته وبعده عن شواغل الحياة وصوارفها؛ ولأثره النفسي على العبد، وليس بخاف مكانة المساجد الثلاثة في هذا المقام. والأهم في هذا السياق أن يستحضر العبد المقصد الأساس من قراءة القرآن الكريم، وهو الانتفاع بما فيه، فكل ظرف يساعد العبد على تحقيق هذا المقصد، فإن الإقبال عليه والاستفادة منه متعين عليه.

- تسليم مقاليد القيادة للقرآن؛ فالعمل بمقتضى القرآن هو الثمرة الغائية لقراءة القرآن وتدبره، والوقوف على مقاصده. وفي الوقت نفسه، فإن العمل بالقرآن هو مفتاح آخر من مفاتيح التدبر. ومن أجل الوصول إلى هذه الدرجة لا بد لقارئ القرآن أن يكون قد ارتضى من حيث المبدأ القرآن دستوراً ومنهاج حياة، وأن تتضافر رغبته وإرادته على تطبيق القرآن في حياته من قبل أن يتلقاه عبر منهج التدبر، كما ينبغي لقارئ القرآن -كما يقول سيد رحمه الله- أن يرجع إليه بشعور التلقي للعمل والتنفيذ، لا بشعور الدراسة والمتاع، ويرجع إليه ليعرف ماذا يطلب منه أن يكون ليكون. 

على أن مهمة فريضة التدبر أن توضح للمسلم كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في حدود شخصيته الفردية والأسرية والاجتماعية، وتبين له كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في ميادين الإيمان (العلاقة مع خالقه) وميادين العمل الصالح (العلاقة مع الناس) في مجالات الحياة كلها.

ولا شك، فإن عدم تطبيق القرآن إنما هو انحراف عن الصراط المستقيم، وقد أمر سبحانه باتباع صراطه المستقيم، ونبذ غيره من الطرق، قال عز شأنه: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام:153) فـ (الصراط المستقيم) الذي أمر سبحانه باتباعه -بحسب اكثر المفسرين- هو القرآن الكريم، فالقرآن هو الصراط ذاته، وهو الدال عليه، والهادي إليه. 

135241 رمضان شهر الجود

المقال

 

شهر رمضان شهر الجود والعطاء، والبذل والإحسان، شهر التواصل والتكافل، شهر تغمر فيه الرحمة قلوب المؤمنين، وتجود فيه بالعطاء أيدي المحسنين.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع أمثلة البذل والعطاء في هذا الشهر المبارك، حتى وصفه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه: (كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُبالخير من الريح المرسلة) متفق عليه.

وما أحوجنا إلى أن نتلمس هديه وأخلاقه في كل وقت وفي هذا الشهر على وجه الخصوص، فقد كان الجود أعظم أخلاقه، وكان صلى الله عليه وسلم متصفاً بجميع أنواعه، من الجود بالعلم، والجود بالمال، والجود بالنفس في سبيل الله تعالى، يقول أنس رضي الله عنه: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: (يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) رواه مسلم. وكان الرجل يُسْلِم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، قال صفوان بن أمية: "لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليّ، وقد أعطاه يوم حنين مائة من النَّعم، ثم مائة ثم مائة ونَعَماً، حتى قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي".

ولما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة حنين تزاحم عليه الناس يسألونه، حتى اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العِضَاه نَعَماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً، ولا جباناً) متفق عليه. و(العِضَاه: كل شجر له شوك، صَغُرَ أو كَبُرَ. الواحدة: عِضاهة).

حتى إنه ربما سأله رجل ثوبه الذي عليه، فيدخل بيته ويخرج وقد خلع الثوب، فيعطيه السائل, وربما اشترى الشيء ودفع ثمنه ثم رده على بائعه.

وكان صلى الله عليه وسلم يفرح بأن يعطي أكثر من فرح الآخذ بما يأخذ، حتى إنه ليصدق عليه وحده قول القائل:

                                      تَعَوّدَ بسط الكف حتى لو أنه               ثناها لقبض لم تجبه أنامله
 
                                      تراه إذا مـا جئتـه متهللاً                  كأنك تعطيه الذي أنت سائله
  
                                      هو البحر من أي النواحي أتيته        فلُجَّتُه المعروف والجود ساحله
 
                                       ولو لم يكن في كفه غير               روحه لجاد بها فليتق الله سائله

هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا غيض من فيض من فنون جوده وألوان كرمه عليه الصلاة والسلام.

والصدقة في هذا الشهر شأنها أعظم وآكد، ولها مزية على غيرها؛ لشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه؛ ولأن فيها إعانة للصائمين المحتاجين على طاعاتهم، فاستحق المعين لهم مثل أجرهم، فمن فطَّر صائماً كان له مثل أجره.

ولأن الله عز وجل يجود على عباده في هذا الشهر بالرحمة والمغفرة، فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل، والجزاء من جنس العمل.

والصوم لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، والصدقة تجبر النقص والخلل؛ ولهذا أوجب الله في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طُهْرَة للصائم من اللغو والرفث.

ولأن هناك علاقة خاصة بين الصيام والصدقة؛ فالجمع بينهما من موجبات الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً يُرَى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها) قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) رواه أحمد.

قال بعض السلف: "الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك".

من أجل ذلك حرص السلف -رحمهم الله- على زيادة البذل والإنفاق في هذا الشهر الكريم، خصوصاً إفطار الصائمين، وكان كثير منهم يواسون الفقراء بإفطارهم، وربما آثروهم به على أنفسهم، فكان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم، ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم، لم يتعشَ تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً، ولم يأكل شيئاً، وكان يتصدق بالسُكر، ويقول: "سمعت الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران:92)، والله يعلم أني أحب السُكَر"، وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه الإمام رغيفين كان يعدهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائماً.

فاغتنم -أخي الصائم- هذه الفرصة، وأنفق ينفق عليك، وتذكر إخوة لك في مشارق الأرض ومغاربها، يئنُّون تحت وطأة الجوع والفقر والحاجة، واعلم أن من تمام شكر النعمة الإنفاق منها، وأن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم، فقد أعطاك الله الكثير، وطلب منك القليل {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} (البقرة:245).

178601 مراتب الصوم

المقال

ذكر الإمام الغزالي أن الصوم ليس على درجة واحدة، وإنما هو على درجات، فليس كل من امتنع عن المفطرات المادية يكون قد أتى بمعنى الصوم؛ إذ إن حقيقة الصوم فوق هذا، وهي الامتناع عن المفطرات المعنوية؛ ولأجل هذا المعنى جعله الغزالي على ثلاث درجات، فقال في الإحياء: اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص، أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك من زاد الآخرة، وليس من الدنيا، حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه، كُتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل، وقلة اليقين برزقه الموعود، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين، ولا يطول النظر في تفصيلها قولاً، ولكن في تحقيقها عملاً، فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل، وانصراف عن غير الله سبحانه، وتَلَبُّسٌ بمعنى قوله عز وجل: {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (الأنعام:91).

وقد ذكر أن صوم الخصوص - وهو صوم الصالحين - إنما يحصل بستة أمور: 

الأول: غض البصر، وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يُذّم ويُكْره وإلى كل ما يُشغل القلب، ويلهي عن ذكر الله عز وجل، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} (النور/ 30 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تتبع النظر النظر، فإن الأولى لك، وليست لك الآخرة) رواه أحمد وهوحسن بالشواهد.

الثاني
: حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمِراء، وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن، فهذا صوم اللسان، وقد قال سفيان: الغيبة تفسد الصوم، وروي عن مجاهد قوله: خصلتان تفسدان الصيام: الغيبة والكذب، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جُنَّةٌ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابَّه أحد، أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) متفق عليه.

الثالث: كفُّ السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حَرُمَ قوله حَرُم الإصغاء إليه؛ ولذلك قرن الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت، فقال تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} (المائدة:42)، وقال عز وجل: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت} (المائدة:63)، فالسكوت على الغيبة وعدم الإنكار على قائلها حرام، وقال تعالى: {إنكم إذاً مثلهم} (النساء:140). فالمستمع شريك المغتاب ما لم ينهه عن هذا المنكر..

الرابع
: كفُّ بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكفُّ البطن عن الشبهات وقت الإفطار، فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال، ثم الإفطار على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصراً، ويهدم مِصْراً، فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه، فالصوم لتقليله، وتارك الاستكثار من الدواء خوفاً من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهاً، والحرام سم مهلك للدِّين، والحلال دواء ينفع قليله، ويضر كثيره، وقَصْدُ الصوم تقليله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش) رواه أحمد، قيل: هو الذي يفطر على الحرام، وقيل: هو الذي يمسك عن الطعام الحلال، ويفطر على لحوم الناس بالغيبة، وقيل: هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام.

الخامس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار، بحيث يمتلىء جوفه، فقد أخرج النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما وعاء شر من بطن، حسب المسلم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة؛ فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه). وكيف يستفاد من الصوم قَهْرُ عدو الله، وكسر الشهوة، إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام؟ حتى استمرت العادات بأن تُدَّخَرَ جميع الأطعمة لرمضان، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في غيره، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء، وكسر الهوى؛ لتقوى النفس على التقوى، وإذا مُنِعَت المعدة من وسط النهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها، وقويت رغبتها، ثم أُطعِمَت من اللذات وأُشبعت، زادت لذتها، وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما كانت راكدة، فروح الصوم وسره إضعاف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل نهاراً إلى ما كان يأكل ليلاً، فلا ينتفع بصومه.
ومن الآداب: أن لا يُكْثِر النوم بالنهار حتى يَحُسَّ بالجوع والعطش، ويستشعر ضعف القوى، فيصفو عند ذلك قلبه، ويستديم في كل ليلة قدراً من الضعف، حتى يخف عليه تهجده وأوراده، فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه، فينظر إلى ملكوت السماء.

السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء؛ إذ ليس يدري أيُقبل صومه، فهو من المقربين، أو يُرَدُّ عليه فهو من الممقوتين؟ وقد روي عن الحسن البصري أنه مرَّ بقوم وهم يضحكون، فقال: "إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه لطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون، وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كُشِفَ الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، أي: كان سرور المقبول يشغله عن اللعب، وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك". 

ثم أثار الغزالي هنا سؤالاً، فقال: "فإن قلتَ: فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج، وتَرْكِ هذه المعاني، فقد قال الفقهاء: صومه صحيح، فما معناه؟".
وقد أجاب الغزالي عن هذا السؤال بقوله: "اعلم أن فقهاء الظاهر يُثْبِتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة، لاسيما الغيبة وأمثالها، وليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم المُكَلَفين المقبلين على الدنيا الدخول تحته، فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول، وبالقبول الوصول إلى المقصود، ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بأخلاق الله عز وجل، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات - بحسب الإمكان - فإنهم منزهون عن الشهوات، والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم؛ لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلى بمجاهدتها، فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين، والتحق بغمار البهائم، وكلما قمع الشهوات، ارتفع إلى أعلى عليين، والتحق بأفق الملائكة..

والملائكة مقربون من الله عز وجل، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم، فإن الشبيه من القريب قريب، وليس القرب ثَمَّ بالمكان، بل بالصفات، وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب، فأي جدوى لتأخير أكلة، وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأُخر طول النهار؟ ولو كان لمثله جدوى، فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم: (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش)، ومن فهم معنى الصوم وسره، عَلِمَ أن مثل من كفَّ عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات، فقد وافق في الظاهر العدد، إلا أنه ترك المهم، وهو الغُسْلُ، فصلاته مردودة عليه بجهله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الصوم أمانة، فليحفظ أحدكم أمانته) أخرجه الخرائطي وإسناده حسن، ولما تلا قوله عز وجل: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}(النساء:58)، وضع يده على سمعه وبصره. أخرجه أبو داود، ولولا أن السمع والبصر - وكذلك سائر الجوارح - من أمانات الصوم، لما قال صلى الله عليه وسلم: (فليقل: إني صائم)، أي: إني أودعت لساني وبصري وجوارحي كافة لأحفظها، فكيف أُطلقها فيما لا يُرضي الله سبحانه؟". 

وبهذا تعلم، أن الصوم ليس في مرتبة واحدة، بل هو في مراتب متفاوتة، أعلاها صوم القلوب والجوارح عن كل ما لا يُرضي الله سبحانه من الأفعال والأقوال، وأدناها الصوم عن الطعام والشراب والنكاح، وشتان ما بينهما، وقد تبين لك الفرق بينهما. والله الموفق. 

45732 أخطاء في أداء العمرة

المقال

العمرة في رمضان لها مزية على غيرها من الشهور، فقد خصت بمزيد الفضل وزيادة الأجر، يقول عليه الصلاة والسلام: (عمرة في رمضان تقضي حجة معي) رواه البخاري، ولذا يتنافس كثير من المسلمين لأداء العمرة في هذا الشهر أكثر من غيره، وربما أداها بعضهم دون علم بأحكامها، وما يجوز فيها وما لا يجوز، فتقع منه الأخطاء والمخالفات التي يحسن التنبيه عليها، فمن هذه الأخطاء:

أولاً: أخطاء في الإحرام

1- تجاوز الميقات دون إحرام، والواجب على من قصد مكة للحج أو العمرة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يتجاوزه دون إحرام.

2- الاعتقاد بأن الإحرام هو ارتداء ملابس الإحرام التي هي الرداء والإزار، وهذا غير صحيح، بل لا بد للإحرام من نية الدخول في النسك. 

3- اعتقاد أن أداء ركعتين قبل الإحرام شرط لصحة الإحرام، والصواب أنهما سنة، وليستا شرطاً لصحة الإحرام.

4- وضع الطِّيب على الرداء أو الإزار قبل الإحرام، والسنة وضع الطِّيب على البدن قبل الإحرام، أما ملابس الإحرام فلا يطيِّبها، وإذا طيبها لم يلبسها حتى يغسلها أو يغَيِّرها.

5- اعتقاد أن الغسل أو الوضوء عند الإحرام واجب، وإنما هو مستحب، فلو أحرم من غير وضوء ولا غسل، فإحرامه صحيح.

6- الجهل بمواقيت الإحرام التي حددها الشرع، وعدم مراعاة تلك المواقيت وخاصة من الحجاج القادمين عن طريق الجو؛ لأن الواجب على الحاج أو المعتمر أن يُحرم من الميقات أو ما يُحاذيه، فإن اشتبه عليه الأمر أحرم قبل الميقات احتياطاً، ولا يجاوز الميقات دون إحرام كما سبق. 

7- كشف المحرم كتفه الأيمن دائماً من حين إحرامه من الميقات، وهو ما يسمى بـ"الاضطباع" وهو خلاف السنة، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في طواف القدوم وطواف العمرة، فإذا انتهى المحرم من طوافه أعاد رداءه على كتفيه في بقية المناسك.

8- التحرج من تغيير لباس الإحرام أو غسله مع أنه لا حرج في ذلك.

9- اعتقاد أن كل ما كان مخيطاً لا يجوز لبسه، فيتحرج البعض من لبس الساعة أو النعلين، أو الحزام ونحو ذلك، بينما المراد بالمخيط ما خِيط أو نُسِج على قدر البدن، كالسراويل والثياب.

10- اعتقاد أن المرأة الحائض لا يجوز لها الإحرام، وأن لها أن تتجاوز الميقات دون إحرام، والصحيح أن الحيض والنفاس لا يمنعان المرأة من الإحرام، فيجب عليها أن تحرم، ولكنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر.

11- اعتقاد بعض النساء أن للإحرام ثياباً خاصة، والصحيح أن المرأة يجوز لها أن تُحرم بثيابها المعتادة، لكنها تجتنب لبس النقاب والقفازين.

12- الدخول في النسك، ثم تركه دون إتمامه، والله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (البقرة:196)، فمن أحرم بالحج أو العمرة، فليس له الرجوع عن نسكه حتى يتمه.

ثانياً: أخطاء في الطواف

1- التلفظ بالنية عند الشروع في الطواف، والصواب أن النية محلها القلب.

2- اعتقاد أن الطواف لا يصح دون استلام الحجر الأسود، مع أن تقبيل الحجر سنة، وليس شرطاً لصحة الطواف، وإذا لم يتمكن الطائف من الوصول إليه إلا بالمزاحمة الشديدة وإيذاء الناس، فالأولى له ترك الاستلام والتقبيل، ويكتفي بالإشارة إليه.

3- استلام أركان الكعبة الأربعة، والثابت في السنة إنما هو استلام الحجر الأسود والركن اليماني من البيت دون غيرهما من الأركان.

4- تقبيل الركن اليماني، أو الإشارة إليه من بُعد، والسنة استلامه باليد دون تقبيل، أو إشارة.

5- الرَّمَلُ -وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى- في جميع الأشواط، والمشروع أن يكون الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم، وطواف العمرة دون غيره من الطواف، ودون الأشواط الأخرى.

6- تخصيص كل شوط من الطواف بدعاء معين، ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف دعاء مخصص لكل شوط إلا قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201) بين الركن اليماني والحجر الأسود، وما عدا ذلك فيدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وله أن يذكر الله، وأن يقرأ القرآن.

7- رفع الصوت بالدعاء رفعاً يُذهب الخشوع ويشوش على الطائفين.

8- اجتماع الطائفة من الناس على قائد يلقنهم الدعاء.

9- الوقوف عند الحجر الأسود أو ما يحاذيه مدة طويلة، وفي ذلك تضييق على غيره من الطائفين، والسنة أن يستلم الحجر، أو يشير إليه، ويمضي دون توقف.

10- التمسح بالكعبة وأستارها.

ثالثاً: الأخطاء في ركعتي الطواف

1- اعتقاد لزوم أداء الركعتين خلف المقام أو قريباً منه، والمزاحمة للصلاة عنده، مع أن ركعتي الطواف يجوز أن تصلَّى في أي موضع من المسجد، إن لم تتيسر خلف المقام. 

2- إطالة الركعتين بعد الطواف، والسنة التخفيف، فقد صلاهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ في الركعة الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الركعة الثانية: (قل هو الله أحد).

3- ومن الأخطاء ما يفعله البعض بعد ركعتي الطواف، حيث يقوم عند المقام، فيدعو بدعاء خاص يسمَّى "دعاء المقام"، وهذا من البدع التي ليس لها أصل في الدين.

رابعاً: أخطاء في السعي

1- رفع اليدين عند صعود الصفا والمروة كرفعهما في الصلاة، والسنة أن يرفع يديه كهيئة الداعي، ويحمد الله ويكبره، ويدعو مستقبلاً القبلة.

2- الإسراع في السعي بين الصفا والمروة في جميع الشوط، وهو خطأ، والسنة الإسراع بين العلمين الأخضرين، والمشي في بقية الشوط.

3- إسراع النساء في السعي بين العلمين وهو خلاف السنة، والإسراع إنما هو خاص بالرجال دون النساء.

4- قراءة قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158) في كل شوط كلما أقبل على الصفا والمروة، والسنة قراءتها عند بداية السعي فقط إذا دنا من الصفا.

5- اعتقاد البعض أن الشوط هو السعي من الصفا إلى المروة، ثم الرجوع مرة أخرى إلى الصفا، والصواب أن السعي من الصفا إلى المروة يعتبر شوطاً، ومن المروة إلى الصفا يعتبر شوطاً آخر.

6- تخصيص دعاء معين لكل شوط، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء خاص بكل شوط، إلا ما كان يدعو به على الصفا وعلى المروة. 

7- التطوع بالسعي بين الصفا والمروة من غير أن يكون في حج أو عمرة، والسنة جاءت باستحباب التطوع بالطواف بالبيت فحسب.

ومما يتعلق بالحلق أو التقصير: يعتقد البعض أن من السنة استقبال القبلة عند الحلق، وهذا لا دليل عليه.

178575 آيات في الصيام

المقال

ثمة بعض آيات في القرآن الكريم قيل: إن المراد منها الصوم والصيام، نذكرها:
الآية الأولى: قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} (الحاقة:24). قال مجاهد في معنى الآية: هي أيام الصيام؛ إذ تركوا فيها الأكل والشرب. وقال الكلبي: {بما أسلفتم} يعني الصوم؛ وذلك أنهم لما أُمروا بالأكل والشرب دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة لله تعالى، قيل: كان عملهم الصيام؛ لأنه قال سبحانه في آية أخرى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10)، فيُفْرَغ للصائم جزاؤه إفراغاً، ويجازف جزافاً، فلا يدخل تحت وهم وتقدير، وجدير بأن يكون كذلك؛ لأن الصوم إنما كان له سبحانه، ومشرفاً بالنسبة إليه -وإن كانت العبادات كلها له، كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه، والأرض كلها له- لمعنيين:
أحدهما: أن الصوم كفٌّ وترك، وهو في نفسه سرٌّ، ليس فيه عمل يُشَاهَد، وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله عز وجل، فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد. 
الثاني: أنه قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان -لعنه الله- الشهوات؛ وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب. 
وقد روى الترمذي حديثاً وحسنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (الصوم نصف الصبر). 

الآية الثانية: قوله سبحانه: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(الزمر:10)، قيل: إن المراد بـ (الصابرين) في قوله: {إنما يوفى الصابرون} الصائمون؛ لما روي في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم لي، وأنا أجزي به)، متفق عليه. فلم يذكر ثواباً مقدراً، كما لم يذكره في الصبر. وقد قيل أيضاً: إن المراد بـ (الصبر) في الآية: الصبر بمعناه العام، أي: الصبر على فعل الطاعات، والصبر على ترك المعاصي، والصبر على مصائب الحياة.

الآية الثالثة:
قوله سبحانه في وصف المؤمنين: {السّائِحُونَ} (التوبة: 112)
فقد قيل بأن المقصود به: الصائمون، وهو أشهر الأقوال في معنى الآية، فقد نقله ابن جرير عن جماعة منهم ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وعطاء، ونقل عن ابن عيينة قوله: إذا ترك الطعام والشراب والنساء، فهو السائح.
وعن قتادة (السائحون)، قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله.
وقال الحسن البصري: (السائحون) الصائمون شهر رمضان.
وأورد ابن كثير في تفسيره  حديثا عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال: "هم الصائمون". وقال ابن كثير عن هذا الحديث: هذا مرسل جيد. ثم قال: هذه أصح الأقوال وأشهرها.
وقالَ القُتَبِيُّ: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب وجميع اللذات..

135246 لماذا الفتور بعد رمضان؟

المقال

ماذا بعد رمضان؟ سؤال يردده الدعاة كثيراً بعد انقضاء هذا الموسم المبارك، وذلك لما يرونه من انقلاب حال كثير من المسلمين عما كانوا عليه في شهر رمضان من الصيام والقيام والذِكْر وتلاوة القرآن إلى هجر ذلك كله، والعودة إلى الغفلة واللهو، حتى غدا هذا الأمر ظاهرة بارزة، فبينا ترى المساجد في رمضان مكتظة بالمصلين والقارئين والذاكرين، إذا بها بعد رمضان تئن من الهجر، وتشكو الفراق والبعاد إلا من النزر اليسير، وهي ظاهرة تقتضي من المصلحين وقفة مراجعة، لتقويم العوج ومعالجة الخلل.

ولو رجعنا إلى الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الظاهرة، لوجدنا أن من أهم الأسباب تحول رمضان -في نظر كثير من المسلمين- من إطار العبادة إلى إطار العادة، فكثير من الناس لا ينظر إلى رمضان إلا على أنه شهر تُمَارَس فيه عادات معينة، ينبغي ألا يخالف الناس في أدائها، فتجد البعض مثلاً يصوم رمضان في حين أنه لا يصلي، وربما صلى التراويح من غير أن يقوم بالفريضة...وهكذا، ما يؤكد أن هؤلاء لم يتعبدوا في رمضان إلا بمنطق العادة لا العبادة، وبالتالي لم يُحْدِث هذا الشهر التغيير المطلوب في حياتهم؛ ولذا فما أن يخرج الشهر حتى يعود كل واحد إلى ما كان عليه.

وهناك سبب آخر، وهو ما يشعر به المسلم -ولو كان عاصياً- من أجواء إيمانية في هذا الشهر المبارك، نتيجة ما ميزه الله به من تصفيد الشياطين، وإقبال النفوس على الطاعة، وفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، كل هذه الأجواء تساعد المسلم على التقرب إلى ربه، والبعد عن المعاصي والسيئات، فإذا انتهى رمضان، واختفت تلك الأجواء، عاد العاصي إلى معصيته، واللاهي إلى لهوه. 

ومن الأسباب كذلك ما يتسرب إلى النفوس الضعيفة من ملل وفتور بعد الحماس والنشاط، ولعل المتابع يلحظ ذلك في تناقص المصلين في التراويح في آخر الشهر خلافاً لبدايته، فالعبادة وإن كان لها أثر عظيم في طمأنينة النفس وسكونها، إلا أنها تحتاج إلى مجاهدة ومغالبة للنفس وأهوائها؛ لأن النفس مطبوعة على حب الدَّعَة والقعود والإخلاد إلى العاجلة، والغفلة عن الآجلة.

ولعلاج هذه الظاهرة ينبغي تعريف المسلم بعبوديته لربه، وأن هذه العبودية عبودية دائمة غير مقيدة بزمان ولا بمكان، وعمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله، قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت، ثم قرأ قوله عز وجل: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر:99).

وينبغي تعريف المسلم كذلك أن شهر رمضان فضيلة تفضل الله بها على عباده، ليزدادوا إليه تقرباً، ويسارعوا في فعل الخيرات، فإذا وقر ذلك في نفس المسلم كان أحرص على عبادة ربه طيلة عمره، فلا يقطعه عنها انقضاء شهر أو دخوله.

وفيما يتعلق بالملل والفتور ينبغي أن يعلم المسلم أن العبادة كثيراً ما تأتي على خلاف هوى العبد ورغباته، ما يتطلب قدراً من المجاهدة والمشقة في بداية الأمر، حتى تألف النفس الطاعة، ثم تستقيم على أمر الله، قال سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت:69) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات) رواه مسلم.

وحصول الفتور والتراخي بعد الجد والنشاط أمر وارد لأي عامل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل عمل شِرَّةً، وإن لكل شرة فترة، فمن كانت شِرَّته إلى سنتي، فقد أفلح، ومن كانت شِرَّتُه إلى غير ذلك فقد هلك) رواه أحمد، ولكن المحذور أن يخرجه الفتور إلى التفريط في الفرائض والواجبات وانتهاك المحرمات والمنهيات، قال ابن القيم رحمه الله: "تخلل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله في مُحرم، رُجِي له أن يعود خيراً مما كان"، وقال علي رضي الله عنه: "إن النفس لها إقبال وإدبار، فإذا أقبلت فخذها بالعزيمة والعبادة، وإذا أدبرت فأقصرها على الفرائض والواجبات".

فينبغي للمسلم إذا شعر من نفسه الملل والفتور أن لا يستجيب لها فيترك العمل بالكلية، ولكن ليعالج نفسه بشيء من الحكمة، فلا يمنعها الترويح واللهو المباح، كما أنه لا يقطعها عن العمل، ولكن لا بد من الموازنة، حتى لا تنفر النفس من الطاعة إذا أرغمها عليها العبد، ولا يطلق لها العِنان لتسبح في بحار اللهو والمعاصي دون حسيب أو رقيب، والقصد القصد تبلغوا.

إن من استفاد من رمضان استفادة حقيقية، لا بد وأن يكون حاله بعده خيراً من حاله قبله؛ لأن من علامات قبول الحسنةِ الحسنة بعدها، ومن علامات ردها العودة إلى المعاصي بعد الطاعات.

فاحرص -أخي الصائم- على المداومة على الأعمال الصالحة التي تعودتها في هذا الشهر الكريم، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها -كما في البخاري- عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان عمله ديمة)، أي: دائماً مستمراً، كالمطر الدائم الذي لا ينقطع. 

وإذا كنا قد ودعنا شهر رمضان، فإن المؤمن لن يودّع الطاعة والعبادة، ما دام في صدره نَفَس يتردد، أما أولئك الذين يهجرون المساجد والطاعات مع مطلع العيد، فبئس القوم هم، لا يعرفون الله إلا في رمضان، والله جل وعلا يقول: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت} (الأنعام:162) فالحياة كلها يجب أن تكون لله في جميع الأحوال والأوقات والظروف.

فاجعل -أخي الصائم- من نسمات رمضان المشرقة مفتاح خير لسائر العام، واستقم على طاعة ربك، وداوم ولو على القليل من العمل الصالح، واسأله الثبات حتى الممات.

45418 أخطاء في قراءة القرآن

المقال

القرآن الكريم كتاب الله المنـزل على سيد المرسلين، يستمد عظمته من عظمة المتكلم به، ومن مكانة المنزَّل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فلما كان القرآن بهذه العظمة لزم على من يقرأه أن يكون معظِّماً له في هيئته وحاله. ومعلوم أن الإقبال على قراءة القرآن يزداد في رمضان، بل إن بعض الناس لا يقرأ القرآن إلا في رمضان، وقد يقع بعض قارئي القرآن بأخطاء تتنافى مع آداب تلاوة القرآن، ومن هذه الأخطاء ما يلي:

أولاً: ظنُّ بعض الناس أن ختم القرآن مقصود لذاته، فيسرع في قراءة القرآن بهدف إكمال أكبر عدد من الأجزاء والسور، دون مراعاة التدبر وأحكام التلاوة والترتيل، مع أن المقصود من قراءة القرآن إنما هو التدبر والوقوف عند معاني الآيات، وتحريك القلب بها، وقد قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال له ابن مسعود: "أهذًّا كهذِّ الشعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه نفع" رواه مسلم.

ثانياً: التفريط من بعض الناس في ختم القرآن خلال شهر رمضان، فربما مرَّ عليه الشهر دون أن يختم فيه القرآن مرة واحدة، وهذا بلا شك من التفريط في شهر القرآن، وهذا النوع مقابل للصنف الأول. 

ثالثاً: اجتماع بعض الناس على قراءة القرآن بطريقة معينة فيما يعرف بعادة "المساهر"، حيث يستأجرون قارئاً لهم، يقرأ عليهم من كتاب الله، ويجلس الناس من بعد صلاة التراويح إلى السحور في أحد البيوت، ويرفعون أصواتهم بعد قراءة القارئ لكل آية مرددين بعض عبارات الاستحسان والإعجاب، وهذا الاجتماع بهذه الطريقة بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه كذلك رفعاً للأصوات وتشويشاً ينافي الأدب مع كلام الله، ويفوت الخشوع والتدبر، ولأن يقرأ الإنسان وحده بتدبر وخشوع خير له من الاجتماع على الصياح الذي يفوت عليه ذلك. 

رابعاً: رفع الصوت بالتلاوة في المسجد بحيث يشوش على المصلين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: (ألا إن كلّكم مناجٍ ربَّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصّلاة) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأمور التي قد يتساهل فيها بعض من يجتمعون للتلاوة وتدارس القرآن، الضحك واللغط، وقطع القراءة للانشغال بأحاديث جانبية، والذي ينبغي الاستماع والإنصات، وتجنب كل ما يشغل ويقطع عن التّلاوة.

سادساً: عدم الالتزام بآداب التّلاوة من طهارة، وسواك، واستعاذة، وتحسين صوت، وغيرها من آداب التّلاوة المعروفة التي ينبغي أن يكون القارئ منها على بيّنة من أمره، وهو يتلو كلام الله جلّ وعلا.

135402 السلف الصالح والقرآن

المقال

عن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: "أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعملوا مما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم".

عن إبراهيم قال: "كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال.

عن ابن شذوب قال: كان عروة بن الزبير يقرأ ربع القرآن كل يوم في المصحف نظراً، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، وكان وقع فيها الآكله فنُشرت.

قال سلام بن أبي مطيع: "كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة.

وروى إسحاق المسيبي عن نافع قال: "لما غُسِّل أبو جعفر القارئ، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن.

قال يحيى الحماني: "لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة".

وقال أحمد بن ثعلبة: سمعت سلم بن ميمون الخواص يقول: "قلت لنفسي: يا نفس، اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلّم به، فجاءت الحلاوة".

عن الأعمش قال: "كان يحيى بن وثّاب من أحسن الناس قراءة، ربما اشتهيت أن أقبل رأسه من حسن قراءته، وكان إذا قرأ لا تسمع في المسجد حركة، كأن ليس في المسجد أحد".

قال أبو بكر بن الحداد: "أخذت نفسي بما رواه الربيع عن الشافعي أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة، فأكثر ما قدرت عليه تسعا وخمسين ختمة، وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة".

135232 أحاديث صحيحة في الصيام

المقال

هذه جملة من الأحاديث الصحيحة في الصيام، قسمناها إلى ما يلي:

أولاً: أحاديث في صيام رمضان خصوصاً

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه الشيخان.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" متفق عليه.

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر) رواه مسلم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين) رواه مسلم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

ثانياً: أحاديث في الصيام عموماً

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، فقال: (عليك بالصوم، فإنه لا مثل له) رواه النسائي.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عزوجل: كل عمل بن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكّفرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر والنهي) متفق عليه.

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الصيام جُنّة من النار، كجنّة أحدكم من القتال) رواه ابن ماجه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنّة وحصن حصين من النار) رواه أحمد.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي في "السنن"، والضياء في "الأحاديث المختارة"، وإسناده حسن.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، فقلت: نعم، قال: (إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونَفِهَتْ له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله)، قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: (فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً). رواه البخاري ومسلم. معنى (نَفِهَتْ) أي: تعبت وكلَّت.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام الأبد فلا صام ولا أفطر) رواه النسائي.

عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام ثلاثة أيام من الشهر، فقد صام الدهر كله)، ثم قال: (صدق الله في كتابه): {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (الأنعام:160) رواه النسائي، وصححه الشيخ الألباني.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الجنّة ثمانية أبواب، فيها باب يُسمى الريّان، لا يدخله إلا الصائمون) رواه البخاري، وزاد النسائي: (فإذا دخل آخرهم أُغلق، من دخل فيه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً).

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها)، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام) رواه الترمذي.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان) رواه أحمد.

عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهنّ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكاد أن يبطئ، فقال له عيسى: إنك قدُ أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهنّ، وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإما أن تبلغهنّ، وإما أبلغهنّ. فقال له: يا أخي! إني أخشى إن سبقتني أن أُعذّب أو يُخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، وقعد على الشُرَف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ، وآمركم أن تعملوا بهنّ -وذكر منهنّ- وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرّة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) رواه أحمد.

عن علقمة والأسود رضي الله عنهما قالا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه. (الباءة) في اللغة الجماع، والتقدير: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح. وقيل: المراد بالباءة هنا مؤن الزواج. و(الوجاء) الوقاية والحماية.

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم، إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعيّ، فأتيا بي جبلاً وعراً، فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهّله لك، فصعدتُ، حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار. ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلّقين بعراقيّبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلّة صومهم) رواه ابن خزيمة. و(الضبْع) هو الساعد من المرفق إلى الكتف.

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الدين ظاهراً ما عجّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخّرون) رواه أبو داود.

ثالثاً: أحاديث في فضل السحور

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر) رواه مسلم.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السحور أكله بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحّرين) رواه أحمد وابن حبان.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين) رواه ابن حبّان.

عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بغداء السحور؛ فإنه هو الغداء المبارك) رواه النسائي.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة) رواه الطبراني.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسحّروا ولو بجرعة من ماء) رواه ابن حبّان.

178055 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

المقال

قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) (البقرة:185). 

القول في هذه الآية تنظمه عشر مسائل:

الأولى: (الشهر) مشتق من الشُّهرة؛ لأن الهلال يظهر لملتمسيه، فيشهرونه؛ ليراه الناس، فيثبت الشهر عندهم، و(رمضان) عَلَم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج. و(رمضان) ممنوع من الصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون؛ لأنه مشتق من الرمضاء، وهي الحرارة؛ لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب. 

قال ابن عاشور: "وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يقتضي عدم ذكره؛ إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم؛ وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال: رمضان لكان ظاهراً لا نصاً، لا سيما مع تقدم قوله {أياما} فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان". والمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية، هو الذي جُعِلَ ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين، فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان، فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه. 

الثانية: المراد بإنزال القرآن في (شهر رمضان) ابتداء إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن فيه ابتداء النزول، فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأن ذلك القدر المنزل مقدر إلحاق تكملته به، كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله سبحانه: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) (الأنعام:92)، وذلك قبل إكمال نزوله، فيشمل كل ما يلحق به من بعد. 

قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوُضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجماً نجماً في الأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في عشرين سنة". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام نجوماً -يعني الآية والآيتين- في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة". 

واختير شهر رمضان من بين الأشهر؛ لأنه قد شَرُفَ بنزول القرآن فيه، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها، ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعاً فيه.

الثالثة: قوله تعالى: (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) إشارة إلى وجه تفضيل شهر رمضان بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان، والمراد بـ(الهدى) الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي، الذي ينكره كثير من الناس، مثل أدلة التوحيد، وصدق الرسول، وغير ذلك من الحجج القرآنية.

و(الفرقان) مصدر (فَرَقَ)، وقد شاع في الفرق بين الحق والباطل، أي: إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله، وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام.

الرابعة: و(شهد) يجوز أن يكون بمعنى (حضر) كما يقال: إن فلاناً شهد بدراً، وشهد أحداً، أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: حضرها، والمعنى على هذا: حضر في الشهر، أي لم يكن مسافراً، وهو المناسب لقوله بعده: (ومن كان مريضا أو على سفر)، أي: فمن حضر في الشهر، فليصمه كله. 

ويجوز أن يكون (شهد) بمعنى (علم)، كقوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) (آل عمران:18)، ويكون المعنى: علم بحلول الشهر، وليس (شهد) بمعنى (رأى)؛ لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال: شاهد، ومن فهم قوله سبحانه: (شهد) بمعنى (رأى) فقد أخطأ خطأ بيِّناً، وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان، فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم، وهذا باطل. 

قال جمهور الأمة: "من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيماً، فإن سافر أفطر"، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة، وقد ترجم البخاري لهذا، فقال: "باب: إذا صام أياماً من رمضان، ثم سافر"..عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس.

ثم قال الحنفية: مَن (شهد) الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر، فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جنَّ أول الشهر وآخره، فإنه يقضي أيام جنونه. قالوا: وإذا أسلم الكافر، أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الإمساك، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر، ولا اليوم الذي بلغ فيه الصبي، أو أسلم الكافر.

وقال جمهور أهل العلم: ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه. قال مالك: وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه. قال القرطبي: "الصحيح لا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم، ولا قضاء ما مضى".

الخامسة: قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا) قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا): إنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي (كتب عليكم الصيام)، وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها، فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله: (شهر رمضان)، وصار الصوم واجباً على التعيين، خيف أن يظن الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نُسخ، فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر، فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة؛ تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهذا بناء على كون هذه الآية ناسخة للتي قبلها. 

فإن قلنا: إنهما نزلتا في وقت واحد، كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: (ومن كان مريضا)؛ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة؛ رفقاً بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إذا كان {شهد} بمعنى (تحقق) و(علم)، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة؛ ولزيادة بيان معنى قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). 

ثم إن للمريض حالتين: إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال؛ فعليه الفطر واجباً. الثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يُستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين: متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر؛ قياساً على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدعُ إلى الفطر ضرورة. وقال جمهور أهل العلم: إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه، أو يخاف تماديه، أو يخاف تزيُّده صح له الفطر. قال القرطبي: "قول ابن سيرين أعدل شيء في هذا الباب، إن شاء الله تعالى".

السادسة: قوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) تعليل لقوله سبحانه: (ومن كان مريضا أو على سفر)، وبيان للحكمة من الرخصة، أي: شرع لكم القضاء؛ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة، ولا يريد بكم العسر في التكاليف. وجوز ابن عاشور أن يكون تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: (كتب عليكم الصيام) إلى هنا، فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام -وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر- فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر، أي: تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم. 

السابعة: قوله سبحانه: (ولتكملوا العدة) المعنى: يريد الله أن تكملوا العدة، و(إكمال العدة) يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم؛ ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع، وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف. وقد يراد بـ (إكمال العدة) إكمال عدة الهلال، سواء كانت تسعاً وعشرين يوماً أو ثلاثين. قال العلماء: ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهاراً، بل هو لليلة التي تأتي، هذا هو الصحيح. وقد روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً صُبْحَ ثلاثين يوماً، فرأى هلال شوال نهاراً، فلم يفطر حتى أمسى). أخرجه الدار قطني.

الثامنة: قوله سبحانه: (ولتكبروا الله) تعليل لحكمة متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى، وهو أن يكبروه. والمراد بـ (التكبير) النسبة والتوصيف، أي: أن تنسبوا الله إلى الكِبَر، و(الكبر) هنا كبر معنوي لا جسمي، فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها، أي: لتصفوا الله بالعظمة، وذلك بأن تقولوا: الله أكبر، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الواقع، كالحكماء، والملوك، والسادة، والقادة، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية؛ لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه، والناقص غير مستحق للإلهية. 

وقد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون، قال الشافعي: وتُشَبَّه ليلة النحر بها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك والشافعي. وروى الدار قطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى. 

قال القرطبي: "وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر". وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال: أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى، وحين يخرج الإمام إلى الصلاة، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج. وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى، ولا يكبر في الفطر. 

قال ابن عاشور: "وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة؛ وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر، إشارة إلى أن الله يُعْبَدُ بالصوم، وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام".

وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير؛ إذ جعلته مما يريده الله، وهو غير مفصل في لفظ التكبير، ومجمل في وقت التكبير؛ وعدده، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال. فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر، والمشهور في السنة أنه يكرر (الله أكبر) ثلاثاً، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والشافعي: إذا شاء المرء زاد على التكبير تهليلاً وتحميداً، فهو حسن، ولا يترك (الله أكبر)، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين، ثم قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد. وقال أحمد: هو واسع. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ غير ثلاث تكبيرات. 

التاسعة: قوله سبحانه: (على ما هداكم) قيل: لِمَا ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم. وقيل: بدلاً عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب والأنساب، وتعديد المناقب. وقيل: لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع، فهو عام.

العاشرة: قوله عز وجل: (ولعلكم تشكرون) تعليل آخر، وهو أعم من مضمون جملة (ولتكبروا الله على ما هداكم )، فإن التكبير تعظيم، يتضمن شكراً، والشكر أعم؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى، ويكون بفعل القُرَب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر.

135242 رمضان شهر الدعاء

المقال

في سياق آيات الصيام جاءت لفتة عجيبة تخاطب أعماق النفس، وتلامس شغاف القلب، وتسرِّي عن الصائم ما يجده من مشقة، وتجعله يتطلع إلى العوض الكامل والجزاء المُعَجّل، هذا العوض وذلك الجزاء الذي يجده في القرب من المولى جل وعلا، والتلذذ بمناجاته، والوعد بإجابة دعائه وتضرعه، حين ختم الله آيات فرضية الصيام بقوله سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (البقرة:186)، فهذه الآية تسكب في نفس الصائم أعظم معاني الرضا والقرب، والثقة واليقين، ليعيش معها في جنبات هذا الملاذ الأمين والركن الركين.

كما أنها تدل دلالة واضحة على ارتباط عبادة الصوم بعبادة الدعاء، وتبين أن من أعظم الأوقات التي يُرجى فيها الإجابة والقبول شهر رمضان المبارك الذي هو شهر الدعاء.

وقد جاءت النصوص الشرعية مبينة عظم شأن الدعاء وفضله، فالدعاء هو العبادة، وهو أكرم شيء على الله، ومن أعظم أسباب دفع البلاء قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، كما أنه سبب لانشراح الصدر وتفريج الهم وزوال الغم، وهو مفزع المظلومين وملجأ المستضعفين، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء. 

                                                 وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيقٌ          علــيَّ فــمـا ينفـــك أن يتفرّجا
   
                                                 وربَّ فتى ضاقت عليه وجوهُهُ       أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا

وللدعاء شروط وآداب ينبغي مراعاتها والأخذ بها حتى يكون الدعاء مقبولاً مستجاباً:

يأتي في مقدمتها إخلاص الدعاء لله، وإفراده سبحانه بالقصد والتوجه، فلا يدعو إلا الله ولا يسأل أحداً سواه.

ولا بد من قوة الرجاء وحضور القلب وعدم الغفلة عند الدعاء لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه) رواه الترمذي.

وعلى الداعي أن يجزم في المسألة ولا يتردد، ولا يستعجل الإجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء لا مكره له)، وقوله: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ، فلم يستجب لي) رواه البخاري.

وليتحرَ الأوقات والأحوال التي تكون الإجابة فيها أرجى، كليلة القدر، وجوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وحال السجود، والصيام، والسفر، وغيرها من أوقات الإجابة.

وليقدم بين يدي دعائه الثناء على الله جل وعلا، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والإقرار والاعتراف بالذنب والخطيئة، فعن فضالة بن عبيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً، إذ دخل رجل فصلى، فقال: "اللهم اغفر لي وارحمني"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله وصل علي، ثم ادعه) رواه الترمذي.

وعليه أن يلح في دعائه وتضرعه، ويعظم المسألة، ويظهر الفاقة والمسكنة، ويدعو في جميع الأحوال من شدة ورخاء ومنشط ومكره، ويكرر دعاءه ثلاثاً، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) رواه الطبراني، وقال: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب، فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي.

ويستحب أن يتطهر ويستقبل القِبلة، ويرفع يديه حال الدعاء، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله حي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين) رواه الترمذي.

وعلى الداعي أن يخفض صوته بين المخافتة والجهر؛ لقوله جل وعلا: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين} (الأعراف:55) وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس! اربَعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم ) رواه البخاري. ومعنى (اربعوا) أي: ارفقوا.

وليتخيّر جوامع الدعاء، والأدعية المأثورة التي جاءت النصوص بأنها أرجى للقبول والإجابة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء:87) فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله) رواه الترمذي.

وليبتعد عن السجع المتكلَّف، ومراعاة تنميق العبارات، وتزويق الألفاظ، فإن العبرة بما في القلب من صدق التوجه والإقبال على الله، وقد كان صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك.

وعلى الداعي أن يطيب مطعمه ومشربه حتى يكون مجاب الدعوة، وألا يدعو إلا بخير، وأن يتجنب الاعتداء في دعائه، ولا يدعو على نفسه وماله وأهله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم)، وقوله: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم) رواه مسلم.

هذه بعض آداب الدعاء وشروطه على سبيل الإجمال، فاحرص أخي الصائم على استغلال الأوقات والأحوال الشريفة في هذا الشهر المبارك، وأكثر من الدعاء لنفسك ووالديك وأولادك، وإخوانك من المؤمنين والمؤمنات، وتعرض لنفحات الله، لعله أن تصيبك نفحة لا تشقى بعدها أبداً.

45417 أخطاء في القيام

المقال

رمضان شهر الطاعات والقربات، وفرصة لزيادة المبرَّات وفعل الخيرات، ومن السنن المشروعة في هذا الشهر المبارك قيام لياليه بالعبادة لله سبحانه، وقد يتخلل ذلك بعض الممارسات التي تخلُّ بأخلاق المتعبدين والقائمين، من ذلك:

أولاً: التهاون في أداء صلاة التراويح، بحجة أنها سنة وليست واجبة، فترى الرجل ربما أضاع وقته في المجالس أو الأسواق أو أمام الشاشة أو غير ذلك مما ضرره أكثر من نفعه، ويفرِّط في هذه السُنَّة العظيمة مع علمه بما ورد في فضل قيام رمضان إيماناً واحتساباً، ولا شك أن ذلك من الغبن والحرمان، والذي ينبغي على المسلم أن يصلي التراويح كاملة مع الإمام حتى ينصرف ليُكتب له أجر قيام ليلة.

ثانياً: ومن الأخطاء أن بعض الناس إذا بلغه أن هذه الليلة هي أول ليلة في رمضان، لا يصلي صلاة التراويح ظناً منه أن هذه الليلة ليست من ليالي رمضان، وهو خطأ فبمجرد رؤية هلال رمضان يكون الإنسان قد دخل في أول ليلة من رمضان، ولذا فإن من السنة أن تصلى التراويح جماعة في المسجد في هذه الليلة. 

ثالثاً: الإسراع من بعض الأئمة في صلاة التراويح إسراعاً يخل بالصلاة والمقصود منها، فيسرع في التلاوة إسراعاً شديداً، ولا يراعي الطمأنينة والخشوع، وكل همه إنهاء تلك الرُّكيعات لينصرف الناس بعدها لأعمالهم، وأشغالهم، ومسامراتهم، ومساهراتهم...، والواجب أن يطمئن الإمام في صلاته، وإذا لم يتيسر له ختم القرآن، أو قراءة قدر كبير منه في صلاة القيام تخفيفاً على الناس، فلا أقل من أن يحسن صلاته، فيطمئن فيها، ويتم ركوعها وسجودها.

رابعاً: مسابقة كثير من المأمومين لإمامهم في صلاة التراويح في الركوع والسجود والرفع منهما، والمشروع في حق المأموم إنما هو متابعة الإمام في أفعال الصلاة، فيأتي بها بعده مباشرة، لا يسبقه ولا يتخلف عنه، وقد ورد الوعيد الشديد في مسابقة الإمام، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار).

خامساً: حَمْلُ بعض المأمومين المصحف أثناء صلاة القيام، وذلك من أجل متابعة قراءة الإمام، وهذا الأمر بجانب كونه غير مأثور عن السلف، فإن فيه شُغلاً للمصلي عن الخشوع وتدبر الآيات؛ وبالتالي فلا ينبغي أن يُفعل ذلك، إلا لمن كان يتابع الإمام من أجل تصويبه إذا أخطأ.

سادساً: تطويل دعاء القنوت، والتكلف فيه، والإتيان بأدعية غير مأثورة، ما يسبب الملل والسآمة، وربما حول بعضهم القنوت إلى موعظة يذكر فيها أشياء تتعلق بالقبر وعذابه، والصراط والبعث والجزاء، وكل هذا من الاعتداء المنهي عنه في الدعاء، والذي ينبغي الاقتصار على الأدعية المأثورة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، وقد كان صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة: (يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك) رواه أبوداود.

سابعاً: ومن الأخطاء رفع الصوت بدعاء القنوت أكثر مما ينبغي، وهو مناف لأدب الدعاء، فقد قال الله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) (الأعراف:55)، ولما رفع الصحابة رضي الله عنهم أصواتهم بالتكبير نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم -أي اخفضوا أصواتكم- فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائباً) متفق عليه، والذي ينبغي على الإمام أن يرفع صوته بالقدر الذي يُسْمِع مَن خلفه من المأمومين.

ثامناً: رفع الصوت بالبكاء والصراخ بحيث يتسبب في إشغال المصلين من حوله، فإن البكاء وإن كان مطلوباً عند قراءة القرآن وسماعه إلا أنه ينبغي على العبد أن يحرص على خفض صوته وإخفائه ما أمكن، حتى يكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وبعض الناس ربما اشتد بكاؤه وتأثره إذا جاء وقت الدعاء والقنوت، ولا شك أن الأولى أن يكون البكاء والتأثر عند سماع كلام الله. 

تاسعاً: تَرْكُ التهجد في العشر الأواخر من رمضان، والانشغال بالتجوال في الأسواق وشراء الأغراض وحاجيات العيد، فتضيع على العبد -رجلاً كان أو امرأة- هذه الليالي المباركة، وتضيع عليه ليلة القدر، التي من حُرِمَ خيرها، فقد حُرِمَ الخير كله، وهو أمر -مع الأسف الشديد- يقع فيه كثير من المسلمين في أواخر هذا الشهر المبارك، مخالفين بذلك سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا دخلت ليالي العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر.

عاشراً: من الأخطاء التي يقع فيها البعض في ليالي القيام، إنشاء جماعة ثانية أثناء قيام الجماعة في المسجد، ويفعل ذلك من فاتته صلاة العشاء مع الجماعة الأولى، وهذا لا يجوز؛ لأن فيها تشويشاً على المصلين، وفيها أيضاً إقامة لجماعتين في وقت واحد ومكان واحد. والواجب على من فاتته صلاة العشاء مع الجماعة، أن يصلي مع الجماعة التي تصلي صلاة التراويح، وينوي فرض العشاء، وبعد أن ينتهي الإمام من أداء ركعتي التراويح، يأتي بما فاته من ركعات صلاة العشاء. 

135299 وقتك في رمضان

المقال

الوقت هو الحياة والعمر، وعمر الإنسان ليس إلا هذه الثواني والدقائق التي يعيشها لحظة بلحظة، وكل ساعة تمضي من العمر تقربنا من الدار الآخرة. 

                                                  أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً            ويوم له يوم الترحل خامس

والوقت مع أنه أثمن ما عني الإنسان بحفظه، فهو في المقابل أسهل ما يضيع عليه، ونحن وإن كنا لا نسمح لغيرنا أن يسرق أموالنا، لكننا -ومع الأسف الشديد- قد نسمح وربما نبارك لهم سرقة أوقاتنا وأعمارنا وهذه هي المصيبة الكبرى؛ لأن المال قد يعوض، أما الوقت فلا يمكن تعويض لحظة منه بكل ذهب الدنيا، ومن ثم كان المغبون والخاسر حقيقة هو من فرط في أوقاته وضيعها، يقول صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري

وإذا كان الوقت بهذه القيمة والأهمية، فإن قيمته تعظم وأهميته تكبر في مواسم الخير، والأزمنة الفاضلة، وأوقات النفحات والبركات، ومن أعظمها شهر رمضان المبارك، حيث السوق قائمة، والأرباح متوافرة، والأجور مضاعفة، فحريٌ بمن كان يضيع وقته في غيره أن يعيد النظر في استغلاله، وحريٌ بمن كان يحرص على وقته في غيره أن يضاعف حرصه فيه. 

ومما يؤسف له ما نجده في هذا الشهر الكريم من مظاهر تضييع الأوقات وقَتْل لها من قِبَلِ كثير من النساء؛ وذلك بقضاء الليالي في اللهو والسهر والجلوس أمام الشاشات، والخروج إلى الأسواق والمجالس والمنتديات، وقضاء النهار في النوم والطبخ، وكأن رمضان أضحى عندهن شهر النوم والطبخ نهاراً، والسهر واللهو ليلاً، وربما مر على المرأة رمضان تلو رمضان دون أن يحدث أي أثر على سلوكها، وزيادة الأعمال التي تقربها إلى الله، وتدارك أخطائها وتقصيرها في حق ربها، ما يحتم على الأخت المسلمة -التي ترجو الله واليوم الآخر- أن تراجع نفسها وتقف منها موقف الجد والحزم لتستثمر كل دقيقة، بل كل لحظة من لحظات هذا الموسم فيما يقربها من ربها ومولاها، فإن أيام الشهر قصيرة وساعاته محدودة سرعان ما تنقضي، وسراعاً ما تذهب.

والبعض منا قد يدرك أهمية الوقت وقيمته ولكن هذا الإدراك -مع الأسف في كثير من الأحيان- لا يعدو أن يكون إدراكاً معرفيًّا ذهنيًّا، لا يتجاوز أثره إلى تصرفاته وسلوكه وتعامله، ومن ثم فإننا بحاجة إلى أن نتجاوز هذه المعرفة النظرية إلى خطوات عملية نعيشها في حياتنا اليومية، تدفعنا إلى حسن التعامل مع أوقاتنا.

وإليك أيتها الأخت المسلمة بعض الخطوات العملية، التي تفيد في اغتنام الوقت في هذا الشهر الكريم: 

- أول خطوة هي التخطيط المسبق لكل ما تريدين إنجازه في هذا الشهر المبارك، وذلك بوضع أهداف واضحة ومحددة، وعمل جدول للأعمال وأوقاتها، والقدر المطلوب لإنجازها، وتنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ والراحة، والعمل والفراغ، وليكن فيما تسعين إلى تحقيقه من الأهداف في هذا الشهر المحافظة على الصلاة في أول وقتها، وختم القرآن أكثر من مرة، وصلاة التراويح، والقيام بجزء من القرآن، وتخصيص جزء من المال للصدقة، وتفطير الصائمين، وما لم تكن هناك أهداف واضحة ومحددة، فلن تستطيعي اغتنام الوقت على الوجه الأمثل، وسترين أن جزءاً كبيراً من وقتك يضيع سدى؛ لأنك لم تضعي هدفاً لشغل هذا الوقت. 

- ومن الأمور المهمة أيضاً تحديد الأولويات، وما هي الأعمال التي ينبغي أن تقدَّم؟ والأعمال التي يمكن أن تؤخر، فليس القصد أن تقضي المرأة وقتها في ما هو مفيد، بل عليها أن تقضيه فيما هو أولى أن يقضى به. وقد ذكر أئمتنا أن من مكائد الشيطان أن يُشْغَل الإنسان بالعمل المفضول عن العمل الفاضل.

- وعلى الأخت المسلمة أن تتخلص -ما أمكنها ذلك- من مضيعات الأوقات، كالاسترسال في الحديث عبر الهاتف لغير حاجة، والخروج المتكرر للأسواق والمجمعات، والقيام بالزيارات التي لا داعي لها، والجلوس أمام التلفاز الساعات الطوال، ولا بد من تعويد الآخرين على احترام أوقاتنا ومواعيدنا، فالاتصال قبل الزيارة، والزيارة لها وقت مخصص ومحدد. 

- كما ينبغي أن تتعامل الأخت مع الوقت بواقعية، فستفيد من الوقت المتاح؛ لأن بعض الأخوات ربما جنح بها الحماس إلى المثالية والخيال الزائد من غير تقدير صحيح لما يمكن فعله، لتفاجأ بعد ذلك بعدم وجود الوقت الكافي لإنجاز ما خططت له وفكرت فيه، فتصاب بردة فعل عكسية وإحباط، والذي ينبغي أن نقدر الأوقات المتاحة التي نملك أن نستفيد منها بشكل واقعي. 

- ومن الأمور المفيدة في هذا الصدد اختيار الوقت المناسب للعمل الذي تنوين القيام به، بأن تجعلي لكل عمل الوقتَ الذي يلائمه، فالأعمال التي لا تحتاج إلى مزيد تركيز واهتمام، يمكن للمرأة أن تؤديها في أي وقت، فأوقات الطبخ مثلاً يكون من المفيد الاشتغال فيها بالذكر والتسبيح والتهليل، وسماع بعض المواد الجيدة الإذاعية أو المسجلة مثلاً، والأعمال التي تحتاج إلى تفريغ القلب وإعمال الفكر وهدوء البال من صلاة وقراءة ومراجعة وحفظ، وما أشبه ذلك، تخصص لها أوقات تناسبها، وهكذا. 

- وعليك أختي الفاضلة أن تحرصي على المبادرة بإنجاز العمل قبل أن يحال بينك وبينه، ولتحذري التسويف والتأجيل فإنه من أعظم الآفات، قال بعضهم: احذروا (سوف) فإنها من جند إبليس، وقيل لعمر بن عبد العزيز وقد أعياه الإرهاق من كثرة العمل، أخر هذا العمل، فقال: أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين؟ 

واستعيني في ذلك كله بالله ولا تعجزي، وعليك بصحبة أهل الهمم العالية، وعضي بالنواجذ على الذين يقدرون قيمة الوقت، ويعرفون كيف يستثمرونه الاستثمار المرجو والمشروع، وتذكري أن الوقت إذا لم يُقضَ بالخير قُضي بضده ولا بد، وأن كل وقتٍ جديد له واجب جديد. 

فاستغلي وقتك، وبادري عمرك بما يعود عليك بالنفع في الدنيا والآخرة، وتملئين به سجل حسناتك وصحيفة أعمالك، قبل أن يطوى الشهر، وينتهي موسم البذر، فتندمين حين لا ينفع الندم، ولات ساعة مندم. 

45180 أخطاء في السّحور

المقال

تناولُ السَّحُور من السنن التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في ذلك قوله: (تسحروا، فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم. وقد فرط بعض المسلمين في هذه السُّنَّة، وأفرط البعض الآخر فيها، فوقعوا في أخطاء نشير إليها تالياً:

أولاً: ترك بعض الناس السحور، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه السحور، ثم إنه قد حث عليه وجعله فارقاً بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، يقول عليه الصلاة والسلام: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة) متفق عليه، ويقول أيضاً: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السَّحَر) رواه مسلم، وبناء على هذين الحديثين ونحوهما، فإن في السحور عوناً على الصيام، وأداء الأعمال والطاعات، فلا ينبغي تركه. 

ثانياً: تعجيل السحور وتقديمه في منتصف الليل أو قبل الفجر بساعة أو ساعتين، وهو خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عَجِّلوا الإفطار، وأخِّروا السحور) رواه الطبراني وصححه الألباني. والسنة أن يكون السحور في وقت السَّحَر قبيل طلوع الفجر بقليل؛ ومنه سمي السحور سحوراً، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحَّرَا، فلما فرغا من سَحُورهما قام النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الصلاةِ فصلَّى، فسُئِل أنس: كم كان بين فراغِهما من سَحُورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: (قدْرَ ما يقرأ الرجل خمسين آية) رواه البخاري.

ثالثاً: الاستمرار في الأكل والشرب مع أذان الصبح وهو يسمع النداء، والواجب أن يحتاط العبد لصومه، فيمسك بمجرد أن يسمع أذان المؤذن.

رابعاً: الإفراط في تناول طعام السَّحور، حيث إن الإفراط في تناول السَّحور يؤدي إلى خمول الجسم، وهذا بدوره يفضي إلى التثاقل عن أداء الواجبات، وهو ما ينافي الحكمة من الصوم، وهي كسر شهوتي البطن والفرج، والسحور إذا كثر فإنه ينافي هذه الحكمة.

قال الحافظ ابن حجر: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحب، كالذي يصنعه المترفون من التأنق في المآكل وكثرة الاستعداد لها، ويحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد أخرج أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: (السحور بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين).

خامساً: النوم بعد تناول السَّحور مباشرة، وهو من العادات السيئة، حيث إنه يجلب على صاحبه أضراراً صحية، فضلاً عما فيها من تضيعٍ لصلاة الفجر مع الجماعة، ومخالفةٍ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر؛ لذكر الله إلى أن تطلع الشمس. 

43828 صلاة التراويح

المقال

من السنن التي سنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة في شهر رمضان، صلاة التراويح، التي اتفق أهل العلم على أنها سنة مؤكدة في هذا الشهر الكريم، وشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام؛ وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغِّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة ثم ترك الاجتماع عليها؛ مخافة أن تُفْرَض على أمته، كما ذكرت ذلك عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري

ثم استمر المسلمون بعد ذلك يصلون صلاة التراويح كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجَمْع، وذاك يصلي بمفرده، حتى جمعهم عمر رضي الله عنه على إمام واحد يصلي بهم التراويح، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان.

روى البخاري في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع - أي جماعات متفرقة - يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط - الجماعة من الرجال - فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، ثم خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعْم البدعة هذه، والتي ينامون عنها، أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل -، وكان الناس يقومون أوله.

وروى سعيد بن منصور في "سننه": أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أُبيِّ بن كعب، فكان يُصلي بالرجال، وكان تميم الداري يُصلي بالنساء.

أما عن عدد ركعاتها، فلم يثبت في تحديدها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه صلاها إحدى عشرة ركعة كما بينت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فقالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" متفق عليه، ولكن هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة عليه، وإن كانت المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل.

وثبت عن بعض السلف أنهم كانوا يزيدون على هذا العدد، مما يدل على أن الأمر في ذلك واسع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا وثلاثين، كما هو مذهب مالك, وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة...والصواب أن ذلك جميعه حسن كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله عنه، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره".

وأما وقتها فيمتد من بعد صلاة العشاء إلى قبيل الفجر، والوتر منها، وله أن يوتر في أول الليل أو في آخره، والأفضل أن يجعله آخر صلاته لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) متفق عليه، فإن أوتر في أوله ثم تيسر له القيام آخر الليل، فلا يعيد الوتر مرة أخرى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) رواه الترمذي وغيره.

ويجوز للنساء حضور التراويح، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) رواه البخاري ومسلم، ولكن بشرط أمن الفتنة، فتأتي متسترة متحجبة من غير طيب ولا زينة ولا خضوع بالقول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) رواه مسلم.

فاحرص أخي الصائم على المحافظة على هذه السُّنَّة المباركة، وأدائها مع الجماعة، ولا تنصرف منها حتى يسلم الإمام ليكتب لك أجر قيام ليلة.

135311 تاريخ الصيام

المقال

الصيام عبادة قديمة، كانت في الأمم السابقة، وانتقلت من أمة إلى أخرى، وإن اختلفت في كيفيتها، ولهذا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (البقرة:183).

فقد كان لليهود صوم فرضه الله عليهم، وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم، وهو المسمى (تِسْري) يبتدئ الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر، وهو يوم كفارة الخطايا، ويسمونه (كَبُّور)، ثم إن أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى، وهي الأيام الأول من الأشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر من سنتهم تذكاراً لوقائع بيت المقدس.

وصوم يوم (بُوريم) تذكاراً لنجاتهم من غضب ملك الأعاجم (احشويروش) في واقعة (استير).

وعندهم صوم التطوع، ففي الحديث: (إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً) متفق عليه.

وعندهم صوم عاشوراء ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (قدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا) رواه البخاري.

أما النصارى فكانوا يتبعون صوم اليهود، ففي الصحيح عن إسماعيل بن أمية أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري يقول: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: (حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى -وفي لفظ أبي داود: تصومه اليهود والنصارى- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)، قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، رواه مسلم.

ثم إن رهبانهم شرعوا لهم صوم أربعين يوماً اقتداء بالمسيح؛ إذ صام أربعين يوماً قبل بعثته، ويُشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها، إلا أنهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات القوية والمشروبات، أو هو تناول طعام واحد في اليوم، يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة.

ويروي بعض أصحاب التفسير كالطبري وابن العربي أن النصارى فُرِض عليهم الصيام، وكتب عليهم أن لا يأكلوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساءَ في شهر الصوم، واختلف عليهم الزمان، فكان يأتي في الحر يوماً طويلاً، وفي البرد يوماً قصيراً، واشتد عليهم؛ فارتأوا برأيهم أن يردوه في الزمان المعتدل، فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً، نكفر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم خمسين.

وكان في الجاهلية قبل البعثة النبوية صيام، كصيام قريش لعاشوراء، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه) رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

وجاء النداء الإلهي للمؤمنين بفرضية الصيام على المسلمين، كما كُتب على السابقين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183).

والمراد بـ {الذين من قبلكم}: من كان قبل المسلمين من أهل الشرائع، وهم أهل الكتاب، كاليهود والنصارى.

هكذا -أخي القارئ- نجد أن الصيام له تاريخ قديم، ما يدل على أهميته، فهل يعي الناس ذلك، وخاصة أولئك المفرطون والمتساهلون في أحكام الإسلام؛ إذ لا بد من الانقياد لأوامره عز وجل، حتى يُكتب لهم السلامة في الدنيا والآخرة، والله الهادي إلى سواء السبيل.

44348 عمرة في رمضان تعدل حجّة!

المقال

دعا الله عباده إلى الاستباق في الخيرات، والمسارعة إلى القربات طلبًا لثوابه ومغفرته، فقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا) (المائدة:48)، وقال جلّ وعلا: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم)(آل عمران:133). 

ومن أعظم ميادين المنافسة والمسابقة إلى الخيرات قَصْدُ بيت الله الحرام لأداء العمرة، لما في ذلك من الأجر العظيم، وتكفير الخطايا والسّيئات، قال صلّى الله عليه وسلّم: (العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما) متفق عليه، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (تابعوا بين الحج والعمرة, فإنهما ينفيان الفقر والذنوب, كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة) رواه أحمد وغيره.

والعمرة في رمضان لها مزية ليست في غيره، فقد جاء الترغيب فيها، وبيان فضلها وثوابها، وأنها تعدل حجة في الأجر والثواب، ففي "الصحيحين" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سنان الأنصارية حين لم يكتب لها الحج معه: (فعمرة في رمضان تقضي حجة، أو حجة معي). وفي رواية عند أحمد والترمذي: (عمرة في رمضان تعدل حجة).

وعلى هذا درج السلف الصالح فكان من هديهم الاعتمار في رمضان كما ثبت عن سعيد بن جبير ومجاهد "أنهما كانا يعتمران في شهر رمضان من الجعرانة"، وروي عن عبد الملك بن أبي سليمان أنه قال: "خرجت أنا وعطاء في رمضان، فأحرمنا من الجعرانة". 

وهو ما يفسر لنا سر تنافس المسلمين في هذا الشهر الكريم في هذه الطاعة، وتسابقهم إلى بيت الله الحرام لأداء هذه الشعيرة، وكأنك بهذا المشهد العظيم في موسم حج كبير.

لذا كان لا بد من التذكير بشيء من أحكام العمرة، وبيان صفتها وأعمالها، وهي على وجه الإجمال: إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير.

فإذا أراد المسلم العمرة فإنه يسُنَّ له أن يغتسل ويتطيب، ثم يلبس ملابس الإحرام، بعد أن يتجرد من لبس المخيط، كالسراويل ونحوه.

ويسنُّ للرّجل أن يلبس إزارًا ورداء، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب، بشرط أن تكون ساترة لا زينة فيها؛ ويحرم عليها لبس النقاب، لكن إذا مر بها الرجال، أسدلت على وجهها ما تستره به، كما يحرم عليها لبس القفازين.

ثم يصلّي المعتمر ركعتين استحباباً، ينوي بهما سنة الوضوء، وليس هناك صلاة خاصة للإحرام ؛ فإذا فرغ من الصلاة أحرم ملبيًا، فيقول: لبيك عمرة، ثم يشرع في التلبية، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

وينبغي للمحرم الإكثار من التلبية، لأنها الشعار القولي لهذا النسك، خاصة عند تغير الأحوال والأزمان، كأن يعلو مرتفعاً أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل ويدبر النهار، ونحو ذلك ؛ ويستمر في التلبية إلى أن يشرع في الطواف.

فإذا وصل إلى المسجد الحرام قدم رجله اليمنى قائلاً: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مستحضراً نعمة الله عليه وفضله بتيسير الوصول إلى بيته الحرام.

ثم يتقدم نحو الحجر الأسود مبتدئا طوافه منه، فيستلمه ويقبله إن استطاع، وإلا أشار إليه من بعيد بيده اليمنى قائلاً: "بسم الله، الله أكبر"، ولا يزاحم غيره للوصول إليه، ويطوف سبعة أشواط بطهارة، مبتدئًا بالحجر الأسود ومنتهيًا إليه، مكبراً مع بداية كل شوط، ويُسن استلام الركن اليماني في كل شوط -وهو الركن الذي يسبق الحجر الأسود- إن تيسر له ذلك، ولا يشرع تقبيله، ولا الإشارة إليه عند تعذر استلامه؛ ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة:201).

ويقول في طوافه ما تيسر من ذكر ودعاء وقراءة قرآن، وليس هناك دعاء أو ذكر مخصص لكل شوط.

والسُّنَّة في هذا الطواف أن يضطبع في جميع الأشواط، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه؛ والاضطباع: أن يبرز كتفه الأيمن، فيجعل وسط ردائه تحت إبطه، وطرفيه على كتفه الأيسر، والرَّمَل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا؛ فإذا تمت الأشواط السبعة تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (البقرة:125)، ثم يصلى ركعتين خلف المقام، إن تيسر، وإلا ففي أي مكان من المسجد.

ثم يتوجه بعد ذلك إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا، قرأ قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (البقرة:158)، ثم يصعد على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه ويدعو بما شاء ؛ وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، يكرر ذلك ثلاث مرات، ويدعو بينها.

ثم ينزل من الصفا متجهاً إلى المروة، ويسرع بين الميلين الأخضرين، من غير أن يزاحم غيره، فإذا وصل إلى المروة صعد واستقبل القبلة ورفع يديه، وقال ما قاله على الصفا، غير أنه لا يقرأ (إن الصّفا والمروة) مرة أخرى. 


وبذلك يكون قد أنهى شوطًا من أشواط السعي السبعة. 

ثم ينزل عائداً إلى الصفا، ماشياً في موضع المشي، مسرعاً في موضع الإسراع وهكذا حتى يتم سبعة أشواط، مبتدأً بالصفا منتهياً بالمروة.

فإذا أتم السعي حلق رأسه أو قصره، والحلق أفضل، وهذا في حق الرجل، أما المرأة فتقصر ولا تحلق، وتقصيرها يكون بأخذ قدر أٌنملة من أطراف شعرها.

وبالحلق أو التقصير، تكون قد تمت أعمال العمرة، ويكون المعتمر قد تحلل من إحرامه، وحلَّ له ما كان محرمًا عليه من قبل من محظورات الإحرام.

وختاماً: ينبغي على المسلم أن لا يضيع هذه الفرصة، وأن يغتنم شرف الزمان والمكان، فيكثر من نوافل العبادات والطاعات، وخصوصاً في هذا الشهر المبارك، وفي هذا المكان المبارك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه) رواه أحمد، وليحذر كل الحذر من أي مخالفة أو معصية قد تذهب بأجره، ويعود معها محملاً بالأوزار والآثام، فكما أن الحسنة تضاعف في هذا المكان، فإن السّيئة فيه ليست كالسّيئة في غيره، وقد قال سبحانه: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (الحج:25)، وفي الحديث: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة...وذكر منهم: ملحد في الحرم) رواه البخاري.

205198 من فطّر صائما كان له مثل أجره

المقال

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان، وصححه الترمذي وابن حبان.

وعند ابن خزيمة والنسائي بلفظ: (من جهّز غازيا أو جهّز حاجا أو خلفه في أهله أو فطّر صائما، كان له مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء).

في رحاب الحديث

من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين أن شرع لهم التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (المائدة: 2)، وجعل لهم الأجر والثواب في الدلالة على الخير والبر، ومن ذلك: تفطير الصائم، لأن الصائم مأمور بأن يُفطر، وأن يُعجّل الفطر، فإذا قام المسلم بتفطير الصائم، سواء أكان ذلك صيام نافلة أو فريضة، فسيكون له من الأجر مثله، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئا.

قال الإمام المناوي في فيض القدير: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ): "أي فله مثل أجر من عمل الصوم، لا مثل أجر من عمل تفطير الصائم، ويجوز كون "من" بمعنى "ما"، والأصل كان له أجر ما عمله وهو الصوم، وهو عام في القادر على الفطر وغيره".

والمراد من تفطيره هو أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة واحدة، وقيل: المراد بتفطيره أن يُشبعه؛ لأن هذا هو الذي ينفع الصائم طول ليله، وربما يستغني به عن طعام السحور، ولكن ظاهر الحديث أن الإنسان لو فطّر صائما ولو بتمرة واحدة فإن له مثل أجره، وما ذلك على الله بعزيز.

قال الإمام الطيبي في شرحه على لفظ ابن خزيمة والنسائي: "نظم الصائم في سلك الغازي لانخراطهما في معنى المجاهدة مع أعداء الله، وقُدم الجهاد الأكبر"، فالصائم يُجاهد نفسه في ترك الطعام والشراب والشهوات، امتثالا لأمر الله تعالى وإذعانا له.

وقال الإمام الطبري - كما نقل عنه ابن بطال -: "وفيه - أي في هذا الحديث - من الفقه أن كل من أعان مؤمنًا على عمل بر فللمعين عليه أجرٌ مثل العامل"، فيا سعادة من أعان الناس على أفعال البر والخير.

ولهذا ينبغي علينا أن نحرص على تفطير إخواننا الصائمين قدر المستطاع، ولا سيما مع حاجة الصائمين وفقرهم، أو حاجتهم لكونهم لا يجدون من يقوم بتجهيز الفطور لهم وما أشبه ذلك.

177959 فضل العمرة في رمضان

المقال

{وأذّن في الناس بالحج} (الحج:27) آيةٌ كريمةٌ تشير إلى النداء النبوي العظيم الذي نادى به خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام داعياً الناس للقدوم إلى أشرف البقاع وأطهرها، فكانت منه الدعوة وكانت من المؤمنين الإجابة.
والواقع يشهد بأن ركاب الراحلين إلى مكّة لم تتوقّف كلّ هذه السنين قاصدةً البيت الحرام لأداء الطاعة والقُربى، أما الحج: فأيّامه معدودة، وأشهره معلومة، وأما العمرة: ففي عموم الأيّام والليالي.

والعمرة في رمضان لها من المزيّة والفضل ما ليس لغيرها، فقد ثبت من حديث أبي معقل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عمرة في رمضان، تعدل حجة) رواه أحمد وابن ماجه، والمعنى كما ذكر العلماء: أنها تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء؛ فإنه لو كان عليه حجةً فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن حج الفريضة.

والمضاعفة الحاصلة للأجر سببها كما يقول الإمام ابن الجوزي: "ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت"؛ ولذلك كان للعمرة في رمضان ثوابٌ مضاعف كما لغيرها من الحسنات.

وللحديث السابق روايةٌ أخرى أكثر تفصيلاً، وتعطينا بعداً آخر من فضائل العمرة الرمضانيّة وتعلّقها بشقائق الرّجال، لنستمع إلى ابن عباس رضي الله عنهما، يخبرنا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: (ما منعك أن تحجين معنا؟) قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان وابنه، -زوجها وابنها-، وترك ناضحاً ننضح عليه، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (فإذا كان رمضان اعتمري فيه، فإن عمرةً في رمضان حجة) رواه البخاري، و(الناضح) هو البعير الذي يُستقى عليه، وهنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد المرأة التي فاتها الحج إلى القيام بعمرةٍ في رمضان، كي تتحصّل على أجرٍ يُضاهي أجر تلك الحجّة التي فاتتها، ولا عجب في ذلك، فالشهر شهر الخير، وأيامه أيام بركة، وفضل الله لا يُحَدّ، وإحسانه لا يُعدّ.

وإذا كان الرجال يطرقون أبواباً للأجر لا يمكن للنساء أن ينشدوها كباب الجهاد، فقد جعل الله لهنّ جهاداً لا قتال فيه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله! هل على النساء من جهاد؟ فقال لها: (نعم، عليهنّ جهادٌ لا قتال فيه: الحج والعمرة) رواه أحمد وابن ماجه.

ولا شكّ أن الأحاديث التي تبيّن فضائل العمرة على وجه العموم تدلّ كذلك على فضلها في رمضان وتشملها، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما) رواه البخاري ومسلم، فقد بيَّن الحديث فضيلة العمرة وما تُحْدِثُه من تكفيرٍ للخطايا والذنوب الواقعة بين العمرتين.

وصحّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة) رواه الترمذي، ففي هذا دلالةٌ على فضيلة المداومة والاستمراريّة في أداء مناسك الحج والعمرة، وكونهما سبباً شرعيّاً في زوال الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب، ناهيك عن قيامهما بمحو الذنوب كما تزيل النار خبث المعادن.

وإذا كان المضيف يُكرم ضيوفه ووارديه، والمزور يُكرم زواره ووفوده، فكيف إذا كانت الزيارة لبيت الله؟ وكيف إذا كان الزوار عبيد الله؟ ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر، وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم) رواه ابن ماجه.

ذلك فضلُ العمرة الرمضانيّة على وجه العموم، وأما على وجه التفصيل فإن العمرة بصفتها الشرعيّة تتضمّن جملةً من الأعمال الصالحة التي ورد بخصوصها الأجر، فمن ذلك أجر الطواف، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من طاف بالبيت أسبوعاً لا يضع قدماً، ولا يرفع أخرى إلا حطّ الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة) أخرجه ابن حبان، وصححه الألباني، وفي رواية أخرى: (من طاف سبعاً، فهو كعِدْل رقبة) رواه النسائي.

ودلّت السنّة أن النفقة التي يتكلّفها المرء لأداء هذه المناسك له فيها أجر، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لها في عمرتها: (إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك) رواه الحاكم.

ولا ننسى ما جاء في فضل الحرمين من حديث جابر رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي -أي المسجد النبوي- أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه) رواه أحمد وابن ماجه، فللمعتمر في رمضان نصيبٌ وافرٌ من هذا الفضل العظيم، خصوصاً وأن الأجر ينمو ويزيد كلّما زاد عدد المصلّين بدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل) رواه النسائي.

ومن مناسك العمرة المستحبّة شرب ماء زمزم، وقد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها مباركة؛ إنها طعامُ طعمٍ، وشفاءُ سقمٍ) رواه مسلم.

ويالسعادة زوار البيت العتيق حين يمكثون في رحاب المسجد الحرام، فيشاركون الناس في إفطارهم، ويرونهم وهم يطوفون بالكعبة، ومنهم القائم، ومنهم الراكع، ومنهم الساجد، ومنهم من يتلو القرآن، ومنهم الداعي لربّه ومولاه أن يتقبّل منه ويسأله من فضله، ولو لم يكن للمرء إلا هذه الفضيلة لكفى بها من نعمة.

178239 أحل لكم ليلة الصيام..

المقال

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (البقرة:187).

الحديث حول هذه الآية تنظمه اثنا عشرة مسألة، هي وفق التالي:

الأولى: قوله سبحانه: (أحل لكم) رويت هنا أخبار تتعلق بصدر هذه الآية؛ من ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار، أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق، فأطلب لك؛ وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غُشِيَ عليه؛ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم) ففرحوا فرحاً شديداً.

وروى الطبري أن عمر رضي الله عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سَمَرَ عنده ليلة، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت له: قد نمت؛ فقال لها: ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله؛ فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعتذر إلى الله وإليك؛ فإن نفسي زيَّنت لي، فواقعتُ أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال لي: (لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر!)، فلما بلغ بيته، أرسل إليه، فأنبأه بعذره في آية من القرآن. 

الثانية: (الرفث) كناية عن الجماع؛ لأن الله عز وجل كريم يكني؛ قاله ابن عباس رضي الله عنه، وقال بعضهم: {الرفث} كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وقيل: (الرفث) أصله قول الفحش؛ يقال: رفث، وأرفث: إذا تكلم بالقبيح.

الثالثة: قوله سبحانه: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) يقال لما ستر الشيء وداراه: لباس. فجائز أن يكون كل واحد من الزوجين ستراً لصاحبه عما لا يحل، قال أبو عبيد: يقال للمرأة: هي لباسك، وفراشك، وإزارك، وقال مجاهد: أي: سكن لكم؛ أي: يسكن بعضكم إلى بعض.

الرابعة: قوله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) روى البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم؛ فأنزل الله تعالى: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) يقال: خان واختان بمعنى: من الخيانة، أي: تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم، والمعنى: يستأمر بعضكم بعضاً في إتيان المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه، بأنه يخونها؛ وسماه خائناً لنفسه من حيث كان ضرره عائداً عليه. 


الخامسة: قوله سبحانه: (فتاب عليكم) يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر: التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة؛ كقوله تعالى: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) (المزمل:20)، يعني: خفف عنكم. وكذلك قوله عز وجل: (وعفا عنكم) يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله) رواه الدار قطني، يعني: تسهيله وتوسعته.

السادسة: قوله سبحانه: (فالآن باشروهن) كناية عن الجماع، أي: قد أحل لكم ما حرم عليكم، وسمي الوقاع مباشرة؛ لتلاصق البشرتين فيه، وصيغة (الأمر) هنا للإباحة، قال ابن العربي: "وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي الله عنه، لا جوع قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا؛ ابتدأ به؛ لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله".

السابعة: قوله سبحانه: (وابتغوا ما كتب الله لكم) قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: وابتغوا الولد؛ يدل عليه أنه عقيب قوله: (فالآن باشروهن)، وروي عنه أيضاً قوله: ما كتب الله لنا هو القرآن. قال الزجاج: أي: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه، وأمرتم به. وقال قتادة: اطلبوا الرخصة والتوسعة. قال ابن عطية: "وهو قول حسن".

الثامنة: روى الشيخان عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) عَمَدتُ إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: (إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار). 

وروى الشيخان أيضاً عن سهل بن سعد، قال: نزلت (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد (من الفجر)، فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار. 

وروى البخاري عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: (إنك لعريض القفا) إن أبصرت الخيطين، ثم قال: (لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار). وسمي (الفجر) خيطاً؛ لأن ما يبدو من البياض يُرَى ممتداً كالخيط. و(الخيط) في كلامهم عبارة عن اللون، و(الفجر) مصدر فَجَرْتُ الماء أفجره فجراً: إذا جرى وانبعث، وأصله الشق؛ فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجراً؛ لانبعاث ضوئه، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر، تسمية العرب الخيط الأبيض. 


التاسعة: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بد من تبيت نية الصيام قبل طلوع الفجر، واستدلوا لذلك بما رواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له). 

العاشرة: قوله عز وجل: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) بينت الآية أن الصيام الواجب هو من طلوع الفجر إلى دخول الليل، وهو وقت الغروب، ومن ثَمَّ ذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر عامداً في نهار رمضان بأكل، أو شرب، أو نكاح، فعليه القضاء والكفارة؛ لما رواه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكيناً.

وقد قال الشافعي: إن هذه الكفارة إنما تختص بمن أفطر بالجماع؛ لحديث أبي هريرة أيضاً في "الصحيحين"، قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله! قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان..) الحديث، وفيه ذكر الكفارة على الترتيب. 

وأكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن المرأة الموطوءة في نهار رمضان عليها القضاء والكفارة أيضاً، سواء أكان الوطء طواعية، أو كراهية، وقال أبو حنيفة: إن كانت مكرهة فعليها القضاء فحسب، وإن كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة، وقال الشافعي عليها القضاء فحسب، سواء طاوعت الزوج، أو أكرهها.

والذي عليه أكثر أهل العلم أن من جامع ناسياً لصومه، فلا قضاء عليه ولا كفارة، كمن أكل، أو شرب ناسياً. وقال مالك: عليه القضاء فحسب. وقال أحمد: عليه القضاء والكفارة معاً. وقد قال جمهور أهل العلم: إذا أكل ناسياً، فظن أن ذلك قد فطره، فجامع عامداً، أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.

وإذا أفطر الصائم -لغيم أو ضباب- ظناً منه أن الشمس قد غربت، ثم ظهرت الشمس، فعليه القضاء في قول أكثر العلماء. ففي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: (أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لـ هشام -أحد رواة الحديث-: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء). ولا خلاف في وجوب القضاء إذا غُمَّ عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، فأكل، ثم بان أنه من رمضان.

وفي قوله سبحانه: (إلى الليل) ما يقتضي النهي عن الوصال؛ إذ الليل غاية الصيام؛ وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا غابت الشمس من ها هنا، وجاء الليل من ها هنا، فقد أفطر الصائم) رواه مسلم.

ثم قال العلماء: تكره مباشرة النساء لمن لا يأمن على نفسه ولا يملكها؛ لئلا يكون سبباً إلى ما يفسد الصوم، وقد روى مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينهى عن القُبلة والمباشرة للصائم؛ مخافة ما يحدث عنهما، فإن قَبَّل الصائم، وسَلِمَ فلا جناح عليه، وكذلك إن باشر.
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ ويباشر، وهو صائم.
قال ابن عبد البر: "ولا أعلم أحداً رخص فيها -القُبلة- لمن يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه".
فإن قبَّل فأمنى، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: "ليس لمن أوجب عليه الكفارة حجة". وإن كرر النظر فأمنى فيجب عليه القضاء عند بعض أهل العلم؛ لتسببه في إفساد صومه، مع إمكان التحرز عن استدامة النظر.

وأكثر أهل العلم على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جُنب؛ لما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام، فيغتسل، ويصوم). قال ابن العربي: "وذلك جائز إجماعاً، وقد استقر الأمر على أن من أصبح جنباً، فإن صومه صحيح".

وأكثر أهل العلم على أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل أن عليها الصوم، ويجزئها، سواء تركت الغسل عمداً، أو سهواً، وأما إذا شكت فلم تدرِ أكان طهرها قبل الفجر أو بعده فإنها تصوم، وتقضي ذلك اليوم احتياطاً، ولا كفارة عليها.

الحادية عشرة: قوله سبحانه: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (الاعتكاف) في اللغة: الملازمة؛ يقال: عكف على الشيء: إذا لازمه مقبلاً عليه، ولما كان المعتكف ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه، لزمه هذا الاسم، وهو في عُرف الشرع: ملازمة طاعة مخصوصة، في وقت مخصوص، على شرط مخصوص، في موضع مخصوص، وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب، بل قُربة من القُرَب، ونافلة من النوافل، عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه، ويلزمه إن ألزمه نفسه، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه، وأجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، وقيل في صفة المسجد: لا بد من المسجد الجامع، وقيل: مطلق مسجد، وهو مذهب جمهور العلماء، واختلفوا في مدته، فقال الشافعي: "أقله لحظة، ولا حد لأكثره".  

والآية تنهى عن الجماع زمن الاعتكاف، ومن ثَمَّ ذهب العلماء إلى أن الجماع يفسد الاعتكاف. 

الثانية عشرة: قوله عز وجل: (تلك حدود الله فلا تقربوها) (الحدود) الحواجز ونهايات الأشياء، التي إذا تجاوزها المرء دخل في شيء آخر، وشُبِّهت الأحكام بالحدود؛ لأن تجاوزها يُخْرِج من حِلٍّ إلى منع، وفي الحديث: (وحَدَّ لكم حدوداً، فلا تعتدوها)، رواه الدار قطني

وقوله سبحانه: (فلا تقربوها) نهى عن مقاربتها الموقعة في الخروج منها على طريق الكناية؛ لأن القرب من (الحد) يستلزم قصد الخروج غالباً، كما قال تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (الأنعام:152)؛ ولهذا قال تعالى في آية أخرى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (البقرة:229).

الثالثة عشرة: قوله سبحانه: (كذلك يبين الله آياته للناس) أي: كما بيَّن الله أحكام الصيام، يبين جميع آياته لجميع الناس، والمقصد أن هذا شأن الله في إيضاح أحكامه؛ لئلا يلتبس شيء منها على الناس؛ وليتقوا مجاوزتها، و(الآيات) العلامات الهادية إلى الحق. 

وقوله عز وجل: (لعلهم يتقون) أي: يريد الله -ببيان أحكامه- وقاية الناس من الوقوع في مخالفة ما شرعه لهم؛ لأنه لو لم يبين لهم الأحكام، لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يمتثلون لهذه الأحكام على وجهها المبين، فتحصل لهم صفة التقوى؛ إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان، وغير مؤاخذين بإثم التقصير، إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى.

135243 رمضان شهر الجهاد

المقال

الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وبه تنال العزة في الدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال وأجلِّ القربات، وما ذلَّ المسلمون إلا عندما تركوا الجهاد، وركنوا إلى الدنيا، فتكالب عليهم الأعداء، وتداعت عليهم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، والتذكير بالجهاد في هذا الشهر المبارك، تذكير بماض مشرق، نحن أحوج ما نكون إلى الاسترشاد به، لنخرج من أزمة طال أمدها، وبعد زمنها، حتى صرنا في مؤخرة الأمم، وأصبحنا مع كثرتنا غثاءً كغثاء السيل، فنـزع الله المهابة من قلوب أعدائنا لنا، وقذف في قلوبنا الوهن -حب الدنيا وكراهية الموت-، فالتذكير بالماضي ينبغي أن يساق للعبرة، وللإفادة منه في صنع حاضرنا، ورسم صورة مشرقة لمستقبلنا.

أمر الله عز وجل بالجهاد وحث عليه، ورغب فيه حتى وصف من يبذل نفسه في سبيله بمن يبيع نفسه لله، ونعم البيع ذلك البيع فقال عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} (التوبة:111)، وسمى سبحانه الجهاد تجارة، ولكنها تجارة مع الله، وليس المثمن دراهم ودنانير، ولكنه النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون}(الصف:11).

ووردت في فضل الجهاد أحاديث كثيرة، من ذلك ما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه، وقال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) رواه البخاري.

وليست الغاية من الجهاد في الإسلام إزهاق النفوس وتدمير الممتلكات، وترميل النساء، ولكن الغاية هي نشر دين الله في الأرض، وإزاحة المعوقات والعقبات التي تحول بين الناس وبين وصول دعوة الله إليهم، حتى يُقْبِلوا على الإسلام، لا يعوقهم عنه جور جائر، ولا تسلط باغٍ.

وشهر رمضان المبارك هو شهر الجهاد، وفيه وقعت أعظم معركتين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: الأولى: معركة بدر الكبرى، التي كانت فرقاناً فرَّق الله به بين الحق والباطل، وأصبح للمسلمين بعدها العزة والمنعة.

الثانية: فتح مكة، وبها زالت غربة الإسلام الأولى، وسقطت رايات الوثنية في البلد الحرام، وأصبح الإسلام عزيزاً في أرجاء الجزيرة العربية.

وكذلك كان هذا الشهر عند سلف الأمة، فكثير من الأحداث والفتوحات التي كان لها أعظم الأثر في حياة المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم.

ومما يؤسف له أن هذا المفهوم قد انقلب في نفوس كثير من المسلمين اليوم، فبعد أن كان رمضان شهر الجهاد والعمل والتضحية، أصبح شهراً للكسل والبطالة وفضول النوم والطعام، وهو انتكاس خطير في المفاهيم، يجب تصحيحه، حتى تعيش الأمة رمضان كما عاشه نبينا صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة من بعده جهاداً وعبادة وعملاً وتضحية، وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود.

42286 مقدمة في أحكام الصّيام

المقال

صحَّ في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) متفق عليه. والفقه بأحكام الإسلام من أوجب الواجبات، وآكد المطلوبات، خاصة ما كان يتعلق منه بفرائض العبادات، كالصلاة والزكاة وباقي أركان الإسلام.

والصيام فريضة من فرائض ديننا الحنيف، شرعه الله لهذه الأمة، كما شرعه لمن سبقها من الأمم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:183).

وقبل الشروع في الكلام على أحكام الصيام، هناك مقدمات لا بد من ذِكْرِها بين يدي الموضوع، تتعلق بتعريف الصوم، وفرضيته، ومراحل تشريعه، ومراتبه. 

تعريف الصوم:
فالصيام لغة: الإمساك مطلقاً، تقول: صام عن الكلام، إذا امتنع عنه ولم يكلم أحداً، ومنه قوله تعالى على لسان مريم عليها السلام: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) (مريم:26).

وشرعاً: الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، بنية مخصوصة. 

فرْضيَّة الصيام:
وفرضيَّة صيام شهر رمضان ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) (البقرة:183). 

وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (بني الإسلام على خمس...) إلى قوله: (وصوم رمضان) متفق عليه، وقد أجمعت الأمة على فرضية صوم رمضان.

وبناء على هذا، فقد قرر أهل العلم أن صيام رمضان فرض على كل مسلم عاقل بالغ صحيح مقيم خال من الموانع. 

مراحل تشريع الصيام : 
فرضية رمضان مرت بأربع مراحل:

المرحلة الأولى: صيام يوم عاشوراء وجوباً، وهو اليوم العاشر من المحرم، وكان صلى الله عليه وسلم قد أمر بصيام هذا اليوم قبل أن يفرض صيام شهر رمضان؛ وفي "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم صام عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك؛ أي تركه على أنه فرض، وسنَّ صيامه لمن شاء.

أما المرحلة الثانية فجاءت بالتخيير بين صيام شهر رمضان، أو دفع فدية للمساكين، قال تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (البقرة:184).

والمرحلة الثالثة: كانت إيجاب الصيام على المقيم الصحيح القادر المكلف، فإذا غربت الشمس، كان للصائم أن يأكل ويشرب ما لم ينم، فإن نام، حرم عليه الطعام والشراب وقربان النساء إلى الليلة القابلة، ولما كان الصيام على هذه الشاكلة فيه من الحرج ما لا يخفى، خُفِّف عن المسلمين ذلك؛ ويدل على هذه المرحلة وملابساتها، ما رواه البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك - تتحسر عليه - فلما انتصف النهار غشي عليه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (البقرة:187) ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزل قوله تعالى بعدُ: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (البقرة:187). 

واستقر الأمر في المرحلة الرابعة: على وجوب صوم هذا الشهر الكريم، على كل مكلف قادر مستطيع على الصيام، قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة:185). 

ثم إن الصيام ليس على درجة واحدة، ولا على مرتبة واحدة، بل منه الواجب والمحرم ومنه المستحب والمكروه، فمن الصوم الواجب، صيام رمضان، وصوم النذر؛ ومن الصوم المحرم صيام يومي العيدين، ومن الصوم المندوب صيام ستة أيام من شوال، وصيام يومي التاسع والعاشر من المحرم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم وإفطار يوم، ومن الصوم المكروه صوم يوم الجمعة منفرداً، وقد فصَّلت السنةُ النبويةُ كلَّ ذلك وبينته بياناً تاماً.

135239 رمضان شهر القرآن

المقال

ثمة علاقة وطيدة ورباط متين بين القرآن وشهر الصيام، تلك العلاقة التي يشعر بها كل مسلم في قرارة نفسه مع أول يوم من أيام هذا الشهر الكريم، فيُقْبِل على كتاب ربه يقرأه بشغف بالغ، فيتدبر آياته ويتأمل قصصه وأخباره وأحكامه، وتمتلئ المساجد بالمصلين والتالين، وتدوي في المآذن آيات الكتاب المبين، معلنة للكون أن هذا الشهر هو شهر القرآن، قال جل وعلا: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185)، قال الحافظ ابن كثير: "وكان ذلك -أي إنزال القرآن- في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}(القدر:1)، وقال سبحانه : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}(الدخان:3)، ثم نزل بعده مفرقاً بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكان جبريل عليه السلام يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيدارسه القرآن كل ليلة في رمضان -كما في "الصحيحين"-، وكان يعارضه القرآن في كل عام مرة، وفي العام الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل القرآن مرتين.

وكان للسلف رحمهم الله اهتمام خاص بالقرآن في هذا الشهر الكريم، فكانوا يخصصون جزءاً كبيراً من أوقاتهم لقراءته، وربما تركوا مدارسة العلم من أجل أن يتفرغوا له، فكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وكانوا يقرؤون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للإمام الشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الإمام مالك إذا دخل رمضان يترك قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقْبِل على قراءة القرآن من المصحف، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

ومما ينبغي أن يُعْلَم أن ختم القرآن ليس مقصوداً لذاته، وأن الله عز وجل إنما أنزل هذا القرآن للتدبر والعمل، لا لمجرد تلاوته والقلب غافل لاه، قال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} (ص:29)، وقال: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقد وصف الله في كتابه أمماً سابقة بأنهم {أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} (البقرة:78)، وهذه (الأمية) هي أمية عقل وفهم، وأمية تدبر وعمل، لا أمية قراءة وكتابة، و(الأماني) هي التلاوة -كما قال المفسرون- بمعنى أنهم يرددون كتابهم من غير فقه ولا عمل.
وأكد نبينا صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين حدَّث أصحابه يوماً فقال: (هذا أوان يُختلس العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء) فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يُختلس منا، وقد قرأنا القرآن؟! فوالله لنقرأنه، ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: (ثكلتك أمك يا زياد! إن كنتُ لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم) رواه الترمذي.
إذن، فختم القرآن ليس مقصوداً لذاته، وليس القصد من تلاوته هذَّه كهذَّ الشِّعر، دون تدبر ولا خشوع ولا ترقيق للقلب ووقوف عند المعاني، ليصبح همُّ الواحد منا الوصول إلى آخر السورة، أو آخر الجزء، أو آخر المصحف، ومن الخطأ أيضاً أن يحمل أحدنا الحماس -عندما يسمع الآثار عن السلف التي تبين اجتهادهم في تلاوة القرآن وختمه- فيقرأ القرآن من غير تمعن، ولا تدبر، ولا مراعاة لأحكام التجويد، أو مخارج الحروف الصحيحة، حرصاً منه على زيادة عدد الختمات، وكون العبد يقرأ بعضاً من القرآن جزءاً أو حزباً أو سورة بتدبر وتفكر خير له من أن يختم القرآن كله من دون أن يعي منه شيئاً، وقد جاء رجل لابن مسعود رضي الله عنه، فقال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال ابن مسعود: "أهذّاً كهذِّ الشِّعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع"، وكان يقول: "إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا! فأصغ لها سمعك، فإنه خير تُؤْمَر به، أو شر تُصْرَف عنه"، وقال الحسن: "أنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً".

فاحرص -أخي الصائم- على تلاوة القرآن في هذا الشهر بتدبر وحضور قلب، واجعل لك ورداً يوميًّا لا تفرط فيه، ولو رتبت لنفسك قراءة جزأين أو ثلاثة بعد كل صلاة لحصَّلت خيراً عظيماً، ولا تنس أن تجعل لبيتك وأهلك وأولادك نصيباً من ذلك. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

197062 الصيام وغض البصر

المقال

(الغض) لغة: مصدر قولهم: غض بصره يغضه غضًّا، وهو مأخوذ من مادة (غ ض ض) التي تدل على معنيين: أحدهما: الكفّ والنقص. والآخر: الطراوة، وغض البصر من المعنى الأول، وكل شيء كففته فقد غضضته. 

و(البصر) لغة: اسم لآلة الإبصار، وهو مأخوذ من مادة (ب ص ر) التي تدل على العلم بالشيء، ومنه أيضاً: البصيرة، وبَصُرتُ بالشيء: علمته.

وغَضُّ البصر اصطلاحاً: أن يغمض المسلم بصره عما حرم عليه، ولا ينظر إلا لما أبيح له النظر إليه، ويدخل فيه أيضاً إغماض الأبصار عن المحارم.

قال القرطبي: "البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله".

ومن النصوص الآمرة بغض البصر قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} (النور:30-31)، قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً.

وروى الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) حسن لغيره.

وروى الإمام أحمد أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: (يا عليُّ! لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة) حسن لغيره.

وروى الإمام مسلم عن جرير بن عبد الله، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفُجَاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، ومعنى (نظر الفجأة) أن يقع نظره على الأجنبية من غير قصد، فلا إثم عليه في أول ذلك، فيجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال، فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم.

وما أكثر المناظر التي أصبح من المحتم غض البصر عنها؛ فبعض القنوات والمواقع الإلكترونية، التي يتقن القائمون عليها فن الإغراء والإغواء، باختيار الوجوه الحسان، والأجساد شبه العارية، والأصوات الناعمة، وغير ذلك من المغريات والمفتنات، حتى أصبحت مجاهدة النفس على غض البصر من أهم المهمات، وآكد الواجبات، وصار الفشل فيها لدى الشباب ذريعة إلى الوقوع في الفحشاء والمنكر، والانقطاع عن عمل الخير، وضعف تأثير العبادة كالصلاة والصوم، وسبب لكثير من المعاناة والضيق وكدر الحياة.

ولغض البصر عما حرم الله جملة فوائد، منها:

- أنه امتثال لأمر الله تعالى، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.

- أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم، الذي ربما كان هلاك قلبه فيه.

- أنه يورث القلب أنساً بالله سبحانه؛ لأن غض البصر لا يكون إلا باستحضار الخوف من الله، وعملاً بما نهى عنه، وهذا الاستحضار هو بمعنى ما ذكر، وقد قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).

- يقوي القلب ويفرحه، كما أن النظر إلى المحرمات يُضعف القلب ويحزنه.

- يكسب القلب نوراً، كما أن إطلاقه يورثه ظلمة، وقد قال بعض السلف: (من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته).

- يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل، والصادق والكاذب.

- يورث القلب شجاعة وقوة، فيجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة.

- يسد على الشيطان مدخله إلى القلب؛ فإنه يسرع إلى القلب مع النظرة أسرع من الهواء إلى المكان الخالي.

- يفرِّغ القلب إلى مصالحه، والاشتغال بها.

وعليك أيها الشاب المؤمن ألا تيأس ولا تستسلم، ولو أغراك الشيطان، فحملك على الدخول إلى موقع إلكتروني، أو سوَّل لك النظر إلى صورة خليعة، أو فتاة فاتنة، بل عليك أن تلزم الاستغفار، وتجعله على لسانك ليل نهار، ولا تحرم نفسك من الانضمام إلى قافلة {والمستغفرين بالأسحار} (آل عمران:17)، فللاستغفار سر عجيب، من محو آثار النظر، وصفاء القلب، وتجديد العزيمة، وبسط سلطان السعادة على النفس، والحمد لله الذي شرع للمؤمنين التوبة، وحفَّزهم على الاستغفار، ووعدهم بالعفو والغفران.

والمؤمن مأمور بغض بصره عما حرم الله عليه في الأحوال والأزمان كافة، ويكون الأمر آكد في شهر رمضان؛ إذ هو شهر العبادة، وشهر التقرب إلى الله سبحانه، فلا يليق بالمؤمن أن يفعل في هذا الشهر ما يبعده عن ربه، وهو أحوج ما يكون قريباً إليه.

230074 ما ينافي الصوم

المقال

ما ينافي الصيام ويناقضه، ويخالفه ويعارضه على نحوين:

أحدهما: مادي، واقع في نطاق الحِس، والثاني: معنوي، عائد على الروح والنفس؛ فأما الضَرب الأول فأن يصيب الصائم مما يعود إلى البطن والفرج في وقت مخصوص من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك كمثل الأكل، والشرب، والجماع، وهذا هو صيام العاميِّ الذي لا يفقه من الصوم إلا هذا، وأنه لا غاية للصوم وراءه، فإذا ما أصاب الصائم شيئاً من ذلك فقد انتقض صومه وبطل، وصار مطالباً بإعادة صوم اليوم الذي نقض صومه فيه.

وهذا الصوم إنما هو في الحقيقة وسيلة للضَّرْب الثاني؛ إذ المقصود منه أن يتدرب الصائم على حكم نفسه، وكبح جماحها، ليمنعها مما يُدَسِّيها، ويدنسها، ويرديها، وهذا من الضرْب الثاني، وهو المعنوي، الذي يعود إلى النفس، وهو عماد التقوى، ولُب الصيام الذي هو منه الغاية الأولى، وهو اجتناب خِلال تدنس النفس، وذلك كمثل الكذب، وقول الزور، والعدوان على الناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، وقد جاء في الحديث الصحيح (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري، وفي الحديث ما يدل على أن المقصود من الصوم إنما هو تهذيب النفس، ومنعها من مساوئ الخِلال؛ إذ أن الإمساك عن المفطرات، وترك الطعام والشراب لم يفرضه الله سبحانه لمنفعة وحاجة به سبحانه إليه، وإنما ذلك لغاية للعبد، وهي تهذيب نفسه، والابتعاد عما يشينه.

وإن هذا الضرب من المفطرات، وهو حفظ اللسان من الغيبة والنميمة وأذى المسلمين أعظم خطراً، وأفدح ضرراً من القسم الأول؛ إذ كان هذا القسم يحبط الصوم، ويهدمه، ويذهب الغاية منه، وهو الثواب عند الله، وهو وإن كان لا ينقض الصوم مادة، ولا يوجب الإعادة، إلا أن المعول عليه هو حصول التقوى، وبلوغ الغاية من النفس، وهو مما لا يدرك ولا يتوصل إليه مع إتيان الصائم الكذب والزور والغيبة والنميمة والطعن في أعراض الناس، وما شاكل ذلك من المحرمات، وإذا كان المقصود من الصوم إنما هو تذليل النفس، وإخضاعها لحكم الدين والأدب والعقل، فإن مما يجري على هذه القاعدة أن يخفض جناحه للمؤمنين، وأن يتجاوز عن مسيئهم، ولا يقابل السيئة بالسيئة، فإذا اعتدى عليه أخوه المؤمن فلا يقابله عدواناً بعدوان مثله، وإذا سبه فلا يسبه، وفي هذا جاء الحديث (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإن سابَّه أحدٌ، أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم) متفق عليه.

ففي هذا الحديث أن على الصائم أن لا يجيب من سبه وشتمه، وهذا يتضمن التجاوز والسماح، وترك مقابلة الشر بالشر، والعدوان بالعدوان؛ إذ أنه إذا سب الإنسانُ إنساناً آخر فقد اعتدى عليه، وفي هذا الحديث الوصية بأن لا يرد عليه بالشتم وذلك من حقه، وهذا واضح في ترك مقابلة العدوان بالعدوان، ومعنى: (وليقل: إن صائم) إنه ليس لي أن أجيب على السبِّ بمثله، وأن أقاتل من قاتلني، وهو يتضمن تذكير الصائم المعتدي أنه مخطئ، وناقض لصومه بسبه له، ومقاتلته إياه.

ومن كلام حكماء الإسلام في هذا المعنى، قول جابر رضي الله عنه: (إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب، والمحارم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك وصومك سواء) رواه البيهقي. وهذا كما قال الشاعر:

                                   إذا لم يكن في السمع مني تصون         وفي بصري غض وفي منطقي صمت

                                  فحظي إذن من صومي الجوع والظما      فإن قلت: إني صمتُ يومي فما صمت َ

وقد قيل في صوم الخواص: من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة، فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه، وفرحته برؤيته.

والعارفون صومهم أن يحفظوا -بالإضافة إلى كل ما تقدم- قلوبهم عن كل ما سوى الله، وألا يكون فيها حظ لسواه، وهنالك طبقة العوام الذين لا يعلمون من الصوم إلا الإمساك عن الطعام والشراب، وطبقتا العوام والخواص من الصائمين -فيما نرى- كثيرتان في هذا الزمان، أما طبقة العارفين فهيهات، وقليل إن كان.

178085 فضل السحور

المقال

ليس هناك وصفٌ يصدق على شهرٍ من الشهور كمدح شهر رمضان بوصف البركة؛ فإن هذه الصفة تنطبق عليه من كلِّ وجه. وإذا كانت البركة في حقيقتها: الزيادة والنماء، فرمضان -وفق ذلك- بركةٌ في الأوقات، بركةٌ في الأعمال، بركةٌ في الأجور، وأحد أوجه هذه البركة ما تفضّل الله سبحانه وتعالى به من نعمة السحور.

يتمثّل أمام ناظرينا حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تسحّروا؛ فإن في السحور بركة) متفق عليه، فهذا الحديث إشارةٌ واضحةٌ إلى ما تمتّعتْ به أكلةُ السحور من البركات والفضائل، سواءٌ ما تعلّق بأمور الدنيا، أو توجّه إلى شؤون الآخرة.

إن أوّل بركات هذه العبادة أن المسلم يقوم بها اتباعاً للسنّة واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان مداوماً عليها، وهذا ما تُشير إليه الأحاديث فقد جاء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة" فقيل له: كم كان بين الأذان والسحور؟ فقال: "قدر خمسين آية" رواه البخاري.

قال ابن أبي جمرة: "كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتّبعوه فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشق أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر".

ومن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه العبادة كان كثيراً ما يُذكّر أصحابه بها، ويدعوهم إلى فعلها، ويشير عليهم بين الحين والآخر ببركاتها وفضلها حتى ترسخ في أذهانهم، فلا يدعونها، وهذا واضح في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، حيث قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان، فقال: (هلمّ إلى الغداء المبارك) رواه أبو داود والنسائي.

وعن عبد الله بن الحارث أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دخلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يتسحر، فقال: (إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه) رواه النسائي.

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسَّحور) رواه الطبراني.

وجاء عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه مرفوعاً: (السَّحور بركة؛ فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم ماء) رواه أحمد.

وأما ثاني بركات السَّحور وفضائله: أنه مخالفةٌ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين حُرموا من هذه المنحة الإلهيّة، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر) رواه مسلم، فالحديث يدلّ على أنهم لم يكونوا يأكلون تعبّداً في مثل هذه الأوقات.
يقول الإمام الخطّابي: "كان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام، ثم نسخ الله عز وجل ذلك، ورخّص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} (البقرة:187)".

وثالث بركاته: أنه تقويةٌ للعبد على العبادة وزيادةٌ في النشاط، لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك السَّحور لكان في ذلك مشقّة على البعض ممن لا يحتمل طول وقت الإمساك عن الطعام، فقد يُغشى عليه، وقد يفضي ذلك إلى الإفطار في رمضان، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجه، وزاد الدار قطني: (ومن شاقّ شقَّ الله عليه).
ولعلّ هذا السبب الذي لأجله شُرع تأخير السَّحور؛ ليكون فرصةً للنفس كي تأخذ نشاطها كاملاً، فقد كان عبد الله بن مسعود يعجل الإفطار ويؤخر السحور، ويقول: "هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع" رواه النسائي، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "كنت أتسحّر في أهلي، ثم يكون سرعةٌ بي، أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، رواه البخاري، وهذا يدلّ على تأخير السَّحور، بحيث أن سهلاً رضي الله عنه كان يسرع بعد تسحّره إلى الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ مخافة أن يفوته شيءٌ منها.

ورابع بركات السحور: اليقظة في وقتٍ مباركٍ يتنزّل فيه الرّب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟) حتى يطلع الفجر، كما جاء في "صحيح مسلم"، ومثل هذا الوقت المبارك يملؤه الصالحون بالذكر والتسبيح والاستغفار: {والمستغفرين بالأسحار} (آل عمران:17)، ومثل هذه الأوقات المباركة تكون مظنّة للإجابة.

وخامس بركاته: أن يكون في التسحّر استحضارٌ لرحمة الله تعالى بعباده، ولو شاء لأمرهم بالوصال، فكان في ذلك مشقّة عظيمةٌ عليهم، ومظاهر الرحمة الإلهيّة تتجلّى في كلّ تشريعاته وأحكامه وأقداره.

وأما سادس بركاته: فهي صلاة الله تعالى وصلاة الملائكة على العبد، ويدلّ على هذا الفضل حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله وملائكتة يصلون على المتسحّرين) رواه أحمد.

ونذكر في الختام أن أفضل ما يتسحر به المؤمن هو التمر، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم المتسحرين بالتمر فقال: (نِعْمَ سحور المؤمن التمر) رواه أبو داود، وفضلاً عن الأجر الحاصل من امتثال هذه السنّة، فإن للتمر قيمة غذائيّة عالية، تقوّي البدن وتعينه على تحمّل أعباء الصيام طيلة اليوم كما يقول الأطباء.

135236 من معاني الصيام

المقال

غير خاف على أحد أن الله عز وجل لم يشرع العبادة ويوجبها على عباده لحاجته إليها، فهو الغني سبحانه، وإنما شرعها لحكم ومعان عظيمة، ومقاصد جليلة، تعود على العبد نفسه بالنفع في دينه ودنياه.

وإذا كان المقصود الأول من العبادة هو الاستسلام والانقياد والعبودية والإذعان، وقَدَم الإسلام لا تثبت إلا على ظهر الاستسلام لله سبحانه، فلا يعني ذلك خلو هذه العبادات عن الحكمة، وأن لا يبحث المسلم عن المعاني والأسرار الكامنة وراء الأوامر والنواهي.

والصوم شأنه شأن سائر العبادات والقربات، له معانٍ وأسرار عظيمة، يمكن تلمسها والوقوف عندها لمعرفة الحكمة من مشروعية هذه العبادة الجليلة.

أول هذه المعاني والتي تشترك فيها جميع العبادات، أن الصوم فيه تربية على العبودية والاستسلام لله جل وعلا، فعندما تغرب الشمس يأكل الصائم ويشرب؛ امتثالاً لأمر الله، وإذا طلع الفجر يمسك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، فهو يتعبد الله عز وجل في صيامه وفطره، فإذا أمره ربه عز وجل بالأكل في وقت معين أكل، وإذا أمره بضد ذلك في وقت آخر امتثل، فالقضية إذن ليست قضية ذوق ومزاج، وإنما هي قضية طاعة واستسلام وانقياد لأمر الله.

والصوم كذلك يربي في النفس مراقبة الله عز وجل، وإخلاص العمل له، والبعد عن الرياء والسمعة، فهو عبادة بين العبد وربه جل وعلا، ولهذا جاء أن الصوم عبادة السر، فإن بإمكان الإنسان ألا يصوم، وأن يتناول أي مفطر من المفطرات من غير أن يشعر به أحد من الناس، بل إنه بمجرد تغيير النية وقطعها يفطر، ولو لم يتناول شيئاً من المفطرات طوال يومه، فامتناعه عن ذلك كله على الرغم من أنه يستطيع الوصول إليه خفية، دليل على استشعاره اطلاع الله على سرائره وخفاياه، ومراقبته له، ولأجل هذا المعنى اختص الله جل وعلا عبادة الصوم من بين سائر العبادات، ولم يجعل لها جزاء محدداً، قال صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) أخرجه مسلم. فقوله جل وعلا: (من أجلي) تأكيد لهذا المعنى العظيم.

والصوم يربي العبد على التطلع إلى الدار الآخرة، وانتظار ما عند الله عز وجل، حيث يتخلى الصائم عن بعض شهوات النفس ومحبوباتها؛ تطلعاً إلى ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، وفي ذلك توطين للنفس على الإيمان بالآخرة، والتعلق بها، والترفع عن عاجل الملاذ الدنيوية، التي تقود إلى التثاقل إلى الأرض والإخلاد إليها.

والصوم يربي النفس على الصبر، وقوة الإرادة والعزيمة، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، والمقصود من الصوم إنما هو حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، والله تعالى يقول: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (الزمر:10).

وفي الصوم كذلك تربية للمجتمع، وتنمية للشعور بالوحدة والتكافل بين المسلمين، فالصائم حين يرى الناس من حوله صياماً كلهم، فإنه يشعر بالترابط والتلاحم مع هذا المجتمع، فالكل صائم، والكل يتذوق لذة بالجوع في سبيل الله، والكل يمسك ويفطر دون تفريق أو امتياز، لا يُستثنى من ذلك أحد لغناه أو لجاهه أو منصبه، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وأفضلهم أزكاهم.

فما أعظمها من صورة معبرة عن وحدة المجتمع في ظل العبودية لله جل وعلا.

والصوم يضيّق مجاري الدم، ويخمد نيران الشهوات، ويقلل فرص إغواء الشيطان لابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (الصوم جُنَّة) أي: وقاية يتقي به العبد الشهوات والمعاصي؛ ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت عليه شهوة النكاح مع عدم قدرته عليه بالصيام، وجعله وجاءً لهذه الشهوة ومخففاً من حدتها.

ومن معاني الصوم أن يتذكر الصائم بصومه الجائعين والمحتاجين، فيتألم لآلامهم، ويشعر بمعاناتهم، فالذي لا يحس بالجوع والعطش قد لا يشعر بمعاناة غيره من أهل الفقر والحاجة، وإذا كان أحدنا يجد ما يفطر عليه من الطعام والشراب، فغيرنا قد لا يجد شيئاً من ذلك.

تلك هي بعض معاني هذه العبادة العظيمة، وقد جمعها الله عز وجل في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} (البقرة:183) فالحكمة التي شُرِع الصوم من أجلها هي تحقيق تقوى الله عز وجل، وهي ثمرة الصوم الشرعي ونتيجته، وما لم يكن الصوم طريقاً لتحصيل هذه التقوى، فقدْ فَقَدَ الغاية والمعنى الذي شُرِع لأجله، فليس المقصود من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فحسب، دون أي أثر لهذا الصوم على حياة الإنسان وسلوكه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم -كما عند البخاري-: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وقال: (ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وسنده صحيح. قال جابر رضي الله عنه: "إذا صمتِ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم, ودع أذى الجار, وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك, ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
 
فينبغي للمسلم أن يستحضر هذه المعاني وهو يؤدي عباد ة الصوم، حتى لا تخرج العبادة عن مقصودها، وحتى لا تتحول إلى عادة يؤديها مسايرة للبيئة والمجتمع.

45181 أخطاء في الإفطار

المقال

وقت الإفطار في رمضان هو الوقت الذي يكون فيه الصائم قد استنفد الكثير من طاقته الجسمية، والفكرية، والعاطفية، ما يدفع البعض إلى القيام ببعض الأخطاء التي لا تليق بأخلاق الصائم وآداب الصيام، وإليك بعضها:

أولاً: تأخير الإفطار بعد دخول وقته، وهو  خلاف السنَّة التي جاءت بتعجيل الفطر إذا دخل الوقت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) متفق عليه. 

ثانياً: ومن ذلك أن بعض الصائمين لا يفطر إلا بعد أن ينتهي المؤذن من أذانه احتياطاً، وهو من التنطع والتكلف الذي لم يُطَالَب به العبد.

ثالثاً: ومن الأخطاء انشغال بعض الصائمين بالإفطار عن إجابة المؤذن، والسنة للصائم وغيره أن يتابع المؤذن عند سماعه ويقول مثل قوله، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم النّداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن) متفق عليه.

ولا يلزم الصائم أن يقطع أكله أو شربه من أجل المتابعة، بل يتابعه مع مواصلة الإفطار، حيث لم يرد نهي عن الأكل حال متابعة المؤذن وترديد الأذان. 

رابعاً: ومن الأخطاء غفلة بعض الصائمين عن الدعاء عند الإفطار، مع أن هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، ومن الغبن والحرمان أن يضيع العبد على نفسه هذه الفرصة العظيمة يقول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه أحمد وصححه الألباني، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود.

خامساً: ومن الأخطاء الإسراف في الطعام والشراب حال الإفطار، كما أن الإكثار من الأكل والشرب يثقل الإنسان عن العبادة وأداء الصلاة بخشوع وحضور قلب، وهو خلاف ما شُرِعَ له الصوم.

سادساً: ما يفعله بعض الصائمين من الفطر على ما حرم الله، كالسجائر، وغيرها من الخبائث، ولا شك أن الصوم فرصة عظيمة للتخلص من هذه العادات السيئة، وتدريب للإنسان على ترك المألوفات التي تعودها، فمن استطاع أن يتركها نهاراً كاملاً، لا يعجزه -بالصبر والعزيمة- الإقلاع عن هذه الخبائث في ليله أيضاً، حتى إذا انتهى رمضان كان قد تعود على تركها، فيسهل عليه المداومة والاستمرار على ذلك.

196948 من المقبول فنهنيه

المقال

لقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يجتهدون في إتمام العمل وإتقانه في جميع أوقاتهم وحياتهم، وخاصة في شهر رمضان، ومع ذلك يخافون من رده وعدم قبوله، فقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون:60) أهُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا، يا بنت الصِدِّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا تُقبل منهم، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).

فلنستشعر في شهر رمضان هذا النداء: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر)، كما استشعره سلفنا الصالح، ولنسارع فيه إلى طاعة الله ومرضاته، ولنتأمل في أحوالنا وأحوالهم في رمضان لنسير على طريقهم وهديهم، ونجتهد في التوبة والإنابة، والعمل الصالح والدعاء لنكون من المقبولين، فقد كانوا رضوان الله عليهم يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم. 

قال عبد العزيز بن أبي رواد: "أدركتُهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الْهَمّ، أيُقبل منهم أم لا". وقد رأى وهب بن الورد قوماً يضحكون في يوم عيد، فقال: "إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين".

وعن الحسن قال: "إن الله جعل شهر رمضان مِضماراً (سباقاً) لِخَلْقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون".

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يُنادَى في آخر ليلة من رمضان: ليت شعري من المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه". وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: "مَنْ هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه، أيها المقبول: هنيئاً لك، أيها المردود: جَبَرَ الله مصيبتك".

وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة، وقال في كتابه: "قولوا كما قال أبوكم آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (الأعراف:23)، وقولوا كما قال نوح عليه السلام: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} (هود:47)، وقولوا كما قال إبراهيم عليه السلام: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} (الشعراء:82)، وقولوا كما قال موسى عليه السلام: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} (القصص:16) وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (الأنبياء:87). صيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعملٍ صالح له شافع، كم نخرق من صيامنا بسهام الكلام، ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع، كم نرفو خروقه بمخِيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع".

ومِن علامات القبول: الحسنة بعد الحسنة، والتوبة الصادقة المستمرة، والمداومة والمحافظة على الطاعات بعد رمضان، فذلك دليل على رضى الله عن عبده، وقبوله لعبادته وطاعته في رمضان.

فيا مَنْ أطعتَ الله في شهر رمضان، إياك أن تعود إلى المعاصي والأوزار بعده، ويا مَن اعتدتَ حضور المساجد والمحافظة على الصلاة في رمضان إياك أن تهجر المساجد وتضيع صلاتك بعد رمضان، ويا مَنْ تعودتَ قراءة القرآن في هذا الشهر المبارك، داوم على تلاوته، واجعل لك ورداً بعده، ويا منِ اعتدتَ قيام الليل، استمر في هذه المسيرة الطيبة، فاجعل لك حظاً مستمراً من قيام الليل ولو كان قليلاً ترفع فيه حوائجك إلى ربك، ويا من اعتدتَ الصيام في رمضان امضِ في ذلك في عامك كله، وهناك أيام من السَنَة حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على صيامها، كصيام ستة أيام من شوال، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومنها صوم الاثنين والخميس، وصوم يوم عرفة، وصوم يوم عاشوراء. 

ويا من تعودتَ في شهر رمضان الجود والكرم واصل مسيرتك في البذل والعطاء، فذلك كله من علامات قبول العمل في رمضان...فإذا انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي، ولا يتحدد بزمان، فعبادة الله وطاعته يجب أن تكون مستمرة ودائمة حتى الممات، فلا تكون قاصرة على رمضان فحسب، قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56)، وقال: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} (الأنعام:162). وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّه؟، قَال: أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ) رواه مسلم.

فاللهم سلِّمنا إلى رمضان، وسلِّم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلاً، وأعِدْه علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، واجعله شاهداً لنا لا علينا، واجعلنا فيه من عتقائك من النار ومن عبادك المقبولين، آمين.

135309 العمل في رمضان

المقال

ليس المقصود بعنوان هذا المقال الحديث عن الطاعات والقربات المشروعة في رمضان -كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة- وإنما نرمي منه الحديث عن العمل اليومي -المهني- خلال شهر رمضان، وبيان موقف الناس منه. 

فقد يرى بعض الناس -بل هناك من ذهب حقيقة- أن صيام رمضان يسبب تعطيل الأعمال والمصالح الدنيوية العامة، وأنه يخفض نسبة الإنتاج الوطني، بل إن بعض من لا خلاق له دعا العمال إلى الإفطار في رمضان، بحجة الحفاظ على مستوى الإنتاج.

والسؤال الذي يقدمه مقالنا هذا، ونود الإجابة عنه هو: هل الصيام حقاً يتعارض مع مصلحة الإنتاج والنهوض الاقتصادي الوطني؟ أو أن الأمر على غير ذلك.

نسارع إلى القول بداية فنقول: إن كان هناك ضعف في مستوى الإنتاج -حقيقة- خلال شهر رمضان، فليس مرد ذلك إلى الصيام، بل إن مرد ذلك -في واقع الأمر- إلى العادات والممارسات الخاطئة التي يمارسها كثير من الناس خلال هذا الشهر الكريم، إذن فليست المشكلة في الصيام، وإنما في سلوك بعض الصائمين، هذا أولاً.

ثم من ناحية أخرى نقول: إن في الصوم -عند التحقيق- فائدة -أي فائدة- في تنمية ورفع مستوى الإنتاج، دليلنا على هذا، أن الصوم مثلاً يلغي وجبة غذائية -على الأقل- تقع في وقت العمل، وهذا يوفر وقتاً يمكن الإفادة منه لصالح الإنتاج، فضلاً عما يوفره من حجم الاستهلاك، ومما يؤسف له هنا، أننا نرى كثيراً من العمال -في غير رمضان- يضيعون من الأوقات في تناول طعامهم وشرابهم ما لا يخفي على أحد، فكيف يمكن القول حينئذ إن الصوم يخُفض نسبة الإنتاج، إن هذا لشيء عجاب.

ونقول أيضاً: إن من فوائد الصوم الاقتصادية أنه يمنع المدخنين من التدخين، ومعلوم لكل منصف أن ممارسة التدخين أثناء العمل وفي غيره، فيه من ضياع الوقت ما فيه، فضلاً عما يسببه من ضعف جسدي ونفسي للمدخنين، أو ما يسببه من إتلاف صحي واقتصادي وبيئي، فالصوم في الواقع يجنبنا كل هذه الأمور التي تعود بالنتائج السلبية على الفرد والمجتمع في آنٍ معاً.

ثم إن علينا أن ننظر إلى هذه المسألة من منظار المصالح والمفاسد والموازنة بينها، وانطلاقاً من هذا نقول: إذا كان الصوم في رمضان يسبب -جدلاً- انخفاضاً في مستوى الإنتاج، فإننا -بالمقابل- يجب علينا أن ننظر إلى الآثار الإيجابية التي يحققها الصوم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وعند النظر الفاحص والموازنة العادلة في هذه المسألة، نرى أن نتائج الصوم الإيجابية أكبر وأعظم من نتائجه السلبية -هذا على فرض أن يكون للصوم نتائج سلبية- وسواء في ذلك النتائج المادية المعنوية، أو النتائج العاجلة أو الآجلة.

ومقالنا هذا لا يسمح بتفصيل القول في تلك النتائج، إلا أننا نكتفي بذكر نتيجة واحدة يلمسها كل واحد منا، وهي أن الصوم -إذا تم على حقيقته- فإنه يدفع صاحبه إلى الإخلاص والإتقان في العمل، والتخلي عن تضييع الأوقات، وكل هذا في صالح الإنتاج دون ريب.

ومن طريف ما يُذكر في هذا السياق، أن أحد رجال الأعمال الإسبان كان يفتخر بعماله المغاربة، الذين كانوا يصومون ويصلون، وكان يشجعهم على الصيام، ويعتني بنفسه بتهيئة فطورهم وسحورهم، لما كان يجده فيهم من الجدية والأمانة، ما لا يجده عند غيرهم.

وعلاوة على ما تقدم، نقول أيضاً: إن أمور الآخرة مقدمة على أمور الدنيا، كما هو مقرر في أصول الشريعة، قال تعالى: {وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون} (القصص:60) وقال أيضاً: {وما عند الله خير وأبقى للذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون} (الشورى:36) وعلى هذا، إذا قلنا -جدلاً- إن الصوم يؤدي إلى خفض مستوى الإنتاج، فإن مما ينبغي على المسلم -على فرض صحة ذلك- أن يقدم أمر الدين على أمر الدنيا، هذا إذا كان ثمة تعارض بين فريضة الصوم، ومستوى الإنتاج، فكيف إذا كانت الحقيقة خلاف ذلك، قال تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم} (الحجرات:14)، أي: لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً.

ثم أليس في صيام هذا الشهر الكريم، ما يُنمِّي الإحساس بالفقراء ومعاناتهم، ما يدفع الصائم الحق إلى التكافل معهم، والأخذ بيدهم للرفع من مستواهم الاقتصادي، وهذا بدوره يؤدي إلى قيام نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع.

ففي كل ما ذكرنا وغيره، دليل على أن الصوم في رمضان ليس فيه ما يؤثر سلباً على مستوى الإنتاج، بل العكس هو الصحيح، لأنه ليس من الوارد -عقلاً ولا شرعاً- أن يكون فيما شرع الله مفسدة للإنسان، بل الخير كل الخير فيما شرعه الله سبحانه، فهو الخالق لعباده، وهو أعلم بما يصلحهم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}(الملك:14).

44349 أحكام قضاء رمضان

المقال

من رحمة الله بعباده أن شرع لهم من الأحكام ما يُكفِّرون به عن ذنوبهم، ويستدركون به ما فاتهم، وفي التنزيل يقول سبحانه: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} (آل عمران:135-136).

وإذا كان الأصل في العبادات أن تؤدى في أوقاتها المحددة شرعاً، فإن أداء العبادة قد يتخلف عن وقتها لعذر شرعي، ولأجل ذلك شرع الله قضاء بعض العبادات ليستدرك العبد ما فاته منها، وهو ما يُعْرَفُ بالقضاء، الذي يقابل أداء العبادة في وقتها المحدد، وصيام رمضان لا يخرج عن القاعدة السابقة، فالصوم له وقت محدد وهو شهر رمضان، فمن تركه بعذر فإنه يقضيه، ليستدرك ما فاته من صيام، وسنتاول في هذا الموضوع جملة من أحكام القضاء والكفارة والفِدْيَة في الصوم.

وجوب القضاء

اتفق أهل العلم على وجوب القضاء على كل مَنْ أفطر يوماً أو أكثر من رمضان، لعذر شرعي، كالسفر، والمرض المؤقت، والحيض، والنفاس، ودليل ذلك قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (البقرة:184)، وقول عائشة رضي الله عنها: (كان يُصيبنا ذلك -أي الحيض- فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) رواه مسلم.

وكل من لزمه القضاء فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطرها، فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، سواء أكانت ثلاثين أم تسعة وعشرين يوماً.

ويستحب المبادرة بالقضاء بعد زوال العذر المانع من الصوم؛ لأنه أبرأ للذمة وأسبق إلى الخير، وله أن يؤخره، بشرط أن يقضيه قبل حلول رمضان القادم، لقول عائشة رضي الله عنها: (كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) رواه البخاري.

ولا يلزم التتابع في قضاء رمضان ولكنه يُستحب؛ لأن القضاء يحاكي الأداء، كما قال أهل العلم.

ومن استمر به العذر حتى مات قبل أن يتمكن من قضاء ما عليه من أيام رمضان، فلا شيء عليه؛ لأن الله أوجب عليه عدةً من أيام أخر، ولم يتمكن منها، فسقطت عنه، وأما من تمكن من القضاء، ولكنه فرط حتى أدركه الموت، فلوليه أن يصوم عنه الأيام التي تمكن من قضائها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه) متفق عليه.

وجوب القضاء والكفارة

اتفق أهل العلم على وجوب القضاء مع الكفارة المغلظة في حالة الجماع المتعمَّد في نهار رمضان؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (هلكتُ يا رسول الله! قال: وما شأنك؟ قال: وقعتُ على أهلي في رمضان، قال: تجد رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا، قال: لا ...) متفق عليه.

فالحديث يدل على وجوب الكفارة على من جامع متعمداً في نهار رمضان على الترتيب الوارد في الحديث، وبما أن العتق غير ممكن اليوم، فيجب صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكيناً، ولا يجوز الانتقال من حالة إلى أخرى إلا إذا عجز عنها.

ومما يتعلق بالكفارة، عدم جواز صرف كفارة الإطعام إلى الأهل الموسرين، بل الواجب صرفها إلى الفقراء والمساكين، ومما يتعلق بها أيضاً وجوب التتابع في صيام الشهرين، فلو قطع التتابع لعذر، فإنه يبني على ما سبق بعد زوال العذر، وأما إن قطعه بغير عذر، فعليه أن يعيد الصيام من البداية، ولا يعتبر ما صامه قبل الانقطاع.

الفدية

الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان لا قدرة لهما على الصيام، أو كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السَنة، يُرَخَّص لهما في الفطر، ولا قضاء عليهما، وعليهما أن يُطعما عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} (البقرة:184). قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً"، ومثلهما المريض مرضاً لا يُرجى برؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً. أما إذا بلغ الشيخ الكبير أو المرأة العجوز حدَّ الهذيان وعدم التمييز، فلا يجب عليهما الصيام ولا الإطعام؛ لسقوط التكليف عنهما.

هذه أهم الأحكام المتعلقة بقضاء رمضان، فاحرص أخي المسلم على المسارعة والمبادرة في أداء ما عليك، واغتنم فرصة هذا الشهر الكريم، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً، وإن فاتك شيء منه لعذر أو تقصير، فبادر إلى قضائه واستدراكه.

239776 مدارسة القرآن في رمضان

المقال

جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه. قال ابن رجب في "لطائف المعارف": "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له".

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. فالحديث قَرَنَ بين التلاوة والمدارسة، ورتب عليهما السكينة والرحمة، وحفظَ الملائكة، وذِكْرَ الله لقارئي كتابه، ويشهد لهذا قوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).  

وأصل (الدراسة): التعهد للشيء. والفعل (درس) يُطلق على عدة معان، ومن جملة ما يطلق عليه معنى: القراءة؛ يقال: درس الكتاب درساً ودراسة: إذا قرأه، وأقبل عليه ليحفظه ويفهمه؛ ودارس الكتاب مدارسة ودراساً: درسه؛ ودارس فلاناً: قارَأه وذاكره؛ وتدارس الكتاب: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه؛ والمِدْراس: الموضع يُدرس فيه كتاب الله؛ والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس.

و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ تقول: خاصم زيد عمراً؛ وشارك الطلاب في المهرجان، وضارب الفقراء الأغنياء، كل ذلك يدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها، وبحسب هذه الصيغة جاء لفظ (المدارسة) بمعنى المقارأة: أي يقرأ كل واحد على الآخر؛ والتدارس على وزن التفاعل: يعني المشاركة الجماعية في القراءة وتحصيل العلم، فيقال: تدارس القوم القرآن: إذا قرؤوه وتدبروا معانيه.

و(المدارسة) سُنَّة نبوية، غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة.

ودلَّت لمشروعية مدارسة القرآن واستحبابها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة؛ أما من القرآن فقوله سبحانه في وصف الربانيين من أهل العلم: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (آل عمران:79). ودلَّ عليها من السنة فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان، وقد تقدم في حديث مسلم آنفاً.

ويشهد لمشروعية المدارسة وأهميتها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها) متفق عليه. فـ (التعاهد) في الحديث بمعنى المدارسة؛ لأن المدارسة معناها: تعهد القرآن بالقراءة حتى لا يُنسى، وجاء اللفظ أيضاً على صيغة المفاعلة.

ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، بل هي أعظم. فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده، مستنيراً بالتفاسير الأثرية المعتبرة. 

ومما لا ريب فيه أن شهر رمضان فرصة عظيمة لتفعيل منهج المدارسة القرآنية، فهو شهر كريم ومبارك، تصفَّد فيه مردة الشياطين، وتتنزل فيه الرحمات، وفيه يتفرغ المؤمن لعبادة ربه، والتقرب إليه، ويبتعد عن مشاغل الدنيا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبداً) رواه الطبراني، فاغتنام شهر رمضان في مدارسة القرآن سبيل ناجح لتفعيل منهج المدارسة، واستثمار القرآن الكريم، وتنزيله على واقع الحياة.

قاعدتا المدراسة القرآنية

منهج المدارسة القرآنية يقوم على قاعدتين:

القاعدة الأولى: القراءة والتدبر والتبصر؛ وتتحصل هذه القاعدة بأمرين متكاملين:

الأول: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقال سبحانه: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ:46)؛ لأن الفهم والإدراك والعلم طريق العمل، والسبيل الهادي إليه.

الثاني: التخلق بالقرآن، وهذا يعني العمل به وتطبيقه على أرض الواقع وفي شؤون الحياة كلها، كبيرها وصغيرها، بدءاً بتطبيقه على النفس وانتهاء بتطبيقه في المجتمع، قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} (هود:112).

القاعدة الثانية: أخذ القرآن بمنهج التلقي، وتعني هذا القاعدة قراءة القرآن وكأنه يتنـزل عليك، قال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (سورة المزمل:19)، فالقارئ للقرآن والدارس له، ينبغي عليه أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، كيفية المتلقي للوحي والمسْتَقْبِلِ له، المنصاع لأوامره وتوجيهاته.

* فوائد المدارسة القرآنية

لا شك، أن لمدارسة القرآن فوائد كثيرة، ومنافع عديدة، يمكن إجمالها في ما يلي: 

- مدارسة القرآن سبيل العلم والتعلم، فالعلم عموماً وعلم القرآن خصوصاً لا يمكن للمرء أن يحصله إلا بالتعاون والمشاركة مع الآخرين؛ إذ ما يحصلُّه المرء بنفسه لا يُقارَن مع ما يحصله المرء مع غيره، وخاصة إذا كان هذا الغير من أهل العلم بالقرآن، قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، فصفة (الربانية) إنما حصلت بالتعلم والتعليم المشترك للكتاب ومدارسته.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان له نصيب من ذلك بالتدارس مع جبريل عليه السلام؛ والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تعلموا القرآن وفقهوه بطريق المدارسة مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمجالسة له، وقل الشيء نفسه فيمن جاء بعدهم.

- مدارسة القرآن عون لحافظ القرآن على المراجعة والاستذكار والاستيعاب والتدبر، قال عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها) متفق عليه، فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام المؤمنين على تعاهد القرآن ومدارسته، مخافة أن ينسى، و(التفلت) ليس المقصود منه التفلت من الذاكرة والحافظة فحسب، وإنما أيضاً يدخل فيه (التفلت) من تطبيقه والعمل به، فإن الإنسان ضعيف بنفسه قد تعتريه عوارض الفتور والكسل والتراخي .

- مدارسة القرآن طريق لتحقيق معنى الترابط والتآلف بين المسلمين، وهو مقصد أساس حرص عليه الإسلام لتربية العقلية الجماعية والسلوك الجماعي، وهذا المقصد ملحوظ في أكثر العبادات الإسلامية، فالمعنى الجماعي فيها حاضر وبارز.

- مدارسة القرآن طريق لتزكية النفس بفضائل الخير، وتحليتها بقيم الصلاح، وهدايتها سبل الرشاد، قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164)، فمن خلال (المدارسة) تزكو النفوس الطيبة، وتعرف طريق الخير من الشر، وتحصِّل كثيراً من الهدايات والمعاني القرآنية .

- مدارسة القرآن مدعاة لتنـزل الرحمة والسكينة على المؤمنين، وسبب لإحفاف الملائكة لهم حفظاً وعناية وتوفيقاً، وهذا ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.

- مدارسة القرآن أمر مهم لضبط تلاوته وحُسن ترتيله، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4)؛ فقارئ القرآن مطالب بتلاوته حق التلاوة، وترتيله حق الترتيل، والمدارسة طريق متعين لذلك؛ إذ من المقرر عند أهل العلم، أن القرآن لا يُتلقى بالقراءة الأحادية، بل لا بد فيه من المشافهة، والتلقي على أهل الضبط والإتقان وقراءته عليهم.

ومما يعين على تحصيل هذا المقصود:

أولاً: أن يتخذ للتلاوة مصحفاً على حاشيته بيان لمعاني المفردات.

ثانياً: أن يطالع في تفسير متوسط؛ ليس بالطويل الذي ينقطع القارئ دونه، ولا بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى. كتفسير "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للشيخ السعدي، و"زبدة التفسير من فتح القدير" لـ محمد بن سليمان الأشقر.

ثالثاً: أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلسَ قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن مثل كتاب: "القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن" للشيخ السعدي.

رابعاً: أن يقيد ما يُشْكِلُ عليه فهمه أثناء تلاوته، أو يطرأ على باله من معنى، ثم يسعى في بحثه، والسؤال عنه. 

وعلى الجملة، فإن الغاية الأساس من المدارسة القرآنية استخلاص واستخراج المنهج القرآني، وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر العلمية والتعليمية، التربوية والدعوية، النظرية والعملية، التي يجب العمل على تحقيقها في مجالات الحياة كافة، وهذا الشهر الكريم فيه عون كبير على تحصيل هذه المنافع {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4).

135244 الاعتكاف وتربية النفس

المقال

ما أحوج العبد إلى أن يخلو بنفسه في بعض الأوقات، ويركن إلى زاوية الفِكْر والذِكْر يتأمل حاله فيصلحه، ويتأمل نعمة الله عليه فيحمده ويشكره، في عالم ملأه الضجيج والاضطراب والفتن.

ما أحوجه إلى أن يخلد إلى محراب الإيمان ليعتكف فيه لا هربا من الحياة ومشكلاتها، ولكن تجديداً لقوة النفس وثقتها وإيمانها بربها.

وما أجمل أن يكون هذا الاعتكاف في شهر مبارك امتلأ بمعاني الإيمان، وفاحت منه أريج الطاعات، فالناس بين ذاكر وقارئ ومُصل، في هذا الجو الإيماني الفريد يخلو العبد بربه ذاكراً شاكراً متفكراً في نعم الله عليه، فيجلس الأيام والليالي وهو على هذه الحال، ليشعر بلحظات من السعادة تغمر قلبه وتملأ جوانحه، لحظاتٍ لم يشعرها في عالم الصخب والضجيج بكل ما فيه من زخارف الحياة المادية الجافة.

قدوته في ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان حريصاً على الاعتكاف وما تركه حتى قبض -كما قال الزهري رحمه الله-، فكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في مسجده في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوماً كما روى ذلك أبو داود، وترك النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف مرة فقضاه في شوال، وكان في ابتداء أمره يعتكف في العشر الأول من رمضان ثم الوسطى ثم العشر الأخيرة يلتمس ليلة القدر، فلما تبين له أنها فيها داوم على اعتكافه فيها حتى لحق بربه عز وجل، وكان صلى الله عليه وسلم يتخذ لنفسه خباءً في المسجد، لمزيد من التفرغ للعبادة والخلوة، وتفريغ القلب من الصوارف والشواغل.

لهذا أصبح الاعتكاف سُنة لسائر المسلمين يعيشون فيه حياة ملؤها الإيمان واليقين، مما يعينهم على الاستمرار في عمل الصالحات، والثبات في مسيرة الحياة، ويصبح الاعتكاف للمسلم بمثابة بوصلة التصحيح التي تصوب له سيره تجاه هدفه، فلا يغيب عنه ولا يضل.

وللاعتكاف فوائد كثيرة أهمها: زيادة الصلة الإيمانية بالله، وإخلاص العمل له، والتفرغ لعبادته وطاعته، وتربية النفس وجهاد الهوى، والبعد عن الصوارف والشواغل، والإكثار من أنواع العبادات التي تزكي النفس، وتجعل المرء أكثر قدرة على مواجهة فتن الحياة، ولهذا كان مقصود الاعتكاف وروحه كما يقول ابن القيم رحمه الله: "عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخَلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم".

ولذا، ينبغي للمعتكف أن يراعي في اعتكافه تحصيل هذه الغايات العظيمة، وألا يخرج من معتكفه خالي الوفاض، كحال من يجعل المساجد مهجعاً للنوم، وعنواناً للتزاور وتجاذب أطراف الحديث والضحك وفضول الكلام!!

كما ينبغي له أن يعتني بأمور منها: المحافظة على ذِكْر الله، وخاصة المأثور منها كأذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، والأكل والشرب، والدخول والخروج، ومن أعظم الذِكْر قراءة القرآن، فليحرص المعتكف على أن يتفرغ لقراءته بتدبر وخشوع وفهم، في الصلاة وفي غيرها، وأن يجعل له ورداً لا يفرط فيه مع مضاعفة الجهد.

وعليه أن يتجنب فضول الأكل؛ فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس، كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول، قال عمر رضي الله عنه: "من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة"، والاعتكاف فرصة للمرء ليُربي نفسه على التقلل والتزهد، ويجاهدها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته. 

وعليه أن يحرص كذلك على تجنب فضول المخالطة، فإن كثرة الخلطة تقصر همة العبد، وتفقده لذة المناجاة، وتفوت المقصود من الخلوة والاعتكاف، وهي مَظِنَّة كثرة المزاح والتقليل من هيبة المكان والزمان، وقد تجر إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب وغير ذلك. 

فاحرص أخي الصائم على إحياء هذه السُنة العظيمة، والاقتداء فيها بسيد الخَلْق صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة الصالحين، وتوجه بقلبك وجوارحك إلى الله عز وجل في ذل وخضوع وانكسار، حتى تخرج منها، وقد ازددت إيماناً وتقوى وقرباً من ربك جل وعلا، لتلحق بركب المقبولين الفائزين، قبل أن تطوى الصحف وتوضع الموازين.

43691 أركان الصوم وشروطه

المقال

رَكَنَ إلى الأمر: مال إليه وسكن، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) (هود:113) أي: لا تميلوا وتسكنوا إلى الظالمين، ورُكْنُ الشيء: جانبه الأقوى، قال تعالى على لسانه نبيه لوط: (لو أَن لي بكم قوة أَو آوي إلى ركن شديد) (هود:80).

و(الركن) في اصطلاح الأصوليين: ما يتوقف عليه وجود الشيء وعدمه، ويعبرون عن ذلك بقولهم: ما يتوقف على وجوده الوجود، وعلى عدمه العدم؛ وكثيرًا ما يعبر الفقهاء عن الركن بالشرط، ويريدون منه، ما لا بد منه.

ركني الصوم:

والصيام في حقيقته مركب من ركنين أساسيين، لا يُتصور حصوله بدونهما: 

- الركن الأول: النية، ومعناها القصد، وهو اعتقاد القلب فعل شيء، وعزمه عليه من غير تردد، والمراد بها هنا قصد الصوم، والدليل على أن النية ركن لصحة الصيام، قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري ومسلم، وهو يعم كل عمل ، وقوله في حديث حفصة رضي الله عنها: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أحمد وأصحاب السنن.

ومحل النية القلب، ولا يُشرع التلفظ بها، وهو خلاف السُّنَّة؛ لأنها عمل قلبي لا دخل للسان فيه، وحقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لأمر الله تعالى، وطلباً لثوابه، ويُشترط في النية لصوم رمضان التبْييت، وهو: إيقاع النية ليلاً، لحديث حفصة المتقدم، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل، وينبغي على العبد أن يبتعد عن وسواس الشيطان في النية، فإن النية لا تحتاج إلى تكلف، فمن عقد قلبه ليلاً أنه صائم غداً فقد نوى، ومثله ما لو تسحَّر بنية الصوم غداً.

وبعض الفقهاء يعد النية شرطاً لصحة الصيام لا ركناً من أركانه، والمقصود أنه لا بد منها لصحة الصوم سواء عددْناها ركناً أم شرطاً.

- الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات من طعام، وشراب، وجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ودليل ذلك قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) (البقرة:187)، والمراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، بياض النهار وسواد الليل، وذلك يحصل بطلوع الفجر الثاني أو الفجر الصادق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق) رواه الترمذي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) رواه البخاري ومسلم، وقد أجمع أهل العلم على أن من فعل شيئاً من ذلك متعمداً فقد بطل صومه.

شروط الصوم:

وهناك شروط ذكرها أهل العلم لا بد من توفرها للحكم بوجوب الصوم، وهي: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً مقيماً قادراً خالياً من الموانع الشرعية.

فلا يصح الصوم من الكافر، فإن أسلم في أثناء الشهر، صام الباقي, ولا يلزمه قضاء ما سبق حال الكفر، ويقضي اليوم الذي أسلم فيه إن أسلم أثناء النهار، نص عليه الإمام مالك، والإمام أحمد وغيرهما. 

ولا يجب الصوم على الصغير غير البالغ لعدم التكليف، ولكنه يصح منه، ويكون في حقه نافلة، ولو أفطر في أثناء النهار فلا شيء عليه، ولكن يستحب لوليه تدريبه على الصوم ليعتاد عليه، ولئلا يجد صعوبة فيه حال البلوغ، فقد ثبت في الصحيح من حديث الرُبيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها أنها قالت في صيام عاشوراء لما فُرض: (كنا نُصَوِّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهْنِ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار) رواه البخاري ومسلم.

ولا يجب الصوم على مجنون، ولو صام حال جنونه لم يصح منه؛ لأن الصوم عبادة مفتقرة إلى النية، والمجنون لا يتصور منه النية، وفي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه مرفوعاً: (رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أبو داود وغيره.

ولا يجب الصوم على غير القادر لمرض دائم، أو كِبَر، وعليه إطعام مسكين عن كل يوم. ولا يجب على المسافر، والمريض مرضاً عارضاً، ولكنهما يقضيانه حال زوال عذر المرض أو السفر؛ لقوله جل وعلا: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) (البقرة:184).

ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء، بل يحرم عليهما، ولا يصح منهما؛ لوجود المانع الشرعي، ولو جاءها الحيض أو النفاس أثناء الصوم، بطل صوم ذلك اليوم، ويجب عليها أن تقضي الأيام التي أفطرتها بعد رمضان.

والطهارة ليست شرطاً لصحة الصوم، فإذا تسحر الجنب، وشرع في الصوم، ولم يغتسل، صح صومه، وكذلك لو طهرت المرأة من الحيض في الليل ولم تغتسل، وصامت يومها التالي صح الصوم منها. 

هذه هي أهم أركان الصوم وشروطه، وللعلماء مزيد تفصيل وبيان فيها، يمكن الرجوع إليها في مظانها، والله أعلم.

42149 فضائل الصدقة

المقال

للصدقة شأن عظيم في الإسلام، فهي من أوضح الدلالات، وأصدق العلامات على صدق إيمان المتصدق؛ وذلك لما جبلت عليه النفوس من حب المال والسعي إلى كنزه، فمن أنفق ماله وخالف ما جُبِل عليه، كان ذلك برهان إيمانه وصحة يقينه، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والصدقة برهان) أي: برهان على صحة إيمان العبد، هذا إذا نوى بها وجه الله، ولم يقصد بها رياء ولا سمعة.
لأجل هذا جاءت النصوص الكثيرة التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر من الله عز وجل.
فقد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين، فقال عنهم: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} (الذاريات:16-19)، ووعد سبحانه -وهو الجواد الكريم الذي لا يخلف الميعاد- بالإخلاف على من أنفق في سبيله، فقال سبحانه: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} (سبأ:39)، ووعد بمضاعفة العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافاً كثيرة، فقال سبحانه: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة} (البقرة:245).

والصدقة بالأموال من أنواع الجهاد المتعددة، بل إن الجهاد بالمال ورد مقدماً على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي ورد فيها ذِكر الجهاد إلا في موضع واحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أبو داود.

وفي السُنة من الأحاديث المرغبة في الصدقة، والمبينة لثوابها وأجرها، ما تقر به أعين المؤمنين، وتهنأ به نفوس المتصدقين، ومن ذلك أنها من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً)، رواه البيهقي، وحسنه الألباني.

والصدقة ترفع صاحبها، حتى توصله أعلى المنازل، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل) رواه الترمذي.

وهي تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا، وتنجيه من الكروب والشدائد، قال صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) رواه الحاكم وصححه الألباني.

وجاء في السنة عِظم أجر الصدقة، ومضاعفة ثوابها، قال صلى الله عليه وسلم: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كان تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله) رواه مسلم.

والصدقة تطفئ الخطايا، وتكفر الذنوب والسيئات، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.

وهي من أعظم أسباب بركة المال، وزيادة الرزق، وإخلاف الله على صاحبها بما هو أحسن، قال الله جل وعلا في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! أَنفقْ أُنفقْ عليك) رواه مسلم.

كما أنها وقاية من عذاب الله، قال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري.

وهي دليل على صدق الإيمان، وقوة اليقين، وحسن الظن برب العالمين، إلى غير ذلك من الفضائل الكثيرة، التي تجعل المؤمن يتطلع إلى الأجر والثواب من الله، ويستعلي على نزع الشيطان الذي يخوفه الفقر، ويزين له الشح والبخل، وصدق الله إذ يقول: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم} (البقرة:268).. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المنفقين في سبيله وألا يجعلنا من الأشحاء والبخلاء في طاعته، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير..

45688 أخطاء في الاعتكاف

المقال

الاعتكاف في المسجد سُنَّة في الأوقات كافة، غير أنه في رمضان آكد، وقد ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، بيد أن بعض الناس يقعون في بعض الأخطاء عند أدائهم لهذه السُّنَّة، ومن هذه الأخطاء ما يلي:

أولاً: من الأخطاء جَعْل بعض الناس الاعتكاف فرصة للقاء والاجتماع والتحدث، فترى المجموعة من الأصحاب يحرصون على أن يعتكفوا في مسجد واحد أو في مكان معين من المسجد لهذا الغرض، وكل ذلك من الغفلة عن مقصود الاعتكاف الذي هو الانقطاع عن الناس، والاشتغال بعبادة الله، والخلوة به، والأنس بذكره.

ثانياً: التوسع في المباحات والإكثار من الأكل وفضول الطعام، والذي ينبغي للمعتكف أن يحرص على تقليل طعامه ما أمكن، وأن يقتصر منه على ما يعينه على العبادة، فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس، وتطرد الكسل والخمول، ومن كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة.

ثالثاً: جَعْلُ الاعتكاف فرصة للمباهاة والتفاخر وجلب ثناء الناس، كقول البعض اعتكفنا في الحرم أو المسجد الفلاني أو ما أشبه ذلك؛ طلباً للمدح والإعجاب، والواجب أن يخفي الإنسان عمله، وأن يخاف عليه من الرد وعدم القبول، فإن الأعمال بالنيات، ومما يعين العبد على ذلك اختيار المسجد الذي لا يعرف فيه أحداً ولا يعرفه أحد، وعدم إعلان ذلك للناس حتى يكون أقرب إلى الإخلاص.

رابعاً: الإكثار من النوم وعدم استغلال الأوقات في المعتكَف، فالمعتكِف لم يترك بيته وأهله وأولاده لينام في المسجد، وإنما جاء ليتفرغ لعبادة الله وطاعته، فينبغي أن يقلل من ساعات نومه قدر استطاعته، وأن يغير البرنامج الذي تعود عليه في بيته.

خامساً: الخروج من المعتكف لغير حاجة معتبرة، كالخروج المتكرر إلى السوق لشراء الأكل، بينما يكفيه من ذلك مرة واحدة.

سادساً: عدم المحافظة على نظافة المسجد، فربما ترك بعض المعتكفين مخلفاتهم دون تنظيف، والنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) متفق عليه، والذي ينبغي على المعتكف أن يتعاهد موضع معتكفه بالتنظيف.

سابعاً: من الأخطاء التي تحدث من بعض المعتكفين وخصوصا في الحرمين أن بعضهم لا يصلي أحياناً التراويح مع المصلين، وخصوصاً في العشر الأواخر اكتفاء بصلاة القيام، ويظل يشوش على المصلين برفع الصوت في أحاديث لا طائل من ورائها.

ثامناً: يُلاحظ إظهار البعض الجدَّ والحزم والعزم والنشاط في أول أيام الاعتكاف، ثم لا يلبث أن يفتر ويتراخى بسبب المخالطة وإلف المكان، والذي ينبغي أن يكون عليه الأمر، أن يستمر هذا النشاط والجد إلى آخر لحظة، تحرياً لليلة القدر التي أخفاها الله عنا لهذا الغرض.

تاسعاً: تفريط بعض الناس في حق أهله وأولاده وتضييعهم وهو في معتكفه، فربما انحرف الواحد منهم وضاع، خصوصاً مع غياب الرقيب والمتابع، والاعتكاف سُنَّة، والمحافظة على الأهل والأبناء من الواجبات، فكيف يُضيِّع الإنسان ما هو واجب عليه من أجل المحافظة على سُنَّة، ولا شك أن الجمع بين الأمرين هو المطلوب إن تيسر ذلك، وإلا فتحصيل ما هو واجب هو المقدم.

عاشراً: المبالغة في نصب الخيام، وكأن المقصد الأساس من الاعتكاف النوم والخلود إلى الراحة، مع أن كثرة النوم يتنافى مع مقاصد الاعتكاف القائمة على التقليل من العادات اليومية، والانقطاع عن مشاغل الدنيا وزخرفها، أما إذا كان نصب الخيام سيضيِّق على المصلين أماكن صلاتهم، فهذا من الضرر الذي لا يتوافق مع مقصد الاعتكاف، ولا يجوز للمعتكف فعله.

205225 ذهب الظمأ وابتلت العروق

المقال

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله) رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن، وروى الطبراني بإسناد فيه ضعف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: (بسم الله، اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت)، وله طريق مرسل عند أبي داود في سننه.

في رحاب الحديث

كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (إذا أفطر) أي من صومه، (قال) أي بعد الإفطار، (ذهب الظَّمَأ) وهو العطش، (وابتلت العروق) أي بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، ولم يقل: وذهب الجوع؛ لأن أرض الحجاز حارة، فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا العطش، وكانوا يمتدحون بقلة الأكل لا بقلة الشرب، (وثبت الأجر) أي زال التعب وحصل الثواب، (إن شاء الله) علق الأجر بالمشيئة هنا لعدم وجوب الأجر عليه تعالى وإنما هو محض تفضل وإنعام منه سبحانه وتعالى.

في هذا الدعاء العظيم حثٌّ على العبادة والطاعة، لزوال التعب وبقاء الأجر، فإن التعب يسيرٌ لذهابه وزواله، والأجر كثيرٌ لثباته وبقائه، وهذا أعظم محفِّز، وأقوى مرغِّب.

قال الإمام الطيبي: "ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب استلذاذ، ونظيره قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور}(فاطر:34)..، وقوله (ثبت الأجر) بعد قوله (ذهب الظمأ) استبشار منه؛ لأنه من فاز ببغيته ونال مطلوبه بعد التعب والنصب، وأراد اللذة بما أدركه، ذكر له تلك المشقة، ومن ثم حمد أهل الجنة في الجنة".

وثبوت الأجر إن شاء الله بأن يقبل الله تعالى الصوم من عباده، ويتولى جزاءه بنفسه، كما وعد سبحانه: {إن الله لا يخلف الميعاد}(آل عمران:9).

وقد صح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوة الصائم لا ترد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي وصححه الألباني.

والمراد بدعوة الصائم هنا دعاؤه حال صيامه أو عند إفطاره، قال الإمام المناوي في فيض القدير: "ومراده كامل الصوم الذي صان جميع جوارحه عن المخالفات، فيجاب دعاؤه لطهارة جسده بمخالفة هواه" والله أعلم.

42150 العشر الأواخر وليلة القدر

المقال

يقول الله تبارك وتعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة} (القصص:68)، وقد اختار سبحانه العشر الأواخر من شهر رمضان، من بين سائر أيام الشهر، وخصها بمزيد من الفضل وعظيم الأجر.

فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) رواه مسلم.

وكان يُحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر) رواه مسلم.

فكان يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذِكْر، حرصاً على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة، قال ابن رجب: "ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه".

وشد المئزر هو كناية عن ترك الجماع واعتزال النساء، والجِدِّ والاجتهاد في العبادة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الاعتكاف فيها حتى قُبض، ففي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده).

وما ذلك إلا تفرغاً للعبادة، وقطعاً للشواغل والصوارف، وتحرياً لليلة القدر، هذه الليلة الشريفة المباركة، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، فقال سبحانه: {ليلة القدر خير من ألف شهر} (القدر:3).

في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء، والآجال والأرزاق، قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (الدخان:4).

وقد أخفى الله عز وجل علم تعييين يومها عن العباد؛ ليُكْثِروا من العبادة، ويجتهدوا في العمل، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها، ومن كان عاجزاً مفرطاً؛ فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه.

هذه الليلة العظيمة يُستحب تحريها في العشر الأواخر من رمضان، وهي في الأوتار أرجى وآكد، فقد ثبت في "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)، وهي في السبع الأواخر أرجى من غيرها، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) رواه البخاري.

ثم هي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) رواه أبو داود.

فاحرص أخي المسلم على الاقتداء بنبيك صلى الله عليه وسلم، واجتهد في هذه الأيام والليالي، وتعرَّض لنفحات الرب الكريم المتفضل، عسى أن تصيبك نفحة من نفحاته لا تشقى بعدها أبداً، وأكثر من الدعاء والتضرع، خصوصاً الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني) رواه أحمد وغيره.

45686 من أخطاء النّساء في رمضان

المقال

جاءت توجيهات الشرع الحنيف شاملة للرجال والنساء تحثهم على اغتنام شهر رمضان في العبادات والطاعات والقربات إلى الله تعالى، وعدم تضييع هذا الشهر فيما لا يُقرِّب إلى الله من الأعمال. ومما يؤسف له أن بعض النساء لا يفقهن المراد من شهر الصيام سوى الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، ثم هن بعد ذلك يقعن في بعض الأخطاء التي ينبغي الاحتراز منها، والابتعاد عنها، ومن تلك الأخطاء:

أولاً: ضياع أوقات كثير من النساء بالنهار في إعداد الطعام، والتفنن في الموائد والمأكولات والمشروبات، حيث تقضي المرأة معظم نهارها في المطبخ، ولا تنتهي من إعداد هذه الأطعمة إلا مع أذان المغرب، فيضيع عليها اليوم دون ذِكْر أو عبادة أو قراءة للقرآن، وينبغي على الأخت المسلمة أن تحفظ وقتها في هذا الشهر الكريم، وأن تقتصد في الطعام والشراب فتصنع ما لا بد منه وتكتفي بصنف أو صنفين، وأن تتعاون النساء في البيت الواحد بحيث تعمل واحدة وتتفرغ الأخرى للعبادة والذكر وتلاوة القرآن.

ثانياً: ضياع الأوقات بالليل في الزيارات التي قد تمتد لساعات متأخرة من الليل وربما إلى قبيل الفجر، أو الانشغال بمتابعة القنوات والبرامج التلفزيونية، فتقضي المرأة معظم ساعات الليل في مشاهدة ذلك، وكان الأولى بها أن تحيي ليلها بعبادة الله وذكره وشكره وتلاوة كتابه. 

ثالثاً: خروج بعض النساء إلى المسجد لصلاة العشاء والتراويح بلباس الزينة مع التعطر والتطيب مع ما في ذلك من أسباب الفتنة والإثم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما امرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) رواه مسلم، ويقول: (أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية) رواه أحمد.

رابعاً: الاختلاط الذي يحصل بين النساء والرجال عند الخروج من المسجد بعد صلاة التراويح، ما قد يتسبب في حصول الفتنة، والواجب عليهن أن يبادرن بالخروج قبل الرجال، ولا يمشين إلا في حافة الطريق وجوانبها، فهو الأستر والأحفظ لهن، وقد قال صلى الله عليه وسلم للنساء لما رآهن مختلطات بالرجال في الطريق: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) رواه أبو داود.

خامساً: فتور بعض النساء عن العبادة حال الحيض والنفاس، فتظن أنها في رخصة من كل أنواع العبادة التي تقربها إلى الله جل وعلا، مع أنه يمكن للحائض أن تؤدي كثيراً من الطاعات حال حيضها كالمداومة على الذكر والدعاء، والصدقة، وقراءة الكتب النافعة، والتفقه في الدين، بل لها أن تقرأ القرآن على القول الصحيح دون مس للمصحف، إلى غير ذلك من الأمور التي ينبغي أن تحرص عليها الأخت المسلمة.

سادساً: الانشغال في العشر الأواخر من رمضان بالتجهيز للعيد، والتجوال في الأسواق ومحلات الخياطة لشراء الملابس، وهو خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها، ويمكن للمرأة شراء حاجاتها وحاجات أولادها قبيل شهر رمضان، أو في الأيام الأولى منه بحيث تتفرغ تفرغاً تاماً إذا دخلت العشر.

سابعاً: من الأخطاء أن بعض النساء قد تطهر قبيل الفجر، ولا تتمكن من الغسل لضيق الوقت، فتترك الصيام بحجة أن الصبح أدركها قبل أن تغتسل، مع أن الواجب عليها أن تصوم ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لأن الطهارة ليست شرطاً لصحة الصوم.

ثامناً: إنكار البعض على بناتهم إذا أردن الصيام بحجة أنهن صغيرات، وقد تكون الفتاة من اللواتي بلغن سن المحيض، فإذا أرادت الصيام منعها أهلها من غير أن يسألوها عن مجيء الحيض أو لا، فقد تكون بلغت سن التكليف الذي يجب فيه الصوم وهم لا يعلمون بذلك.

تاسعاً: خروج كثير من النساء إلى الأسواق مع السائق الأجنبي ومن غير محرم، وقد يخالطن الباعة، فتحصل الخلوة المحرّمة، التي تقود إلى أمور لا تحمد عقباها، فعلى المرأة الشّريفة العفيفة أن تتجنّب مواطن الريبة، وأن تبتعد عن أماكن الاختلاط ونظرات العابثين، وأن تلتزم بلباس الحشمة والحياء حتى لا يطمع فيها طامع، أو يتطلع إليها فاسد، وقد قال تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} (الأحزاب:33).

43692 الأعذار المبيحة للفطر

المقال

رَفْعُ الحرج وعدم إلحاق الضرر والمشقة بالمُكَلَّف من المقاصد الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية، وتظافرت عليها أدلة الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (البقرة:185)، ويقول سبحانه: (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:28)، ويقول عز وجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج:78)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد، وفي رواية: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه البيهقي وغيره.

وقد قرر أهل العلم استناداً إلى هذه النصوص عدداً من القواعد الفقهية، التي تفيد رفع الحرج وإزالة الضرر والمشقة عن المكلف؛ من ذلك قولهم: "المشقة تجلب التيسير"، وقولهم: "الضرر مدفوع شرعاً"، وقولهم: "الأمر إذا ضاق اتسع"، ونحو ذلك مما أصَّله الفقهاء في قواعدهم الفقهية.  

وصيام رمضان وإنْ كان فرضاً على كل مُكَلَّف عاقل بالغ، إلا أن هناك بعض العوارض والأعذار التي قد تطرأ على المكلف، فتصرف عنه حكم الوجوب، ويباح له الفطر حينئذ، وربما وجب في حقه كما في حالات معينة، وهذه العوارض هي ما يُعرف بـ "رُخَص الفطر" أو "الأعذار المبيحة للفطر" ومنها:

أولاً: المرض
والمرض تغيُّر يطرأ على الإنسان يُخرجه عن طبيعته السوِّية، وهو من الأعذار المبيحة للفطر؛ لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، وضابط المرض المبيح للفطر هو المرض الذي يخاف معه الضرر والهلاك، أو يلحقه به مشقة شديدة تزيد في مرضه، أو تؤخر بُرْءه وشفاءه، فهذا هو الذي يجوز الفطر معه، ويقضي ما أفطره عند زوال عذره، أما المرض الذي لا يلحق الصائم معه ضرر أو مشقة، فلا يرخص له في الفطر.

ثانياً: الكِبَر 
الشيخ الكبير والمرأة العجوز يُرَخَّص لهما في الفطر، لعدم القدرة على الصيام، ولا قضاء عليهما إذا كان الصيام يشق عليهما مشقة شديدة في جميع فصول السنة، وعليهم أن يُطعموا عن كل يوم مسكيناً، لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)(البقرة:184)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الآية ليست منسوخة، وهي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا"، ومثلهما المريض مرضاً لا يرجى بُرْؤه، ويشق عليه الصوم، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

ثالثاً: الحمل والرضاعة
اتفق الفقهاء على أنه يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على نفسيهما، أو ولديهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم) رواه النسائي وغيره، ويجب عليهما قضاء ما أفطرتا من أيام أُخَر، حين يتيسر لهما ذلك، ويجب التنبه هنا أن مجرد الحمل والرضاعة لا يبيحان الفطر في رمضان، وإنما الذي يبيح الفطر هو خوف الحامل والمرضع على نفسها أو ولدها.

رابعاً: السفر
المسافر إذا لم يقصد بسفره التحَيُّل على الفطر، فإنه يرخص له فيه، لقول الله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر) (البقرة:184)، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: (إن الله وضع عن المسافر الصوم)، والسفر المبيح للفطر هو السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة الرباعية، ويجب عليه القضاء بعد ذلك، وهو مُخَيَّر في سفره بين الصوم والفطر، لقول أنس رضي الله عنه كما في "الصحيحين": (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فلم يعِب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم)، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كانوا يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، وأن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسن).

خامساً: دفع ضرورة
يرخص الفطر - وربما يجب - لدفع ضرورة نازلة، كإنقاذ غريق، أو إخماد حريق، ونحو ذلك، إذا لم يستطع الصائم دَفْع ذلك إلا بالفطر، ويلزمه قضاء ما أفطره، ودليل ذلك عموم الأدلة التي تفيد رفع الحرج، ودفع الضرر، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومثله ما لو احتاج إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله، وقتال العدو، فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العدو، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "سافَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ ونحنْ صيام، فنَزلْنا منْزلاً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم) فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: (إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا) وكانت عَزَمَة، فأفطرنا".

هذه هي أهم الأعذار المبيحة للفطر شرعها الرؤوف الرحيم بعباده؛ رفعاً للحرج والعنت عن العِباد، ودفعاً للضرر والمشقة عنهم، منها ما يُلْزم صاحبها بقضاء الأيام التي أفطرها كما في حق المسافر، والمرضع، والحامل، والمريض مرضاً يُرجى شفاؤه، ومنها ما لا يلزمه قضاء تلك الأيام كما في حق الكبير، والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه، وإنما تلزمهم الفدية فحسب، وهي إطعام مسكين عن كل يوم أفطروه، وأما الفطر في رمضان من غير عذر، فهو من كبائر الذنوب، التي ورد الوعيد الشديد تجاه مرتكبها.  

45733 أخطاء في صدقة الفطر

المقال

صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ومسلمة، صغير وكبير، غنيٍّ ومن يملك قوت يومه. ومع أن المسلمين يحرصون كل الحرص على أداء هذه الفريضة، إلا أن بعضهم يقع في بعض الأخطاء عند أدائها، الأمر الذي يستدعي التنبيه إليها، وهي:

أولاً: تأخير صدقة الفطر إلى أن يخرج وقتها، كمن يُخرجها بعد صلاة العيد، والواجب إخراجها قبل الصلاة، وقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).

ثانياً: أن بعض الناس ربما وُلِد له مولود قبل غروب شمس ليلة العيد، ولكنه لا يُخرج عنه زكاة الفطر، مع وجوب الزكاة عليه، فإن زكاة الفطر تجب بغروب شمس ليلة العيد، بخلاف ما لو وُلِد بعد الغروب فلا يجب الإخراج عنه، وقد ورد عن بعض الصحابة أنه كان يخرجها عن الحمل الذي في بطن أمه، وهذا مستحب وليس بواجب.

ثالثاً: ومن الأخطاء أيضاً تكليف الناس فوق القَدْر الواجب عليهم، والقَدْر الواجب صاع من غالب قوت البلد، والمقصود بالصاع هو الصاع النبوي، ومقداره بالوزن كيلوان وأربعون جراماً من البُّرِّ الجيد، أما وزن غير البُّر فبحسبه. 

رابعاً: ظن البعض أنه إذا فاته إخراج الصدقة في وقتها المشروع، لأمر خارج عن إرادته، أنها تسقط عنه، والصواب أنه يُخْرجها ولو فات وقتها. 

خامساً: ظَنُّ البعض أن صدقة الفطر لا تجوز إلا بالبُّر، أو التمر، أو الشعير، مع أن بعض أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين أجاز إخراجها مالاً نقديًّا؛ وذلك بتقويم تلك الأصناف مالاً، وربما كان هذا أنفع للفقير.
 
سادسا: إخراجها بطريقة تشعر برغبته في التخلص منها لا الإخلاص فيها، فربما يَخرج ومعه قيمة صدقة الفطر فيوزعها على من لقي دون تحري المحتاجين والمتعففين، والمقصود بها إغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد، وسد حاجتهم ليشاركوا الموسرين فرحة العيد.

178229 فضل قراءة القرآن

المقال

جرى في الأمثال السائرة قولهم: "شرف العلم بشرف ما تعلّق به"، فكيف إذا تعلّقت العبادة بالقرآن العظيم؟: أشرف الكتب وأكملها، وقد أعلى الله مكانه، وأيّد بالحق سلطانه، أفصح كتبه كلاماً، وأحسنها نظاماً: {وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:41-42).

والارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم ارتباطٌ محكم وثيق، ففي أيّامه المباركة ولياليه الجليلة نزل الروح الأمين بالقرآن العظيم ليكون هدى للناس وفرقاناً، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:186).

وقد حثّ الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أن يكون لهم شأن مع القرآن الكريم، فيردوا حياضه، ويستروحوا في رياضِهِ، ويأنسوا بكَنَفِه، فها هو يخاطبهم في محكم كتابه، فيقول عز من قائل: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4).
قال الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "اقرأه على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه".

وقراءة القرآن الكريم عبادةٌ عظيمة، غَفَلَ عنها المتقاعسون عن الأجور؛ ذلك لعدم استشعارهم الأجور العظيمة التي تترتّب عليها، وفي هذا المقام يأتي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: {آلم} حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف)، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وكلّما قرأ المؤمن آيات الله تضاعفت حسناته، وامتلأت صحائف أعماله، وهذه هي التجارة الحقيقيّة مع الله عز وجل:{إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} (فاطر:35).

والمقصود بـ (التالين) لكتاب الله -كما ذكر العلماء- هم الذين يداومون على قراءته، واتباع ما فيه، حتى صار ذلك سمةً لهم وعنواناً، فمثل هؤلاء قد عقدوا مع الله عز وجل صفقةً رابحة،ً لن تكسد وتفسد، بل تجارة: "هي أجلُّ التجارات، وأعلاها، وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه".

وقراءة القرآن تشفع لصاحبها يوم القيامة، فقد روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقانٌ من طير صواف، تحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم. و(البطلة): هم السَحَرة، كما ذكر شرّاح الحديث.

ومن فضائل قراءة القرآن الأخرويّة: ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أحمد وأصحاب السنن عدا ابن ماجه.

والناس يتفاوتون ويتباينون في قدرتهم على قراءة القرآن ومهارتهم فيه، ومن ثَمَّ  كان لكل واحدٍ منهم فضلٌ وأجرٌ بحَسَبِه، مصداق ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه.

والحديث عن قراءة القرآن يقودنا إلى مسألة تدبّر آياته، والذي يعني أصالةً: تأمّل معانيه، والتفكر في حكمه، والتبصّر بما فيه من الآيات، وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82)، وقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} (ص:29)، وقوله سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24).

يقول الإمام ابن القيم: "وأما التأمل في القرآن، فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر".

وإنّ من الغبن أن ترى من يُجهد نفسه في قراءة القرآن في رمضان وفي غيره دون أن يَجعل للتدبّر قسطاً من يومه وليله، رغبةً في الاستكثار من الحسنات الواردة في حقّ التلاوة، وقد تناسى ما يُثمره التدبّر من تزكية للروح، وتهذيب للنفس، ورقيّ في مدارج الإيمان، ناهيك عن موافقة الطريقة النبويّة في القراءة. وقد ذُكر لعائشة رضي الله عنها أن أناساً يقرؤون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: "أولئك قرؤوا، ولم يقرؤوا، كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، فلا يمرّ بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله، ورغب إليه" رواه أحمد، قال محققو "المسند": صحيح لغيره. وقولها: (ليلة التمام) كأن المراد ليلة تمام الختمة والشروع في أخرى، أو المراد تمام رمضان، أو المراد تمام الليلة.

ولنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عبرةٍ، إذ يقول: (مَثَل الذي يقرأ القرآن كالأترجّة طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومَثَل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مُرّ، ولا ريح لها) متفق عليه، فقد أومأ هذا الحديث إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال قارئ القرآن من التدبّر، الذي يقوده إلى العمل الصالح، وهذه هي الثمرة الحقيقيّة لكل العبادات، سواءٌ ما كان منها في رمضان أو في غيره: علمٌ، وعمل، وتدبّر، تحصل منه الخشية، ويزداد المؤمن إيماناً، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان والعمل الصالح.

45687 أخطاء في العيد

المقال

العيد فرحة المؤمنين، بعد أن أتموا مناسك عبادتهم، والقلوب عندما يدخلها الفرح، تغفل عن هدي ربها، وتنسى سُنَّة نبيها، وقد يصل بها الأمر إلى ارتكاب ما لا يجوز شرعاً، ومن ثَمَّ كان العيد مَظِنَّة لارتكاب بعض المخالفات الشرعية، نشير إلى بعضها فيما يلي:

أولاً: أن بعض ضعاف الإيمان يفرحون بالعيد لانتهاء شهر رمضان والتخلص من العبادة فيه، وكأنها حِمْل ثقيل على ظهورهم، وهؤلاء على خطر عظيم، فإن العيد إنما يفرح به المؤمنون؛ لأن الله تعالى وفقهم لإكمال عدة الشهر، وإتمام الصيام، فيشكرون الله على هذه النعمة.

ثانياً: تهاون بعض الناس في أداء صلاة العيد، بسبب السهر طوال الليل، فيَحْرم نفسه من الأجر المترتب على شهود الصلاة ودعاء المسلمين.

ثالثاً: ترك سنة التكبير في ليلة العيد ويومه قبل الصلاة مع الأمر به في القرآن، يقول سبحانه: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} (البقرة:185).

رابعاً: تفريط بعض الآباء في إخراج أهله وأولاده لصلاة العيد مع ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء على حضور هذه الصلاة حتى الحُيَّض وذوات الخدور، ليشهدن الخير ودعوة المسلمين. 

خامساً: التكبير الجماعي بصوت واحد، أو الترديد خلف شخص، وإحداث صيغ للتكبير غير مشروعة.

سادساً: اعتقاد البعض مشروعية إحياء ليلة العيد بالقيام، ويتناقلون في ذلك حديثاً لا يصح، وهو أن (من أحيا ليلة العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)، والصحيح أنه لا يُشرع تخصيص ليلة العيد بالقيام من بين سائر الليالي، وأما من كانت عادته القيام في سائر الليالي فلا حرج أن يقوم ليلة العيد.

سابعاً: تخصيص يوم العيد لزيارة المقابر والسلام على الأموات.

ثامناً: اختلاط الرجال بالنساء في بعض المصليات والشوارع، ما قد يجر إلى الفتنة ووقوع المحظور، والذي ينبغي في صلاة العيد أن تخصص أبواب ومسارات خاصة للنساء، وأن يتأخّر خروج الرجال حتى ينصرف النساء.

تاسعاً: التوسع في المباحات من لبس وأكل وشرب حتى يتجاوز الأمر إلى الإسراف في ذلك، والله جل وعلا يقول: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (الأعراف:31).

عاشراً: خروج بعض النساء إلى الصلاة متجملات متعطرات، مظهرات لبعض الزينة، وفي ذلك من الإثم والفتنة والخطر العظيم ما لا يخفى، فهن وإن كن أمرن بالخروج إلى المصلى، إلا أنهن أمرن أن يخرجن تفلات -أي: غير متطيبات-. ويلحق بالطيب سائر ما يدعو إلى الفتنة، كالزينة الظاهرة والتكسر في المشي، وغير ذلك.

حادي عشر: وقوع كثير من الناس في أيام الأعياد في بعض المخالفات الشرعية كسماع الغناء، ومشاهدة المناظر المحرمة، وتبرج النساء، وغير ذلك، بحجة أن هذا اليوم يوم فرح وسرور، والواجب أن يفرح المسلم في هذه الأيام بما أحل الله من المباحات والطيبات، وأن يشكر الله على إتمامه نعمة الصيام بطاعته والتزام أمره ونهيه.

197065 الصوم وحفظ اللسان

المقال

قال الإمام النووي في كتابه "الأذكار": "اعلم أنه لكل مكلف أن يحفظ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركُه في المصلحة، فالسُنة الإِمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء".

وفي القرآن الكريم قوله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} (المؤمنون:3)، قيل من جملة ما قيل في معنى {اللغو} ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} (الفرقان:72). وقال تعالى محذراً من آفات اللسان: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق/18) وفي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً، أو ليصمت).
وفي "الصحيحين" قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وفيهما أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يَزِلُّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).

وروى الترمذي عن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: (أمْلك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك) قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وعند الترمذي أيضاً من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: ما من شيء أحق بطول سجن من اللسان.

وذكر الإمام النووي في "أذكاره" أن قسَّ بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا -وكانا من حكماء العرب- فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيتُه ثمانيةَ آلاف عيب، ووجدتُ خصلةً إن استعملتها سترت العيوب كلها، قال: ما هي: قال: حفظ اللسان.

ومن آفات اللسان الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، وإثارة النزعات العنصرية، والقبلية، والطائفية، والعرقية، والإقليمية، التي تفرق وحدة المجتمع، وتوهن عضد الأمة.

ومن آفاته أيضاً الكذب، والتحديث بكل ما يُسمع، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) رواه مسلم.

ومن آفاته الشماتة بالمسلم، واحتقاره، والسخرية منه، وشهادة الزور، والمـَنُّ بالعطية.

ومن أعظم آفات اللسان عامة، وفي شهر رمضان خاصة الغيبة، وهي كما قال عليه الصلاة والسلام: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه) رواه مسلم؛ والغيبة تضر بالصيام، وقد حُكي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن الغيبة تفطر الصائم، وتوجب عليه القضاء، وأخذ بهذا القول بعض أهل العلم، كالإمام الأوزاعي، وابن حزم.

وسواء كانت غيبة الغير في دينه أو دنياه، وفي خَلْقه أو خُلُقه، أو ماله أو لده، أو زوجه، أو أي شيء يمت إليه بصلة، وسواء كانت باللفظ، أو بالإشارة، أو الرمز، فكل ذلك حرام في دين الله.

وعلى الجملة، فكل قدح في الغير مما يكرهه لا يحل، وهو من الغيبة، وهي درجات: فبعضها أعظم من بعض، بحسب من تُكِلِّم فيه منزلة، وبحسب الدافع لها، والحامل عليها، وبحسب المقالة التي قيلت فيه؛ فمن اغتاب إنساناً في دينه، فهذا أعظم من القدح في لون ثوبه، أو طريقة مشيه.

والعجب أن أمر الغيبة قد هان على كثير من الناس، وخف وقعها عليهم، حتى إن الكبير والصغير، والعالم والجاهل يعملها ويكررها، ولا يأنف، ولا يستنكف، ولا يتردد في أمرها.

فيتوجب على الصائم أن يحفظ صومه، وأن يتقي الله في لسانه وجوارحه كافة، وأن يحرص كل الحرص على أن لا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) رواه أحمد وغيره.

ولأن اللسان خلق للكلام، فلا شيء يحمي من زللـه مثل إشغاله بالقول المعروف، والقول السديد، والقول الحسن، كالذكر، والقرآن، والتسبيح، والكلام الطيب مع الناس، كالثناء عليهم باعتدال، والدعاء لهم، وذكر محاسنهم، وتطيب نفوسهم، وتقديم الخبرة والمشورة والتجربة والنصيحة لهم، وما شاكل هذا من المعاني الخيرة، التي تعود على صاحبها بالنفع والخير، وعلى المجتمع بالتواصل والترابط، وقد قال تعالى: {وقولوا للناس حسنا}(البقرة:83) وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلت: وفيك)، رواه البخاري في "الأدب المفرد".

42148 فضائل القيام

المقال

قيام الليل من أفضل الطاعات، وأجَلِّ القربات، وهو سُنة في سائر أوقات العام، ويتأكد في شهر رمضان المبارك، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالحث عليه، والترغيب فيه، وبيان عظيم شأنه وثوابه عند الله عز وجل.

فقد مدح الله أهل الإيمان بجملة من الخصال والأعمال، وكان من أخص هذه الأعمال قيامهم الليل، قال تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة:15-17). ووصف الله عباده بقوله: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} (الفرقان:64). ووصف المتقين بكثرة صلاتهم بالليل، واستغفارهم بالأسحار، فقال سبحانه: {إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} (الذاريات:15).. ولِما لصلاة الليل من شأن عظيم في تثبيت الإيمان، والقيام بالأعمال الجليلة، وتحمل أعباء الدعوة وتكاليفها، فقد أمر الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام، فقال: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلا} إلى أن قال: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً} (المزمل:1-6).

وجاءت في السُنة النبوية أحاديث كثيرة تبين فضائل قيام الليل، من ذلك أن قيام الليل عادة الصالحين في جميع الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقُربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم) أخرجه الحاكم.

وهي أفضل صلاة بعد الفريضة، فقد ثبت في "صحيح مسلم" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل)، وقال أيضاً: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) رواه الترمذي.

وهي من أعظم أسباب إجابة الدعاء، والفوز بالمطلوب، ومغفرة الذنوب، فقد روى أبوداود عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: (جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة)، وقال كما في "صحيح مسلم": (إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه).

وصلاة الليل من موجبات دخول الجنة، وبلوغ الدرجات العالية فيها، فقد روى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابَع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام).

فاحرص -أخي المسلم- على أن يكون لك ورد من صلاة الليل، ولو قليلاً بالقدر الذي ينفي عنك صفة الغفلة، فقد قال صلى الله عليه وسلم، كما عند أبي داود: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين) واحرص على صلاة التراويح في هذا الشهر الكريم، ولا تنصرف حتى ينصرف الإمام، ليحصل لك أجر قيام الليل كله، قال صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة) رواه الترمذي.

تسجيل الخروج

هل أنت متأكد أنك تريد تسجيل الخروج من حسابك؟

سجّل دخولك للاستفادة من المميزات

تنويه حول الإجابات المختصرة

تم إنشاء هذا الملخص بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لأغراض إرشادية فقط. يُرجى الرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة واكتمال التفاصيل.

شارك الفتوى عبر مواقع التواصل الإجتماعي